Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٧٥)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ وَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهد
[١١] (ت٢٤٥) (خ م د تُ س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ
حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ
مصنّفٌ شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) عن (٨٥) سنةً
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن معمراً حدّث عن الزهريّ بمثل حديث يونس،
والزُبيديّ كلاهما عنه.
[تنبيه]: حديث معمر هذا ساقه الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال:
(٧٥٧٦) حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن
المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلقال: (نُصرت
بالرُّغب، وأُعطيت جوامع الكلام، وبينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح خزائن
الأرض، فوُضِعت في يدي، فقال أبو هريرة: لقد ذهب رسول الله وَّر، وأنتم
تنتثلونها)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٧٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ،
وَبَيْنَمَا (١) أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحٍ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِ يَدَيَّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو يُونُسَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) هو: سُلَيم بن جُبير الدَّوْسيّ المصريّ،
ثقةٌ [٣] (١٢٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤.
والباقون ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ) وفي نسخة: ((وبينا أنا نائم))، وقد تقدّم البحث
عن (بينا))، و((بينما)) مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٧٧] (.) - (حَدَّثَنَا(٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا (٣)
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ
الْكَلِم))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّوٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
(١) وفي نسخة: ((وبينا)).
(٣) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
٦٣
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَلِّـ ـــ حديث رقم (١١٧٨)
والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ... إلخ) الإشارة إلى مجموع
الأحاديث التي جمعها همّام بن منبه، وكتبها عن أبي هريرة ظُه، وقد تقدم
البحث في هذا مستوفّى غير مرّة.
وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) أي ذكر همّام أحاديث كثيرة، وهي نحو (١٣٨)
حديثاً، وهذا الحديث هو: (٣٧) في ((الصحيفة))(١).
وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ ... إلخ) ((منها)) جارّ ومجرور خبر
مقدّم، وقوله: ((قال رسول الله (وَ ل)) مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) - (بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ نَّهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٧٨] (٥٢٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، كِلَاهُمَا
عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ
الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ فِي عُلْوِ
الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ(٢)، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً،
ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلَا بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ(٣)، قَالَ: فَكَأَنّي أَنْظُرُ
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى
أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ(٤) يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ،
وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدٍ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى مَلاَّ بَنِي
(١) راجع: ((صحيفة همام بن منبه)) ١/ ٣٧.
(٢) وفي نسخة: ((يقال: هم بنو عمرو بن عوف)).
(٣) وفي نسخة: ((متقلّدين سيوفَهُمْ)).
(٤) وفي نسخة: ((فكان نبيّ الله وَّ).
٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
النَّجَّارِ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا))، قَالُوا: لَا وَاللهِ لَا
نَطْلُبُ (١) ثَمَنَهُ إِلَّ إِلَى اللهِ، قَالَ أَنَسرٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ، كَانَ فِيهِ نَخْلٌ، وَقُبُورُ
الْمُشْرِكِينَ، وَخِرَبٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ
فَتُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، قَالَ: فَصَقُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً(٢)، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ
حِجَارَةً، قَالَ: فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة)
اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَةْ
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام المذكور في الباب
الماضي.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من
صغار [٩] (ت٢٣٦) عن بضع و(٩٠) سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) الْعَنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التُّّوريّ
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ الضُّبَعِيُّ) يزيد بن حُميد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته
[٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) الصحابيّ الشهير بظلاله، مات سنة (٢ أو٩٣) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْتُهُ، وهو أعلى ما وقع له من
الأسانيد، وهو (٦٧) من رباعيّات الكتاب، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له أبو داود، وابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ،
وشيبان أُبُليّ، وهي من قرى البصرة.
(١) وفي نسخة: ((ما نطلُبُ)).
(٢) وفي نسخة: ((قبلةً له)).
٦٥
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ نَّهِ - حديث رقم (١١٧٨)
٤ - (ومنها): أن فيه أنساً ظ له أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وهو معمّر، فقد جاوز عمره
مائة سنة، واشتهر بالخادم؛ لكونه خدم النبيّ وَ ﴿ عشر سنين، فدعا له بخيري
الدنيا والآخرة، فنال ذلك ظبه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي التَّيَّاح) بالمثنّاة الفوقيّة، وتشديد التحتانيّة (الضُّبَعِيِّ) بضم الضاد
المعجمة، وفتح الموحّدة: نسبة إلى ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن
صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، أبو قبيلة نزلت البصرة(١)، أنه (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ) وَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَدِمَ) بفتح القاف، وكسر الدال، يقال: قَدِمَ من
سَفَرِه يَقْدَم بفتح الدال، من باب تَعِبَ قُدُوماً، ومَقْدَماً بالفتح أيضاً: إذا
رجع (٢). (الْمَدِينَةَ) النبويّة، وهي في الأصل: المصر الجامع، ووزنها فَعِيلة؛
لأنها من مَدَنَ، وقيل: مَفْعِلَةٌ بفتح الميم؛ لأنها من دان، والجمع مُدُنٍّ،
ومَدَائنُ بالهمز على القول بأصالة الميم، ووزنها فَعَائلُ، وبغير همز على القول
بزيادة الميم، ووزنها مفاعل؛ لأن للياء أصلاً في الحركة، فتُرَدّ إليه، ونظيرها
في الاختلاف مَعَايش، قاله الفيّوميّ تَخْذُ(٣) .
ثم صارت علماً بالغلبة على مدينة رسول الله وصل*، كما قال في
(الخلاصة)) :
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَـ((الْعَقَبَهْ))
أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
وَحَذْفَ «أَنْ» ذِي إِنْ تُنَادِي أَوْ تُضِفْ
(فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ) بضمّ العين المهملة، وكسرها، لغتان مشهورتان،
قاله النوويّ كَُّ(٤)، وقال الفيّوميّ ◌َتُهُ: عِلْوُ الدار وغيرها: خلافُ السُّفْل،
بضمّ العين وكسرها، والْعُلْيا: خلاف السُّفلى، تُضمّ العين، فتُقصَرُ، وتُفْتَح
فتُمَدُّ، قال ابن الأنباريّ: والضمّ مع القصر أكثر استعمالاً، فيقال: شَفَةٌ عُلْيَا،
(١) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢/ ٦٢.
(٢) راجع: ((مختار الصحاح)) (ص٢٤٣) بزيادة من ((كتاب العين)) ٣٦٦/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦/٥ - ٧.
1
٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وعَلْيَاءُ، وأصلُ الْعَلْيَاءِ: كلُّ مكان مُشْرِفٍ، وجمعُ الْعُلْيا عُلَى، مثلُ كُبْرَى
وگُبر. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): كلُّ ما في جهة نجد يُسمَّى العاليةَ، وما في جهة تِهَامة
يُسمّى السافلةَ، وقُبَاءُ من عوالي المدينة، وأُخِذ من نزول النبيّ ◌َّ فيه التفاؤل
له ولدينه بالعلوّ. انتهى(٢).
وقال الحافظ ابن رجب تَظُّهُ: أعلى المدينة هو العوالي، والعاليةُ، وهو
قُباء وما حولها، وكانت قباء مسكن بني عمرو بن عوف، وقيل: إن كلّ ما كان من
جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها إلى تهامة يُسمّى العالية، وما كان دون
ذلك يُسمّى السافلة، وبنو النجّار كانوا أخوال النبيّ وَّر، وكان مقصود النبيّ وَل
أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة، وأن يتّخذ بها مسكناً يسكنه. انتهى (٣).
ثم بيّن تلك الناحية بما أبدله بقوله:
(فِي حَيٍّ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة -: القبيلة، وجمعه
أحياء (يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) - بفتح العين فيهما - أي ابن مالك بن
الأوس بن حارثة، ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبويّ
بالمدينة، وكان نزوله على كُلْثوم بن الْهِدْم، وقيل: كان يومئذ مشركاً، وجزم به
محمد بن الحسن بن زِبَالة في ((أخبار المدينة)).
وكان ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وهذا هو المعتمد، وشَذّ من
قال: يوم الجمعة، وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: قَدِمَها لهلال
ربيع الأول، أي أول يومٍ منه، وفي رواية جرير بن حازم، عن ابن إسحاق:
قَدِمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عند أبي مَعْشَر، لكن قال: ليلة
الاثنين، ومثله عن ابن الْبَرْقِيّ، وثبت كذلك في أواخر ((صحيح مسلم)).
وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: قَدِمها لاثنتي عشرة ليلةً
خلت من ربيع الأول، وعند أبي سعيد في ((شرف المصطفى))، من طريق أبي
بكر بن حزم: قَدِم لثلاث عشرة من ربيع الأول.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٢٧/٢ - ٤٢٨.
(٣) ((فتح الباري)) لابن رجب كَّقُ ٢٠٥/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣١٢/٧.
٦٧
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ وَلَ - حديث رقم (١١٧٨)
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وهذا يُجمَع بينه وبين الذي قبله بالحمل على
الاختلاف في رؤية الهلال، وعنده من حديث معُمر: ((ثم نزل على بني عمرو بن
عوف، يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول))، كذا فيه، ولعله كان فيه
((خَلَتَا))؛ ليوافق رواية جرير بن حازم.
وعند الزبير في ((خبر المدينة))، عن ابن شهاب: في نصف ربيع الأول،
وقيل: كان قدومه في سابعه.
وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق
قول هشام ابن الكلبيّ: إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول،
فإن كان محفوظاً، فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضُمّ
إلى قول أنس: إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلةً، خرج منه أن دخوله المدينة كان
الاثنين وعشرين منه، لكن الكلبيّ جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى
قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبّان، فإنه قال: أقام بها
الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتدّ بيوم
الخروج، وكذا قال موسى بن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتدّ
بيوم الخروج ولا الدخول.
وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يوماً، حكاه
الزبير بن بكار.
وفي مرسل عروة بن الزبير ما يقرُب منه.
والأكثر أنه قَدِمَ نهاراً، ووقع في رواية مسلم ليلاً، ويُجْمَع بأن القدوم
كان آخر الليل، فدخل نهاراً، أفاده في ((الفتح)) (١).
(فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) وفي رواية للبخاريّ: ((فلبِث رسول الله وَيه
في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلةً))، وقال موسى بن عقبة، عن ابن
شهاب: ((أقام فيهم ثلاثاً))، قال: وروى ابن شهاب عن مُجَمِّع بن جارية: ((أنه
أقام اثنتين وعشرين ليلةً))، وقال ابن إسحاق: ((أقام فيهم خمساً))، وبنو عمرو بن
عوف يزعمون أكثر من ذلك.
(١) ((الفتح)) ٢٨٧/٧.
٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الحافظ تَخّلُ: ليس أنس من بني عمرو بن عوف، فإنهم من الأوس،
وأنس من الخزرج، وقد جزم بما ذكرته، فهو أولى بالقبول من غيره. انتهى(١).
(ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلَِّّ بَنِي النَّجَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: ((إلى ملإٍ من بني
النجّار))، أي يريد رجالهم، وشُجعانهم، وأشرافهم(٢)، قال الفيّوميّ تَظُّهُ:
(الْمَلأُ)) مهموزاً: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك لِمَلاءتهم بما يُلْتَمَس عندهم من
المعروف، وجَوْدَة الرأي، أو لأنهم يَمْلئون العيون أُبَّهَةً، والصدر هَيْبَةً،
والجمع: أَملاءٌ، مثلُ سَبَبٍ وأَسبابٍ. انتهى(٣).
وبنو النّجّار هم: بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الْجَمُوح، والنّجّار:
قَبِيلٌ كبيرٌ، من الأنصار، منه بطون، وعمائر، وأفخاذ، وفصائل، وتيم اللات
هو النجار، سُمِّ بذلك؛ لأنه اخْتَتَن بقَدُوم، وقيل: بل ضَرَب رجلاً بقَدُوم،
فجرحه، ذكره الكلبيّ، وأبو عبيدة.
وإنما طلب ◌َ﴿ بني النجار؛ لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشماً جدَّه ◌َل
تزوج سَلْمَى بنت عمرو بن زيد، من بني عديّ بن النجار بالمدينة، فولدت له
عبد المطلب، قاله في ((العمدة)) (٤).
(فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ) وفي نسخة: ((متقلّدين سُيُوفهم))، وفي رواية
البخاريّ: ((متقلّدي سيوفهم)) بالإضافة، قال في ((العمدة)): قوله: ((فجاؤا
متقلدي السيوف)) هكذا في رواية كريمة بإضافة ((متقلدين)) إلى ((السيوف))،
وسقوط النون للإضافة، وفي رواية الأكثرين: ((متقلدينَ السيوفَ))، بنصب
((السيوفَ))، وثبوت النون؛ لعدم الإضافة، وعلى كلّ حال هو منصوب على
الحال، من الضمير الذي في ((جاؤوا))، والتّقَلَّد: جعل نِجَاد السيف على
المنكب. انتهى(٥) .
(فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ﴾ أي أنه مستحضرٌ الآن
(قَالَ) أنس ◌َ﴾
(١) ((الفتح)) ٢٨٨/٧.
(٢) (فتح الباري)) لابن رجب تكذُّ ٢٠٥/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٠.
(٥) ((عمدة القاري)) ٢٥٩/٤.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٥٩/٤.
٦٩
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ◌َله - حديث رقم (١١٧٨)
لتلك الهيئة، وأراد بذلك تأكيد خبره بأنه لم يَنْسَ منه شيئاً، بل كأنه ينظر إليهم
الآن، وهم على الهيئة المذكورة (عَلَى رَاحِلَتِهِ) جارٌّ ومجرور متعلّق بحال مقدّر
من ((رسول الله))، أي حال كونه راكباً على راحلته.
و((الراحلة)»: الْمَرْكَبُ من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وبعضهم يقول:
الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرْحَل، وجمعها رَوَاحِل، قاله في ((المصباح)) (١).
وقال في ((العمدة)): وكانت راحلته وَ ل﴿ ناقةً تُسَمَّى القَصْواء. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): وراحلته ◌َ ﴿ هذه أخذها من أبي بكر ◌َالله في
الهجرة، وذلك أن أبا بكر ظله كان جهّز للهجرة راحلتين لَمّا قال له النبيّ ◌ِّ:
((أرجو أن يؤذن لي))، يعني في الهجرة، فعلفهما ورَقَ السَّمُرَة أربعة أشهر، فَلَمّا
أُذن له وَلّ في الهجرة، قال أبو بكر: خذ بأبي أنت وأمّي يا رسول الله إحدى
راحلتيّ هاتين، فقال رسول الله وَله: ((بالثمن))، وفي رواية ابن إسحاق: قال:
((لا أركب بعيراً ليس هو لي))، قال: فهو لك، قال: ((لا ولكن بالثمن الذي
ابتعتها به))، قال: أخذتها بكذا وكذا، قال: ((أخذتها بذلك))، قال: هي لك،
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر ﴿ّ عند الطبرانيّ فقال: ((بثمنها يا أبا بكر))،
فقال: بثمنها إن شئتَ.
ونَقَل السُّهَيليّ في ((الروض الأُنُف)» عن بعض شيوخ المغرب أنه سئل عن
امتناعه ب من أخذ الراحلة مع أن أبا بكر أنفق عليه ماله، فقال: أَحَبّ أن لا
تکون هجرته إلا من مال نفسه.
وأفاد الواقديّ أن الثمن ثمانمائة، وأن التي أخذها رسول الله وَله من أبي
بكر هي القَصْواء، وأنها كانت من نَعَم بني قُشَير، وأنها عاشت بعد النبيّ وَّ
قليلاً، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مُرْسَلة ترعى بالبقيع.
وذكر ابن إسحاق أنها الجذعاء، وكانت من إبل بني الْحَرِيش، وكذا في
رواية أخرجها ابن حبّان من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّ أنها
الجذعاء، قاله في ((الفتح))(٣).
(١) (المصباح المنير)) ٢٢٢/١ - ٢٢٣.
(٣) ٢٧٧/٧ - ٢٧٨.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٥٩/٤.
٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ) جملة حاليّة من الفاعل، أي حال كون أبي بكر
راكباً خلفه ێ .
و ((الرَّدْفُ)) - بكسر الراء، وسكون الدال المهملة -: هو الذي تَحْمِله
خلفك على ظهر الدابّة، يقال: أردفته إردافاً، وارتدفته، فهو رَدِيفٌ، ورِذْفٌ،
أفاده في ((المصباح)(١).
وقال السنديّ تَّتُهُ: المراد أنه كان راكباً خلف النبيّ وَّل، وهما على
بعير واحد، وهو الظاهر، أو على بعيرين، لكن أحدهما يتلو الآخر. انتهى.
قال الحافظ تَخْتُ: كأن النبيّ وَّ أردفه تشريفاً له، وتنويهاً بقدره، وإلا
فقد كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب تَخَّهُ: وفي إردافه لأبي بكر رَظُبه في ذلك اليوم
دليلٌ على شرف أبي بكر، واختصاصه به دون سائر أصحابه. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)): وكان لأبي بكر ناقةٌ، فلعله تركها في بني عمرو بن
عوف؛ لمرض، أو غيره، ويجوز أن يكون ردّها إلى مكة؛ ليحمل عليها أهله،
وثَمّ وجه آخر حسَنٌ، وهو أن ناقته كانت معه، ولكنه ما ركبها؛ لشرف
الارتداف خلفه؛ لأنه تابعه، والخليفة بعده. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما استحسنه أخيراً قريبٌ مما قاله الحافظ، وهو
الأولى.
وحاصله أنه سيّ أردفه على ناقته؛ ليتشرّف بذلك، وليعلم الناس منزلته
عنده، والله تعالى أعلم.
(وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ) جملة حاليّة أيضاً، أي حال كون أشراف بني
النّجّار محيطين به وَّة، وإنما أحاطوا به؛ تعظيماً له، وفرحاً بقدومه إليهم.
(حَتَّى أَلْقَى) أي رَحْله، فالمفعول محذوفٌ، يقال: ألقيت بالشيء: إذا
طرحته، وقال ابن رجب: معناه: أنه نزل به، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى
فیه رحله، وما معه. انتهى.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٤/١ - ٢٢٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٥٩/٤.
(٢) ((فتح الباري)) ٢٠٥/٢.
٧١
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ بَله ــ حديث رقم (١١٧٨)
و((حتى)) غاية لمحذوف، أي واصل سيره حتى ألقى رحله (بِفِنَاءِ أَبِي
أَيُّوبَ) متعلّق بـ((ألقى))، أي بفناء دار أبي أيوب ◌َبه، و((الْفِنَاء)) بكسر الفاء:
سعةٌ أمامَ الدار، والجمع أفنيةٌ، وفي ((الْمُجْمَل)): فناء الدار: ما امتدّ من
جوانبها، وفي ((المحكم)): وتبدل الباء من الفاء، قاله في ((العمدة))(١).
وقال في ((الفتح)): وقع عند ابن إسحاق، وابن عائذ أنه رَكِب من قُباء
يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله هَلُمّ
إلى العَدَد والعُدَد والقوّة، انزِلْ بين أظهرنا .
وعند أبي الأسود، عن عروة نحوه، وزاد: ((وصاروا يتنازعون زمام
ناقته))، وسَمّى ممن سأله النزول عندهم عِتبان بن مالك في بني سالم، وفَرْوة بن
عمرو في بني بياضة، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وغيرهما في بني
ساعدة، وأبا سَلِيط وغيره في بني عَدِيّ يقول لكل منهم: ((دَعُوها فإنها
مأمورة» .
وعند الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: جاءت
الأنصار، فقالوا: إلينا يا رسول الله، فقال: ((دعوا الناقة، فإنها مأمورةٌ))،
فبركت على باب أبي أيوب.
وفي حديث البراء عن أبي بكر رضيّهًا: «فتنازعه القوم، أيُّهم ينزل عليه؟،
فقال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب، أُكْرِمهم بذلك)).
وعند ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، وعند سعيد بن منصور، كلاهما
عن عَطّاف بن خالد: ((أنها استناخت به أوّلاً، فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا
رسول الله، فقال: دعوها، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من
المسجد، ثم تحلحلت، فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب
المنازل، فأذن لي أن أنقُل رَحْلك، قال: نعم، فتَقَل، وأناخ الناقة في منزله)).
وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لَمّا نَقَل رحل النبيّ وَّهِ إلى منزله، قال
النبيّ ◌َله: ((المرء مع رحله))، وأن سعد بن زرارة جاء، فأخذ ناقته، فكانت عنده،
قال: وهذا أثبت، وذكر أيضاً أن مُدّة إقامته عند أبي أيوب، كانت سبعة أشهر (٢).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٥٩/٤ - ٢٦٠.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٩/٧.
٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وذكر في ((الفتح)) أيضاً: أن البخاريّ أخرج في ((التاريخ الصغير)) عن ابن
شهاب: قال: كان بين ليلة العقبة - يعني الأخيرة - وبين مُهَاجَر النبيّ وَّ ثلاثة
أشهر، أو قريب منها .
قال الحافظ: هي ذو الحجة، والمحرم، وصفر، لكن كان مَضَى من ذي
الحجة عشرة أيام، ودخل المدينة بعد أن استهَلّ ربيع الأول، فمهما كان الواقع
أنه اليوم الذي دخل فيه من الشهر يُعْرَف منه القدر على التحرير، فقد يكون
ثلاثة سواء، وقد ينقص، وقد يزيد؛ لأن أقلّ ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول
منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل الثاني عشر منه. انتهى(١).
[تنبيه]: ذكر الحافظ العراقيّ في ((ألفيّة السيرة)) خبر وُصُوله ◌َّ إلى قباء،
ثم إلى المدينة، فأجاد في ذلك وأفاد، فقال:
نَزَلَهَا بِالسَّعْدِ وَالْهَنَاءِ
حَتَّى إِذَا أَتَّى إِلَى قُبَاءِ
مِنْ شَهْرٍ مَوْلِدٍ فَنِعْمَ الْهِجْرَةْ
فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ فَصَلَّى وَجَمَعْ
مَا جَمَّعَ النَّبِيُّ فِيمَا نَقَلُوا
فِيهِمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُونَ ذِكْرَةْ
لَكِنَّ مَا مَرَّ مِنَ الإِثْيَانِ
لَا يَسْتَقِيمُ مَعَ هَذِي الْمُدَّةِ
إِلَى قُبَا كَانَتْ بِيَوْم الْجُمْعَةِ
لِطَيْبَةَ الْفَيْحَاءِ طَابَتْ نُزُلَا
بِمَوْضِعِ الْمَسْجِدِ فِي الظَّهِيرَةْ
حَتَّى ابْتَنَى مَسْجِدَهُ الرَّحِيبَا
وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ فِي ظِلِّهِ
أَشْرَقَ مَا قَدْ كَانَ مِنْهَا أَسْوَدَا
فَزَالَ دَاؤُهَا بِهَذَا الْجَاهِ
مَا كَانَ مِنْ حُمَّى بِهَا لِلْجُحْفَةِ
فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَهْ
أَقَامَ أَزَّبَعاً لَدَيْهِمْ وَطَلَغْ
فِي مَسْجِدِ الْجُمْعَةِ وَهْيَ أَوَّلُ
وَقِيلَ بَلْ أَقَامَ أَرْبَعَ عَشْرَهْ
وَهْوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
لِمَسْجِدِ الْجُمْعَةِ يَوْمَ جُمْعَةِ
إِلَّا عَلَى قَوْلٍ بِكَوْنِ الْقَدْمَةِ
بَنَى بِهَا مَسْجِدَهُ وَارْتَحَلَا
فَبَكَتْ نَاقَتُهُ الْمَأُمُورَةْ
فَحَلَّ فِي دَارٍ أَبِي أَيُّوبَا
وَحَوْلَهُ مَنَازِلاً لأَهْلِهِ
طَابَتْ بِهِ طَيْبَةُ مِنْ بَعْدِ الرَّدَى
كَانَتْ لَمِنْ أَوْبَأٍ أَرْضِ اللهِ
وَنَقَلَ اللهُ بِفَضْلٍ رَحْمَةٍ
(١) ((الفتح)) ٢٩١/٧.
٧٣
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ نَ اهـــ حديث رقم (١١٧٨)
وَلَيْسَ دَجَّالٌ وَلَا طَاعُونُ يَدْخُلُهَا فَحِرْزُهَا حَصِينُ
انتهى المقصود من كلام الحافظ العراقيّ دَخَّتُهُ .
[تنبيه آخر]: ذكر في ((شرف المصطفى)) أنه لَمّا نزلت الناقة عند دار أبي
أيوب، جَعَل جبار بن صخر يَنْخَسها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار أَعَنْ
منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف.
وهو: جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلميّ، ويقال: جابر بن صخر
الأنصاريّ، شَهِد العَقَبة وبدراً، وهو صحابيّ كبير.
رَوَى محمد بن إسحاق، عن أبي سعد الخطميّ سمع جبار بن عبد الله،
قال: صليت خلف رسول الله ( * أنا وجابر بن صخر، فأقامنا خلفه،
والصحيح أن اسمه جبار بن صخر.
وذكر محمد بن إسحاق في ((كتاب المبتدأ، وقصص الأنبياء - عليهم
الصلاة والسلام )) تألِيفِهِ أن تُبَّعاً، وهو ابن حسان، لَمّا قدم مكة قبل مولد
رسول الله ور بألف عام، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربعمائة رجل من
الحكماء، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها، وسألهم تُبَّعٌ عن سِرّ
ذلك، فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن نبياً اسمه محمد، هذه دار مُهَاجَرِه، فنحن
نقيم لعل أن نلقاه، فأراد تُبّع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك داراً،
واشترى له جاريةً، وزوّجها منه، وأعطاهم مالاً جزيلاً، وكتاباً فيه إسلامه،
وقوله :
شَهِدتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَارِئِ النَّسَمِ
في أبيات، وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى
محمد ﴿ ﴿ إن أدركه، وإلّا من أدركه من ولده، وبنى للنبيّ وَلّ داراً ينزلها، إذا
قدم المدينة، فتداول الدار الملّاك إلى أن صارت لأبي أيوب ◌َظُته، وهو من
ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، قال: وأهل المدينة من ولد أولئك
العلماء الأربعمائة، ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرج، ولما خرج
رسول الله ﴿ أرسلوا إليه كتاب تُبَّع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه قال:
((أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تبع الأول))، فبقي أبو ليلى متفكراً، ولم يعرف
النبيّ وَ﴿، فقال: من أنت؟ فإني لم أر في وجهك أثر السحر، وتوهّم أنه
٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ساحر، فقال ◌َله: ((أنا محمد، هات الكتاب))، فلما قرأه قال: ((مرحباً بتُبّع
الأخ الصالح)) ثلاث مرات.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ساق أهل التواريخ هذه الحكاية، فالله
تعالى أعلم بصحّتها .
وفي ((معجم الطبرانيّ)): ((لا تُسُبّوا تُبْعاً)).
وأخرج أحمد في ((مسنده) عن سهل بن سعد نظره أنه قال: سمعت
رسول الله ﴿ ﴿ يقول: ((لا تسبوا تُبْعاً، فإنه كان قد أسلم))(١).
و(تُبَّعُ)) - بضم التاء المثناة من فوقُ وفتح الباء المشددة، وفي آخره عين
مهملة - لَقَبٌ لكل مَن مَلَك اليمن، ككسرى لقب لكل من ملك الفُرْس، وقيصر
لكل من ملك الروم.
وقال عكرمة: إنما سُمّي به؛ لكثرة أتباعه، أفاده في ((العمدة))(٢).
(قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ الهِ وََّ) وفي نسخة: ((فكان النبيّ ◌ََّ)) (يُصَلِّي حَيْثُ
أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) وفي رواية البخاريّ: ((وكان يُحبّ أن يُصلّي حيث أدركته
الصلاة)).
يعني أنه ◌َ ﴿ كان يُصلّي في أيّ موضع أدركه فيه وقت الصلاة؛ مبادرةً
إليها في أول وقتها .
(وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع مَرْبِضٍ، كمجلسٍ، ومَفْعَدٍ: وهو مأوى
الغنم ليلاً، يقال: رَبَضَت الدابَّة رَبْضاً، من باب ضَرَبَ، ورُبُوضاً، وهو مثلُ
بُرُوك الإبل (٣).
قال الحافظ ابن رجب تَخُّْ: وهذا موافق لحديث: ((جُعلت لي الأرض
مسجداً وطَهُوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة، فعنده مسجده، وظهوره))،
ولحديث: ((الأرضُ لك مسجدٌ، فأينما أدركتك الصلاة فصلّهْ، فإنه لك
مسجد)). انتهى.
(١) حديث صحيح بشواهده، راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ كَذَتُهُ (٥٤٨/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٦٠/٤ - ٢٦١.
(٣) راجع: ((القاموس))، و((المصباح)) في مادّة ربض.
٧٥
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ نَّهِ - حديث رقم (١١٧٨)
(ثُمَّ إِنَّهُ) بكسر همزة ((إنّ))؛ لوقوعها في محلّ الابتداء، كما قال في
(الخلاصة)» :
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
وضمير ("إنه)) للنبيّ وََّ، وكذا فاعل قوله: (أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ) والفعل مبنيّ
للفاعل، أي أَمَر النبيّ ◌َلّ أصحابه ببناء المسجد.
قال النوويّ تَخُّْهُ: ضبطناه (أَمَرَ)) بفتح الهمزة والميم، و((أُمِرَ)) بضم
الهمزة، وكسر الميم، وكلاهما صحیح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فنائب الفاعل على الضبط الأخير ضمير النبيّ وَّ
مثل الضبط الأول، وكذا ضمير ((إنه)) له أيضاً، وأما ما قاله العينيّ من أن
ضمير ((إنه)) في هذه الحالة للشأن ففيه نظر لا يخفى، يعني أن الله تعالى أمر
نبيّه وَّة ببناء المسجد.
(قَالَ) أنس ◌َظُبهِ (فَأَرْسَلَ) النبيّ ◌َّهِ (إِلَى مَلاّ بَنِي النَّجَّارِ) بالإضافة، وفي
رواية البخاريّ: ((إلى ملإِ من بني النجّار)) (فَجَاءُوا، فَقَالَ) ◌ِّ ((يَا بَنِي النَّجَّارِ
ثَامِنُونِي) أي قرّروا معي ثمنه، وبيعونيه بالثمن، يقال: ثامنتُ الرجل في المبيع
أُثَامِنه: إذا قاولته في ثمنه، وساومته على بيعه واشترائه، قاله في ((اللسان)).
قال الخطابيّ تَخُّ: فيه أن صاحب السلعة أحقّ بالسوم، فإنه ◌َّلو طلب
منهم أن يذكروا له الثمن، ولم يقطع فيها من عنده. انتهى (١).
وقوله: (بِحَائِطِكُمْ هَذَا))) متعلّق بـ((ثامنوني))، والإشارة إلى بستان هناك،
و(الحائط)): البستان من النخيل، إذا كان عليه حائظٌ، وهو الجدار، وجمعه
الحوائط، قاله في ((اللسان)).
وقال في ((العمدة)): الحائط هنا: البستان، يدلّ عليه قوله: ((وفيه نخل،
وبالنخل فقُطِع))، وفي لفظ: ((كان مِرْبَداً))، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر
ليجفّف. انتهى.
(قَالُوا) أي ملأ بني النجّار (لَا وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ) وفي نسخة: ((ما نطلب
ثمنه))، وأصل الكلام: ((والله لا نطلُب ثمنه))، فاعتُرض بالقسم بين (لا))
(١) ((أعلام الحديث)) ٣٩٠/١.
٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والفعل؛ للتأكيد، وكُرّرت ((لا)) للتأكيد أيضاً (إِلَّا إِلَى اللهِ) أي إلا من الله،
فـ((إلى)) بمعنى ((من))، على حد قول الشاعر [من الطويل]:
تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا أَيُسْقَى فَلَا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا
أي تقول الناقة بلسان الحال ذلك، و((الْكُور)): الرحل، و((السقيُّ)) بمعنى
الركوب مجازاً، و((إليّ)) بمعنى ((منّي)(١).
وقال الكرمانيّ ◌َُّهُ: ما حاصله: لا نطلُب ثمن المصروف في سبيل الله
إلا من الله، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة، ثم قال: فإن قلت: الطلب
يُستعمل بـ((مِنْ))، فالقياس أن يقال: إلا من الله، قلت: معناه: لا نطلُب الثمن
من أحد، لكنه مصروف إلى الله تعالى.
وتعقّبه العينيّ كَّلُهُ بأن هذا تعسّف مع تطويل، بل معناه: لا نطلب الثمن
إلا من الله تعالى، وكذا وقع عند الإسماعيليّ: ((لا نطلب ثمنه إلا من الله))،
وقد جاء ((إلى)) في كلام العرب للابتداء، كقوله:
إِلَيَّ ابْنُ حْمَرَا
ويجوز أن تكون ((إلى)) ههنا على معناها لانتهاء الغاية، ويكون التقدير:
نُنْهِي طلب الثمن إلى الله تعالى، كما في قولهم: ((أَحمَدُ إليك الله))، والمعنى:
((أُنْهِي حمده إليك))، والمعنى لا نطلب منك الثمن، بل نتبرع به، ونطلب الثمن
أي الأجر من الله تعالى. انتهى(٢).
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية يدلّ على أنه وَلو لم يشتره منهم، ولم يأخذوا
منه ثمناً، لكن وقع في ((صحيح البخاريّ)) في ((الهجرة)) ما ظاهره مخالف له،
ففيه: قال: ((ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد
رسول الله وَل﴿ بالمدينة، وهو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَداً
للتمر، لسُهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال
رسول الله وَّله حين بركت راحلته: هذا - إن شاء الله - المنزل.
ثم دعا رسول الله وَ﴿ الغلامين، فساومهما بالْمِرْبد؛ ليتخذه مسجداً،
(١) راجع: (مغني اللبيب)) ٧٠/١ - ٧١ بنسخة ((حاشية الأمير)).
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٦١/٤.
٧٧
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَِّيِّ وَلِ - حديث رقم (١١٧٨)
فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله -* أن يقبله منهما هبةً
حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجداً ... )) الحديث.
فهذه الرواية تدلّ على أنه اشتراه منهما، وذَكَر أهل السير ما يدلّ على
أنهم أخذوا الثمن، فقد ذكر ابن سعد في ((الطبقات)) عن الواقديّ، عن معمر،
عن الزهريّ: ((أن النبيّ ◌َّ أمر أبا بكر أن يُعطيهما ثمنه))، قال: وقال غير
معمر: أعطاهما عشرة دنانير.
وقد أجاب في ((الفتح)) عن هذا بما حاصله أنه لا منافاة بينهما؛ لأنه
يُجمع بأنهم لَمّا قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، سأل ◌َّه عمن يختصّ بملكه
منهم، فعيّنوا الغلامين، فابتاعه منهما، فحينئذ يَخْتمل أن يكون الذين قالوا له:
لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تحمّلوا عنه للغلامين بالثمن، وعند الزبير أن أبا
أيوب أرضاهما عن ثمنه. انتهى(١).
وقال في ((المنهل)) بعد ذكر نحو ما تقدّم: ويُجمع بين رواية الواقديّ وما
بعدها بأن أبا بكر رَغِبَ في الخير كما رغب فيه أسعد، وأبو أيوب، ومعاذ بن
عفراء، فدفع أبو بكر العشرة، ودفع كلّ من أولئك ما دفع، فاشتركوا في
الثمن. انتهى (٢)، وهو جمع حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب بعد ذكر رواية الواقديّ المتقدّمة ما نصّه: وهذا
إن صحّ يدلّ على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم، وحديث أنس أصحّ من
رواية يرويها الواقديّ، عن معمر وغيره، عن الزهريّ مرسلةً، فإن مراسيل
الزهريّ لو صحّت عنه، فهي من أضعف المراسيل، فكيف إذا تفرّد بها
الواقديّ؟. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: لكن فيه أن رواية الواقدي موافقة لما في
(صحيح البخاريّ)) في ((الهجرة))، إلا في دفع أبي بكر ظُه الثمن، فلا وجه
لطعن ابن رجب للرواية، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَنَسٌّ) ◌َبهِ (فَكَانَ فِيهِ) أي في الحائط الذي بُنِي في مكانه المسجدُ
(١) ((الفتح)) ٢٩٠/٧.
(٣) ((فتح الباري)) لابن رجب تخذله ٢٩٧/٢.
(٢) ((المنهل العذب المورود)) ٥٦/٤.
٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(مَا أَقُولُ) ((ما)) موصولة اسم ((كان)) وخبره ((فيه)) مقدّماً، وقوله: (كَانَ فِيهِ نَخْلٌ)
بيان لـ((ما أقول))، و((النخل)): اسم جمع الواحدة: نخلة، وكلُّ جمع بينه وبين
واحده الهاءُ، قال ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يُؤَنِّئُون أكثره، فيقولون: هي
التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يُذَكِّرون،
فيقولون: نخلٌ كريم، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿فَخْلِ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:
٢٠]، و﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقّة: ٧]، وأما ((النِّخِيلُ)) بالياء فمؤنثة، قال أبو حاتم:
لا اختلاف في ذلك، قاله الفيّوميّ تَظَُّهُ(١).
(وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَخِرَبٌ) قال النوويّ كَخَذَتُهُ: هكذا ضبطناه بفتح الخاء
المعجمة، وكسر الراء، قال القاضي عياض تَخَّثهُ: رويناه هكذا، ورويناه بكسر
الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو: ما تَخَرّب من البناء.
وقال الخطابيّ: لعل صوابه خُرْب بضم الخاء، جمع خُرْبة بالضم، وهي
الخروق في الأرض، أو لعله حرف.
قال القاضي: لا أدري ما اضطرّه إلى هذا، يعني أن هذا تكلف لا حاجة
إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعاني، لا حاجة إلى تغييره؛ لأنه كما
أَمَرَ بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخَرِبِ فرفعت رسومها، وسُوِّيت
مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطةً مستويةً للمصلين، وكذلك فُعِل
(٢)
بالقبور. انتهى(٢) .
وقال ابن الأثير تَخْذَتُهُ: ((الْخِرَب)) يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح
الراء: جمع خَرِبَة، كنَقِمَة ونِقَم، ويجوز أن تكون جمع خِرْبة بكسر الخاء،
وسكون الراء على التخفيف، كُنِعْمَة ونَعَم، ويجوز أن يكون الَخَرِبُ بفتح
الخاء، وكسر الراء، كتَبِقَة ونَبِقٍ، وكَلِمَة وَكَلِم، وقد رُوي بالحاء المهملة،
والثاء المثلثة: يريد به الموضع المحروث للزراعةً. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): قال ابن الجوزيّ: المعروف فيه فتح الخاء المعجمة،
وكسر الراء، بعدها مُوَخَّدةٌ: جمع خَرِبة، ككَلِم وكَلِمة.
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٩٦ - ٥٩٧.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٨/٢.
(٢) ((شرح النووي)) ٧/٥.
٧٩
(١) - بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ◌َِّ - حديث رقم (١١٧٨)
قال الحافظ: وكذا ضُبِط في ((سنن أبي داود))، وحَكَى الخطابيّ أيضاً
كسر أوله، وفتح ثانيه، جمع خِرَبَةٍ، كَعِنَبِ وعِنَبَة، وللكشميهنيّ ((حَرْثٌ)) بفتح
الحاء المهملة، وسكون الراء، بعدها مثلثة، وقد بَيَّن أبو داود أن رواية
عبد الوارث بالمعجمة والموحدة، ورواية حماد بن سلمة، عن أبي التياح
بالمهملة والمثلثة، فعلى هذا فرواية الكشميهنيّ وَهَمّ؛ لأن البخاريّ إنما أخرجه
من رواية عبد الوارث.
وقال الخطابيّ: أكثر الرواة بالفتح ثم الكسر، وحُدِّثناه ((الخِرَب)) بالكسر
ثم الفتح، ثم حَكَى احتمالات: منها ((الْخُرْب))، بضم أوله، وسكون ثانیه،
قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، و((الْجِرَف))، بكسر الجيم، وفتح
الراء، بعدها فاء: ما تجرفه السيول، وتأكله من الأرض، و((الْحَدَب))، بالمهملة
وبالدال المهملة أيضاً: المرتفع من الأرض، قال: وهذا لائق بقوله:
((فَسُوِّيت))؛ لأنه إنما يُسَوَّى المكان المحدوب، وكذا الذي جرفته السيول، وأما
الخراب فيُبنى، ويُعَمَّر دون أن يُصْلَح، ويُسَوَّى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وما المانع من تسوية الخراب، بأن يزال ما بقي
منه، ويُسَوّى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات، مع توجيه
الرواية الصحيحة. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)) بعد ذكر ما قاله الخطابيّ: قال عياض: هذا التكلف
لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أَمَر يقطع النخل
لتسوية الأرض، أمر بالْخِرَب فرُفِعت رسومها، وسُوِّيت مواضعها؛ لتصير جميع
الأرض مبسوطةً، مستويةً للمصلين، وكذلك فُعِل بالقبور، وفي ((مصنف ابن أبي
شيبة)) بسند صحيح: ((وأَمَر بالحرث، فحُرِث))، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه
روي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، يريد الموضع المحروث للزراعة(٢).
(فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ) بالبناء للمفعول، أي أمر بقطع النخل،
فقُطع، وهذا كما قال في ((الفتح)) محمول على أنه لم يكن يُثمر، أو يُثمر،
ولكن دعت الحاجة إليه؛ ليُمكن بناء المسجد في ذلك المكان. انتهى.
(١) ((الفتح)) ٣١٢/٧.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٦٢/٤.
٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) بالبناء للمفعول أيضاً، قال ابن بطال تَّتُهُ: لم
أَجِد في نبش قبور المشركين لتُتَّخَذ مسجداً نصّاً عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا
هل تُنْبَش بطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعيّ، وهذا الحديث حجة
للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة له حيّاً ولا ميتاً، قاله في ((الفتح)) (١).
(وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ) أي وأمر بالخِرَب أن تُسوّى، أي تُعَدَّل، فسُوّيت،
أي فعُدِّلت، يقال: سَوَّيتُ المكان: إذا عدّلته(٢)، وإنما أَمَر بذلك لتستوي
الأرض، فتصلح لبناء المسجد عليها .
(قَالَ) أنس ◌َظُهُ (فَصَفُّوا النَّخْلَ) من صَفَّ القومَ، من باب ردّ: إذا
أقامهم صفّاً واحداً، قاله في ((المختار)) (قِبْلَةً) منصوب الظرفيّة على حذف
مضاف، أي جهة قبلة، وفي نسخة: ((قبلةً له))، وفي رواية البخاريّ: ((فَصَفّوا
النخل قبلةَ المسجد))، والمراد أنهم جعلوها سواري جهة القبلة؛ ليُسقف عليها،
أفاده في ((المنهل)).
وفي («مغازي ابن بكير)) عن ابن إسحاق: «جُعِلَت قبلةُ المسجد من
اللَّبِنِ))، ويقال: بل من حجارة منضودة، بعضها على بعض، وفي ((صحيح
البخاريّ) عن ابن عمر ظه: أن المسجد كان على عهده بَ ل﴿ مَبْنِيّاً باللَّبِن،
وسَقْفُهُ الجريد، وعَمَدُهُ خَشَب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئاً.
قال في ((العمدة)): ولعل المراد بالقبلة جهتها، لا القبلة المعهودة اليوم،
فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت.
وورد أيضاً أنه كان في موضع المسجد الغرقد، فأَمَر أن يُقْطَع، وكان في
المربد قبور جاهليةٌ، فأَمر بها رسول الله وَّهَ، فُنُبِشِت، وأَمَر بالعظام أن تُغَيَّب،
وكان في المربد ماء مُسْتَنْجِلٌ، فستره حتى ذهب، وهو: من النجل وهو الماء
القليل، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين
مثل ذلك، فهو مربع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريباً من
ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل النبيّ ◌َّ ينقل معهم
اللَّيِن والحجارة بنفسه، ويقول:
(١) ٣١٢/٧.
(٢) «المصباح» ٢٩٨/١.