Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٩) بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء(١). ٥ - (ومنها): أن مَن عَلِمَ الشيء صغيراً وأداه كبيراً جاز، ولا خلاف فيه، وأخطأ من حَكَى فيه خلافاً، وكذا الفاسق والكافر، إذا أدّيا حال الكمال(٢). ٦ - (ومنها): فيه جواز الركوب إلى صلاة الجماعة. ٧ - (ومنها): ما قال الْمُهَلَّب: فيه أن التقدّم إلى القعود لسماع الخطبة، إذا لم يضرّ أحداً، والخطيبُ يَخطُب جائزٌ، بخلاف ما إذا تخطى رقابهم. ٨ - (ومنها): أنه إذا فُعِل بين يدي النبيّ وَّه شيءٌ، ولم ينكره فهو حجة. ٩ - (ومنها): جوازُ إرسال الدّابّة من غير حافظ، أو مع حافظ غير مكلّف. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون ناسخاً لحديث أبي ذرّ ◌َبه الذي سيأتي للمصنّف: في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا مرور المرأة، والكلب الأسود. وتُعُقِّب بأن مرور الحمار مُتَحَقِّق في حال مرور ابن عباس، وهو راكبه، وقد تقدّم أن ذلك لا يَضُرُّ؛ لكون الإمام سترةً لمن خلفه، وأما مروره بعد أن نزل عنه، فيحتاج إلى نقل. ١١ - (ومنها): ما قال الإمام ابن عبد البرّ كَّهُ: حديث ابن عباس هذا يَخُصّ حديث أبي سعيد ظُه: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدَعْ أحداً يمرّ بين يديه))، فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضرُّه مَن مَرّ بين يديه؛ لحديث ابن عباس ما هذا، قال: وهذا كلَّه لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا نقل عياض: الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام، أم سترتهم الإمام نفسه؟ انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما رواه عبد الرزاق، عن الحكم بن عمرو الغفاريّ الصحابيّ أنه صلى بأصحابه في سفر، وبين يديه سترة، فمرّت حَمِیر بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، وفي رواية له أنه قال لهم: إنها لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم. (١) ((الفتح)) ٢٠٦/١ - ٢٠٧. (٢) ((عمدة القاري)) ١٠٥/٢. ٣٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة فهذا يَعْكُر على ما نُقِل من الاتفاق. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن كون سترة الإمام سترة لمن خلفه، وإن لم يكن مجمعاً عليه، إلا أنه مذهب الجمهور، وهو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٣٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِ قَائِمٌ، يُصَلِّي بِمِنَّى، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَ: فَسَارَ الْحِمَارُ(٢) بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ، فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قبل باب. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ) تفصيل بعد إجمال، فإن قوله: ((يصلّي بمنى)) يَحْتَمِل أن يكون منفرداً، ويَحتَمِل أن يكون مع الناس، فبيّنه بهذه الجملة. قَالَ: (فَسَارَ الْحِمَارُ) وفي نسخة: ((فسار بالحمار)). وقوله: (ثُمَّ نَزَلَ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: ثم نزلتُ. وقوله: (عَنْهُ) أي عن الحمار، وقد سبق أنها أتان، وهي أنثى الحمير، وإنما ذكّره هنا نظراً للفظ ((الحمار)) فإنه مذكّر، وإن كان يُطلق على الأنثى أيضاً، والله تعالى أعلم. (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٢) وفي نسخة: ((فسار بالحمار)). ٣٦٣ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّ - حديث رقم (١١٣١) وقوله: (فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ) أي دخل ابن عبّاس ◌َّ في صفّ الناس الذين يصلون وراء النبيّ وَ﴾، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٣١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَالنَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا قريباً، أما عمرو الناقد، وابن عيينة، فتقدّما قبل باب، وأما الباقون ففي هذا الباب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ السابق، وهو: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عبّاس ◌ُّ. وقوله: (وَالنَّبِيُّ ◌ِهِ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ) تقدّم أن هذا مما خالف فيه ابن عيينة الرواة عن ابن شهاب، فالظاهر أنه وَهَمٌّ، وقد حال النوويّ في دفع هذا الوَهَم، فقال: هو محمول على أنهما قضيّتان، لكن الظاهر أنه غلطٌ؛ لاتّحاد مخرج الحديث، وقد كنت ملت في شرح النسائيّ إلى قول النووي نكَّتُهُ، لكن الآن يترجّح لي خلافه؛ لما ذكرت، فتأمل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: (١٨٩٤) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس: جئت أنا والفضل، ونحن على أتان، ورسول الله وَليل يصلي بالناس بعرفة، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا عنها، وتركناها تَرْتَعُ، ودخلنا في الصف، فلم يقل لي رسول الله وَله شيئاً. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة [١١٣٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا(١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ (مِنَّى))، وَلَا ((عَرَفَةَ))، وَقَالَ: ((فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: ((فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ)) هكذا بالشكّ في رواية معمر، وقد تقدّم أن الصواب ((في حجة الوداع)) بدون شكّ، فتنبّه. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال : (٣٤٤٤) حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، وعبدُ الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: جئت إلى النبيّ وَّ في حجة الوداع، أو قال: يوم الفتح، وهو يصلي، أنا والفضل مرتدفان على أتان، فقطعنا الصفّ، ونزلنا عنها، ثم دخلنا الصفّ، والأتان تمر بين أيديهم، لم تقطع صلاتهم، وقال عبد الأعلى: كنت رَدِيف الفضل على أتان، فجئنا، ونبيّ الله ◌َّ يصلي بالناس بمنى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَّهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (١) وفي نسخة: ((حدّثناه)). (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٣) ٣٦٥ (٤٩) - (بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلَّي) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٣٣] (٥٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَداً يَمُؤُّ(١) بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) الأنصاريّ الْخَزْرجيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (١١٢) عن (٧٧) سنةً (خت م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الرحمن علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة . (١) وفي نسخة: ((أن يمرّ)). ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، وفيه رواية الابن، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لْ قَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي) أي إلى شيء يستره عن المارّ؛ لما في الرواية التالية: ((إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره ... ))، فإطلاق هذه الرواية مقيّد بما في هذه الرواية (فَلَا يَدَعْ) أي لا يترك، وهو: مضارع وَدَعَ، يقال: وَدَعته أَدَعُهُ وَدْعاً: إذا تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثُمّ فُتِح لمكان حرف الحلق، وقد اشتهر أن العرب أماتت ماضيه، ومصدره، واسم فاعله، لكن الصواب أنه قليل الاستعمال، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة، كحديث: ((لينتهينّ قوم عن وَدْعهم الجمعات ... )) الحديث، أخرجه مسلم(١)، وحديث: ((دَعُوا الحبشة ما ودعوكم ... )) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ(٢)، وقُرئ في الشاذّ: ﴿مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بتخفيف الدال. (أَحَداً) منصوب على المفعوليّة، وقول: (يَمُرُّ) في محلّ نصب نعتٌ لـ «أحداً))، ويَحْتَمِلُ نصبه على الحال منه، وإن كان نكرةً؛ لوقوعه في سياق النفي، كما قال في ((الخلاصة)): إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِيٍ مُسْتَسْهِلَا)) مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـالَا وفي بعض النسخ: ((أن يمرّ)) بزيادة ((أن)) المصدريّة، وعليه فالمصدر (١) سيأتي في ((كتاب الجمعة)) برقم (٨٦٥). (٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود برقم (٤٣٠٢)، والنسائيّ برقم (٣١٧٦). (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٣) ٣٦٧ المؤوّل بدل من ((أحداً)) بدل اشتمال، أي مُرُورَه، كما تقول: أعجبني زيدٌ علمه (بَيْنَ يَدَيْهِ) متعلّق بـ((يمرّ))، أي أمامه، والمراد بينه وبين السترة، وأما ما وراء السترة فليس محلّ دفعه؛ لأن المرور فيه جائزٌ، كما سبق في حديث طلحة عَُّه: ((ولا يبالي مَن مرّ وراء ذلك)) (وَلْيَدْرَأُهُ) أي ليدفع، وهو مضارع درأ، يقال: درأت الشيءَ بالهمز دَرْءاً، من باب نفع: دَفَعتُهُ، ودارأته: دافعته، وتدارءوا: تدافعوا (١)، والمعنى: أن المصلّي يدفع من أراد المرور بينه وبين سترته (مَا اسْتَطَاعَ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّةٌ، أي مدّة استطاعته. ثم إن ظاهر هذا الأمر وجوب الدفع، وبه قال أهل الظاهر، وقال النوويّ تَّقُ: الأمر بالدفع أمر ندب متأكّد، ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه، بل صرّح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب. انتهى(٢). قال في ((الفتح)): فكأنه لم يُراجع كلام أهل الظاهر، أو لم يعتدّ بخلافهم. انتھی(٣) . قال الجامع عفا الله عنه: هذا عجيب، كيف لا يعتدّ بمن كان ظاهر النصّ معه، وهل هناك نصّ آخر يصرف الأمر عن الوجوب؟ فأين هو؟ هيهات. قال القاضي عياض تَّتُ: اتّفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردّه، وإنما يدفعه، ويردّه من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أُمر بالقرب من سُترته، وإنما يردّه إذا كان بعيداً منه بالإشارة، أو التسبيح. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تقييده الدفع بموقفه فقط محلّ نظر، فأين الدليل على ذلك؟، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَإِنْ أَبَى) أي امتنع المارّ عن الرجوع، يقال: أبى الرجل يأبى إباءً - بالكسر والمدّ - وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبِيٍّ، على فاعل، وفَعِيلٍ، وتأبَّى مثله، وبناؤه شاذّ؛ لأن فَعَلَ يَفْعَلُ - بفتحتين - يكون حلقيَّ العين، أو اللام، (١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٩٤/١. (٣) ((الفتح)) ٦٩٥/١. (٢) ((شرح النووي)) ٤/ ٢٢٣. ٣٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وحَکَی ابن سِيدَهْ عن قومٍ: أَبِيَ يَأْبَى، کنَسِيَ يَنْسَى، وحَكَى ابن جني، وصاحب ((القاموس)): أَبَّى يَأْبِي، كَضَرَبَ يَضْرِبُ. (فَلْيُقَاتِلْهُ) وفي رواية أبي صالح الآتية: ((فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله))، أي يدفع بيده في نحره، فإن لم يندفع بذلك، فليدفعه، ولو بما أَدَّى إلی قتله. وأخرج عبد الرزّاق، عن ابن عمر ظّ قال: ((لا تَدَعْ أحداً يمرّ بين يديك، وأنت تصلّي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله)). قال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((فليدفعه)) أي بالإشارة، ولطيف المنع، وقوله: ((فليقاتله)) أي يزيد في دفعه الثاني أشدّ من الأول، قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ: مخالف للحديث، فإن رواية المصنّف بلفظ: ((فليدفع في نحره)) صريحة، أو كالصريح في الدفع باليد، لا بالإشارة، وأصرح منها رواية الإسماعيليّ، ولفظه: «فإن أبى، فليجعل يده في صدره، ويدفعه))، وأما دعواه مخالفة الإقبال على الصلاة والخشوع، فليست مسلّمةً؛ لأن من أمر بالخشوع في الصلاة هو الذي شرع المقاتلة فيها، فلا تنافي، ولا تعارض؛ إذ كلّ من عند الله تعالى، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال في ((الفتح)): وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقةً، واستَبْعَد ابن العربيّ ذلك في ((القبس))، وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة. وأغرب الباجيّ، فقال: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن، أو التعنيف. وتُعُقِّب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو مبطل، بخلاف الفعل اليسير. ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعياً لا مخاطباً، لكن فعل الصحابيّ يخالفه، وهو أدری بالمراد. ٣٦٩ (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٣) وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: ((فإن أبَى فليجعل يده في صدره ويدفعه))، وهو صريح في الدفع بالید. ونَقَلَ البيهقيّ عن الشافعيّ أن المراد بالمقاتلة دفعٌ أشدُّ من الدفع الأول. قال: وقال أصحابنا - بعني الشافعيّة -: يردُّه بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدَّ، ولو أدَّى إلى قتله، فلو قتل فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها . ونَقَل عياض وغيره أن عندهم خلافاً في وجوب الدية في هذه الحالة. ونَقَل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك أشدّ في الصلاة من المرور. قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت ما في هذا عند تعقّب كلام القرطبيّ، فلا تكن من الغافلين. قال: وذهب الجمهور إلى أنه إذا مَرّ، ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يردّه؛ لأن فيه إعادةً للمرور. ورَوَى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره أن له ذلك، ويمكن حمله على ما إذا ردَّه، فامتنع وتمادى، لا حيث يُقَصِّر المصلي في الردّ. انتهى(١). وقال ابن المنذر تَُّهُ: وقد اختلف أهل العلم في ردّ المصلّ من مرّ بين يديه من حيث جاء، فرخّص قوم في ردّه إذا مرّ، روي هذا القول عن عبد الله بن مسعود، وكذلك فعله سالمٌ، ورُوي عن الحسن البصريّ. وقال آخرون: لا يردّه بعد أن جاز، كذلك قال الشعبيّ والثوريّ وإسحاق ابن راهويه، وكذلك نقول؛ لأن رجوعه من حيث جاء يكون مروراً ثانياً بين يدي المصلّي، وليس لذلك وجهٌ. انتهى كلام ابن المنذر تَذَهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الثاني هو الأرجح، كما رجحه ابن المنذر تَُّهُ، وذكر حجته، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ))) الفاء تعليليّة؛ لأن ذلك المارّ الآبي عن الرجوع شيطان، وفي حديث عبد الله بن عمر ◌ًّا الآتي: ((فإن معه القرين))، أي الشيطان. (١) ((الفتح)) ٦٩٥/١. (٢) ((الأوسط)) ٩٥/٥ - ٩٦. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال القاضي عياض رَّتُهُ: قيل: معناه: فإنما حمله على مروره، وامتناعه من الرجوع الشيطان، وقيل: معناه يَفْعَلِ فِعْلَ الشيطان؛ لأن معنى الشيطان البعيد من الخير، وقبولِ السنة، من قولهم: ومنه سُمّي الشيطان؛ لبعده عن رحمة الله تعالى، فسمّاه شيطاناً؛ لاتّصافه بوصفه، كما يقال: فلانٌ الأسد، أي يبطش ويَقْوَى كبطشة الأسد وقوّته، وقيل: المراد بالشيطان هنا قرين الإنسان اللازم له، كما قال في الرواية الأخرى: ((فإن معه القرين)»، ويكون هذا من معنى قوله في الحديث الآخر: ((فإن الشيطان يحول بينكم وبينها))، فيكون على هذا يمنع الإنسان الجواز بين يدي المصلّي من أجل الشيطان اللازم له؛ لكونه خبيثاً نجساً، ويكون الله تعالى يمنعه من التسلّط على المشي أمام المصلّي، وقطع صلاته إذا اجتهد العبد في الدنُوّ من قبلته، وامتثل ما أُمر به، ولم يجعل له سبيلاً إليه، بخلافه إذا لم يذْنُ من السترة. انتهى كلام القاضي ◌َُّهُ(١). والله أعلم. وقال في ((الفتح)): قوله: ((فإنما هو شيطان)) أي فعله فعلُ الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَطِينَ اُلْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ر ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٣٣/٤٩ و١١٣٤] (٥٠٥)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٥٠٩) و((بدء الخلق)) (٣٢٧٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٩٧ و٦٩٨ و٧٠٠)، و(النسائيّ) فيها (٦٦/٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٥٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٥٤/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٧٩/١ و٢٨٣)، (١) ((إكمال المعلم)) ٤٢٠/٢ - ٤٢١. ٣٧١ (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٣) و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤/٣ و٤٣ و٤٤ و٦٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١/ ٣٢٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٢٤٠)، و(علي بن الجعد) في ((مسنده)) (٣١٩٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨١٦ و٨١٨ و٨١٩)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٣٦٧ و٢٣٧٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٦٠/١ و٤٦١) و((مشكل الآثار)) (٢٥٠/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٧/٢ و٢٦٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٨٨ و١٣٨٩ و١٣٩٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١١٨ و١١١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة دفع المارّ، ويكون ذلك بالأسهل، فالأسهل، فإن لم يرتدع فبالأشدّ، ولو أدّى إلى مقاتلته. ٢ - (ومنها): التشديد في المرور بين يدي المصلّي وبين سترته، حيث إن المارّ شُرع دفعه، ولو أدّى إلى قتله، وكذلك سمّاه شيطاناً. قال الحافظ ابن رجب تَخْذَتُهُ: يُستدلّ بالحديث على تحريم المرور بين المصلّي وسترته؛ لأنه جعله من عمل الشيطان، وأمر بالعقوبة عليه، وذلك من أدلّة التحريم. انتهى (١). ٣ - (ومنها): أن قوله في رواية أبي صالح التالية: ((إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ... إلخ)) يدلّ على أن حقّ دفع المارّ إذا كان المصليّ متّخذاً سترة، وإلا فلا يحقّ له الدفع. قال ابن المنذر تَُّهُ: ليس لأحد أن يمرّ بين يدي من يصلّي إلى سُترة، وإن مرّ بين يديه، وهو يصلّي إلى سترة كان له دفعه، فإن لم يندفع قاتله، إن أبى إلا أن يمرّ بين يديه، وقد رخّص في المرور بين يدي من يصلّي إلى غير سترة بعض أهل العلم، واحتجّ بحديث المطّلب بن أبي وداعة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أشار بحديث ابن أبي وداعة إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، عن المطّلِب بن أبي وَدَاعة، قال: (١) ((فتح الباري)) لابن رجب تخدش ٨٨/٤. (٢) ((الأوسط)) ٩٥/٥. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رأيت النبيّ وَالله حين فرغ من أسبوعه، أتى حاشية الطَّوَاف، فصلى ركعتين، وليس بينه وبين الطُّواف أحد. لكن الحديث ضعيف؛ وقد بيّنته في ((شرح النسائيّ))(١)، والأولى الاحتجاج برواية المصنّف رَّتُهُ، حيث قال: ((إلى شيء يستره))، فإنه يدلّ على أن الدفع لمن له سُترة، وأما غيره فلا، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): جواز إطلاق لفظ الشيطان على مَنْ يَفْتِن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المارّ شيطاناً بمجرّد مروره، قاله ابن بطّال ◌َّتُهُ . قال في ((الفتح)): وهو مبنيّ على أن لفظ ((الشيطان)) يُظْلَق حقيقة على الجنيّ، ومجازاً على الإنسيّ، وفيه بحث. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن لفظ الشيطان يُطلق حقيقة على الإنسيّ، وغيره من الحيوان المتمرّد، كما قال الله تعالى: ﴿شَيَطِينَ آَلْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية [الأنعام: ١١٢]، قال في ((القاموس)): الشيطان معروفٌ، وكلُّ عَاتٍ متمرِّدٍ من إنس، أو جنّ، أو دابّة. انتهى(٢). وقال في ((المصباح)): وفي الشيطان قولان: أحدهما: أنه من شَطَنَ: إذا بَعُد عن الحقّ، أو عن رحمة الله، فتكون النون أصليّة، ووزنه فَيْعَال، وكلّ عاتٍ متمرّد من الجنّ والإنس، والدوابّ، فهو شيطان، ووصف أعرابيّ فرسه، فقال: كأنه شيطان في أشطان(٣). والقول الثاني: أن الياء أصليّة، والنون زائدة، عكس الأول، وهو شاط يشيط إذا بطل، أو احترق، فوزنه فعلان. انتهى (٤). والحاصل أنه لا داعي لدعوى المجاز، فإن الشيطان يُطلق حقيقةً على كلّ متمرّد إنسيّ، أو جنّيّ، أو غيرهما، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٢٢٨/٩ - ٢٣٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٤٠/٤. (٤) ((المصباح المنير)) ٣١٣/١. (٣) جمع شَطَن بفتحتين: وهو الحبل. ٣٧٣ (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَى الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٣) ٥ - (ومنها): أنه في المنازعات ينبغي رفع الحكم إلى الحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، هكذا قيل(١). ٦ - (ومنها): أن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي لها منتفعاً بها، فإن أبا سعيد ظُه حدّث بالحديث؛ احتجاجاً على ما فعله بالشابّ. ٧ - (ومنها): أن ابن أبي جمرة: استنبط من قوله: ((فإنما هو شيطان)) أن المراد بقوله: ((فليقاتله)) المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال، قال: لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة، والتستر عنه بالتسمية ونحوها، وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشدّ على صلاته من المارّ. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن جمرة: فيه نظرٌ، بل الأولى حمل المقاتلة على حقيقتها، كما هو صريح الحديث، وفهمه الصحابيّ الراوي له رَُّبه، والله تعالى أعلم. قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارّ؟ الظاهر الثاني. انتهى. وقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره. وقد رَوَى ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود رَظُه: ((إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته)). ورَوَى أبو نعيم، عن عمر ظُه: ((لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس)). قال الحافظ رَُّ: فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمارّ، وهما وإن كانا موقوفين لفظاً، فحكمهما حكم الرفع؛ لأن مثلهما لا يقال بالرأي. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((عمدة القاري)) ٤٢٨/٤. (٢) ((الفتح)) ٦٩٥/١ - ٦٩٦. ٣٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ هِلَالٍ، يَعْنِي حُمَيْداً، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي نَتَذَاكَرُ حَدِيثاً، إِذْ قَالَ أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ: أَنَا أُحَدِّتُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَأَيْتُ مِنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِّي سَعِيدٍ، يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ، مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ، أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ، فَنَظَرَ، فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغاً إِلَّ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ، فَعَادَ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى، فَمَثَلَ قَائِماً، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيَكَ، جَاءَ يَشْكُوَكَ؟(١) فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلـ يَقُولُ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهٍ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوغَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٧/١٢. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ قاله ابن معين [٧] (ت١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) الْعَدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، توقّف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٩١/٢١. ٤ - (أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ) الزيّات، ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. وأبو سعيد څته ذُكِر قبله. (١) وفي نسخة: ((يشتكيك)). ٣٧٥ (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٤) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أبي صالح، وهو والصحابيّ مدنيّان . ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن البخاريّ لم يُخرج لسليمان بن المغيرة هذا حديثاً موصولاً إلا هذا الحديث مقروناً بيونس بن عُبيد، وأورد له أربعة أحاديث تعليقاً، وأما المصنّف فأخرج له (٣٩) حديثاً، فاحفظه، فإنه نفيس، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب كَخَّهُ: لم يُخرج البخاريّ لسليمان بن المغيرة إلا هذا الحديث متابعةً لحديث يونس بن عُبيد، وإنما خرّجه بعد إسناد حديث يونس؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه. أما في إسناده، ففيه التصريح بسماع حميد له من أبي صالح، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد. وأما في المتن، فإن فيه ذكر الصلاة إلى الستر، وليس هو في حديث یونس . وكذلك رواه سَلِيم بن حيّان، عن حميد، ولم يقل أيضاً: ((إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس))، وحينئذ، فلفظ الحديث الذي ساقه البخاريّ لسليمان بن المغيرة، وحَمَلَ حديث يونس عليه، ولم يُنبّه على ما في حديث سليمان من الزيادة، وقد نَبّه على ذلك الإسماعيليّ. وكذلك روى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، أن رسول الله وسلم قال: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه، ولْيَدْرَأُه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان))، خرّجه مسلم. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد، من رواية عطاء بن يسار، وأبي الودّاك، ورُوي أيضاً من رواية عطاء بن يسار عنه، وليس في حديث أحد منهم ذكر الصلاة إلى السترة، وإنما تفرّد بها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال، والله أعلم. وتابعه على ذكرها ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، وقد خرّج حديثه أبو داود، وابن ماجه، وليس ابن عجلان بذاك الحافظ . وتابعه أيضاً داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، خرّج حديثه عبد الرزاق عنه بسياق مطوّل، قال في ((مصنّفه)) (٢٠/٢): عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، قال: بينا أبو سعيد الخدريّ يصلي، إذ جاءه شابّ يريد أن يمرّ قريباً من سترته، وأمير المدينة يومئذ مروان، قال: فدفعه أبو سعيد حتى صَرَعَهُ، قال: فذهب الفتى حتى دخل على مروان، فقال: ها هنا شيخ مجنون دفعني حتى صرعني، قال: هل تعرفه؟ قال: نعم، قال: وكانت الأنصار تدخل عليه يوم الجمعة، قال: فدخل عليه أبو سعيد، فقال مروان للفتى: هل تعرفه؟ قال: نعم، هو هذا الشيخ، قال مروان للفتى: أتعرف مَن هذا؟ قال: لا، قال: هذا صاحب رسول الله وَلّ، قال: فَرَحّب به مروان، وأدناه حتى قعد قريباً من مجلسه، فقال له: إن هذا الفتى يذكر أنك دفعته حتى صرعته، قال: ما فعلت فردّها عليه، وهو يقول: إنما دفعت شيطاناً، قال: ثم قال: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((إذا أراد أحد أن يمر بين يديك وبين سترتك، فَرُدَّه، فإن أبى فادفعه، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان)). انتهى كلام ابن رجب بزيادة(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن زيادة ((إلى شيء يستره من الناس)) لم ينفرد بها سليمان بن المغيرة، بل تابعه داود بن قيس، وهو ثقة فاضلٌ، وابن عجلان، وهو - وإن قال ابن رجب: ليس بذاك الحافظ، فالحقّ (١) (فتح الباري)) لابن رجب كثُّ ٧٨/٤ - ٨٠. ٣٧٧ (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٤) أنه صالح في المتابعة، فقد وثّقه الأئمة: أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، وغيرهم، وإنما قالوا اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة رضيُبه، وهذه ليست منها . والحاصل أن زيادة سليمان هذه، أعنى قوله: ((إلى شيء يستره))، صحيحة بلا ريب، كما هو رأي الشيخين، حيث أخرجاها في ((صحيحيهما))، وقد رواها ثلاثة من الثقات: سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وداود بن قيس، وابن عجلان، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. شرح الحديث: عن حُميد بن هلال: أنه (قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا) تقدّم الكلام على ((بينما))، و((بينا)) غير مرّة، وخلاصته أن أصلهما ((بين)) الظرفيّة، زيدت عليها ((ما))، فصارت ((بينما))، أو أُشبعت الفتحة، فصارت ((بينا))، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وكثيراً ما يُقرن جوابهما بـ((إذ))، أو ((إذا))، نحو: بينما زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، أو إذا دخل عليه عمرو، ومنه قول [من الطويل]: إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنا وبعضهم يقول: الأفصح في جوابها أن لا تُقرن بهما، لكن المسموع في الأحاديث الصحيحة، وكلام العرب كثير، والله تعالى أعلم(١). (وَصَاحِبٌ لِي نَتَذَاكَرُ حَدِيثاً) أي نتدارسه، ويذكّر بعضنا بعضاً (إِذْ قَالَ أَبُو صَالِحٍ) ((إذ)) هي الفجائيّة، أي فاجأني قول أبي صالح (السَّمَّانُ) واسمه ذكوان، كما سبق آنفاً (أَنَا أُحَدِّثُك) بكسر الدال المشدّدة، من التحديث (مَا) موصول بمعنى الذي، أو موصوف بمعنى شيئاً، منصوب على المفعوليّة (سَمِعْتُ) بحذف العائد؛ لكونه فضلةً، كما قال في ((الخلاصة)): وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي (١) راجع: ((لسان العرب)) ٦٣/١٣ - ٦٧. ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَـمَنْ نَرْجُو يَهَبْ)) فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َظُه، أراد به المرفوع، وهو قوله وَّ: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره ... )) الحديث (وَرَأَيْتُ مِنْهُ) أي يعني الفعل الذي صدر منه مع ذلك الشابّ الذي أراد المرور بين يديه، وهو يصلّي، وقوله: (قَالَ) بيان وتفسير لقوله: ((ما سمعت من أبي سعيد ... إلخ)) (بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ) رَؤُه (يُصَلِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه مصلّياً يوم الجمعة (إِلَى شَيْءٍ) متعلّقٌ بـ«يصلي)) (يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((شيء)) (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌ) سبق آنفاً أن ((إذ)) فجائيّة، أي فاجأني مجيء شابّ، يقال: شَبّ الصبيّ يَشِبّ، من باب ضرب شَبَاباً، وشَبِيبةً، وهو شابّ، وذلك سنٌّ قبل الْكُهُولة، وقومٌ شُبّان، مثلُ فارس وفُرْسَان، والأنثى شابَةٌ، والجمع شَوابٌ، مثلُ دابّة ودَوَابٌ(١). (مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) بضم الميم، وفتح العين المهملة، وسكون الياء، آخره طاء مهملة، مصغّراً، وهو تصغير أمعط، وهو الذي لا شعر عليه، والأمعط، والأمر سواء، وأبو معيط في قريش، واسمه: أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أُميّة الأكبر، وهو والد عقبة بن أبي معيط الذي قتله رسول الله وَّه صبراً، قاله في ((العمدة))(٢). قال في ((الفتح)): وقع في ((كتاب الصلاة)) لأبي نعيم أنه الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط، أخرجه عن عبد الله بن عامر الأسلميّ، عن زيد بن أسلم قال: بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر بين يديه، فدفعه، هذا آخر ما أورده من هذه القصة. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: هذا آخر القصّة، هكذا قال في ((الفتح))، لكن يُخالفه ما ذكره ابن رجب في ((شرحه))، ونصّه: وروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)): ثنا عبد الله بن عامر، عن زيد بن أسلم، قال: بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدرأه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه، ولطمه، وقال: سمعت رسول الله وَ له (١) ((المصباح المنير)) ٣٠٢/١. (٢) ((عمدة القاري)) ٤٢٥/٤. ٣٧٩ (٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٤) يقول: ((إن أبى إلا أن يمرّ فاردده، فإن أبى إلا أن يمرّ فادفعه، فإنما تدفع الشيطان)) . قال: عبد الله بن عامر الأسلميّ فيه ضعف، وزيد بن أسلم إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، كما تقدّم، وتسمية الوليد بن عقبة غريبٌ غير محفوظ. انتهى كلام ابن رجب تَقَّتُهُ(١). قال الحافظ تَخْذّتُهُ: وفي تفسير الذي وقع في ((الصحيح)) بأنه الوليد هذا نظرٌ؛ لأن فيه أنه دخل على مروان، زاد الإسماعيليّ: ومروان يومئذ على المدينة. انتهى. ومروان إنما كان أميراً على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة؛ لأنه لما قُتل عثمان تَحَوَّل إلى الجزيرة، فسكنها حتى مات في خلافة معاوية، ولم يَحضُر شيئاً من الحروب التي كانت بين عليّ ومن خالفه، وأيضاً فلم يكن الوليد يومئذ شاباً، بل كان في عشر الخمسين، فلعله كان فيه، فأقبل ابن الوليد بن عقبة فيتجه. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدّم أنه كون المارّ الوليد بن عقبة لا يصحّ سنداً، ولا يوافقه التاريخ أيضاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ورَوَى عبد الرزاق حديث الباب، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، فقال فيه: ((إذ جاء شابٌّ))، ولم يسمه أيضاً . وعن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه: ((فذهب ذو قرابة لمروان)). ومن طريق أبي العلاء، فيه عن أبي سعيد، فقال فيه: ((مَرّ رجل بين يديه، من بني مروان)). وللنسائي من وجه آخر: «فمَرّ ابن لمروان))، وسماه عبدُ الرزاق من طريق سليمان بن موسى: ((داود بن مروان))، ولفظه: ((أراد داود بن مروان أن يمرّ بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير المدينة))، فذكر الحديث، وبذلك جزم ابن الجوزيّ، ومن تبعه في تسمية المبهم الذي في ((الصحيح)) بأنه داود بن مروان. وفيه نظرٌ؛ لأن فيه أنه من بني أبي مُعَيط، وليس مروان من بنيه، بل أبو (١) ((فتح الباري) لابن رجب تخَّتُ ٨٦/٤ - ٨٧. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة معيط ابن عمّ والد مروان؛ لأنه أبو معيط بن أبي عمرو بن أمية، ووالد مروان هو الحكم بن أبي العاص بن أمية، وليست أمّ داود، ولا أمّ مروان، ولا أم الحكم من ولد أبي معيط، فَيَحْتَمِل أن يكون داود نُسِب إلى أبي مُعيط من جهة الرضاعة، أو لكون جدّه لأمه عثمان بن عفان كان أخاً للوليد بن عقبة بن أبي معيط لأمه، فنُسِب داود إليه مجازاً. قال الحافظ تَذَتُهُ: وفيه بُعْدٌ، والأقرب أن تكون الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي ((مصنف ابن أبي شيبة)) من وجه آخر، عن أبي سعيد، في هذه القصة: ((فأراد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يمرّ بين يديه))، الحديث، وعبد الرحمن مخزوميّ ما له من أبي معيط نسبة. انتهى كلام الحافظ ◌َخْذَلهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله حسن، إلا أن الوليد بن عقبة لا يدخل في التعدّد؛ لما تقدّم من أن ذكره هنا لا يصحّ أصلاً، والله تعالى أعلم. (أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ) بالجيم من الجواز، وهو المرور، يقال: جاز الموضع يجوزه جوازاً، واجتازه: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلّفه وقطعه(٢). (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي قدّامه، والظاهر أنه كان بينه وبين سترته؛ إذ لو لم يستتر لما دفعه، بدليل قوله في احتجاجه: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ... إلخ)) (فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ) أي صدر ذلك الشابّ، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: ((النحر)): موضع القلادة من الصدر، والجمع نُحُورٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، وتُطلَق النحور على الصدور. انتهى(٣). (فَنَظَرَ) أي ذلك الشاب (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغاً) بفتح الميم، وبالغَين المعجمة: أي طريقاً يمكنه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق: إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيءُ: طاب(٤). (إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ) ◌َّهِ (فَعَادَ) الشابّ إلى أن يمرّ بين يديه؛ حيث فقد المساغ (فَدَفَعَ) أبو سعيد (فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى) أي من المرّة الأولى، قال (١) ((الفتح)) ٦٩٤/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٥/٢. (٢) راجع: ((مختار الصحاح)) (ص٧٣). (٤) ((عمدة القاري)) ٤٢٥/٤.