Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٨)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ نَِّ قَوْماً فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْ قنديّ الإمام
الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ فاضل [١١] (ت٢٥٥) عن (٧٤)
سنةً (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ) - بفتح الراء، وتخفيف القاف، ثم شين
معجمة - هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم، أبو عبد الله
البصريّ، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن أبيه، ووهيب بن خالد، ومالك، وعبد الواحد بن زياد،
ومعتمر بن سليمان، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وبشر بن منصور السّليميّ،
وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ورَوَى مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه له بواسطة
عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن رافع،
وعمرو بن منصور، والحسن بن إسحاق، وهلال بن العلاء، ومحمد بن يحيى
الذُّهْليّ، وغيرهم.
قال الذُّهْليّ: كان متقناً، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ، وقال العجليّ:
ثقةٌ متعبدٌ عاقلٌ، يقال: إنه كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة(١)، وقال
أبو حاتم: حدّثنا محمد بن عبد الله الرَّقَاشيّ الثقة الرضيّ، وقال النسائيّ: ليس
به بأس.
(١) هذا فيه نظر لا يخفى، فإن خير الهدي هدي محمد بَّل، ولم يُنقل عنه وَّ أنه
صلى في يوم أربعمائة ركعة، فتفطّن، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وقد
نبّهت على هذا غير مرّة.

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقال البخاريّ، وابن حبان: مات قبل سنة (٢٢٢)، وقال أبو موسى،
محمد بن المثنى: مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقال غيره: مات سنة (٢١٧).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط(١).
٣ - (بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلِيميّ - بفتح السين المهملة، كسر اللام،
وبعدها تحتانيّة - أبو محمد الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابدٌ زاهدٌ [٨].
رَوَى عن أيوب السختيانيّ، وسعيد الْجُريريّ، وعاصم الأحول، وابن
جُریج، وابن عجلان، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وعبد الرحمن بن مهديّ، وفُضيل بن عياض،
وبشر الحافي، وعبد الأعلى بن حماد، وشيبان بن فَرُّوخ، وعُبيد الله
القَوَاريريّ، ومحمد بن عبد الله الرَّقَاشيّ، وغيرهم.
قال ابن مهديّ: ما رأيت أحداً أخوف لله منه، وكان يصلي كل يوم
خمسمائة ركعة(٢)، وكان ورده ثلث القرآن، وقال القواريريّ: هو من أفضل من
رأيت من المشايخ، وقال أبو زرعة: ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال
نصر بن علي الجهضميّ: ثبت في الحديث، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان
من خيار أهل البصرة، وعُبّادهم، مات بعدما عَمِي، وقال يعقوب بن شيبة:
كان قد سَمِع، ولم يكن له عناية بالحديث.
قال إسماعيل بن بشر: مات أبي سنة (١٨٠)، وكذا قال البخاريّ، عن
ابن المدينيّ.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط.
٤ - (الْجُرَيْرِيُّ) - بالضمّ مصغّراً - سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ،
ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) تقدم في ((الإيمان) ٢٦٦/٤٠.
(١) ونقل في (تهذيب التهذيب)) (٢٤٧/٩) عن ((الزهرة)) أن البخاريّ رَوَى عنه ثلاثة
أحاديث، والله تعالى أعلم.
(٢) تقدّم الكلام عليه في الترجمة التي قبله، فتنبّه.

٢٨٣
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٩)
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ) بفتح الخاء المشدّدة بصيغة اسم المفعول،
قال في ((المصباح)): ومُؤَخَّرُ كُلِّ شيءٍ بالتثقيل والفتح: خلافُ مقدّمه. انتهى.
والمعنى هنا: أي في آخر المسجد.
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) الفاعل ضمير الْجُريريّ، أي ذكر سعيد الْجُريريّ عن
أبي نضرة، مثل حديث أبي الأشهب، عنه.
[تنبيه]: رواية الْجُريريّ هذه، ساقها الحافظ أبو عوانة لَُّ في ((مسنده))،
فقال :
(١٣٨٥) حدّثنا أيوب بن إسحاق بن سافري(١)، قال: ثنا محمد بن
عبد الله الرَّقَاشيّ، قال: ثنا بشر بن منصور، عن الْجُرَيريّ، عن أبي نَضْرَة، عن
أبي سعيد، قال: رأى رسول الله وَل﴿ ناساً في مُؤَخَّر المسجد، فقال: ((لا يزال
قوم يتأخرون، حتى يؤخرهم الله، اذْنُوا مِنِّي، فائتَمُّوا بي، وليأتمّ بكم مَنْ
بَعْدَكم)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٨٩] (٤٣٩) - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبِ الْوَاسِطِيُّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْهَيْئَمْ أَبُو قَطَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ
أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ نَِّ قَالَ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ، أَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
الصَّفِّ الْمُقَدَّم، لَكَانَتْ قُرْعَةً))، وَقَالَ ابْنُ حَرْبٍ: ((الصَّفِّ الْأَوَّلِ، مَا كَانَتْ إِلَّا
قُرْعَةً))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التّمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٢) (م) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٢/٤١.
(١) كذا وقع في النسخة: ((سافري))، ويحتاج إلى تحرير.

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبِ الْوَاسِطِيُّ) النشائيّ - بالمعجمة - ويقال:
النشاستجيّ، أبو عبد الله الواسطيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠].
رَوَى عن إسماعيل ابن علية، وأبي معاوية، ومحمد بن يزيد الواسطيّ،
وإسحاق بن يوسف الأزرق، وعبد الوهاب بن عطاء، وأبي قَطَن عمرو بن
الهيثم، وعلي بن عاصم الواسطيّ، وأبي بَدْر شُجَاع بن الوليد، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو حاتم،
وأبو زرعة، وابن خزيمة، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: كان ثقةً، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
قال القرّاب: مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وقال ابن حبّان: مات
بعد الخمسين .
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط، وعند أبي داود حديث عُبَادة: ((خمس صلوات
افترضهن الله ... ))(١).
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْهَيْئَم أَبُو قَطَنٍ) - بفتح القاف، والطاء المهملة - هو:
عمرو بن الهيثم بن قَطَن بنَ كعب الزُّبَيديّ الْقُطَعِيّ - بضمّ القاف، وفتح الطاء
المهملة - أبو قَطَن البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن شعبة، ومالك بن مِغْوَل، ومبارك بن فَضَالة، ومالك بن أنس،
وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وحمزة الزّيّات، وأبي حنيفة، وسعيد بن
أبي عروبة، وأبي حُرّة واصل بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ويحيى بن بِشْر اللَّخْميّ، وأحمد بن
مَنِيع، وعمرو الناقد، وسُرَيج بن يونس، ويُندار، وأبو ثور، وإبراهيم بن دينار
التمّار، ومحمد بن حرب النشائيّ، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، وغيرهم.
قال الربيع بن سليمان، عن الشافعيّ: ثقة، وقال أبو داود، عن أحمد:
(١) وذكر في ((تهذيب التهذيب)) (٩٥/٩) عن ((الزهرة)) أن البخاريّ روى عنه ثمانية
أحاديث، والله تعالى أعلم.

٢٨٥
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٩)
ما كان به بأسٌ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: قال أبو قطن، وكان
ثبتاً: ما أعرت أحداً كتابي قطّ، وقال إبراهيم الحربيّ: ثنا عنه أحمد يوماً،
فقال له رجل: إن هذا تَكَلِّم بعدكم في القدر، فقال أحمد: إن ثُلُث أهل
البصرة قدريّة، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أيما أحب إليك، أبو
قَطَن، أو عبد الوهاب الْخَفّاف في سعيد بن أبي عروبة؟ فقال: الخفاف أقدم
سماعاً، وقال ابن المدينيّ: ثقةٌ من الطبقة الرابعة من أصحاب شعبة، وقال ابن
معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سئل عنه أبو زرعة، فذكره بجميل، وقال أبو
حاتم: صدوقٌ صالحٌ، وقال صالح بن محمد البغداديّ: ثقةٌ، وقال
عبد المؤمن بن خَلَف النسفيّ: سألت أبا عليّ صالح بن محمد، عن أبي قطن؟
فقال: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره مسلم بن الحجاج في الطبقة
الثانية من ثقات أصحاب شعبة، مع وكيع، ويزيد بن هارون، وغيرهما .
وقال ابن حبّان: مات بعد المائتين، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة
ثمان وتسعين ومائة، وفيها أرَّخه ابن سعد، عن الواقديّ، وزاد: في شعبان،
وهو ابن (٧٧) سنةً.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٣٩)، وحديث في الدعاء برقم (٢٧٢٠).
٤ - (خِلَاس) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام - ابن عمرو
الْهَجَريّ - بفتحتين - البصريّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عليّ، وعمار بن ياسر، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس،
وأبي رافع الصائغ، وغيرهم.
وروى عنه قتادة، وعوف الأعرابيّ، وجابر بن صُبْح، وداود بن أبي هند،
وجماعة.
قال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجَانيّ، عن أحمد بن حنبل: روايته عن عليّ
من كتاب، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وقال صالح بن أحمد
عن أبيه: كان يحيى بن سعيد يتوقى أن يُحَدِّث عن خِلاس، عن عليّ خاصةً،
وأظنه حدّثنا عنه بحديث، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ ثقةٌ، قيل: سَمِع
من عليّ؟ قال: لا، قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: لم يسمع خِلاس من

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أبي هريرة شيئاً، وقال في موضع آخر: خِلاس لم يسمع من حذيفة، وقال
أيضاً: كانوا يخشون أن يكون خِلاس يُحَدِّث عن صحيفة الحارث الأعور،
وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو
زرعة عن خِلاس، سمع من عليّ؟ فقال: كان يحيى بن سعيد يقول: هو
كتابٌ، وقد سمع من عمّار وعائشة، وابن عباس، وقال أبو حاتم: يقال:
وقعت عنده صُحُف عن عليّ، وليس بقويّ، وقال ابن سعد: كان قديماً كثير
الحديث، له صحيفة يُحَدِّث عنها، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحةٌ، ولم
أر بعامّة حديثه بأساً، حديثه في ((صحيح البخاري)) مقرون بغيره، وقال البخاريّ
في ((تاريخه)): رَوَى عن أبي هريرة، وعليّ ﴿هَا صحيفةً، وقال أبو طالب:
سألت أحمد: سَمِع خِلاس من عُمَر؟ فقال: لا، وقال عبد الله بن أحمد في
((العلل)): قال يحيى بن سعيد: لم يسمع من عمر، ولا من عليّ، وقال
الْجُوزجانيّ، والعقيليّ: كان على شُرْطة عليّ، وقال العجليّ: بصريّ، تابعيّ،
ثقةٌ، وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: كان أبوه صحابيّاً، وما كان من حديثه عن
أبي رافع، عن أبي هريرة احتُمِل، وأما عن عثمان، وعليّ فلا، وذكر محمد بن
نصر في ((كتاب الوتر)) أنه قال: سألت عمار بن ياسر.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: مات خِلاس قبيل المائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (أَبُو رَافِع) نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور
بكنيته [٢] (ع) تقدّمَّ في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٦٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف تَخّْتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول بغداديّ،
والثاني واسطيّ، والصحابيّ مدنيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: قتادة،
عن خِلاس، عن أبي رافع.

٢٨٧
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٩)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهِ (عَنِ النَّبِيِّ نَ) أنه (قَالَ: (لَوْ تَعْلَمُونَ، أَوْ) للشكّ
من الراوي، شكّ في قوله: (لو تعلمون)) بالتاء المثنّة الفوقانيّة، أو (يَعْلَمُونَ)
بالياء التحتانيّة (مَا) موصولة مفعول ((تعلمون)) (فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّم) بصيغة اسم
المفعول، أي الأوّل، يعني لو تعلمون أيها المخاطبون، أو يعلم المسلمون ما
في الصفّ الأول من الفضل الجسيم، والأجر العظيم (لَكَانَتْ قُرْعَةً))) اسم
((كان)) ضمير يعود إلى المفهوم، أي لكانت الخصلة الفاصلة للنزاع قُرْعةً، أو
لكانت صلاة الجماعة، بالقُرعة (وَقَالَ) محمد (بْنُ حَرْبٍ) شيخه الثاني في
روايته (الصَّفِّ الْأَوَّلِ) بدل قول إبراهيم بن دينار: ((الصفّ المقدَّم))، وقال أيضاً
(مَا كَانَتْ إِلَّا قُرْعَةً) بدل قول إبراهيم: لكانت قُرْعة، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّّه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
[تنبيه]: انتقد الإمام الدار قطنيّ ◌َخَُّ هذا الحديث، ودونك نصّ ((العلل)):
(١٦٤٢) وسئل عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ بَّ: ((لو
تعلمون ما في الصف الأول، لكانت قرعة))؟ فقال: يرويه قتادة، واختُلِف عنه،
فرواه أبو قَطَن، عن شعبة، عن قتادة، عن خِلَاس، عن أبي رافع، عن أبي
هريرة، عن النبيّ وَّ، وكذلك قال يعلى بن عَبّاد، عن همام، عن قتادة،
وغيرهما يرويه عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، موقوفاً، قال ذلك
سعيد بن أبي عروبة، وأبانٌ العطار، عن قتادة، هذا أشبه. انتهى (١).
وكذلك انتقده صالح بن محمد، فقد ذكر في ((التهذيب))(٢) عن
عبد المؤمن بن خَلَف النسفيّ، قال: سألت أبا عليّ صالح بن محمد، عن
حديث أبي قَطَن، عن شعبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي
(١) راجع: ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) للدار قطنيّ ٦١/٩.
(٢) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٢٨٥/٢٢، و((تهذيب التهذيب)) ١٠١/٨.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
هريرة، عن النبيّ وَّي: (لو تعلمون ما في الصفّ المقدم، لكانت قرعة))؟ فقال:
هذا خطأ، ثنا به يحيى بن معين، وأبو ثور، عن أبي قطن، ولم يرفعه أحد
غيره، والصحيح عن أبي هريرة قوله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لم يرفعه أحد غيره)) فيه نظر، فقد تقدّم
عن الدارقطنيّ أن يعلى بن عبّاد، رواه، عن همّام، عن قتادة مرفوعاً، فتنبّه.
والظاهر أن المصنّف: رجَّح الرفع على الوقف؛ لأن شعبة، وهمّام بن
يحيى اتّفقا عليه، فمخالفة سعيد بن أبي عروبة وأبان العّار لهما فيه لا تضرّ.
وأيضاً للرفع شاهد من حديث أبي هريرة حضُّه نفسِهِ، متّفق عليه، وقد
تقدّم قبل حديثين، ((لو يعلم الناس ما في النداء والصفّ الأول، ثم لم يجدوا
إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا)).
والحاصل أن الراجح هو الرفع، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٨٩/٢٩] (٤٣٩)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة))
(٩٩٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٥٥٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١/
١٠٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٧٦)، و(ابن حزم) في ((المحلَّى)) (٤/
٥٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٥/٣)، وفوائد الحديث تقدّمت في
الأحاديث السابقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩٠] (٤٤٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا،
وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.

(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٩٠)
٢٨٩
٢ - (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد، تقدّم
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه
بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦١/١٤.
والباقون تقدّموا في الباب، وجرير: هو ابن عبد الحميد، وأبو سُهيل،
أبو صالح ذكوان السمّان.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة رضيله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً .
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ
أَوَّلُهَا) ((خَيْرُ)) مبتدأ خبره ((أولها))، يعني أن أفضل صفوف الرجال، وأكثرها
ثواباً أولّها، وإنما كان خيراً؛ لأن الله تعالى وملائكته يُصلّون على الصفّ
الأول، فقد أخرج البخاريّ في (صحيحه))، عن البراء بن عازب ضَّا أن
نبيّ الله وَّر قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم ... )) الحديث،
ولفظ النسائيّ: ((على الصفوف المتقدّمة)).
ولأن الرجال اختصّوا بكمال الأوصاف، والضبط عن الإمام، والاقتداء
به، والتبليغ عنه، ولما فيه من البعد من صفّ النساء، وقال ابن الملك: المراد
بالخير كثرة الثواب، فإن الصفّ الأول أعلم بحال الإمام، فتكون متابعته أكثر،
وثوابه أوفر. انتهى.
وقد تقدّم الخلاف في المراد بالصفّ الأول، وأن الراجح أنه الصفّ
الذي يلي الإمام مطلقاً، سواء جاء صاحبه متقدّماً، أم متأخّراً، وسواء تخلّله
مقصورة ونحوها، أم لا .
(وَشَرُّهَا آخِرُهَا) يعني أن أقلّ صفوف الرجال ثواباً آخرها؛ لبعده عن الإمام،
ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدّم إلى الصفّ الأول، ولقربه من صفّ النساء.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا) أي لبعدهنّ من مخالطة الرجال، ورؤيتهم،
وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك (وَشَرُّهَا
أَوَّلُهَا))) أي لكونه مظنّة المخالطة، وتعلّق القلب بهنّ، المتسبّب عن رؤيتهنّ،
وسماع كلامهنّ.
وقال الطيبيّ ◌َُّهُ: والخير والشرّ في صفّي الرجال والنساء للتفضيل؛
لئلا يلزم من نسبة الخير إلى أحد الصفّين شركة الآخر فيه، ومن نسبة الشرّ إلى
أحدهما شركة الآخر فيه، فيتناقض، ونسبة الشرّ إلى الصفّ الأخير، مع أن
صفوف الصلاة كلّها خيرٌ؛ إشارةٌ إلى أن تأخّر الرجل عن مقام القرب مع تمكّنه
منه هَضْمٌ لحقّه، وتسفيةٌ لرأيه، فلا يبعُد أن يسمّى شرّاً، قال أبو الطيّب [من
الوافر]:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْباً(١).
كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى الثَّمَامِ
وقال المظهر تَُّهُ: الرجال مأمورون بالتقدّم، فمن هو أكثر تقدّماً، فهو
أشدّ تعظيماً لأمر الشرع، فيحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، وأما
النساء، فمأمورات بالحجاب، فمن هي أقرب إلى صفّ الرجال تكون أكثر تركاً
للحجاب، فهي لذلك شرّ من اللائي تكنّ في الصفّ الأخير. انتهى(٢).
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: أما صفوف الرجال، فهي على عمومها، فخيرها
أولها أبداً، وشرها آخرها أبداً، وأما صفوف النساء، فالمراد بالحديث صفوف
النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صَلّين متميزات، لا مع الرجال،
فهنّ كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشرّ الصفوف في
الرجال والنساء أقلُّها ثواباً وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها
بعكسه، وإنما فُضِّل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال؛ لبعدهنّ من
مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلَّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع
كلامهم، ونحو ذلك، وذُمَّ أول صفوفهن؛ لعكس ذلك. انتهى(٣).
(١) وقع في النسخة: ((شيئاً))، وما هنا من ((فيض القدير)) (٤٨٧/٣ - ٤٨٨).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٤٤/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/٤ - ١٦٠.

٢٩١
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٩٠)
قال الجامع عفا الله عنه: تفريق النوويّ تَّتُهُ في صفوف النساء بين
صلاتهنّ مع الرجال، وصلاتهنّ وحدهنّ محلّ نظر؛ فإن ظاهر النصّ يعمّ
النوعين، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٩٠/٢٩ و٩٩١] (٤٤٠)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٦٧٨)، و(الترمذيّ) فيها (٢٢٤)، و(النسائيّ) فيها (٩٣/٢ - ٩٤)،
و(ابن ماجه) فيها (١٠٠٠)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١٣٩/١)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٥/٢)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٠٠ و١٠٠١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٦/٢
و٣٤٠ و٣٥٤ و٣٦٧ و٤٨٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٩١/١)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (١٥٦١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٦٨ و١٣٦٩)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٧٧ و٩٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٧٩)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٧/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨١٥)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ترتيب صفوف الرجال والنساء في الفضل والثواب.
٢ - (ومنها): بيان أن خير صفوف الرجال، أولها، وشرها آخرها، وأما
النساء فبالعكس.
٣ - (ومنها): بيان شدة عناية الشرع بالحثّ على الابتعاد عن محلّ
الافتتان، فقد أمر ببعد النساء عن الرجال؛ لئلا يقع محظور شرعيّ.
٤ - (ومنها): بيان فضل الرجال على النساء، حيث يتقدّمون عليهنّ في
المواطن المهمة، كصفوف الصلاة، وصفوف القتال، وغير ذلك، مما فضّل الله
تعالى به الرجال على النساء، فجعلهم متحمّلين عنهنّ من أعباء الدين، وأثقال

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
المعيشة، ما يشقّ عليهنّ تحمّله، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوََّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
الآية [النساء: ٣٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ سُهَيْلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ
مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨]
(ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
و ((سهیل)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ هذه ساقها الإمام الترمذيّ ◌َظَّتُهُ في
((جامعه))، فقال:
(٢٠٨) حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سُهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَل: ((خير صفوف
الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها))،
وقال: حديث حسن صحيح.
قال: وفي الباب عن جابر، وابن عباس، وأبي سعيد، وأُبَيّ، وعائشة،
والعرباض بن سارية، وأنس، ﴿ه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .

٢٩٣
(٣٠) - بَابُ أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلَِّاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لَا يَرْفَعْنَ رُؤُوسَهُنَّ ... إلخ - حديث رقم (٩٩٢)
(٣٠) - (بَابُ أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلِّيَاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لَا يَرْفَعْنَ
رُؤُوسَهُنَّ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩٢] (٤٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ فِي
أَعْنَاقِهِمْ، مِثْلُ الصِّبْيَانِ مِنْ ضِيقِ الْأَزْرِ، خَلْفَ النَّبِّ ◌َّهِ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ
النِّسَاءِ، لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ(١) الرِّجَالُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن
عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ
عابدٌ، من كبار [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ إمامٌ، من كبار [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/ ١.
٤ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، ثقةٌ عابدٌ
[٥] (ت١٤٠) أو قبلَّها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠.
٥ - (سَهْلُ بْنُ سَعْد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ظّ، أبو العبّاس المدنيّ، مات سنة (٨٨) وقيل:
بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ.
(١) وفي نسخة: ((ترفع)) بالتاء.

٢٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى سفيان، والباقيان مدنيّان.
٤ - (ومنها): أنّ صحابيّه من المعمّرين، قد جاوز عمره مائة سنة، وهو
آخر من مات بالمدينة من الصحابة ، وقيل: الآخر هو السائب بن يزيد،
والأول هو الأصح، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ ﴿هَا، أنه (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ) اللام
فيه للجنس، فهو في حكم النكرة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((كان رجالٌ))
بالتنكير وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك، وهو كذلك، قاله في
((الفتح))(١). (عَاقِدِي أَزُرِهِمْ) منصوب على الحال، وأصله ((عاقدين أزرَهم))
بنصب ((أزرهم)) على المفعوليّة، فلما أُضيف سقطت النون للإضافة، كما قال
في ((الخلاصة)):
نُوناً تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ«طُورٍ سِينَا))
و((عاقدي)) جمع عاقد، اسم فاعل، من عَقَدَ الشيءَ، يقال: عَقَّدَ الحبلَ
وغيره، من باب ضرب: إذا شدّه، وربطه (٢).
و ((الأُزُرُ)) بضمّتين: جمع كثرة لإِزار، بالكسر: الْمِلْحَفة، يُذكَّر ويؤنّث،
وجمع القلّة: آزِرةٌ، مثلُ حمار وحُمُرٍ وأَحْمِرَةَ(٣).
(فِي أَعْنَاقِهِمْ) متعلّق بـ((عاقدي))، وفي رواية البخاريّ: ((على أعناقهم))
(مِثْلَ الصِّبْيَانِ) بكسرِ الصاد المهملة، وضمّها، جمع صَبِيّ، وهو الصغير،
وقوله: (مِنْ ضِيقِ الأَزُرِ) بيان لسبب عقدها على الأعناق، والمعنى: أنهم
يَعْقِدون أُزُرهم على أعناقهم من أجل ضيقها، كما يعقد الصبيان على قفاهم
(خَلْفَ النَّبِيِّ وََّ) متعلّق بـ((عاقدي))، أو بحال مقدّر، أي حال كونهم واقفين
(١) ((الفتح)) ١ / ٥٦٤.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٢١/٢، و((القاموس المحيط)) ٣١٥/١.
(٣) راجع: ((المصباح)) ١٣/١.

٢٩٥
(٣٠) - بَابُ أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلِّيَاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لَا يَرْفَعْنَ رُؤُوسَهُنَّ ... إلخ - حديث رقم (٩٩٢)
خلفه وَلَّ، يصلّون وراءه (فَقَالَ قَائِلٌ) يَحْتَمِل أن يكون هذا القائل هو النبيّ وَّ،
ويحتمل أن يكون غيره، ويؤيّد الأول ما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند
صحيح، من حديث أسماء بنت أبي بكر ظه، قالت: سمعت رسول الله وَله
يقول: ((من كان منكنّ يؤمن بالله، واليوم الآخر، فلا ترفع رأسها حتى يرفع
الرجال رؤوسهم؛ كراهةَ أن يَرَيْنَ من عورات الرجال)).
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((وقال للنساء))، قال في ((الفتح)): قال
الكرمانيّ: فاعل ((قال)) هو النبيّ بَّر، كذا جزم به، وقد وقع في رواية
الكشميهنيّ: و(يقال للنساء))، قال: فكأن النبيّ وَلّ أمر من يقول لهنّ ذلك،
ويغلب على الظنّ أنه بلال. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب ما قدّمته من أنه وَّ رَ هو الذي باشر
القول بنفسه؛ لحديث أسماء ها المذكور، وأما قول الحافظ: ((يغلب على
الظنّ ... إلخ)) فلم يذكر مستنده على الغلبة، والله تعالى أعلم.
(يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) ((المعشر)) بالفتح، كالْمَسْكَن: الجماعة، أي جماعة
النساء (لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ) أي من السجود (حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ) هكذا رواية
المصنّف، فيكون المفعول محذوفاً، أي رؤوسهم، وفي رواية البخاريّ: ((حتى
يستوي الرجال جُلُوساً))، وهو جمع جالس، كالركوع جمع راكع، ويحتمل أن
يكون مصدراً بمعنى جالسين، ونصبه على الحال.
وإنما نُهي النساء عن ذلك؛ لئلا يَلْمَحْنَ عند رفع رؤوسهنّ من السجود
شيئاً من عورات الرجال عند نهوضهم؛ لضيق الأُزُر، وقد تقدّم آنفاً التصريح
بذلك في حديث أسماء يؤثّنا عند أحمد، وأبي داود.
وفي رواية لابن خزيمة رقم (١٦٩٥): ((كُنّ النساء يؤمرن في الصلاة على
عهد رسول الله وَلو أن لا يرفعن رؤوسهنّ حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من
قباحة الثياب))، ويؤخذ منه أنه لا يجب التستّر من أسفل، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ◌ًّا هذا متّفقٌ عليه.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٩٢/٣٠] (٤٤١)، و(البخاريّ) في ((الصلاة))
(٣٦٢) و((الأذان)) (٨١٤) و((العمل في الصلاة)) (١٢١٥)، و(أبو داود) في
(الصلاة)) (٦٣٠)، و(النسائيّ) في ((القبلة)) (٢/ ٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٥٣/٢ - ٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٣/٣ و٣٣١/٥)، و(ابن
خزيمة) في (صحيحه)) (١٦٩٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٠١)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٧٦٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤١/٢)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده) (١٤٥٣ و١٤٥٤ و١٤٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٩٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أمر النساء بعدم رفع رؤوسهنّ حتى لا يرين عورات
الرجال.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه أصحاب رسول الله وَ ل من ضيق
المعيشة، وهم أنصار رسول الله وَل*، ولو شاء لجعل الله تعالى له الجبال
ذهباً، ولكنّ العيش عيش الآخرة.
٣ - (ومنها): أن فيه بيانَ أن النساء كنّ يصلّين جماعة مع الرجال في المسجد.
٤ - (ومنها): أن صفوفهنّ خلف صفوف الرجال، كما قال ◌َلير: ((ليلني
منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).
٥ - (ومنها): بيان أن الإزار الضيّق يُعقد على القفا إذا أمكن؛ ليحصل به ستر
بعض المنكبين مع العورة، ولهذا استدلّ به الإمام أحمد في رواية حنبل عنه(١).
٦ - (ومنها): بيان عدم وجوب ستر أسفل البدن.
٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب تخّتُهُ: إن من انكشف من عورته
يسير في صلاة لم تبطل صلاته، قال: وقد استدلّ بذلك طائفة من الفقهاء،
وتوقّف فيه الإمام أحمد، وقال: ليس هو بالبيّن، يشير إلى أنه لم يُذكَّر فيه
انكشاف العورة حقيقةً، إنما فيه خشية ذلك، وإنما ذكر حديث عمرو بن سَلِمة
(١) راجع: (فتح الباري)) لابن رجب ◌َّتُهُ ٣٧٠/٢.

٢٩٧
(٣٠) - بَابُ أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلَِّاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لَا يَرْفَعْنَ رُؤُوسَهُنَّ ... إلخ - حديث رقم (٩٩٢)
الْجَرْميّ أنه كان يُصلّي بقومه في بُرْدة له صغيرة، فكان إذا سجد تقلّصت عنه،
فيبدو بعض عورته حتى قالت عجوز من ورائه: ألا تغطّون عنّا است قارئكم؟
أخرجه البخاريّ.
قال: ومذهب أحمد أنه إذا انكشفت العورة كلّها، أو كثيرٌ منها، ثم
سترها في زمن يسير لم تبطل الصلاة، وكذلك إن انكشف منها شيء يسير،
وهو ما لا يُستفحش في النظر، ولو طال زمنه، وإن كان كثيراً، وطالت مدّة
انكشافه بطلت الصلاة، وكذا قال الثوريّ: لو انكشفت عورته في صلاته لم
يُعِد، ومراده إذا أعاد سترها في الحال.
ومذهب الشافعيّ أنه يُعيد الصلاة بانكشافها بكلّ حال، وعن أحمد ما
يدلّ عليه .
وعن أبي حنيفة وأصحابه: إن انكشف من العورة المغلّظة دون قدر
الدرهم فلا إعادة، ومن المخفّفة إن انكشف دون ربعها فكذلك، ويُعيد فيما زاد
على ذلك، ولا فرق بين العمد والسهو في ذلك عند الأكثرين.
وقال إسحاق: إن لم يَعلَم بذلك إلا بعد انقضاء صلاته لم يُعد، وهو
الصحيح عند أصحاب مالك أيضاً، وحُكي عن طائفة من المالكيّة أن من صلَّى
عارياً، فإنه يُعيد في الوقت، ولا يُعيد بعده، وقالوا: ليس ستر العورة من
فرائض الصلاة كالوضوء، بل هو سنّة، والمنصوص عن مالك أن الحرّة إذا
صّت بادية الشعر، أو الصدر، أو ظهور القدمين أعادت في الوقت خاصّة،
ذكره ابن رجب كَُّ في شرح البخاري(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن ستر العورة في الصلاة
واجب، مطلقاً، سواء كان المصلّي ذكراً أم أنثى، لعموم الأدلّة الدالّة على
ذلك، وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي تفصيل المسألة في ((باب
الصلاة في ثوب واحد)) برقم (٥١٥) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) (فتح الباري)) للحافظ ابن رجب كَذَتُهُ ٣٧٠/٢ - ٣٧١.

٢٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(٣١) - (بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ)
[٩٩٣] (٤٤٢) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ
عُبَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سَالِماً، يُحَدِّثُ عَنْ
أَبِيهِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا
يَمْنَعْهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، أبو عثمان،
نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الفقيه الثبت، من كبار [٨] (ت١٩٨)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الفقيه الثبت، رأس [٤]
(ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٥ - (سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو
عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ
الصحابي ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٧٣) أو أول التي بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١/ ١٠٢، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخرته إليه؛ لكونه
أتمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٩٤] ( ... ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ

٢٩٩
(٣١) - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، غَيْرَ مُتَطَيَِّاتٍ - حديث رقم (٩٩٤)
إِلَيْهَا))، قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَتَمْنَعُهُنَّ(١)، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ،
فَسَبَّهُ سَبّأَ سَيِّئاً، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِهِ،
وَتَقُولُ: وَاللهِ لَتَمْنَعُهُنَّ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عِمْران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ،
صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو
محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح، (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذين الإسنادين:
١ - (منها): أن الأول من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه شيخان،
قرن بينهما، والثاني من سُداسيّاته.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني، ما أخرج ه الترمذيّ، والثالث تفرّد به هو،
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن السند الثاني نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني
بالمدنیین.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن سالم.
٥ - (ومنها): أن فيه سالماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر طه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠)
حديثاً، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى، من
الصحابة ، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((إنا لنمنعهنّ)).

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ، أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َا (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَيه
يَقُولُ: ((لا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ) أي حضور
المساجد للصلاة فيها، وهو جمع مسجد، بفتح الجيم وكسرها، وهو بيت
الصلاة، ويُطلق أيضاً على موضع السجود من بدن الإنسان(١). (إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ)
بتشديد النون، وفي الرواية الآتية: ((إذا استأذنوكم)) بواو الجمع، وسيأتي
توجيهه، والاستئذان طلب الإذن (إِلَيْهَا))) متعلّق بـ((استأذنّ))، والضمير للمساجد،
وفي رواية مجاهد الآتية: ((لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل)).
وكذا وقع عند البخاريّ، من رواية حنظلة، عن سالم، بلفظ: ((إذا
استأذنَكُم نساؤكم بالليل))، قال في ((الفتح)): لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة
قوله: ((بالليل))، كذلك أخرجه مسلم وغيره، وقد اختلف فيه على الزهريّ عن
سالم أيضاً، فأورده البخاريّ، من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس بن
يزيد، وأحمد من رواية عُقيل، والسرّاج من رواية الأوزاعيّ كلهم عن الزهريّ
بغير تقييد بالليل، وكذا أخرجه البخاريّ في ((النكاح)) عن علي ابن المدينيّ،
عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ بغير قيد، ووقع عند أبي عوانة في
((صحيحه))، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن عيينة مثله، لكن قال في آخره:
((يعني بالليل))، وبيَّن ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء، أن سفيان ابن عيينة
هو القائل: يعني، وله عن سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن عيينة، قال: قال
نافع: ((بالليل))، وله عن يحيى بن حكيم، عن ابن عيينة، قال: جاءنا رجلٌ،
فحدّثنا عن نافع، قال: إنما هو بالليل، وسَمَّى عبد الرزاق، عن ابن عيينة
الرجل المبهم، فقال بعد روايته عن الزهريّ، قال ابن عيينة: وحدثنا
عبد الغفار، يعني ابن القاسم، أنه سمع أبا جعفر، يعني الباقر، يخبر بمثل هذا
عن ابن عمر، قال: فقال له نافع، مولى ابن عمر: إنما ذلك بالليل.
وكأن اختصاص الليل بذلك؛ لكونه أستر، ولا يخفى أن محلّ ذلك إذا
(١) راجع: (المصباح)) ٢٦٦/١.