Indexed OCR Text

Pages 301-320

(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيَِّاتٍ - حديث رقم (٩٩٤)
٣٠١
أُمِنت المفسدة منهنّ، وعليهنّ. انتهى (١).
[فائدة]: قال ابن بطال تَّثهُ: ويخرج من هذا الحديث أن الرجل إذا
استأذنته امرأته إلى الحجّ لا يمنعها، فيكون وجه نهيه عن مسجد الله الحرام
لأداء فريضة الحج نهي إيجاب، قال: وهو قول مالك، والشافعيّ في أن المرأة
ليس لزوجها منعها من الحج. انتهى.
قال العراقيّ تَخْتُ: وما نقله عن الشافعيّ هو أحد قوليه، والقول الآخر،
وهو الأظهر عند أصحابه أن له منعها من حج الفرض، ولا يلزم من الإذن لها
في المسجد القريب الإذن في الحج الذي يَحتاج إلى سفر، ونفقة، وأعمال
(٢)
كثيرة. انتهى
.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بمنع المرأة عن فرض الحجّ مما لا وجه
له، فإذا كان الشارع نهى الرجال عن منع النساء لأداء صلاة الجماعة التي هي
مستحبّة في حقّ النساء، فكيف بفريضة الحجّ؟ وما ذكروه من السفر والنفقة
وغير ذلك فليس له وجه في المنع؛ لأن الله تعالى حين فرضه فرضه مع هذه
المشاقّ كلها، ولم يرخّص لأحد مع الاستطاعة أن يتساهل في أدائه، بل هدّد
في ذلك حيث قال بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فترك فرض الحج خطر
عظيم على الناس جميعاً، رجالاً ونساءً، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن شهاب (فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر، هكذا في هذه الرواية
تسميته بلالاً، وكذا في رواية كعب بن علقمة، عن بلال بن عبد الله نفسه
الآتية، ووقع في رواية عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عمر الآتية تسميته
بواقد، ووقع في رواية الأعمش، عن مجاهد بلفظ: ((فقال ابن لعبد الله بن
عمر))، فأبهمه.
وقد أخرج البخاريّ كَّتُ الحديث بدون ذكر القصّة، قال الحافظ وَّهُ:
ولم أر لهذه القصة ذكراً في شيء من الطرق التي أخرجها البخاري لهذا
الحديث، وقد أوهم صنيع صاحب ((العمدة)) خلاف ذلك، ولم يتعرض لبيان
(١) ((الفتح)) ٤٠٤/٢.
(٢) ((طرح التثريب)) ٣١٧/٢.

٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ذلك أحدٌ من شُرّاحه، وأظنّ البخاري اختصرها؛ للاختلاف في تسمية ابن
عبد الله بن عمر، فقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر، وسَمَّى الابن
بلالاً، فأخرجه من طريق كعب بن علقمة، عن بلال بن عبد الله بن عمر، عن
أبيه، بلفظ: ((لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد، إذا استأذنَّكم، فقال
بلال: والله لنمنعهن ... )) الحديث، وللطبرانيّ من طريق عبد الله بن هُبيرة، عن
بلال بن عبد الله نحوه، وفيه: ((فقلت: أمّا أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فَلْيُسَرِّحْ
أهله))، وفي رواية يونس، عن ابن شهاب الزهريّ، عن سالم في هذا الحديث:
((قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن))، ومثله في رواية عُقَيل عند
أحمد، وعنده في رواية شعبة، عن الأعمش المذكورة: فقال سالم، أو بعض
بنيه: ((والله لا نَدَعُهُنّ يتخذنه دَغَلاً ... )) الحديث.
والراجح من هذا أن صاحب القصّة بلالٌ؛ لورود ذلك من روايته نفسِهِ،
ومن رواية أخيه سالم، ولم يُخْتَلَف عليهما في ذلك، وأما هذه الرواية الأخيرة
فمرجوحة؛ لوقوع الشك فيها .
قال الحافظ: ولم أره مع ذلك في شيء من الروايات عن الأعمش
مُسَمَّى، ولا عن شيخه مجاهد، فقد أخرجه أحمد، من رواية إبراهيم بن
مهاجر، وابن أبي نَجِيح، وليث بن أبي سُليم كلهم عن مجاهد، ولم يسمِّه أحدٌ
منهم، فإن كانت رواية عمرو بن دينار، عن مجاهد محفوظةً في تسميته واقداً،
فَيَحْتَمِلُ أن يكون كلٌّ من بلال وواقد وقع منه ذلك، إما في مجلس، أو في
مجلسين، وأجاب ابن عمر كلّاً منهما بجواب يليق به.
ويُقَوِّيه اختلاف النَّقَلَة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم:
((فأقبل عليه عبد الله، فسَبّه سبّاً سيئاً، ما سمعته يسبه مثله قط))، وفسّر عبد الله بن
هُبيرة في رواية الطبرانيّ السبَّ المذكور باللعن ثلاث مرّات، وفي رواية زائدة،
عن الأعمش: ((فانتهره، وقال: أُفّ لك))، وله عن ابن نُمَير، عن الأعمش:
((فَعَل الله بك، وفعل))، ومثله للترمذيّ من رواية عيسى بن يونس، ولمسلم من
رواية أبي معاوية: «فَزَبَره))، ولأبي داود من رواية جرير: ((فسَبَّه، وغَضِبَ))،
فَيَحْتَمِل أن يكون بلال البادئ فلذلك أجابه بالسبّ المفسر باللعن، وأن يكون
واقد بدأه فلذلك أجابه بالسبّ المفسر بالتأفيف، مع الدفع في صدره، وكأن

٣٠٣
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ - حديث رقم (٩٩٤)
السرّ في ذلك أن بلالاً عارض الخبر برأيه، ولم يذكر عِلّة المخالفة، ووافقه
واقد، لكن ذكرها بقوله: ((يَتَّخِذنه دَغَلاً))، وهو بفتح المهملة، ثم المعجمة،
وأصله الشجر الْمُلْتَفّ، ثم استُعْمِل في المخادعة؛ لكون المخادع يَلُفّ في
ضميره أمراً، ويظهر غيره، وكأنه قال ذلك لَمّا رأى من فساد بعض النساء في
ذلك الوقت، وحملته على ذلك الْغَيْرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر؛ لتصريحه
بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال مثلاً: إن الزمان قد تَغَيَّر، وإن بعضهن ربما
ظهر منها قَصْدُ المسجد، وإضمار غيره، لكان يَظْهَر أن لا يُنكر عليه، وإلى
ذلك أشارت عائشة ﴿ّا بما ذُكِر في الحديث الأخير. انتهى ما في ((الفتح))(١)،
وهو بحثٌ نفيسٌ.
(وَاللهِ لَتَمْنَعُهُنَّ) أي عن الخروج إلى المساجد (قَالَ) ابن شهاب (فَأَقْبَلَ
عَلَيْهِ) أي بلال (عَبْدُ اللهِ) بنٍ عمر ﴿ّ (فَسَبَّهُ) من باب نصر، أي شتمه (سَبّاً
سَبِّئاً، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطَّ) قد تقدّم من رواية الطبرانيّ تفسير هذا السبّ،
باللعن ثلاث مرّات (وَقَالَ) ابن عمر مبيّناً سبب سبّه له (أُخْبِرَُ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّه)
أي عن نهيه الرجال عن منع نسائهم إذا استأذنّهم في الخروج إلى المساجد
(وَتَقُولُ: وَاللهِ لَتَمْنَعُهُنَّ)، أي فهذا منكر من القول؛ لأن مقتضى الإيمان أن
المسلم إذا سمع أمر رسول الله ﴿ ﴿ أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يعترض
برأيه؛ لأنه ينافي الإيمان، قال الله ◌َّ: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾
[النساء: ٦٥]، وقال ◌َ: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنَهُواْ﴾ الآية
[الحشر: ٧]، وقال ◌َ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ضخها هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٢ /٤٠٥ - ٤٠٦.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٩٣/٣١ و٩٩٤ و ٩٩٥ و٩٩٦ و٩٩٧ و٩٩٨
و٩٩٩ و١٠٠٠] و(٤٤٢)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٦٥ و٨٧٣ و٩٨٨
و٩٠٠) و((النكاح)» (٥٢٣٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥٦٧ و٥٦٨)، و(ابن
ماجه) في ((المقدّمة)) (١٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٠٣)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥١٠٧ و٥١٢٢)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١/
١٢٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦١٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢/
٣٨٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧/٢ و٩ و٧٦ و٧٧ و٩٠ و١٥١)، و(الدارميّ)
في ((سننه)) (٢٩٣/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٧٧)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٢٢٠٨ و٢٢٠٩ و٢٢١٠ و٢٢١٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(١٣٢٥٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٣٧ و١٤٣٨ و١٤٣٩ و١٤٤٠ و١٤٤١
و١٤٤٢ و١٤٤٣ و١٤٤٤ و١٤٤٥ و١٤٤٦ و١٤٤٧)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٩٨٠ و٩٨١ و٩٨٢ و٩٨٣ و٩٨٤ و٩٨٥ و٩٨٦)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٣٢/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد، لكن بشرط أن لا
تتطيّب، كما قُيّد في الروايات الآتية.
قال النوويّ كَّلُهُ: أحاديث الباب ظاهرة في أنها لا تُمْنع المسجد، لكن
بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي أن لا تكون متطيبة، ولا
متزينة، ولا ذات خلاخل يُسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة
بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يُخاف
به مفسدة ونحوها .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولا شابّة ... إلخ)) فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ
النصوص عامّة، تعمّ العجائز، والشابّات، وأما كونها ممن يُفتتن بها، فإنا نقول:
إن الافتتان بها لا يتحقّق إلا إذا كانت متبرجة، غير متستّرة، أو مظهرة زينتها،
وقد بيّن الشارع حين أجاز لهنّ الخروج إلى المساجد أن لا يكنّ بهيئة من يُفتتن
بها، فلا تتطيّب، ولا تبرُز، بل تكون مستترة بجلبابها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

٣٠٥
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيَِّاتٍ - حديث رقم (٩٩٤)
قال: وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا
كانت المرأة ذات زوج أو سيد، ووجدت الشروط المذكورة، فإن لم يكن لها
زوج ولا سيد حَرُم المنع إذا وُجدت الشروط. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: التفريق بحمل النهي على الكراهة في ذات
الزوج والسيّد، وعلى التحريم في غيرهما، مما لا دليل عليه، بل النهي الوارد
في أحاديث الباب إنما جاء في ذات الزوج والسيّد، فما الذي صرفه عن
التحريم؟ إن هذا لغريب، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ: استُدِلَّ به على أن المرأة لا تخرج من بيت
زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه إن أُخِذ من المفهوم، فهو مفهوم لقب، وهو
ضعيف، لكن يَتَقَوَّى بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمرٌ مقرّرٌ، وإنما عَلَّق
الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع.
٣ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير
الوجوب؛ لأنه لو كان واجباً لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا
كان المستأُذَن مخيراً في الإجابة أو الردّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لأن ذلك إنما يتحقّق ... إلخ)) فيه نظر؛
إذ لا يلزم ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ الآية [البقرة:
٢٣٢] فهذا النهي للتحريم قطعاً، فلا قائل بأن الوليّ مخيّر في الإجابة والردّ،
فكذا هنا، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ من إنكار عبد الله رضيبه على ولده تأديب
المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه.
٥ - (ومنها): جواز تأديب الرجل ولده وإن كان كبيراً إذا تكلم بما لا
ينبغي له.
٦ - (ومنها): جواز التأديب بالْهِجْران، فقد وقع في رواية ابن أبي نَجِيح،
عن مجاهد عند أحمد: ((فما كلَّمه عبد الله حتى مات))، قال الحافظ: وهذا إن
كان محفوظاً يَحْتَمِل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة بيسير. انتهى.
وقال الطيبيّ نَّتُهُ - معلّقاً على هذه الرواية -: أقول: عجبتُ ممن يتسمّى

٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
بالسنيّ، وإذا سمع سنّةً من سنن رسول الله بَّه، وله رأي رجّح رأيه عليها،
وأيُّ فرق بينه وبين المبتدع؟ أما سمع حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون
هواه تبعاً لما جئت به))(١)، وها هو ابن عمر، وهو من أكابر فقهاء الصحابة،
والمرجوع إليه بالفتيا والاجتهاد، كيف غضب الله تعالى، ولرسوله ولَّله، وهَجَرَ
فِلْذَةَ(٢) كَبِده، وشقيق روحه لتلك الْهَنَة؛ عِبرةً لأولي الألباب. انتهى كلام
الطيبيّ ◌َُّهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن كلام الطيبيّ كَّلُ، وأجمله، كيف يطيب
لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف السنة لرأيه، أو لرأي أحد من الناس
ممن يرى تقليده، وهو يسمع قوله رَّ: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِمُواْ تَسْلِيمًا
٦٥
[النساء: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمُّ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]،
هذا هو السبيل، وهذا هو الحقّ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ [يونس: ٣٢]، ﴿رَبَّا
لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيَّنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَضَّابُ (®)﴾ [آل عمران: ٨]،
اللهم أرنا الحقّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، آمين
آمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد تخلّثه: الحديث صريح في
النهي عن المنع للنساء عن المساجد عند الاستئذان، وقوله في الرواية
الأخرى: ((لا تمنعوا إماء الله)) يشعر أيضاً بطلبهن للخروج، فإن المانع إنما
يكون بعد وجود المقتضي، ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهنّ؛
لأنه لو كان ممتنعاً لم ينه الرجال عن منعهن منه.
(١) حديث ضعيف الإسناد، وصححه النووي في ((أربعينه))، فردّ عليه الحافظ ابن رجب
في ((جامع العلوم والحكم)) (٣٩٤/٢ - ٣٩٥)؛ لتفرّد نعيم بن حمّاد به، وقد ضعّفه
الأكثرون، وفيه انقطاع أيضاً، فراجع ما كتبه بالرقم المذكور، لكن بمعناه الآية:
﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
(٢) الْفِلْذ بكسر الذال المعجمة، وسكون اللام: القطعة من الشيء، وجمعها فِلَذ بكسر
ففتح، كسِدْرَة وسِدَر، أفاده في ((المصباح)) ٤٨١/٢.

٣٠٧
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيَِّاتٍ - حديث رقم (٩٩٤)
قال: والحديث عامّ في النساء، ولكن الفقهاء قد خصصوه بشروط
وحالات :
منها: أن لا يتطيبن، وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي بعض
الروايات: ((ولْيَخْرُجْن تَفِلات))(١)، وفي بعضها: ((إذا شَهِدت إحداكنّ المسجد،
فلا تمس طيباً))، وفي بعضها: ((إذا شَهِدت إحداكنّ العشاء، فلا تطيّب تلك
الليلة)).
فيُلْحَق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما مُنِع منه لما فيه من تحريك
داعية الرجال وشهوتهم، وربما يكون سبباً لتحريك شهوة المرأة أيضاً، فما
أوجب هذا المعنى التَحَقَ به، وقد صحَّ أن النبيّ وَّرَ قال: ((أيما امرأة أصابت
بَخُوراً(٢)، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة))، ويُلْحَق به أيضاً حُسْن الملابس،
ولبس الحليّ الذي يظهر أثره في الزينة، وحَمَل بعضهم قول عائشة ضُنا في
((الصحيحين)): ((لو أن رسول الله ﴾ رأى ما أحدثت النساء بعده، لمنعهن
المساجد، كما مُنِعت نساء بني إسرائيل)) على هذا، تعني إحداث حسن
الملابس والطيب والزينة.
قال: ومما خَصّ به بعضهم هذا الحديث أن منع الخروج إلى المسجد
للمرأة الجميلة المشهورة جائز.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول غير صحيح، فإن النصّ عام يتناول
الجميلة وغيرها، ومما يردّه ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، عن
ابن عباس ﴿ّ قال: ((كانت امرأة تصلّي خلف النبيّ وَ﴿ حسناء من أحسن
الناس، فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول؛ لئلا يراها، ويستأخر
بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع قال هكذا، ينظر من تحت
(١) قوله: ((تَفِلات)) هو بفتح التاء المثناة من فوقُ وكسر الفاء: جمع تَفِلَة، مأخوذ من
التَّفَل بفتحهما، وهو الريح الكريهة، والمراد به: ليخرجن تاركات للطيب، ومنه
الحديث الآخر: ((الحاجّ الشَّعث التَّفِلُ)). قاله في ((طرح التثريب)) ٣١٦/٢.
(٢) ((البَخُور)) بفتح الباء الموحدة: ما يُتَبَخَّر به، من عُود، أو لُبَان، أو غيرهما، قاله
في ((الطرح)) ٣١٦/٢.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
إبطه، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَشْخِرِينَ
[الحجر: ٢٤] في شأنها))(١).
(٢٤)
فقد ثبت أن هذه المرأة الجميلة كانت تحضر الصلاة مع النبيّ وَ ◌ّر، ولم
تُمنع من ذلك، فتبصّر بالإنصاف.
قال: ومما ذكره بعضهم مما يقتضي التخصيص أن يكون بالليل، وهذا
قد جاء في بعض طرق الحديث في ((الصحيح)): ((لا تمنعوا النساء من الخروج
إلى المساجد بالليل))، فالتقييد بالليل قد يشعر بما قال.
ومما قيل أيضاً في تخصيص هذا الحديث: أن لا يزاحمن الرجال.
وبالجملة فمدار هذا كله النظر إلى المعنى، فما اقتضاه المعنى من المنع،
كان خارجاً عن الحديث، وخُصّ العموم به.
وقيل: إن في الحديث دليلاً على أن للرجل أن يمنع امرأته من الخروج
إلا بإذنه، وهذا إن أُخِذ من تخصيص النهي بالخروج إلى المساجد، وأن ذلك
يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد.
وقد يُعْتَرض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب، ومفهوم اللقب
ضعيف عند الأصوليين.
ويمكن أن يقال في هذا: إن منع الرجال للنساء من الخروج مشهور
معتاد، وقد قُرِّروا عليه، وإنما عُلِّق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز،
وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم، فيبقى ما عداه على المنع، وعلى هذا فلا
يكون منع الرجل لخروج امرأته لغير المسجد مأخوذاً من تقييد الحكم بالمسجد
فقط .
ويمكن أن يقال فيه وجه آخر، وهو أن في قوله وَله: ((لا تمنعوا إماء الله
مساجد الله)) مناسبةً تقتضي الإباحة، أعني كونهن إماء الله بالنسبة إلى خروجهن
إلى مساجد الله، ولهذا كان التعبير بإماء الله، أوقع في النفس من التعبير بالنساء
لو قيل، وإذا كان مناسباً أمكن أن يكون علة للجواز، وإذا انتفى انتفى الحكم؛
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذيّ برقم (٣٠٤٧)، والنسائيّ (٨٧٠)، وابن ماجه
(١٠٤٦).

٣٠٩
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ - حديث رقم (٩٩٤)
لأن الحكم يزول بزوال علته، والمراد بالانتفاء ها هنا انتفاء الخروج إلى
المساجد التي للصلاة. انتهى كلام ابن دقيق العيد تَّتُهُ(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم خروج النساء إلى
المساجد :
قال في ((طرح التثريب)) عند الكلام على حديث: ((وبيوتهنّ خير لهنّ))
- وقد تقدّم الكلام عليه ـ ما حاصله: في هذا حجة لمن لم يستحبّ لهنّ شهود
الجماعة، وهو قول أهل الكوفة، وكان إبراهيم النخعيّ يمنع نساءه الجمعة
والجماعة، وقال أبو حنيفة: أكره للنساء شهود الجمعة، والصلاة المكتوبة،
وقد أرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر، وأما غير ذلك فلا، وقال
الثوريّ: ليس للمرأة خير من بيتها، وإن كانت عجوزاً، وقال أبو يوسف:
أكرهه للشابّة، ولا بأس أن تخرج العجوز في الصلوات كلها، وقال الشافعيّة:
إن أردن حضور المسجد مع الرجال كُرِه للشواب دون العجائز، ورَوَى أشهب
عن مالك قال: ولِلْمُتَجَالَّة - أي الكبيرة السنّ - أن تخرج إلى المسجد، ولا
تكثر التردد إليه، وللشابة أن تخرج المرة بعد المرة. انتهى (٢).
وقال العلامة أبو محمد بن حزم تَخَّتُهُ: ولا يحلّ لوليّ المرأة، ولا لسيّد
الأمة منعهما من حضور الصلاة في جماعة في المسجد، إذا عُرف أنهنّ يُردن
الصلاة، ولا يحلّ لهنّ أن يخرجن متطيّبات، وفي ثياب حِسَان، فإن فعلت
فليمنعها، وصلاتهنّ في الجماعة أفضل من صلاتهنّ منفردات.
قال: وقال أبو حنيفة ومالك: صلاتهنّ في بيوتهنّ أفضل، وكره أبو حنيفة
خروجهنّ إلى المساجد لصلاة الجماعة، وللجمعة، وفي العيدين، ورَخَّص
للعجوز خاصّةً في العشاء الآخرة والفجر، وقد روي عنه أنه لم يكره خروجهنّ
في العيدين.
وقال مالك: لا نمنعهنّ من الخروج إلى المساجد، وأباح للْمُتَجَالّة - أي
(١) ((إحكام الأحكام)) ١٣٩/٢ - ١٤٣.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٣١٧/٢.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الكبيرة السنّ - شهود العيدين، والاستسقاء، وقال: تخرج الشابّة إلى المسجد
المرّة بعد المرّة، قال: والمتجالّة تخرج إلى المسجد، ولا تكثر التردّد.
ثم ردّ أبو محمد تَتُ على هؤلاء بما لا تجده في غير كتابه، فأفاد
وأجاد(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن حزم كَُّ حسنٌ جدّاً إلا قوله:
وصلاتهنّ في الجماعة أفضل، فإنه غير مسلّم له، فإن صلاتهنّ في بيوتهنّ
أفضل؛ لصحّة الأحاديث بذلك.
(فمنها): ما أخرجه أحمد، والطبرانيّ من حديث أم حميد، امرأة أبي
حميد الساعديّ ﴿ّ أنها جاءت إلى رسول الله وَّ، فقالت: يا رسول الله، إني
أُحب الصلاة معك، قال: «قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في
بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك
في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك
في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي))، قال: فأمرت فبُنِي لها
مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلّي فيه حتى لقيت الله رَّك.
انتهى. وإسناده حسن، ويشهد له حديث ابن مسعود ظريته الآتي بعده.
(ومنها): حديث ابن مسعود عنه أن النبيّ قال: ((صلاة المرأة في بيتها
أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مُخْدَعها أفضل من صلاتها في
بیتها)»، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.
و ((الْمُخْدَع)) بضمّ الميم: بيتٌ صغير، يُحرز فيه الشيء، وتثليث الميم
لغة، قاله الفيّوميّ(٢).
(ومنها): حديث ابن عمر ظه مرفوعاً: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد،
وبيوتهنّ خير لهنّ))، أخرجه أبو داود، وأحمد، والحاكم، والبيهقيّ، وصححه
الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضاً جماعة آخرون،
وأعلّه بعضهم بعنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلّس، لكن ينجبر بالأحاديث
المذكورة، فتنبه.
(١) انظر: ((المحلَّى)) ١٢٩/٣.
(٢) ((المصباح المنير) ١٦٥/١.

٣١١
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيَِّاتٍ - حديث رقم (٩٩٤)
وبالجملة فأحاديث الباب صحيحة صالحة للاحتجاج بها، فتضعيف ابن
حزم لها، وكذا دعواه النسخ لها على تقدير ثبوتها، فمما لا يُلتفت إليه، فتأمّل
بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
والحاصل أن صلاة المرأة في المسجد جائزة إذا توفّرت الشروط
المذكورة، ولكن صلاتها في البيت أفضل؛ للأحاديث المذكورة.
ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقّق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكّد
ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرّج والزينة، ومن ثَمّ قالت عائشة ◌َثنا:
((لو أدرك رسول الله وَّل ما أحدث النساء لمنعهنّ المسجد، كما مُنعت نساء بني
إسرائيل))، متّفق عليه. وقال الشوكانيّ تَخْثُهُ: وقد حصل من مجموع الأحاديث
المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن
في خروجهنّ ما يدعو إلى الفتنة، من طيب، أو حليّ، أو زينة واجبٌ على
الرجال، وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى ذلك، بل لا يجوز، ويحرم عليهنّ
الخروج؛ لقوله وَلفر: ((أيما امرأة أصابت بَخُوراً، فلا تشهد معنا العشاء
الآخرة))، رواه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وصلاتهنّ على كلّ حال في
بيوتهنّ أفضل من صلاتهنّ في المساجد. انتهى كلام الشوكانيّ تَظُّْ، وهو
تحقیقٌ نفیسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أنه يجب على
الرجال الإذن للنساء بالخروج إلى المسجد، ولا يجوز لهم المنع، إذا طلبن
ذلك بشرط أن يلتزمن آداب الخروج، مما هو مذكور في الأحاديث المتقدّمة،
من ترك الطيب، وعدم التبخّر بالبخور، وغير ذلك مما ألحقه العلماء
بالمنصوص مما يثير الفتنة.
فأما إذا خالفت ذلك فيحرم عليها الخروج، ولا يجوز الإذن لها؛ لأنه يكون
إعانة على المعصية؛ لأنها إذا خرجت متعطّرة قاصدة لذلك تكون زانية، فقد أخرج
النسائيّ، وأحمد، من حديث أبي موسى الأشعريّ بظلاله قال: قال رسول الله وَله:
((أيما امرأة استَعْطَرت، فمَرّت بقوم؛ ليجدوا ريحها، فهي زانية))(١)، والله تعالى
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (١٨٨٧٩ و١٨٩١٢)، والنسائيّ في =

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ
إِدْرِيسَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌ِّ قَالَ:
((لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمَيرِ الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ،
من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ،
أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو
عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (نَافِع) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
مشهورٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
وقوله: (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ) التعبير بإماء الله أوقع في النفس
من التعبير بالنساء، ففيه مناسبة ظاهرة؛ إذ كونهن إماء الله يقتضي أن لا يُمنعن
من مساجد مالكهنّ، ففيه دفع للأزواج إلى الإذن لهنّ؛ لأنهنّ ممن يستحقّ
الخروج إليها؛ لكونهنّ إماء الله رَّك كما أن الرجال عبيده.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
= ((المجتبى)) برقم (٥١٢٦)، والدارميّ في ((سننه)) برقم (٢٥٣٢).
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٣١٣
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ - حديث رقم (٩٩٦ - ٩٩٧)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ
سَالِماً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا
اسْتَأْذَنَكُمْ(١) نِسَاؤُكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَأُذَنُوا لَهُنَّ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان واسمه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن
أُمَّة الْجُمَحِيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٣/٥.
والباقون تقدّموا قبله، و((ابن نُمير)) هو محمد بن عبد الله بن نُمير.
وقوله: ((إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ) وفي نسخة: ((إذا استأذنتكم نساؤكم))،
وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَمْتَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ
إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ»، فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: لَا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ، فَيَتَّخِذْنَهُ
دَغَلاً، قَالَ: فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَتَقُولُ: لَا
نَّدَعُهُنَّ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ السنّة،
ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((لإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم تقدّم قبل باب.
(١) وفي نسخة: ((إذا استأذنتكم)).

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (مُجَاهِد) بن جَبْر الْمخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ، إمامٌ مشهورٌ [٣] (ت ١٠١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
وقوله: (لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ) قال
العراقيّ تَخْثُهُ: أطلق في بعض طرق الحديث النهي عن منعهن، كما تقدّم،
وقيّده في بعضها بالليل، كهذه الرواية، قال ابن بطال: وفي هذه الرواية دليل
على أن النهار بخلاف ذلك؛ لنصه على الليل، قال: وهذا الحديث يَقْضِي على
المطلق، ألا ترى إلى قول عائشة رضي﴿ّا: ((ما يَعْرِفهنّ أحد من الغلس)»؟.
قال: إن قيل: ظاهر رواية البيهقي أن التقييد بالليل مدرج من قول
سفيان، فإنه رواه من طريقه: ((إذا استأذنت أحدَكُم امرأتُهُ إلى المسجد فلا
يمنعها))، ثم قال: زاد العلويّ في روايته: قال سفيان: ((إذا كان ذلك ليلاً)).
والجواب أن رواية سفيان في ((الصحيحين)) وغيرهما مطلقةٌ، ليس فيها
التقييد بالليل، فلا يَضُرُّنا زيادة سفيان فيها اشتراطه ذلك، والرواية التي فيها
التقييد بالليل، ليست من طريقه، إنما هي من رواية حنظلة، عن سالم، عن
أبيه، عند البخاريّ، واتَّفَقَ عليها الشيخان أيضاً من رواية مجاهد، عن ابن
عمر، وليست من طريق سفيان، وليست على هذا مدرجةً، وإنما هي من أصل
الحديث. انتهى كلام العراقيّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله (فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) تقدّم أن الراجح أنه بلال بن عبد الله بن
عمر، وقيل: واقد.
وقوله: (فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلاً) بفتح الدال، والغين المعجمة: هو الفساد،
والْخِداع، والريبة، قاله النوويّ كَّتُ(٢).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: أصل الدَّغَل: الشجر الْمُلْتفّ الذي يكون فيه أهل
الفساد، قال الليث: يقال: أدغلت في الأمر: إذا أدخلت فيه ما يُخالفه، قال:
وإذا دخل الرجل مدخلاً مُريباً قيل: دَغَلَ فيه. انتهى(٣).
(١) ((طرح التثريب)) ٣١٥/٢.
(٣) ((المفهم)) ٦٨/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤/ ١٦٢.

٣١٥
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيَِّاتٍ - حديث رقم (٩٩٨)
وقوله: (فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ) أي انتهره، قال القاضي عياض نَّتُهُ: قال
صاحب ((الأفعال)): يقال: زَبَرتُ الكتاب: إذا كتبته، والشيءَ: قطعته،
والرجلَ: انتهرته، والبئرَ: طويتُها بالحجارة، قال القاضي: وانتهار ابن عمر
لابنه، وضربه في صدره، وسبّه له، كما جاء الحديث فيه تأديب للمعترض على
السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وجواز التأديب باليد، وبالسبّ، وتأديب
الرجل ولده، وإن كان كبيراً وتغيير المنكر، وتأديب العالم من يتعلّم عنده،
ويتكلّم بما يخالف الشرع بين يديه. انتهى(١).
وقوله: (لَا نَدَعُهُنَّ) بفتح الدال: أي لا نتركهنّ يخرجن إلى المساجد
للفساد، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في حديث أول الباب، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩٨] (.) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بوزن جعفر - المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠]
(ت٢٥٧) أو بعدها، وقد قَّارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الأعمش الذي سبق، وهو عن
مجاهد، عن ابن عمر پا.
وقوله: (مِثْلَهُ) يعني أن حديث عيسى بن يونس عن الأعمش مثل حديث
أبي معاوية، عنه.
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٥٤/٢ - ٣٥٥.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
[تنبيه]: رواية عيسى هذه ساقها الترمذيّ كَّتُهُ في ((جامعه))، فقال:
(٥٢٠) حدّثنا نصر بن عليّ، حدّثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن
مجاهد، قال: كنا عند ابن عمر، فقال: قال رسول الله وَل: ((ائذنوا للنساء
بالليل إلى المساجد))، فقال ابنه: والله لا نأذن لهنّ، يتخذنه دَغَلاً، فقال:
فَعَلَ الله بك، وفَعَل، أقول: قال رسول الله بَّه، وتقول: لا نأذن لهنّ. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةٌ،
حَدَّثَنِي(٢) وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنَّ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ))، فَقَالَ ابْنٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ: إِذَنْ يَتَّخِذْنَهُ
دَغَلاَ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: أُحَدِّئُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَتَقُولُ: لَا؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين، المروزيّ، نزيل
بغداد، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد بن رافع تقدّم قبل باب.
٣ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: كان اسمه
مروان، الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٢٠٤) أو بعدها
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٤ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر بن كُليب الْيَشْكُريّ، ويقال: الشيبانيّ، أبو بِشر
الكوفيّ، نزيل المدائن، يقال: أصله من مرو، صدوقٌ [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبِيعي، وأبي طوالة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن
دينار، وعمرو بن دينار، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، ومنصور،
وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٣١٧
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطََّاتٍ - حديث رقم (٩٩٩)
ورَوَى عنه شعبة، وهو من أقرانه، وابن المبارك، ومعاذ بن معاذ،
وإسحاق بن يوسف الأزرق، وبقية بن الوليد، وشَبابة بن سَوّار، ويحيى بن أبي
زائدة، وغيرهم.
قال أبو داود الطيالسيّ: قال لي شعبة: عليك بورقاء، إنك لا تلقى بعده
مثله حتى يرجع، قال محمود بن غيلان: قلت لأبي داود: أيَّ شيءٍ عَنَى
بذلك؟ قال: أفضل، وأورع، وخيراً منه، وقال أبو داود، عن أحمد: ثقةٌ،
صاحب سنة، قيل له: كان مرجئاً؟ قال: لا أدري، وقال حنبل، عن أحمد:
ورقاء من أهل خراسان، قال: وقال حجاج: كان يقول لي: كيف هذا الحرف
عندك؟ فأقول له: كذا وكذا، قال أبو عبد الله: وهو يُصَحِّف في غير حرف،
وكأنه ضعّفه في التفسير، وقال حرب: قلت لأحمد: ورقاء أحبّ إليك في
تفسير ابن أبي نَجِيح، أو شيبان؟ قال: كلاهما ثقة، وورقاء أوثقهما، إلا أنهم
يقولون: لم يسمع التفسير كله، يقولون: بعضه عَرْضٌ، وقال علي ابن المدينيّ،
عن يحيى بن سعيد: قال معاذ: قال ورقاء: كتاب التفسير قرأت نصفه على ابن
أبي نَجِيح، وقرأ عليّ نصفه، وقال الدُّوريّ: قلت لابن معين: أيما أحبّ
إليك، تفسير ورقاء، أو تفسير شيبان، وسعيد عن قتادة؟ قال: تفسير ورقاء؛
لأنه عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، قلت: فأيما أحب إليك، تفسير ورقاء، أو
ابن جريج؟ قال: ورقاء؛ لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفاً، وقال
أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ورقاء ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عن
ابن معين: صالحٌ، وقال الغلابيّ، عن ابن معين: ورقاء وشيبان ثقتان، قال:
وسمعت معاذ بن معاذ يقول ليحيى القطان: سمعت حديث منصور؟، قال:
نعم، فقال: ممن؟ قال: من ورقاء، قال: لا يساوي شيئاً، وقال إبراهيم
الحربيّ: لَمّا قرأ وكيع التفسير قال للناس: خذوه، فليس فيه عن الكلبيّ، ولا
عن ورقاء شيءٌ، وقال شبابة: قال لي شعبة: اكتب أحاديث ورقاء عن أبي
الزناد، وقال عمرو بن عليّ: سمعت معاذ بن معاذ ذَكَرَ ورقاء، فأحسن عليه
الثناء ورضيه، وحدّثنا عنه، وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن ورقاء، وشبل
في ابن أبي نَجِيح؟، فقال: ورقاء صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء، وشبل
قدريّ، قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة: ورقاء أحب إليك في أبي الزناد،

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أو شعيب، أو مغيرة، أو ابن أبي الزناد؟ فقال: ورقاء أحب إلي منهم، وقال
أبو حاتم: كان شعبة يُثني عليه، وكان صالح الحديث، وقال العقيليّ: تكلَّموا
في حديثه عن منصور، وقال ابن عديّ: رَوَى أحاديث غَلِطَ في أسانيدها،
وباقي حديثه لا بأس به، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال وكيع: ورقاء
ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال يحيى بن أبي طالب: أنا أبو المنذر، إسماعيل بن عمر، قال:
دخلنا على ورقاء، وهو في الموت، فجعل يُهَلِّل ويكبر، وجعل الناس يسلمون
عليه، فقال لابنه: يا بُنَّيّ اكفني رد السلام على هؤلاء؛ لئلا يشغلوني عن ربي.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثاً.
٥ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت٢٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١/ ١٨٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ) تقدّم أن الراجح أن اسم صاحب القصّة بلال بن
عبد الله، وأما واقد فوقع في هذه الرواية، من طريق مجاهد، وقد اختلفوا
عليه، ففي رواية عمرو بن دينار عنه: ((يقال له: واقد))، وفي رواية الأعمش،
عنه عند أحمد في ((مسنده)): ((فقال سالم، أو بعض بنيه)) بالشكّ.
فتبيّن بهذا أن كونه بلالاً هو الصواب؛ لأنه جاء من رواية نفسه، كما في
رواية كعب بن علقمة، عنه الآتية بعد هذا، وكذا جاء في رواية ابن شهاب،
عن سالم، ولم يختلف الرواة في هاتين الروايتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ) أي دفعه بيده في صدره، وفي رواية أحمد:
((فَلَطَمَ صدره))، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في حديث أول الباب،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٠٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ
الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - بَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ - حَدَّثَنَا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ

٣١٩
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيَِّاتٍ - حديث رقم (١٠٠٠)
بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ
حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِذَا اسْتَأْذَنُوكُمْ (١))، فَقَالَ بِلَالٌ: وَاللهِ لَتَمْنَعُهُنَّ، فَقَالَ لَهُ
عَبْدُ اللهِ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَتَقُولُ أَنْتَ: لَتَمْتَعُهُنَّ؟)(٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ)(٣) أبو عبد الرحمن المكيّ، أصله من
البصرة، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأ القرآن نيِّفاً وسبعين سنةً [٩] (ت٢١٣)
وقد قارب المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسمه مِقْلاص الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٦١) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
(١) وفي نسخة: ((إذا استأذنَّكم)).
(٢) قال الجامع الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم عفا الله
تعالى عنه: هذا الحديث متمّم الألف الأول لأحاديث الكتاب، من أحاديث
((صحيح مسلم)) حسب ترقيمي، وبحمد الله ﴿ قد انتهيت من شرحه وقت الضحى
يوم الخميس المبارك (١٤٢٦/٤/١٨هـ) الموافق ٢٦/ مايو - أيار (٢٠٠٥م) أسأل الله
تعالى الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يمنّ عليّ بإتمام شرح بقيّة
أحاديث الكتاب، كما منّ عليّ بإنجاز ما مضى، إنه سميع قريب مجيب الدعوات،
﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، وصلى الله وسلم وبارك على
عبده ورسوله المختار، وآله الأبرار، وصحابته الأخيار آمين آمين آمين.
(٣) [تنبيه]: وقع في برنامج الحديث هنا غلط، حيث ترجم هنا لعبد الله بن يزيد مولى
الأسود بن سفيان المقرىء المدنيّ، شيخ مالك، والصواب ما هنا، وذلك لأن
مولى الأسود متقدّم من الطبقة السادسة، ما أدركه زهير بن حرب، ولا ابن نمير؛
لأنه مات سنة (١٤٨) وزهير ولد سنة (١٦٠) أي بعد موته بنحو اثنتي عشرة سنة،
وقد وقع لهم قبل هذا نفس الغلط في المقدّمة رقم (١٥/٤) ونبّهت عليه هناك،
وسيأتي كذلك أسانيد أخرى وقع فيها نفس الغلط، وجملة ما وقع فيه الغلط (١٨)
حديثاً، فتنبّه لهذا الغلط الكثير، وبالله تعالى التوفيق.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٤ - (كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ) بن كعب التَّنُوخيّ، أبو عبد الحميد المصريّ،
صدوقٌ [٥] (ت ١٢٧) وقيل: بعدها (عخ م د س ق) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٥/٧.
٥ - (بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب القرشيّ الْعَدَويّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه حديث الباب فقط، وروى عنه كعب بن علقمة، وعبد الله بن
هُبيرة، وعبد الملك بن فارع.
قال أبو زرعة: مدنيّ ثقةٌ، وقال حمزة الكنانيّ: لا أعلم له غير هذا
الحديث، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وعدّه يحيى القطان في
فقهاء أهل المدينة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و ((ابن عمر ێ)) ذُكر قبله.
وقوله: ((لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ) قال في (القاموس)):
الحظّ: النصيب والْجَدُّ، أو خاصّ بالنصيب من الخير والفضل، جمعه: أَحُظٌّ،
وأَحَاظِ، وحِظَاظٌ، وحِظَاءٌ بكسرهما، وحُظِّ، وحُظُوظٌ، وحُظُوظَةٌ بضمّهنّ.
انتھی(١).
والمعنى: لا تمنعوهنّ نصيبهُنّ من الثواب الحاصل لهنّ بحضورهنّ
المساجد للصلاة ونحوها .
وقوله: (إِذَا اسْتَأْذَنُوكُمْ) قال النوويّ تَخْذُ: هكذا وقع في أكثر الأصول
(استأذنوكم))، أي بواو الجمع، وفي بعضها: ((استأذنّكم)) أي بتشديد النون،
وهذا ظاهرٌ، والأول أيضاً صحيح، وعومل معاملة الذكور؛ لطلبهنّ الخروج
إلى مجلس الذكور. انتهى (٢) .
وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: ذكّر ضمير النساء تعظيماً لهنّ، لما قصدن أن يسلكن
في سلك الرجال الرُّكَّع السُّجَّد على نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ اُلْقَنِينَ﴾
[التحريم: ١٢]، وقال الشاعر:
وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٩٤/٢ - ٣٩٥.
(٢) ((شرح النووي)) ١٦٢/٤ - ١٦٣.