Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (١١٧٨) هَذا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرَ هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَظْهَرْ وجَعَل قبلته إلى القدس، وجَعَل له ثلاثة أبواب: باباً في مؤخره، وباباً يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذي يُدْعَى باب العاتكة، والثالث: الذي يدخل منه - عليه الصلاة والسلام - وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجَعل طول الجدار قامة وبسطة، وعَمَده الجذوع، وسقفه جريداً، فقيل له: ألا تُسَقُّفه، فقال: عَرِيش كعريش موسى، خُشيبات، وتمام الأمر أعجل من ذلك. وفي ((الصحيح)) عن ابن عمر ظها أن المسجد كان على عهد رسول الله وعليه مبنياً باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد النبيّ وَ﴿ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشباً، ثم غَيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة، والقَصَّة، وجَعَل عَمَده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. وفي ((الإكليل)): ثم بناه الوليد بن عبد الملك في إمرة عمر بن عبد العزيز، وفي ((الروض)): ثم بناه المهديّ، ثم زاد فيه المأمون، ثم لم يبلغنا تغيره إلى الآن، ذكره في ((العمدة))(١). (وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً) أي بَنَوا جانبي الباب بحجارة، و((العضادتان)) - بكسر العين المهملة، وتخفيف المعجمة -: تثنية عِضَادة، وهي الخشبة التي على جانب الباب، ولكل باب عضادتان، وأعضادُ كلِّ شيء ما يَشُدُّ جوانبه، قاله في ((الفتح)). وفي ((العمدة)): ((العِضَادة)) بكسر العين، قال ابن التيانيّ في ((الموعب)): قال أبو عمر: هي جانب الحوض، وعن صاحب ((العين)): أعضادُ كل شيء ما يَشُدُّه من حواليه، من البناء وغيره، مثال عِضَاد الحوض، وهي صفائح من حجارة، يُنْصَبْن على شَفِيره، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يُطَبَّق الباب، إذا أُصفق، وفي ((التهذيب)) للأزهريّ: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله، وزاد القزاز: فوقهما العارضة. انتهى(٢). (قَالَ) أنس ◌َظُهُ (فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ) أي يقولون الرجز، ويتعاطونه، (١) ((عمدة القاري)) ٢٦٢/٤ - ٢٦٣. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٦٣/٤. ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة و ((الرجَز)) - بفتحتين -: نوعٌ من أوزان من الشعر معروفٌ، أجزاؤه ((مستفعلن)) ستّ مرّات، ورَجَز الرجل يَرْجُز، من باب نصر: إذا قال شعر الرجز، وارتجز مثله، وقد اختَلَفَ العروضيون، وأهل الأدب في الرجز، هل هو شعر أم لا؟، والصحيح أنه شعر، وسيأتي تمام البحث فيه قريباً - إن شاء الله تعالى -. (وَرَسُولُ اللهِنَّ﴿ مَعَهُمْ) جملة حاليّة من فاعل (يرتجزون))، أي والحال أنه وَلّ مصاحب لهم في نقل الحجارة، والارتجاز. وقال القرطبيّ تَُّ: ليس فيه دليلٌ راجحٌ على أن النبيّ وَّ كان المنشد، بل الظاهر منهم أنهم هم كانوا المرتجزين بحضرة النبيّ وَ لّر، فإن الواو للحال، و(رسول الله)) مبتدأ، و((معهم)) خبره، والجملة في موضع الحال، هذا هو الظاهر. ويَحْتَمِلُ أن يكون معطوفاً على المضمر في ((يرتجزون)). انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، يؤيّده ما وقع في بعض الرواية: ((وهو يرتجز معهم))، وفي حديث البراء ظُه قال: رأيت النبيّ وَي يوم الخندق، وهو ينقل التراب ... وفيه: ((وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة))، متّفق عليه، فدلّ على أنه وَّ كان يرتجز بنفسه، ويُنشد شعر غيره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَهُمْ يَقُولُونَ) جملة حاليّة أيضاً، فالحالان إما متداخلان، ولا خلاف فيه، أو مترادفان، وفيه خلاف، وقد تقدّم تحقيقه، وفي رواية البخاريّ في ((الصلاة: ((وهو يقول))، فالضمير للنبيّ وَّ، وفي رواية له في ((الهجرة)) من طريق الزهريّ: وَطَفِقَ رسول الله وَّهِ ينقل معهم اللبِنَ في بنيانه، ويقول، وهو ينقل اللبِنَ : هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَظْهَرْ ويقول : اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ فَارْحَم الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ (اللَّهُمَّ) معناه: يا اللهُ، وقال البصريّون: اللهمّ دعاء بِجْمِيع أسمائه؛ إذ (١) ((المفهم)) ١٢٤/٢. ٨٣ (١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَلِّ - حديث رقم (١١٧٨) الميم تُشعر بالجمع، كما في ((عليهم))، وقال الكوفيون: أصله اللهُ أُمَّنا بخير، أي اقصِدْنا، فخُفِّف، فصار اللهم (إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَة) وفي رواية أبي داود: ((اللهم إنّ الخير خير الآخرة)) (فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ) هكذا رواية المصنّف ((فانصر))، وهي رواية البخاريّ في ((الهجرة))، ورواية أبي داود أيضاً، ووقع في رواية للبخاريّ: ((فاغفر للأنصار)) قال في ((العمدة)): كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي، والحمويّ: ((فاغفر الأنصارَ)) بحذف اللام، ووجهه أن يُضَمَّنَ (اغْفِرْ)) معنى ((استُرْ))، و((الأنصار)): جمع نَصِير، كأشراف جمع شريف، والنصير الناصر، مِن نَصَره الله على عدوّه ينصره نصراً، والاسم النُّصْرة بالضمّ، وسُمُّوا بذلك؛ لأنهم آووا النبيّ وََّ، وعزّروه، ونصروه، واتّبعوا النور الذي أُنزل معه څ. (وَالْمُهَاجِرَهْ) أي الجماعة المهاجرة، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية؛ محبةً فيه، وطلباً للآخرة. والهجرةُ في الأصل من الْهَجْرِ ضِدّ الوصل، وقد هَجَره يَهْجُره هجراً، من باب نصر، وهِجْراناً: إذا قطعه، وترك وصله، ثم غَلَب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال منه: هاجر مُهاجرةً. وقال الكرمانيّ: واعلم أنه لو قُرئ هذا البيت بوزن الشعر ينبغي أن يوقف على ((الآخرة))، و((المهاجرة))، إلَّا أنه قيل: إنه قرأهما بالتاء متحركة خروجاً عن وزن الشعر. انتهى. وتعقّب الحافظ كلام الكرمانيّ هذا بأنه لم يذكر مستنده، وبأن قوله في رواية البخاريّ في ((الهجرة)): ((فتمثل بشعر رجل من المسلمين))(١)، أي فإن كونه شعراً ينافي قراءته بتحريك التاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رَّ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (١) راجع: ((الفتح)) ٢٩/٧. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٧٨/١ و١١٧٩ و١١٨٠] (٥٢٤)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٣٤)، و((الصلاة)) (٤٢٨ و٤٢٩)، و((فضائل المدينة)) (١٨٦٨)، و ((البيوع)) (٢١٠٦)، و((الوصايا)) (٢٧٧١ و٢٧٧٤ و٢٧٧٩)، و((مناقب الأنصار)) (٣٩٣٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤٥٣ و٤٥٤)، و(الترمذيّ) فيها (٣٥٠)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٣٩/٢ - ٤٠)، و(ابن ماجه) فيها (٧٤٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١١/٣ - ٢١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٢٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤١٨٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٧٧ و١١٧٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٥٩ و١١٦٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٨/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٧٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ابتداء بناء المسجد النبويّ. ٢ - (ومنها): جواز الإرداف، وذلك إذا كانت الدابة تطيق ذلك. ٣ - (ومنها): مشروعيّة الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. ٤ - (ومنها): جواز الْتِفَاف المرؤوسين حول رئيسهم؛ احتراماً له. ٥ - (ومنها): أن للرئيس أن يخصّ بعض قومه بالنزول عنده، إذا كان قريباً له؛ تقديماً لحقّ القرابة. ٦ - (ومنها): استحباب المبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها في أيّ مكان حضرت. ٧ - (ومنها): جواز الصلاة في مرابض الغنم، وقد أخرج الترمذيّ عن أبي هريرة ربه قال: قال رسول اللهِ وَله: ((صَلَّوا في مرابض الغنم، ولا تُصَلوا في أَعْطان الإبل))، وقال: حسنٌ صحيح. ٨ - (ومنها): بيان طهارة أبعار الغنم وأبوالها، وهو القول الراجح، وقد تقدّم تحقيقه في (كتاب الطهارة))، وبالله تعالى التوفيق. ٩ - (ومنها): استحباب المبادرة ببناء المسجد قبل بناء المنازل. ١٠ - (ومنها): مشروعيّة بيع الأرض وشرائها، ومنع اغتصابها . ٨٥ (١) - بَابُ ابْتِتَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَّارِه - حديث رقم (١١٧٨) ١١ - (ومنها): جواز التبرّع الله تعالى بما يملكه من الأراضي. ١٢ - (ومنها): جواز نبش القبور الدارسة، وأنه إذا أُزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم، جازت الصلاة في تلك الأرض، وجاز اتخاذ موضعها مسجداً إذا طُيِّت أرضه. ١٣ - (ومنها): أن الأرض التي دُفِن فيها الموتى، ودَرَسَت يجوز بيعها، وأنها باقية على ملك صاحبها، وورثتِهِ من بعده إذا لم توقف، قاله النوويّ دَّثُ . وقال في ((العمدة)): فيه جواز نبش قبور المشركين؛ لأنه لا حرمة لهم، ويجوز نبش عظامهم، ونقلها من الأرض؛ للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك. [فإن قلت]: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختصّ بمن دُفن فيه، فقد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه؟. [قلت]: تلك القبور التي أَمَر النبيّ وَّه بنبشها لم تكن أملاكاً لمن دُفِن فيها، بل لعلها غُصِبت، فلذلك باعها مُلّكها، وعلى تقدير التسليم أنها حُبِسَت فليس بلازم، إنما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار، ولهذا قال الفقهاء: إذا دُفِن المسلم في أرض مغصوبة يجوز إخراجه، فضلاً عن المشرك. وقد يجاب بأنه دَعَت الضرورة، والحاجة إلى نبشهم فجاز. [فإن قلت]: هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار؛ لِيُتَّخَذ مكانها مساجد؟. [قلت]: أجاز ذلك قومٌ، محتجين بهذا الحديث، وبما رواه أبو داود: أن النبيّ وَِّ قال: ((هذا قبر أبي رِغَال، وهو أبو ثَقِيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يُدْفَع عنه، فلما خَرَج أصابته النِّقْمَة، فدُفن بهذا المكان، وآية ذلك أنه دُفِن معه غُصْن من ذهب، فابتدر الناس، فنبشوه، واستخرجوا الغصن))(١). قالوا: فإذا جاز نبشها لطلب المال، فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، (١) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود برقم (٣٠٨٨) وفي سنده بُجير بن أبي بُجير: مجهول. ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وليست حرمتهم موتى بأعظم منها، وهم أحياء، بل هو مأجور في ذلك. وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون، والشافعيّ، وأشهب بهذا الحدیث. وقال الأوزاعيّ: لا يُفْعَل؛ لأن رسول الله لما مَرّ بالحجر قال: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظَلَموا إلَّا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم))، متّفقٌ عليه، فنهى أن يدخل عليهم مساكنهم، فكيف قبورهم؟ وقال الطحاويّ: قد أباح دخولها على وجه البكاء. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي جواز نبش قبور المشركين عند الحاجة؛ لحديث الباب، ولا يعارضه حديث: ((لا تدخلوا ... إلخ))؛ لأنه يُحمل على غير الحاجة، أو كان على وجه الغفلة، واللهو دون البكاء والخشية، والله تعالى أعلم. قال: [فإن قلت]: هل يجوز أن تُبْنَى على قبور المسلمين؟. [قلت]: قال ابن القاسم: لو أن مَقْبَرة من مقابر المسلمين عَفَت، فَبَنَى قوم عليها مسجداً، لم أر بذلك بأساً، وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا دَرَسَت، واستُغْنِي عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد أيضاً وقف من أوقاف المسلمين، لا يجوز تملكه لأحد، فمعناهما على هذا واحد. قال العينيّ: وذكر أصحابنا - يعني الحنفيّة - أن المسجد إذا خَرِب ودَثَر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عَفَت، ودَثَرت تعود ملكاً لأربابها، فإذا عادت ملكاً يجوز أن يَبْنِي موضع المسجد داراً، وموضع المقبرة مسجداً، وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في عودها إلى ملك أصحابها في هذه الحالة عندي نظر؛ بل الذي يظهر في مثل هذه الحالة أن تباع، ويُصرَف ثمنها في إنشاء محلّ مسجد، أو مقبرة في مكان ينتفع به المسلمون، والله تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): جواز قطع الأشجار المثمِرَة للحاجة والمصلحة؛ (١) ((عمدة القاري)) ٢٦٤/٤ - ٢٦٥. ٨٧ (١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَّه - حديث رقم (١١٧٨) لاستعمال خشبها، أو لِيُغرَس موضعها غيرها، أو لخوف سقوطها على شيء تُتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجداً، أو قطعها في بلاد الكفار، إذا لم يُرْجَ فتحها؛ لأن فيه نكايةً وغيظاً لهم، وإضعافاً وإرغاماً. قال ابن رجب تَخْذُهُ: وقد نصّ أحمد على جواز القطع إذا كانت في داره نخل وضيَّقت عليه، فلا بأس أن يقطعها . وكره جماعة قطع الشجر الذي يُثمر، منهم الحسن، والأوزاعيّ، وإسحاق، وكره أحمد قطع السدر خاصّةً؛ لحديث مرسل، ورد فيه (١)، وقال: قلّ إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا، ورخَّص في قطعه آخرون. (٢) انتھی(٢) . ١٥ - (ومنها): جواز الارتجاز، وقول الأشعار في حال الأعمال الشاقّة، والأسفار، ونحوها؛ لتنشيط النفوس، وتحريك الهمّة، وتشجيعها على معالجة الأمور الصعبة. قال في ((الفتح)): وذكر الزبير من طريق مُجَمِّع بن يزيد، قال قائل من المسلمين في ذلك [من الرجز]: ذَاكَ إِذاً لَلْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ ومن طريق أخرى عن أم سلمة طيّا نحوه، وزاد: قال: وقال عليّ بن أبي طالب رَّ ◌ُه [من الرجز]: لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا يَدْأَبُ فِيهَا قَائِماً وَقَاعِدَا وَمَنْ يُرَى عَنِ التّرَابِ حَائِدَا وقال القرطبيّ تَخْتُ: وهذا الحديث وشبهه يُستدلّ به على جواز إنشاد الشعر، والاستعانة بذلك على الأعمال، والتنشيط. قال: ومن هنا أخذت الصوفيّة إباحة السماع، غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك، وتَعَدَّوا فيه الوجه الجائز، وتذرّعوا بذلك إلى استباحة المحرّمات من أصناف الملاهي، كالشّبابات، والطارات، والرقص، وغير ذلك، وهذه أفعال (١) حديث ضعيف للاضطراب فيه. (٢) ((فتح الباري)) لابن رجب تخذتُ ٢١٤/٢. ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة الْمُجّان، أهل البطالة والفسوق المدخلين في الشريعة ما ليس منها - أعاذنا الله تعالى من ذلك بمنّه. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّتُهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ١٦ - (ومنها): جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها، وإخراج ما فيها . ١٧ - (ومنها): أن ما ورد في كراهة البناء مختصّ بما زاد على الحاجة، أو لم يكن في أمر دينيّ، كبناء المساجد. ١٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ من التواضع، وكمال الخُلُق حيث ينقل الصخر والتراب معهم، ويُجيبهم في شعرهم. ١٩ - (ومنها): أن الخير كلَّ الخير هو خير الآخرة؛ لكونه لا ينقطع بخلاف خير الدنيا، فإنه سريع الزوال، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ اُلْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ اٌلْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿٨ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَبْقَ (٣)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، إلى غير ذلك من الآيات. ٢٠ - (ومنها): استحباب الدعاء بالنصر للمسلمين. ٢١ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): واحتجّ من أجاز بيع غير المالك بهذه القصّة؛ لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين. وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجّار فساومهما، وأشرك معهما في المساومة عمّهما الذي كانا في حجره. انتهى. ٢٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْتُ: وفي بنائه وَّ ر مسجده بالجذوع والجريد دليلٌ على ترك الزَّخْرفة في المساجد، والتأَنَّق فيها، والإسراف، بل قد ورد عنه ◌َسيلاز ما يقتضي النهي عن زخرفتها، وتشييدها، فقال: ((ما أُمرتُ بتشييد المساجد))، وقال ابن عبّاس: ((لتزخرفُنّها كما زَخرفت اليهود والنصارى)). (٢) انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: الحديث هذا أخرجه أبو داود في ((سننه)) بسند (١) ((المفهم)) ٢/ ١٢٤. (٢) ((المفهم)) ١٢٣/٢. ٨٩ (١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَِّ - حديث رقم (١١٧٨) قال: قال رسول الله صل: ((ما أُمرت بتشييد صحيح، عن ابن عباس المساجد))، قال ابن عباس: (لتزخرِفُنَّها كما زَخْرَفت اليهود والنصارى))(١). وقال البخاريّ في ((صحيحه)): ((باب بنيان المسجد))، وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أَكِنّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمِّر، أو تُصَفِّر، فتفتن الناس، وقال أنس: يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً، وقال ابن عباس: لتزخرفُنّها كما زخرفت اليهود والنصارى. انتهى. ٢٣ - (ومنها): ما قاله ابن رجب تَخُّْ: في الحديث دليلٌ على طهارة الأرض بالاستحالة؛ فإن النبيّ وَّر لم يأمرهم عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور، ولا تطهيرها، ولو فَعَل ذلك لما أهمل تعلّمه؛ للحاجة إليه، ويدلّ عليه أيضاً أن الصحابة ﴿ كانوا يخوضون الطين في الطرقات، ولا يغسلون أرجلهم، والنجاسات مُشاهدة في الطرقات، فلو لم تَظْهُر بالاستحالة لما سومح في ذلك، وهذا قول طائفة من العلماء من السلف، كأبي قلابة وغيره، ورجحه بعض الحنابلة، وهو رواية عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أن الأرض النجسة إذا جفّت، فإنه يصلي عليها، ولا يتيمّم بها، ومذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم أنها نجسة بكلّ حال. انتهى (٢). ٢٤ - (ومنها): ما قاله ابن رجب أيضاً: في الحديث دليلٌ على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح؛ فإن النبيّ وَّ طلب شراء هذا الْمِربد، وهذه المسألة على قسمين: [أحدهما]: أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه، ونقله كأهل الحرب، ومن دُفن في مكان مغصوب، فهذا لا شكّ في صحّة البيع للأرض كلّها، ويُنقل المدفون فيها، كما أمر النبيّ وَّ بنقل عظام المشركين. [والثاني]: أن يكون المقبور محترماً، لا يجوز نبشه، فلا يصحّ بيع موضع القبور خاصّةً، وهل يصحّ في الثاني؟ يُخرّج على الخلاف في تفريق (١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) برقم (٤٤٨). (٢) ((فتح الباري)) لابن رجب تخلفُ ٢١٢/٢. ٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الصفة. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل ينشد النبيّ وَل ◌ّ شعراً أم لا؟ قال النوويّ تَخْلُ: اختَلَف أهل العروض، والأدب في الرجز، هل هو شعر أم لا؟، واتفقوا على أن الشعر لا يكون شعراً إلا بالقصد، أما إذا جَرَى كلام موزون بغير قصد، فلا يكون شعراً، وعليه يُحْمَل ما جاء عن النبيّ وَل من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه وَله. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: اختَلَف أصحاب العروض، وعلم الشعر في أعاريض الرجز، هل هي من الشعر؟ الصحيح أنه من الشعر؛ لأن الشعر هو كلام موزون تُلْتَزَم فيه القوافي، والرجز كذلك، وأيضاً فإن قريشاً لَمّا اجتمعوا، وتراؤوا فيما يقولون للناس عن النبيّ وَّ*، فقال قائل: نقول: هو شاعر، فقالوا: والله لتكذّبنّكم العرب، قد عرفنا الشعر كلّه، هزجه، ورجزه، ومقبوضه، ومبسوطه، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر. وإنما أخرجه من جنس الشعر مَن أشكل عليه إنشاد النبيّ وَّر إياه، فقال: لو كان شعراً لَمَا عَلِمِه النبيّ وَّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتَهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على وجه الندور، لم يستحقّ اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنه يعلم الشعر، ولا يُنسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يُطلَق على الناس كلّهم أنهم شُعراء، ويعلمون الشعر؛ لأنهم لا يخلون أن يعرفوا كلاماً موزوناً مرتبطاً على أعاريض الشعر. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)) عند قول ابن شهاب بعد روايته حديث الباب: ((ولم يبلغنا أن النبيّ وَلِّ تمثّل ببيت شعر تامّ غير هذه الأبيات))، وزاد ابن عائذ في آخره: ((التي كان يرتجز بهنّ، وهو ينقل اللَّبِن لبناء المسجد)). قال ابن التين: أُنكر على الزهريّ هذا من وجهين : (١) ((فتح الباري)) لابن رجب تَّهُ ٢١٤/٢. (٢) ((شرح النووي)) ٨/٥. (٣) ((المفهم)) ١٢٣/٢ - ١٢٤. ٩١ (١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (١١٧٨) [أحدهما]: أنه رجزٌ، وليس بشعر، ولهذا يقال لقائله: راجزٌ، ويقال: أنشد رجزاً، ولا يقال له: شاعرٌ، ولا أنشد شعراً. [والوجه الثاني]: أن العلماء اختلفوا هل ينشد النبيّ ◌َ﴾ شعراً أم لا؟، وعلى الجواز هل ينشد بيتاً واحداً، أو يزيد؟ وقد قيل: إن البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظرٌ. انتھی. والجواب عن الأول أن الجمهور على أن الرجز من أقسام الشعر، إذا كان موزوناً، وقد قيل: إنه كان * إذا قال ذلك لا يُظْلِقِ القافية، بل يقولها متحركة التاء، ولا يثبت ذلك. وفي حديث سهل بن سعد ظُه في غزوة الخندق بلفظ: ((فاغفر للمهاجرين والأنصار)»، وهذا ليس بموزون. وعن الثاني بأن الممتنع عنه له إنشاؤه، لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلاً، وقول الزهريّ: ((لم يبلغنا)) لا اعتراض عليه فيه، ولو ثبت عنه وَ﴿ أنه أنشد غير ما نقله الزهريّ؛ لأنه نَفَى أن يكون بلغه، ولم يُظْلِقِ النفي المذكور، على أن ابن سعد رَوَى عن عفّان، عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن الزهريّ قال: لم يقل النبيّ وَ﴿ شيئاً من الشعر، قيل: قبله، أو يُرْوَى عن غيره إلا هذا، كذا قال، وقد قال غيره: إن الشعر المذكور لعبد الله بن رواحة، فكأنه لم يبلغه، وما في ((الصحيح)) أصحّ، وهو قوله: ((شعر رجل من المسلمین)). انتهى(١) . وقد ذكر العلامة أبو عبد الله القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩]: ما نصّه: إصابة الوزن أحياناً لا يوجب أنه يَعْلَم الشعر، وكذلك ما يأتي أحياناً من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حنين وغيره: وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعْ دَمِيتِ وقوله : أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُظَلِبْ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ (١) ((الفتح)) ٢٩١/٧. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعراً، ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ غَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقوله: ﴿وَحِفَانٍ كَالْجَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٣] إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكر ابن العربيّ منها آيات، وتكلم عليها، وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ)»: ليس بشعر. وقال الخليل في ((كتاب العين)): إنّ ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعراً، ورُوي عنه أنه من منهوك الرجز، وقد قيل: لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء، من قوله: ((لَا كَذِبْ))، ومن قوله: ((عَبْدٍ الْمُطَلِبْ))، ولم يُعْلَم كيف قاله النبيّ وَّهِ. قال ابن العربيّ: والأظهر من حاله أنه قال: ((لَا كَذِب)» الباء مرفوعة، وبخفض الباء من ((عبد المطلب)) على الإضافة. وقال النحاس: قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعراً؛ لأنه إذا فَتَحَ الباءَ من البيت الأول، أو ضمها، أو نوّنها، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر. وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر، وهذا مكابرة للعيان؛ لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره، وأما قوله: ((هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ)) فقيل: إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من ((دَمِيت))، فإن سكن لا يكون شعراً بحال؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، ولعل النبيّ وَّ قالها ساكنة التاء، أو متحركة التاء من غير إشباع. والمعوَّل عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويسقط الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبيّ ◌َ ﴿ عالِماً بالشعر، ولا شاعراً أن التمثل بالبيت النزر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالِماً بالشعر، ولا يُسَمَّى شاعراً باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطاً لا يكون خياطاً. قال أبو إسحاق الزجاج: معنى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾: وما علّمناه أن يَشْعُر، أي ما جعلناه شاعراً، وهذا لا يمنع أن يُنْشِد شيئاً من الشعر. ٩٣ (١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ بَّهِ - حديث رقم (١١٧٨) قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: إنما أخبر الله ◌َت أنه ما علّمه الله الشعر، ولم يُخبِر أنه لا ينشد شعراً، وهذا ظاهر الكلام. وقيل فيه قولٌ بَيِّنٌ زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من قال قولاً موزوناً لا يقصد به إلى شعر، فليس بشعر، وإنما وافق الشعر، وهذا قولٌ بَيِّنٌ، قالوا: وإنما الذي نفاه الله عن نبيه وهر فهو العلم بالشعر وأصنافه وأعاريضه وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفاً بذلك بالاتّفاق، ألا ترى أن قريشاً تراوضت فيما يقولون للعرب فيه، إذا قَدِموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يُشبه شيئاً منها، وما قوله بشعر، وقال أنيسٌ أخو أبي ذرّ: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر(١)، فلم يلتئم أنه شعر، أخرجه مسلم، وكان أنيس من أشعر العرب. وكذلك قال عتبة بن أبي ربيعة، لما كلّمه: والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر، وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء، واللُّسْنِ البلغاء. ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يُعَدُّ شعراً، وإنما يُعَدّ منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: ((حدّثنا شيخ لنا))، وينادي: ((يا صاحب الكسائي))، ولا يُعَدُّ هذا شعراً. انتهى كلام القرطبيّ ◌َثُهُ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب الأخير هو أحسن الأجوبة عندي، وحاصله أن الشعر المعنيّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهٍُ﴾ [يس: ٦٩] هو الذي يقع عن قصد، وأما ما يقع اتّفاقاً من غير قصد إليه، فلا يُعدّ شعراً، فما وقع في كلامه بَله موزوناً، وكان ما أنشده لغيره، وما وقع في الآيات القرآنية موافقاً لأوزان بعض البحور، فليس بشعر؛ لما أسلفناه، وبهذا يزول الإشكال، ويحسن المقال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) أقراء الشعر: أنواعه، وطرقه، وبُحوره. ٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضٍ الْغَنَمِ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الرد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظ متقنٌّ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع مَرْبِضٍ - بفتح الميم، وسكون الراء، وكسر الموحّدة -: مأوى الغنَم، قال الفيّوميّ تَخْتُ: الرَّبَضُ - بفتحتين - والْمَرْبِض، وزانُ مَجْلِسٍ للغنم: مأواها ليلاً، والرَّبض للمدينة ما حولها، قال ابن السِّكِّيت: والرَّبَضُ أيضاً: كلُّ ما أويت إليه من أُخت، أو امرأة، أو قرابة، أو غير ذلك، ورَبَضَت الدابّة رَبْضاً، من باب ضَرَب، ورُبُوضاً، وهو مثلُ بُرُوك الإبل. انتهى (١). وقال في ((العين)): الرّبَضُ: ما حول مدينة، أو قصر، من مساكن جُند، أو غيرهم، ومسكنُ كلّ قوم على حيالهم: رَبَضٌ، ويُجمع على أرباض. انتھی(٢). وقال النوويّ تَّلهُ: قال أهل اللغة: مرابض الغنم: هي مباركها، (١) ((المصباح المنير)) ٢١٥/١. (٢) ((العين)) ٢ /٩٠. ٩٥ (١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَّرُ - حديث رقم (١١٨٠) ومواضع مبيتها، ووَضْعِها أجسادها على الأرض للاستراحة، قال ابن دريد: ويقال ذلك أيضاً لكل دابة من ذوات الحوافر والسباع. واستَدَلّ بهذا الحديث مالك، وأحمد - رحمهما الله تعالى - وغيرهما ممن يقول بطهارة بول المأكول وروثه، وقد سبق بيان المسألة في آخر ((كتاب الطهارة» . قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق هناك ترجيح مذهبهما؛ لقوّة دليله، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وفيه أنه لا كراهة في الصلاة في مُرَاح الغنم، بخلاف أعطان الإبل، وسبقت المسألة هناك أيضاً. انتهى(١). وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والمعنى: قبل أن يبني ◌َّهر مع أصحابه مسجده الشريف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٨٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ(٢)، حَدَّثَنَا(٣) خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤ / ١٦٥. [تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في معظمها: ((حدّثنا يحيى بن يحيى))، قال النوويّ ◌َُّهُ: هكذا هو في (١) ((شرح النوويّ)) ٨/٥. (٢) وفي معظم النسخ: ((حدّثنا يَحْيَى بْنُ یحیی)). (٣) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة معظم النسخ (يحيى بن يحيى))، وفي بعضها: ((يحيى)) فقط غير منسوب، والذي في ((الأطراف)) لخلف أنه يحيى بن حبيب، قيل: وهو الصواب(١). قال الجامع عفا الله عنه: كونه ((يحيى بن حبيب)) هو الذي صرّح به الحافظ أبو نُعيم في ((مستخرجه)) (١٢٨/٢) فقال: ((رواه مسلم عن عُبيد الله بن معاذ، عن أبيه، وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث)). انتهى. وهو الذي مشى عليه الحافظ المزيّ في ((تحفة الأشراف)) (٤٣٦/١ - ٤٣٧) فقال: ((رواه مسلم عن يحيى بن حبيب بن عربيّ))، ولم يتعقّبه الحافظ في ((نكته))، وفي كلام النوويّ ما يدلّ على أنه الصواب، ولذا أثبتّه هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن خالد بن الحارث حدّث، عن شعبة بمثل حديث معاذ بن معاذ، عنه. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث هذه لم أجد من ساقها من طريقه، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٢) - (بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٨١] (٥٢٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِِ(٢) إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ (١) ((شرح النووي)) ٨/٥. (٢) وفي نسخة: ((مع رسول الله وَا﴾). ٩٧ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِيْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) وُجُوهَكُمْ شَطَرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ◌َهِ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِنَاسِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَحَدَّثَهُمْ (١)، فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ الأصل، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، اختلط بآخره [٣] (ت١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٤ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف دَّثُهُ، وهو (٦٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن أبا إسحاق مشهور بالتدليس، وقد عنعن هنا، لكنه صرّح بالسماع في رواية سفيان التالية، حيث قال: ((سمعت البراء))، فزال ما يُخشى منه من التدليس، ولله الحمد. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ . (١) وفي نسخة: ((فحدّثهم بالحديث)). ٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﴿هَا، قد تقدّم آنفاً أن أبا إسحاق قال في رواية سفيان التالية: ((سمعتُ البراء))، فانتفت تهمة التدليس عنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌ٌَّ) وفي نسخة: ((مع رسول الله وَّ)) (إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وفي رواية سفيان: ((نحو بيت المقدس))، أي جهته، و((المقدس)) - بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال ـ مصدر ميميّ، كالمرجع، أو اسم مكان من القُدْس، وهو الظُّهْر، أي المكان الذي يُطَهَّر فيه العابد من الذنوب، أو تُطَهَّر العبادة من الأصنام، وجاء فيه ضم الميم، وفتح القاف والدال المشددة، وهو اسم مفعول من التقديس، أي التطهير، وقد جاء بصيغة اسم الفاعل أيضاً؛ لأنه يُقَدَّس العابد فيه من الآثام، وفي ((العُباب)): القُدُس والقُدْس، مثال خُلُق وخُلْق: الطهر، اسم مصدر، ومنه حَظِيرة القدس، وروح القدس جبريلُلِّل*، قال الله تعالى: ﴿وَأَيَدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِنُ﴾ الآية [البقرة: ٨٧ و٢٥٣] وقيل له: روح القدس؛ لأنه خلق من الطهارة، قاله في ((العمدة))(١)، وقد تقدّم البحث في هذا بأتمّ مما هنا عند شرح حديث الإسراء، ولله الحمد والمنّة. (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً) هكذا رواية أبي الأحوص، عن أبي إسحاق: ((ستّة عشر شهراً)) بدون شكّ، ووقع في رواية سفيان التالية: ((ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً)) بالشكّ، وكذا وقع بالشكّ عند البخاريّ من رواية زُهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، قال في ((الفتح)): قوله: ((ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر)) كذا وقع الشكّ في رواية زهير هذه هنا - يعني في الإيمان - وفي ((الصلاة)) أيضاً، عن أبي نعيم عنه، وكذا في رواية الثوريّ عنده، وفي رواية إسرائيل عند البخاريّ، والترمذي أيضاً، ورواه أبو عوانة في ((صحيحه)) عن عمار بن رجاء وغيره، عن أبي نعيم، فقال: ((ستة عشر)) من غير شكّ، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص، وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك، ولأبي عوانة أيضاً من رواية عمار بن رُزيق - بتقديم الراء، مصغراً - كلهم عن أبي إسحاق، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس، وللبزار، (١) ((عمدة القاري)) ٢٤٢/١ - ٢٤٣. ٩٩ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِيْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) والطبرانيّ من حديث عمرو بن عوف: ((سبعة عشر))، وكذا للطبرانيّ عن ابن عباس. قال: والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون مَن جزم بستة عشر لَّفَّق من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً، وألغى الزائد، ومَن جزم بسبعة عشر عدَّهما معاً، ومن شكّ تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس. وقال ابن حبان: سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول. وشذَّت أقوال أخرى، ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: ((ثمانية عشر شهراً))، وأبو بكر سيئ الحفظ، وقد اضطَرَب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر، وفي رواية ستة عشر، وخرّجه بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في ((الروضة))، وأقرّه، مع كونه رَجَّح في شرحه لمسلم رواية ستة عشر شهراً؛ لكونها مجزوماً بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغَى شهري القدوم والتحويل. وقد جَزَم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة. ومن الشذوذ أيضاً رواية ثلاثة عشر شهراً، ورواية تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ورواية شهرين، ورواية سنتين، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول. فجملة ما حكاه تسع روايات. انتهى ما في ((الفتح))(١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً . (حَتَّى نَزَّلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ) أي في ((سورة البقرة))، وقوله: (﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]) بدل من ((الآيةُ))، قال الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أمر الله تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، (١) ((الفتح)) ١٢٠/١. ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة شرقاً وغرباً، وشَمالاً وجنوباً، ولا يُستثنى من هذا شيءٌ، سوى النافلة حال السفر، فإنه يصلّيها حيثما توجّه قالبه، وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئاً في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلّف نفساً إلا وسعها. انتهى(١). (فَتَزَلَتْ) أي هذه الآية الكريمة (بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ وَّهِ) أي صلاة الظهر؛ لأن أول صلاة صلّاها إلى الكعبة بعد التحويل هي العصر، كما بُيّنت في رواية البخاريّ، ولفظه: عن البراء قال: لَمّا قَدِم رسول الله وَّ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوْلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، فوجّه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر، ثم خرج، فَمَرّ على قوم من الأنصار، فقال: هو يشهد أنه صلى مع النبي ◌َّ وأنه قد وُجِّه إلى الكعبة، فانحرفوا، وهم ركوع في صلاة العصر. انتهى. فتبيّن بهذا أن قوله هنا: ((بعدما صلى النبيّ وَيُ)) يريد صلاة الظهر؛ لأن العصر صلّاها إلى الكعبة بعد التحويل. [تنبيه]: اختَلَفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء ظُبه هذا أنها العصر، وذكر محمد بن سعد في ((الطبقات)) قال: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أُمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبيّ ◌َ﴿ أم بشر بن البراء بن مَعْرور في بني سَلِمَة، فصنعت له طعاماً، وحانت الظهر، فصلى رسول الله وَ ل( بأصحابه ركعتين، ثم أُمر، فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسُمِّي مسجد القبلتين، قال ابن سعد: قال الواقديّ: هذا أثبت عندنا . وأخرج ابن أبي داود بسند ضعيف، عن عمارة بن رُوَيبة: كنا مع النبيّ في إحدى صلاتي العشيّ حين صُرِفت القبلة، فدار، ودُرْنا معه في ركعتين. (١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٧٦/١.