Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ (٢٩) - جَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأُوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٤) (المعالم)): القِدْحُ: خشب السهم إذا بُري، وأُصلح قبل أن يركّب فيه النَّصْلُ والرِّيش. انتهى(١). وقيل: هو السهم مطلقاً. والمعنى: أنه يبالغ في تسوية الصفوف حتى تصير كأنما يُقَوَّم بها السهام؛ لشدة استوائها واعتدالها، قاله النوويّ تَخْذُهُ(٢). وقال الطيبيّ كَُّهُ: ((الْقِدْح)) بالكسر: السهم قبل أن يُرَاش، ويُرَكَّبَ نَصْلُهُ، وجمعه: قِدَاحٌ، وضَرْبُ المثل به ها هنا من أبلغ الأشياء في المعنى المراد منه؛ لأن الْقِدْحِ لا يَصلُحُ لما يُراد منه إلا بعد الانتهاء في الاستواء، وإنما جُمع مع الغُنية عنه بالمفرد لمكان الصفوف، أي يسوّي كلّ صفّ على حِدَته كما يُسوّي الصانع كلَّ قِدْحِ على حِدَتِهِ، ورُوعِيَ في قوله: ((يُسوّي بها القداح)) نكتةٌ؛ لأن الظاهر أن يقالّ: كأنما يسوّيها بالقِدَاح، والباء للآلة، كما في قولك كتبتُ بالقلم، فعَكَسَ، وجَعَل الصفوف هي التي يُسوَّى بها القِدَاح؛ مبالغة في استوائها. انتهى (٣). وفي رواية لأحمد في («مسنده)) (٢٧٢/٤): ((كان يسوّينا في الصفوف، حتى كأنما يُحاذي بنا الْقِدَاح))، وفي رواية له (٢٧١/٤): ((يقيم الصفوف كما تقام الرماح، أو الْقِدَاح))، وفي رواية له (٢٧٧/٤)، وابن ماجه (٩٩٤): ((يُسوّي الصفّ حتى يَجعله مثلَ الرُّمْح، أو الْقِدْحِ)). (حَتَّى رَأَى) أي عَلِم النبيّ ◌َّهِ (أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ) أي فَهِمنا التسوية التي أرادها منّا، وقال الطيبيّ تَخْذُهُ: يعني أنه لم يبرح صفوفنا حتى استوينا استواء أراده منّا، وتعقّلنا عنه فعله. انتهى. (ثُمَّ خَرَجَ) أي من بيته إلى المسجد ليصلّي بالناس (يَوْماً، فَقَامَ) أي في محلّ إمامته (حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ) الغالب في خبر ((كاد)) أن يكون مضارعاً، وأن يُجرّد من ((أن))، كما قال في ((الخلاصة)): غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ كَ (كَانَ)) ((كَادَ)) وَ(عَسَى) لَكِنْ نَدَرْ نَزْرٌ وَ«كَادَ» الأُمْرُ فِيهِ عُكِسَا وَكَوْنُهُ بِدُونِ ((أَنْ)) بَعْدَ (عَسَى)) (١) ((المعالم)) ١٨٤/١. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٤٠/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤/ ١٥٧. ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والمعنى: حتى قرُب تكبيره وَّ للإحرام. (فَرَأَى رَجُلاً) لم يُذكر اسمه (بَادِياً) أي ظاهراً خارجاً (صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ) أي من صُدُور أهل الصفّ، وفي رواية لأحمد، وأبي داود: ((حتى إذا ظَنّ أنا قد أخذنا ذلك عنه، وفهمناه، أقبل ذات يوم بوجهه، فإذا رجل مُنْتَبِذٌ بصدره ... ))، وفي رواية لأحمد: ((فلما أراد أن يكبّر رأى رجلاً شاخصاً صدره ... ))، وفي رواية له، وابن ماجه: ((فرأى صدر رجل ناتئاً)) يعني مرتفعاً بالتقدّم على أصحابه(١) . (فَقَالَ) وَ ((عِبَادَ اللهِ) منصوب على النداء بحذف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، كما قال في ((الخلاصة)): جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وَغَيْرُ مُضْمَرٍ وَمَنْذُوبٍ وَمَا وقال الحريريّ رَّتُهُ في ((مُلْحته)): وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ («رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي)» (لَتُسَوِّنَّ) - بفتح اللام، وضم التاء المثناة، وفتح السين، وضم الواو المشددة، وتشديد النون - ووقع في ((صحيح البخاريّ)) في رواية المستملي: (لَتُسَوُّون)) بواوين، قال البيضاويّ: هذه اللام هي التي يُتَلَقَّى بها القسم، والقسم هنا مقدَّر، ولهذا أكده بالنون المشددة. انتهى. وقد صرّح بالقسم في رواية لأبي داود، ولفظه: ((والله لتقيمنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ بين قلوبكم)) (صُفُوفَكُمْ) بالنصب على المفعوليّة لـ(تُسوّنّ))، والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سَمْتٍ واحد، أو يراد بها سَدّ الخلل الذي في الصفّ (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) أي إن لم تُسَوُّوا. قال البيضاويّ: ((أو)) للعطف، رَدّد بين تسويتهم الصفوف، وما هو كاللازم لنقيضها، وقال الطيبيّ: إن مثل هذا التركيب متضمّن للأمر توبيخاً وتهديداً، أي ليكن أحد الأمرين: إما تسوية الصفوف، أو أن يُخالف الله تعالى بين وجوهكم. انتهى (٢). قال النوويّ تَخْلُهُ: قيل: معناه: يمسخها، ويُحَوِّلها عن صورها؛ (١) ((المرعاة)) ٣/٤. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤/ ١١٤٠. (٢١) - بَابْ تَسْوِيَةِ الصَّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَّل ◌ِنْهَا - حديث رقم (٩٨٤) لقوله وَّل: ((يَجعل الله تعالى صورته صورة حمار))، وقيل: يُغَيِّرُ صفاتها، والأظهر - والله أعلم - أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، كما يقال: تَغَيَّر وجه فلان عليّ: أي ظهر لي من وجهه كراهة لي، وتَغَيَّر قلبه عليّ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. انتهى. وقال في ((الفتح)): اختُلِف في الوعيد المذكور، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضعَ القفا، أو نحو ذلك، فهو نظير ما تقدَّم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة . قال: ويؤيد حمله على ظاهره حديثُ أبي أمامة ◌َظُبه: ((لَتُسَوِّنَّ الصفوفَ، أو لَتُظْمَسَنّ الوجوه))، أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف، ولهذا قال ابن الجوزيّ: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ ثَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية [النساء: ٤٧]. ومنهم من حمله على المجاز، قال النوويّ: معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف القلوب، كما تقول: تَغَيَّر وجه فلان عليّ: أي ظهر لي من وجهه كراهيةٌ؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، ويؤيِّده رواية أبي داود وغيره بلفظ: ((أو ليخالفَنّ الله بين قلوبكم)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لدعوى المجاز، فالحقّ حمله على ظاهره، من تحويل خلق وجهه إلى خلق آخر، ولا ينافيه ما في أبي داود؛ إذ يمكن الجمع بين العقوبتين، أو بعقوبة بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: معناه: تفترقون فيأخذ كلّ واحد وجهاً غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدّم الشخص على غيره مَظِنَّةُ الكبر الْمُفْسِد للقلب، الداعي إلى القطيعة . (١) ((الفتح)) ٢٤٢/٢ - ٢٤٣. ٢٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والحاصل أن المراد بالوجه: إن حُمِل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة، أو جَعْلِ القدام وراء، وإن حُمِل على ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، أشار إلى ذلك الكرمانيّ. ويَحْتَمِل أن يراد بالمخالفة في الجزاء، فيُجازي الْمُسَوِّي بخير، ومن لا يُسَوّي بشرّ. انتهى. قال الجامع: هذا احتمال بعيد، فالصواب حمله على الحقيقة، كما سبق، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير ضاها متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٨٣/٢٩ و٩٨٤ و٩٨٥] (٤٣٦)، (والبخاريّ) في ((الأذان)) (٧١٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٦٣ و٦٦٥)، و(الترمذيّ) فيها (٢٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٨٩/٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٩٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٩١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٤٢٩)، و(أبو بكر بن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٠٨/١)، و(عليّ بن الجعد) في ((مسنده)) (٥٨١) (٣٥١/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٢/٤ و٢٧٦ و٢٧٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١/٢ و١٠٠/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٦٥ و٢١٧٥ و٢١٧٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٧٨ و١٣٧٩ و١٣٨٠ و١٣٨١)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٩٧٠ و٩٧١ و٩٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): حرص النبيّ وَل على تسوية الصفوف، وشدّة اهتمامه بها، حتى يقوم بنفسه حقّ القيام. ٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على تسويتها . ٣ - (ومنها): جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، قال ٢٦٥ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٥) النوويّ كَخْلُهُ: وهذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، ومنعه بعض العلماء، والصواب الجواز، وسواء كان الكلام لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة. انتهى(١). ٤ - (ومنها): أنه دليلٌ على أن تسوية الصفُوف واجبة، وأن التفريط فيها حرام؛ لأن هذا الأمر المقرون بالوعيد، وأمثاله لا يكون إلا على ترك واجب، وهذا هو القول الصحيح المختار، كما تقدّم البحث فيه مستوفَّى قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٨٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب. ٢ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيع) بن سليمان الْبَجَليّ الْقَسْريّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ - بضمّ الموحّدة - اَلْحَصّار، ويقال: الْخَشّاب، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٠) أو (٢٢١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. ٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٧/٤. ٢٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) يعني أن أبا الأحوص، وأبا عوانة حدّثا بإسناد سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير ◌ًا نحو حديث أبي خيثمة عنه . [تنبيه]: رواية أبي الأحوص هذه ساقها الإمام النسائيّ تَخْذُّهُ، فقال: (٨١٠) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: أنبأنا أبو الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول الله وَ﴿ يُقَوِّم الصفوف، كما تُقَوَّم الْقِدَاح، فأبصر رجلاً خارجاً صدره من الصفّ، فلقد رأيت النبيّ وَ ﴿ يقول: ((لَتُقِيمُنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم)). انتهى. وأما رواية أبي عوانة، فقد ساقها الإمام الترمذيّ تَّثُ في ((جامعه))، فقال : (٢١٠) حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول الله ◌َ﴿ يُسَوِّي صفوفنا، فخَرَجَ يوماً، فرأى رجلاً خارجاً صدره عن القوم، فقال: (لتسَوُّنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٨٦] (٤٣٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حديث. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام ٢٦٧ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٦) دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٠) مقتولاً بقُديد (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٨/ ٩١٨. ٤ - (أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ) ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظُله رأس المكثرين السبعة، روى (٤ ٥٣٧) حديثاً. شرح الحديث : (عَنْ سُمَيٍّ) بضم أوله، بصيغة التصغير (مَوْلَى أَبِي بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ (عَنْ أَبِي صَالِح) ذكوان (السَّمَّانِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى بيعِ السَّمْنَ، أو حمله من محلّ إلى محلّ آخر، ويقال له: الزّيّات؛ لأنه كان يجلُّب السمن والزيت إلى الكوفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّرِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) أي لو عَلِمُوا، فَوَضَعِ المضارع موضع الماضي؛ ليُفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون على بالٍ (مَا فِي النِّدَاءِ) أي الأذان، قال في ((الفتح)): وهي رواية بِشْر بن عُمَر، عن مالك عند السّرّاج. ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال في ((العمدة)): الفرق بين النداء والأذان أن لفظة الأذان والتأذين أخصّ من لفظ النداء لغةً وشرعاً، والفرق بين الأذان والتأذين، أن التأذين يتناول جميع ما يصدر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية، وأما الأذان فهو حقيقةٌ تُعْقَلُ بدون ذلك. انتهى(١). (وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ) زاد أبو الشيخ في رواية له، من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: ((من الخير والبركة))، والتقدير: لو يعلم الناس ما في الصف الأول، وقال الطيبيّ كَُّ: أَظْلَق مفعول ((يَعْلَم))، وهو كلمة ((ما))، ولم يُبَيِّن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضرباً من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد بُيِّنت في الرواية الأخرى: ((بالخير والبركة))، قاله في ((الفتح))(٢). [تنبيه]: اختلف في المراد بالصفّ الأول، فقيل: ما يلي الإمام مطلقاً، وهو الأصحّ، وقيل: أول صفّ تامّ يلي الإمام، لا ما تخلّله شيء، كمقصورة، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة، ولو صلّى في آخر الصفوف، وهذا ضعيفٌ. وقال النوويّ تَخَّتُهُ: الصف الأول الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحثّ عليه هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدماً، أو متأخراً، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا، هذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون، وقال طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا يتخلله مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر، وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أوّلاً، وإن صلّى في صف متأخر، وهذان القولان غلطٌ صريحٌ، وإنما أذكره ومثله لأُنَبِّه على بطلانه؛ لئلا يغتر به. (١) ((عمدة القاري)) ١٨٢/٥. (٢) ١١٥/٢. ٢٦٩ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٦) انتهى(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) أي للتمكّن من النداء والصفّ الأول، ووقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: ((ثم لا يجدون))، وحَكَى الكرمانيّ أن في بعض الروايات: ((ثم لا يجدوا))، ووجّهَهُ بجواز حذف النون تخفيفاً، قال الحافظ: ولم أقف على هذه الرواية (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي يقترعوا، من الاستهام، وهو الاقتراع، يقال: استهموا، فسَهَمَهم فلانٌ سَهْماً: إذا أقرعهم، وقال صاحب ((العين)): القُرْعة مثالُ الظُّلْمة: الاقتراع، وقد اقتَرَعوا، وتقارعوا، وقارعته فقرعته: أي أصابتني القُرْعة دونه، وأقرعت بينهم: إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضاً، والأول أصوب، ذكره ابن التيانيّ في ((الموعب))، وفي ((التهذيب)) لأبي منصور، عن ابن الأعرابيّ: القرع، والسبق، والندب: الخطر الذي يَستِبق عليه. والمعنى: لم يجدوا شيئاً من وجوه الأولوية إلا بالاقتراع، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت، وحسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وتكملاته، وأما في الصف الأول فبأن يَصِلُوا دفعةً واحدةً، ويستووا في الفضل، فيُقْرَع بينهم، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين(٢). وقال النوويّ تَخْذَلُهُ: معناه: أنهم لو عَلِمُوا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقاً يحصلونه به؛ لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، لاقترعوا في تحصيله، ولو يعلمون ما في الصف الأول من الفضيلة نحو ما سبق، وجاءوا إليه دفعةً واحدةً، وضاق عليهم، ثم لم يسمح بعضهم لبعض (٣) به لاقترعوا علیه. انتھی (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٠/٤. (٢) ((الفتح)) ١١٥/٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٧/٤ - ١٥٨. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال الطيبيّ تَكْثُهُ: المعنى: لو عَلِموا ما في النداء، والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق إليه لوجب عليهم ذلك، فوضَعَ المضارع موضع ما يستدعيه ((لو))؛ ليفيد استمرار العلم، وأنه ينبغي أن يكون على بال منه، ثم أتى بـ«ثُمَّ)) الْمُؤْذِنةِ بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقَدَّم ذكرَ النداء؛ دلالةً على تَهَيُّؤْ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو الْمُثُول بين يدي رب العزة، فيكون من المقرّبين، وأَظْلَقَ مفعول ((يَعْلَم)) يعني ((ما))، ولم يُبيّن أن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضرباً من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الحصر والوصف، وكذا تصوير حالة الاستباق بالاستهام فيه من المبالغة البالغة حَدَّها؛ لأنه لا يقع إلا في أمر يَتنافس فيه المتنافسون، ويَرْغب فيه الراغبون، ولا سيّما إخراجه مخرج الاستثناء والحصر، وليت شعري بماذا يتشبّث، ويَتَمسّك مَن طَرَقَ سمعَه هذا البيان، ثم يتقاعد عن الجماعة خصوصاً عن الاستباق إلى الصفّ الأول؟ ولعلّه يعتذر بأنه خارج من زمرة من سَمِع وأطاع. انتهى كلام الطيبيّ ◌َّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ. قال في ((الفتح)): واستَدَلَّ به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر؛ لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام؛ لما فيه من المزية . وزَعَمَ بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أُخْرِج مخرج المبالغة، واستَأْنَسَ بحديث لفظه: ((لتجالدوا عليه بالسيوف))، لكن الأول أظهر، وأقرب، كما بيّنته رواية المصنّف من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة الآتية بلفظ: ((لكانت قُرْعَةً))، وهذا هو الذي فهمه البخاريّ تَُّ حيث قال: (باب الاستهام في الأذان))، ثم استشهد على ذلك بقصّة سعد بن أبي وقّاص ظُبه، وهو ما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ كلاهما من طريق أبي (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٩٦/٣ - ٨٩٧. ٢٧١ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٦) عبيد، عن هشيم، عن عبد الله بن شبرمة، قال: تشاح الناس في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم، وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في ((الفتوح))، والطبريّ من طريقه عنه، عن عبد الله بن شُبْرُمة، عن شقيق، وهو أبو وائل، قال: افتتحنا القادسيّة صدر النهار، فتراجعنا، وقد أُصيب المؤذن، فذكره، وزاد: ((فخرجت القرعة لرجل منهم، فأذّن))(١) . وقوله: (عَلَيْهِ) أي على ما ذُكِرَ؛ لِيَشْمَل الأمرين: الأذان، والصف الأول، وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وهو حقّ الكلام؛ لأن الضمير يعود لأقرب مذكور، ونازعه القرطبيّ، وقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعاً لا فائدة له، قال: والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] أي جميع ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ أولى؛ لأنه تؤيّده رواية عبد الرزاق له، عن مالك، بلفظ: ((لاستَهَموا عليهما))، فقد بيّنت المراد بالضمير في هذه الرواية، فتبصّر. وقوله: (لَاسْتَهَمُوا) جواب ((لو))؛ أي لاقترعوا على ما ذُكِرَ، والاستهام: بمعنى الاقتراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (1)﴾ [الصافات: ١٤١]، قال الخطابيّ، وغيره: قيل له: الاستهام؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمه غَلَب. انتهى. قال الطيبيّ تَخَّتُهُ: فَلَمّا فرغ من الترغيب في الاستباق إلى الصفّ الأول عقّبه بالترغيب في إدراك أوّل الوقت، ولذا أوجب أن يفسّر التهجير بالتبكير، كما ذهب إليه الكثيرون (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي التبكير إلى الصلاة، قاله الهرويّ، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتقّ من الهاجرة، وهي شدّة الحرّ (١) ((الفتح)) ١١٥/٢. ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال البخاريّ، ولا يَرِدُ على ذلك مشروعية الإبراد؛ لأنه أريد به الرفق، وأما مَن تَرَك قائلته، وقَصَد إلى المسجد؛ لينتظر الصلاة، فلا يخفى ما له من الفضل، قاله في ((الفتح)) (١). وقال الطيبيّ ◌َّتُهُ: التهجير: التبكير إلى كلّ شيء، والمبادرة إليه، يقال: هَجَّرَ تهجيراً، فهو مُهَجِّرٌ، وهي لغة حجازيّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، ومنه حديث الجمعة: ((فالمهجِّر إليها كالمهدي بَدَنَةً)). قال: لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير، والسعي إلى الجماعة بالظهيرة؛ لأنا نمنع ذلك، فإن كثيراً من أصحابنا حملوا الأمر به على الرخصة، فعلى هذا يكون الإبراد رخصةً، والتهجير سنّةً، ومن حَمَل ذلك على الندب، فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلّ، ولا يخرج بذلك عن حدّ التهجير، فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن يقرُب العصر. انتهى كلام الطيبيّ تَظّ ◌ُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح تفسير الهرويّ بأن التهجير هو التبكير في أول الوقت مطلقاً، والمراد به أول الوقت المستحبّ، فالتهجير في صيف الظهر يكون بعد الإبراد، أي في أول دخول البرودة، فلا منافاة بين التهجير، وبين الأمر بالإبراد، وهذا الذي رجّحته هو الذي قاله المجد في (القاموس))، ونصّه: والتهجير في قوله وَّ: ((الْمُهَجِّر إلى الجمعة كالمهدي بَدَنَةً))، وفي قوله: ((ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه)) بمعنى التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ في أوائل أوقاتها، وليس من الهاجرة. وقال قبل ذلك: والْهَجِيرُ، والهَجِيرةُ، والْهَجْرُ، والهاجرةُ: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتَكِنُّونَ في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وشِدّةُ الحرّ، وهَجَّرْنا تهجيراً، وأهجرنا، وتهَجَّرنا: سِرْنا في الهاجرة. انتهى(٣). (١) ٢ /١١٥. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣/ ٨٩٧. (٣) ((القاموس المحيط)) ١٥٨/٢. ٢٧٣ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٦) وقال في ((اللسان)) نقلاً عن الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من المهاجرة وقت الزوال، قال: وهو غلطٌ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير، والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسَمِعتُ الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، يقال: هَجَّرَ يُهَجِّرُ تَهْجِيراً، فهو مُهَجِّرٌ، قال الأزهريّ: وهذا صحيحٌ، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد [من البسيط]: رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا فَقَرَنَ الهجر بالابتكار، قال: وقوله وَّ: ((لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه)) أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها . قال الأزهريّ: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالْهَجْرِ. انتهى (١). فتبيّن بهذا أن إطلاق التهجير على التبكير المطلق، وهو المبادرة إلى الشيء أول وقته لغة ثابتة، فلا داعي أن يقال: إن هذا الحديث يعارض حديث الأمر بالإبراد في الظهر؛ إذ المراد المبادرة إلى الظهر أو غيره أول الوقت المستحبّ، فالتبكير في صيف الظهر يكون مع الإبراد، أي أن يذهب مبكّراً بعد أن يُبرِد، ويذهب شدّة الحرّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) أي إلى التهجير، قال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنَى لا حِسّاً بأن يَسْبِقِ غيره في الحضور إلى الصلاة؛ لأن المسابقة على الأقدام حسّاً تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوع منه. انتهى. (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ) أي من مزيد الفضل، و((الْعَتَمَةُ)) بفتحات: هي صلاة العشاء، يعني لو يعلمون ما في ثواب أدائها، وأداء الصبح (لَأَتَوْهُمَا) أي الصلاتين، و ((أتى)) بالقصر ثلاثيّ، يقال: أتى الرجلُ يأتي أَثْياً، من باب ضرب: جاء، والاسم الإتيان، وأتيته يُستعمل لازماً ومتعدّياً، قال الشاعر: (١) (لسان العرب)) ٢٥٤/٥ - ٢٥٥. ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة فَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أَتْي الْعَسْكَرِ وأتا يأتو أَتْواً لغةٌ، قاله الفيّوميّ (١). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا المتعدّي؛ لأنه عَمِلَ في ضمير المثنّى، فتنبه. والمراد لأتوا المحلّ الذي يُصَلَّيان فيه جماعةً، وهو المسجد، وإنما خُصّتا بهذا؛ لأنهما في وقت النوم والغفلة، والكسل عن العبادة، فحُثَّ عليهما؛ لكونهما مظنّة التفويت، أفاده القاري(٢). (وَلَوْ حَبْواً))) أي ولو كانوا حابين، من حَبَى الصبيّ: إذا مَشَى على أربع، قاله صاحب ((المجمل))، ويقال: إذا مشى على يديه، أو ركبتيه، أو اسْتِهِ. أي يزحفون إذا منعهم مانع من المشي كما يَزْحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء ظُبه: ((ولو حَبْواً على المرافق والرُّكَب))، قاله في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٨٦/٢٩] (٤٣٧)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦١٥ و٦٥٤ و٧٢١) و((الشهادات)) (٢٦٨٩)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٢٢٥ و٢٢٦)، و(النسائيّ) فيها (٢٦٩/١ و٢٣/٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٦٧/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٦/٢ و٢٧٨ و٣٠٣ و٣٧٤ و٣٧٥ و٥٣٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٩١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٦٥٩ و٢١٥٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٨/١ و٢٨٨/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٨٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٧٠ و١٣٦٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٧٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((المصباح المنير)) ٣/١ - ٤. (٣) ١٦٦/٢. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٢٣/٢. ٢٧٥ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٦) (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة الأذان، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى في أبوابه. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة الصفّ الأول، والقرب من الإمام؛ لاستماع القرآن إذا جهر، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقب تكبيره، وأيضاً يَحْتَمِل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحاجة، فيكون هو خليفته، فحصل له بذلك أجر عظيم، أو يضبط صفة الصلاة، وينقلها ويعلمها الناس، وسيأتي في الباب قوله وَالر: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أولها)). وأخرج الدارميّ بسند صحيح، عن عرباض بن سارية ظُته ((أن رسول الله وَّل﴿ كان يستغفر للصف الأول ثلاثاً، وللصف الثاني مرةً)). وأخرج أبو داود بسند صحيح، عن عائشة رضيها قالت: قال رسول الله وَله : ((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله في النار)). وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن البراء بن عازب ظيمًا قال: كان رسول الله وَ﴾ يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، وكان يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة)). وأخرج الطبرانيّ بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن عوف رعظ اته: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)). وعند ابن حبان عن البراء عن عازب طيها: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول))، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان جواز تسمية العشاء عَتَمَةً، وقد ورد النهي عن تسميتها بها، فقد أخرج المصنّف عن ابن عمر رضيها قال: قال رسول الله وَالطيار: ((لا تَغْلِبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تُعْتِم بحلاب الإبل)). وقد جمع العلماء بينهما بوجهين : (أحدهما): أن النهي للتنزيه، لا للتحريم. (والثاني): وهو الأظهر، أن استعمال العتمة هنا لمصلحة، ونفي مفسدة؛ ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة لأن العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب، فلو قال: ((لو يعلمون ما في العشاء والصبح)) لحملوها على المغرب، ففسد المعنى، وفات المطلوب، فاستَعْمَل العتمة التي يعرفونها، ولا يَشُكُّون فيها، وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخفّ المفسدتين لدفع أعظمهما(١). وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح الحديث المذكور برقم (٦٤٤) - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان فضيلة التبكير إلى الصلاة في أول وقتها المستحبّ. ٥ - (ومنها): الحثّ على حضور صلاتي العشاء والصبح في المساجد، وبيان ما في ذلك من الفضل الكثير؛ وذلك لما فيهما من المشقّة على النفس بتنقيص أول النوم وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين، فقد أخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه بسند صحيح، عن أبي هريرة ظُعنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاةُ العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْواً)). ٦ - (ومنها): مشروعيّة الاقتراع في الحقوق التي يُزدَحم عليها، ويُتنازع فيها . ٧ - (ومنها): أن الصف الثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل من الرابع، وهلُمّ جَرّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٨٧] (٤٣٨) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّراً، فَقَالَ لَهُمْ: ((تَقَدَّمُوا، فَأْتُمُّوا بِي، وَلْيَأْتُمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ)). (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٥٨/٤، و((عمدة القاري)) ١٨٤/٥. ٢٧٧ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٧) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) تقدّم في الباب. ٢ - (أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السَّعْدِيّ الْعُطَارديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت ١٦٥) عن (٩٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٠/٦٦. ٣ - (أَبُو نَضْرَةَ الْعَبْدِيُّ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَوَقَيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦. ٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ صًَّا، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥ وقيل: ٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ◌َُّ، وهو (٥١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وشيخه أُبُلّيّ نسبةً إلى قرية بالبصرة. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك ◌َِّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ رَأَى) هي هنا بصريّة، فلذا تعدّت إلى مفعول واحد، وهو قوله: ((تأخّراً))، وقوله: (فِي أَصْحَابِهِ) متعلّق بـ(رأى))، والظاهر أن المراد بعضهم (تَأَخُّراً) أي عن الصفّ الأول، وفي الرواية التالية: ((رأى رسول الله وَل قوماً في مؤخّر المسجد ... ))، ولعلّهم إنما تأخّروا لأنهم لما سمعوا قوله وَّه: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) رأوا في أنفسهم قُصوراً عن هذه المرتبة، فتأخروا، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ تَظُّهُ: قوله: ((رأى تأخّراً في أصحابه)) يَحْتَمِلُ أن يراد به التأخّر في صفوف الصلاة، والتأخّر عن أخذ العلم، فعلى الأول المعنى: ليَقِف العلماء والألبّاء من دونهم في الصفّ الثاني يقتدون بالصفّ الأول ظاهراً لا حكماً، وعلى الثاني المعنى: ليتعلّم كلَّكم منّي العلم، وأحكام الشريعة، ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وليتعلّم التابعون منكم، وكذلك من يلونهم قرناً بعد قرن إلى انقضاء الدنيا، هذا تلخيص كلام المظهر. انتهى (١). (فَقَالَ) النبيّ ◌ََّ (لَهُمْ: ((تَقَدَّمُوا) أي إلى الصفّ الأول (فَأَتَمُّوا بِي) أي اقتدوا بأفعالي في الصلاة (وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) بفتح ميم (من))، وهي موصولة مفعول ((يأتمّ))، والظرف صلتها، أي ليقتد بكم الصفّ الذي يليكم. قال القاضي عياضٌ كَّتُهُ: وقد يحتجّ بظاهره الشعبيّ من جواز الائتمام بالمأموم، وأن كلّ صفّ منهم إمام لمن وراءهم حتى لو دخل داخلٌ والإمام قد رفع رأسه من الركعة، والناس معه، فإن كان الصفّ الذي يلي الداخل لم يرفعوا رؤوسهم حتى ركع هذا الداخل أدرك الركعة؛ لأن بعضهم أئمة بعض، وعامّة الفقهاء لا يقولون بها، وهذا الحديث إنما جاء في ذمّ التأخّر، وأنهم إذا تأخّروا لم يعلموا ما حَدَثَ في الصلاة، ولا يتنبّه بعضهم لفعل الإمام بفعل بعض . وقد يَحْتَمِلُ أن يكون قوله: ((تقدّموا، فائتمّوا بي)) يريد أهل وقته، ويأتمّ بكم من بعدكم فيما أخذتم به من سُنّتي، وتعلّمتموه عنّي، فحضّهم على التقدّم ليتحقّقوا الاقتداء به في جميع أفعاله وأقواله، ومشاهدة هيئاته في الصلاة وآدابه، وذلك لا يصحّ مع التأخّر. انتهى كلام القاضي تَُّ(٢). وقال القرطبيّ تَّهُ: تمسّك بظاهره الشعبيّ على قوله: إن كلّ صفّ منهم إمام لمن وراءه، وعامّة الفقهاء لا يقولون بهذا؛ لأن الكلام مجمل؛ لأنه مُحْتَمِلٌ لأن يُراد به الاقتداء في فعل الصلاة، ولأن يُراد به في نقل أفعاله وأقواله وسنّته كي يُبلّغوها غيرهم، والشعبيّ دَفَعَ دعوى الإجمال، وتمسّك بالظاهر منه. انتهى (٣) . وقال في ((الفتح)): ظاهره يدلّ لمذهب الشعبيّ ◌َّتُهُ، وأجاب النوويّ: بأن معنى: ((وليأتمّ بكم مَنْ بَعْدَكم)) أي يقتدوا بي مستدلّين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه، ولا يسمعه (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٤٢/٤. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٥١/٢. (٣) (المفهم)) ٦٦/٢. ٢٧٩ (٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٨٧) على مُبَّغ عنه، أو صَفِّ قُدّامه يراه متابعاً للإمام، وقيل: معناه: تعلّموا منّي أحكام الشريعة، وليتعلّم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض (١) الدنيا. انتهى(١). (لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ) أي عن الصفوف الأُوَل (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ)) رَّ أي عن رحمته، وعظيم فضله، ورفيع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك، قاله النوويّ تَخْذَتُهُ(٢) . وقال الطيبيّ تَخْتُهُ بعد ذكر كلام النوويّ المذكور ما نصّه: جاء في حديث عائشة ينا: ((حتى يؤخّرهم الله في النار))، ومعناه: لا يزال يؤخّرهم عن رحمته وفضله حتى تكون عاقبة أمرهم إلى النار. انتهى(٣). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قيل: هذا في المنافقين، ويَحْتَمِلُ أن يراد به أن الله يؤخّرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم، أو عن رتبة السابقين. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى تفسير التأخير المذكور في هذا الحديث بالتأخير في النار، كما فسّره حديث عائشة ◌َّا المذكور، وخير ما فُسِّر به الوارد هو الوارد، والحديث أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٦٧٩) بسند صحيح، عنها، قالت: قال رسول الله وَالر: ((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله في النار))، وفي رواية لأحمد في ((مسنده)): ((حتى يؤخّرهم الله وَك يوم القيامة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رظُه هذا من أفراد المصنّف رَحْشُهُ . [تنبيه]: هذا الحديث علّقه الإمام البخاريّ تَخّْتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/٤ - ١٥٩، و((الفتح)) ٤٤٠/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/٤. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٤٣/٤. (٤) ((المفهم)) ٦٦/٢. ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ويُذكَر عن النبيّ وَّرَ: ((ائتمّوا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم))، قال في ((الفتح)): قيل: إنما ذكره البخاريّ بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه؛ لضعف فيه، قال: وهذا ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحاً للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحّة، والحقّ أن هذه الصيغة لا تختصّ بالضعيف، بل قد تُستَعمَل في الصحيح أيضاً، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تُستَعْمَل إلا في الصحيح. انتهى (١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٨٧/٢٩ و٩٨٨] (٤٣٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٧٩ و٦٨٠)، و(النسائيّ) فيها (٨٣/٢) وفي ((الكبرى)) (٢٨٤/١)، و(ابن ماجه) فيها (٩٧٨)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٥٣/٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده) (٢٨٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٧١٥ و١٠٨٦٢ و١١٠٨٧)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٢٧٦/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٧/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٢٧/٢ و٤٠١) و(٢٧/٣ و٥١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٤٥٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٨٥)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٩٧٤ و٩٧٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٣/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ذمّ التأخّر عن الصفّ الأول. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّر من شدّة العناية بالحثّ على المسابقة في الاقتداء به. ٣ - (ومنها): أن من تكاسل، وتهاون عن الصفوف الأُوَل يعاقبه الله رَت بتأخيره عما ينال به الأجر والثواب من الأعمال الصالحات، ويَحْرِمه من القيام بأنواع الطاعات حتى يكون منتهاه إلى النار، نسأل الله تعالى أن يثبّتنا على طاعته، ويجعلنا من أهل جنّته، إنه بعباده رءوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٢ /٤٤٠.