Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٨) ٥ - (هِشَام) بن عروة، تقدّم قبل باب أيضاً. ٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل باب أيضاً. و«عائشة ێ) ذُكرت قبل حديث. وقوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) الأول هو عبد الله والد ابن نمير المذكور بعد التحویل. وقوله: (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) يعني أن ألفاظ كلٍّ من شيوخه الثلاثة: أبي بكر، وأبي كريب، وابن نمير متقاربة. وقوله: (وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) الثاني هو محمد بن عبد الله بن نمير. وقوله: (حَدَّثَنَا أَبِي) أي عبد الله بن نمير. وقوله: (قَالَ عُرْوَةُ ... إلخ) قال في ((الفتح)): هو بالإسناد المذكور، ووَهِمَ من جعله مُعَلَّقاً، ثم إن ظاهره الإرسال من قوله: ((فوجد ... إلخ))، لكن رواه ابن أبي شيبة، عن ابن نمير بهذا الإسناد متصلاً بما قبله، وأخرجه ابن ماجه عنه، وكذا وصله الشافعيّ، عن يحيى بن حَبَّان، عن حماد بن سلمة، عن هشام، وكذا وصله عن عروة عنها، كما تقدم. ويَحْتَمِل أن يكون عروة أخذه عن عائشة وعن غيرها، فلذلك قطعه عن القدر الأول الذي أخذه عنها وحدها. انتهى(١). وقوله: (فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) هذا مقابل ما تقدّم من قوله: (لَمّا تَقُل رسول الله وَّهِ - يعني أنه خفّ عنه المرض - فوجد من نفسه خفّة الحركة)). وقوله: (أَيْ كَمَا أَنْتَ) ((أي)) تفسيريّة؛ و((ما)) موصولة، و((أنت)) مبتدأ، حُذف خبره، أي عليه، والجملة صلة ((ما))، والجارّ والمجرور، أعني (كما أنت)) متعلّق بمحذوف خبرٍ لـ((كان)) المحذوفة مع اسمها، أي كن كما أنت، والكاف بمعنى ((على))، أي كُنْ على الحال الذي أنت عليه من كونك إماماً. وفي رواية البخاريّ: ((أن كما أنت))، و((أن)) تفسيريّة كـ((أي)). وقوله: (وَالنَّاسُ يُصَلَّونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ) أي بتسميعهم التكبير، لا أنهم صلّوا تلك الصلاة بإمامين، فتنبّه. (١) ((الفتح)) ١٩٦/٢. ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٤٩] (٤١٩) - (حَدَّثَنِي(١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنِي(٢) أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمَّ(٣) فِي وَجَعِ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ الَّذِي تُوُنِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ، وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، كَشَفَ رَسُولُ اللهِ وَِّ سِتْرَ الْحُجْرَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَه ضَاحِكاً، قَالَ: فَبُهِتْنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ فَرَحِ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ(٤) ◌ِ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَهُ خَارِجٌ لِلصَّلَاةِ(٥)، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِيَدِهِ، أَنْ أَيِّمُوا صَلَاَكُمْ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَأَرْخَى السِّتْرَ، قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الْخَلّالُ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٣) وفي نسخة: ((بهم)). (٥) وفي نسخة: ((إلى الصلاة)). (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٤) وفي نسخة: ((النبىّ ◌َّ ١٢٣ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٩) بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجّةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٦ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أبو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث. ٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير، مات نظر ته (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيوخه، كما أسلفته آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه أيضاً. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: صالح عن ابن شهاب، وهو من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن صالحاً أكبر من ابن شهاب، على ما قيل. ٥ - (ومنها): أن فيه أنساً ظله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، وهو المشهور بالخادم، خدم النبيّ ◌َّ عشر سنين رُّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: ((أخبرني أنس بن مالك الأنصاريّ، وكان تَبِعَ النبيّ وََّ، وخَدَمَه، وصَحِبَه))، فقوله: (تَبَعَ النبيّ وَّ)) لم يذكر المتبوع فيه ليُشعر بالعموم، أي تبعه في العقائد والأقوال والأفعال، وقوله: ((وخَدَمه)) أي خدم النبيّ وََّ، إنما ذكر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادماً له عشر سنين ليلاً ونهاراً، وقوله: ((وصَحِبه)) إنما ذكر صحبته له؛ ١٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة لأن صحبته وَل أفضل أحوال المؤمنين، وأعلى مقاماتهم(١). (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ◌َُّه (كَانَ يُصَلَّي لَهُمْ) أي لأجل الصحابة، إماماً لهم، وفي نسخة: (بهم)) (فِي وَجَعِ رَسُولِ اللهِ ◌َِّ) بفتحتين: أي في أيّام مرضه، وتقدّم تصريف الوجع، وتفسيره في ((الإيمان)) برقم [٢٩٤/٤٦] (١٠٤). (الَّذِي تُوُنِّيَ فِيهِ) بالبناء للمفعول: أي مات بسببه (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ) رُوي برفع ((يومُ)) على جعل ((كان)) تامّةً، وبالنصب على أنه خبرها، واسمها ضمير يعود إلى الزمن، أي حتى كان الزمن يوم الاثنين، والوجه الأول أوضح (وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال (كَشَفَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ سِتْرَ الْحُجْرَةِ) بكسر السين المهملة، وسكون التاء بمعنى الساتر، و((الْحُجْرة)) بضم، فسكون: البيت (فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) عبارة عن الجمال البارع، وحُسن الْبَشَرَة، وصفاء الوجه، واستنارته، قاله النوويّ رَّتُهُ(٢) . وقال القرطبيّ تَظّتُهُ: هذه عبارة عمّا راعهم من جماله، وحسن بشرته، ومائيّة وجهه، كما قال في الحديث الآخر: ((كأن وجهه مُذْهَبَةٌ))(٣)، و((الورقة)) بفتح الواو والراء، واحد الوَرَق، قال في ((القاموس)): ((الْوَرَقُ)) مُحَرَّكَةً من الكتاب والشجرِ معروفٌ. انتهى(٤). وقال في ((المصباح)): الْوَرَق: الكاغَدُ(٥)، قال الأخطل [من الكامل]: فَكَأَنَّمَا هِيَ مِنْ تَقَادُم عَهْدِهَا وَرَقْ نُشِرْنَ مِنَ الْكِتَابِ بَوَالِي وقال الأزهريّ أيضاً:َ الْوَرَقُ ورَقُ الشجر، والْمُصْحَفِ، وقال بعضهم: الْوَرَقُ: الْكَاغَدُ، لم يوجد في الكلام القديم، بل الْوَرَق اسم لجلودٍ رِقَاقٍ يُكْتَبُ فيها، وهي مُستعارة من ورق الشجر. انتهى (٦). (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٩٩/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/٤. (٣) رواه مسلم برقم (١٠١٧)، والنسائيّ ٧٦/٥ من حديث جرير رضي عنه . (٤) (القاموس المحيط)) ٢٨٨/٣. (٥) ((الكاغَد)) بفتح الغين، وبالدال المهملة، وربّما قيل بالذال المعجمة: الْقِرْطاس، معرَّبٌ، أفاده في ((المصباح)) ٥٣٥/٢، و((القاموس)) ٣٣٣/١. (٦) ((المصباح المنير)) ٦٥٦/٢. ١٢٥ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٩) و((المصحف)) مثلّث الميم، من أُصْحِف بالضمّ: أي جُعِلت فيه الصُّحُف، قاله في ((القاموس))(١). وذكر الأبيّ أن المصحف من لفظ الراوي؛ لأنه لم يكن حينئذ. (٢) انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الأبيّ نظر لا يخفى؛ لأن المصحف كان موجوداً حينما حدّث أنسٌ به بهذا الحديث؛ إذ هو موجود من عهد الخلفاء ﴿، فتشبيهه بالمصحف للذين يروي لهم الحديث واضحٌ، ولم يُرد تشبيهه بمصحف كان حين رؤية وجهه وير، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَلِ ضَاحِكاً) حال مؤكّد لتبسّم، كما قال في (الخلاصة)) : وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نِحْوٍ لَا تَعْثَ فِي الأرْضِ مُفْسِدًا قال في ((المصباح)): بَسَمَ بَسْماً، من باب ضَرَبَ: ضَحِكَ قليلاً من غير صَوْتٍ، وابْتَسَمَ وَتَبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دون الضَّحِك. انتهى(٣). وفي ((اللسان)): التبسُمُ: أقلّ الضحك وأحسنه، وفي التنزيل: ﴿فَنَبَّمَ ضَاحِكًا مِن قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] قال الزجّاج: التبسّم أكثر ضَحِك الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وقال الليث: بَسَمَ يَبْسِمُ بَسْماً: إذا فَتَح شفتيه كالمكاشر. انتھی(٤). قال النوويّ رَّتُهُ: سبب تبسمه وََّ فَرَحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتّباعهم لإمامهم، وإقامتهم شريعته، واتفاق كلمتهم، واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه وَّ على عادته إذا رأى أو سمع ما يَسُرُّه يَستنير وجهه، وفيه معنى آخر، وهو تأنيسهم، وإعلامهم بتماثل حاله في مرضه، وقيل: يَحْتَمِل أنه وَّ خرج ليصلّي بهم، فرأى من نفسه ضعفاً فرجع. (٥) انتھی(٥) . (١) ((القاموس المحيط)) ١٦١/٣. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٩/١. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/٤. (٢) ((شرح الأبيّ)) ١٧٦/٢. (٤) ((لسان العرب)) ٥٠/١٢. ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (قَالَ: فَبُهِتْنَا) بضمّ الموحّدة مبنيًّ للمفعول: أي أُخِذنا بَغْتَةً، وانتابتنا الْحَيْرةُ، قال في ((القاموس)): و(الْبَهْتُ)) بالضمّ والفتح: الأخذ بَغْتَةً، والْحَيْرةُ، والفعل كعَلِمَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ، وزُهِي، وهو مَبْهُوتٌ، لا باهتٌ، ولا بَهِيتٌ. انتهى(١). وفي ((المصباح)): بَهِتَ، وبَهُتَ: من بابي قَرُبَ، وتَعِبَ: دَهِشَ، وتَحَيَّرَ، ويُعدَّى بالحركة، فيقال: بَهَتَهُ يَبْهَتُّهُ بفتحتين، فَبُهِتَ بالبناء للمجهول. انتهى(٢). وفي رواية البخاريّ: ((فَهَممنا أن نَفْتَتِنَ من الفَرَح برؤية النبيّ ◌ِيآ)). (وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من نائب الفاعل، وقوله: (مِنْ فَرَح) أي من أجل فرحنا، وهو متعلّق بـابُهتنا)) وقوله: (بِخُرُوج رَسُولِ اللهِ) النبيّ (ََّ) متعلّق بـ((فَرَح)) (وَنَكَصَ) أي رجع إلى ورائه قهقرى (أَبُوَ بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ) يقال: نَكَصَ على عِقَبيه نُكُوصاً، من باب قعد: رجع، قال ابن فارس: والنُّكُوصُ: الإحجام عن الشيء(٣)، وقوله: (لِيَصِلَ) من الوصول، لا من الوصل، وقوله: (الصَّفَّ) منصوب على أنه مفعول به لـ((يَصِل))؛ لأنه يتعدّى بنفسه، فلا حاجة إلى ما قاله العينيّ: إنه منصوب بنزع الخافض: أي إلى الصفّ(٤)؛ لما ذكرناه. قال في ((القاموس)): وَصَلَ الشيءَ، وإليه وُصُولاً، وَوُصْلَةً، وَصِلَةً: بَلَغَهُ، وانتهى إليه. انتهى(٥). فأفاد أن وَصَلَ هنا متعدّ بنفسه إلى الصفّ، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. (وَظَنَّ) أي أبو بكر ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهُ خَارِجٌ لِلصَّلَاةِ) وفي نسخة: ((إلى الصلاة)) (فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِيَدِهِ، أَنْ أَنِمُوا صَلَاتَكُمْ) ((أن)) هنا تفسيريّة، بمعنى ((أي))، فقد توفّر فيها شروط وقوعها تفسيريّة، وهي: أن تُسبق بجملة، وتتأخّر عنها جملة، فيها معنى القول، دون حروفه، ولم يدخل عليها جارّ(٦)، فجملة ((أتمّوا صلاتكم)) تفسير لإشارته ◌َلؤ . (١) ((القاموس المحيط)) ١٤٤/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٢٥/٢. (٥) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٦٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٣/١. (٤) ((عمدة القاري)) ٢٩٩/٥ - ٣٠٠. (٦) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ص٤٣ - ٤٥. ١٢٧ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٥٠) (قَالَ) أنس ◌َّهِ (ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ) أي حجرته (فَأَرْخَى السِّتْرَ) أي أرسل الساتر الذي كشفه (قَالَ) أنس رَُّّه (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ) أي في يومه، فـ((من)) بمعنى ((في))، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رَّ ◌ُّه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٤٩/٢٢ و٩٥٠ و٩٥١ و٩٥٢] (٤١٩) و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٨٠ و٦٨١ و٧٥٤) و((العمل في الصلاة)) (١٢٠٥) و((المغازي)) (٤٤٤٨)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٣٦٧)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٧/٤)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٦٢٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٨٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٠/٣ و١٦٣ و١٩٦ و١٩٧ و٢٠٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٨٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٦٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٤٧ و١٦٤٨ و١٦٤٩ و١٦٥٠ و١٦٥١ و١٦٥٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٣٦ و٩٣٧ و٩٣٨ و٩٣٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٥/٣)، و(ابن سعد) في (الطبقات)) (٢١٦/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٨٢٤). وأما فوائد الحديث، وبقيّة مباحثه، فتقدّمت في شرح حديث عائشة الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٥٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ﴿ كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الِثْنَيْنِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَحَدِيثُ صَالِحِ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ). ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) عن (٧٤) سنة (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة حافظ إمام، من رؤوس [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جا ص٣٨٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف نَّتُهُ، وهو (٤٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ كَشَفَ السَِّارَةَ﴾ «آخر)» مبتدأ خبره قوله: ((كشَفَ السِّتارة))، بتقدير حرف مصدريّ، أي أن كشف، و((السِّتَارة)) بالكسر: ما يُسْتربه، كالسُّترة، والْمِسْتَر، والإستار، جمعه: سَتَائر، قاله في ((القاموس)) (١). وقوله: (يَوْمَ الِثْنَيْنِ) متعلّق بـ(كشف)). وقوله: (بِهَذِهِ الْقِصَّةِ) أي يعني أن سفيان بن عيينة حدّث عن الزهريّ بهذه القصّة التي سبقت في رواية صالح بن كيسان، عنه. وقوله: (وَحَدِيثُ صَالِحِ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ) أراد به أن حديث سفيان مختصر. [تنبيه]: حديث سفيان بن عيينة التي أحالها هنا، ساقها بتمامها الإمام النسائيّ في ((سننه))، فقال: (١٨٣١) أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أنس، قال: ((آخرُ نظرة نظرتها إلى رسول الله وَلَ كَشَفَ السِّتَارة، والناس صفوف خلف أبي بكر ربه، فأراد أبو بكر أن يرتدَّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السِّجْفَ، وتُؤُفّي من آخر ذلك اليوم، وذلك يوم الاثنين)). انتهى. وأخرجها أيضاً الإمام ابن ماجه في ((سننه))، فقال: (١٦٢٤) حدّثنا هشام بن عمّار، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، (١) ((القاموس المحيط)) ٤٤/٢. ١٢٩ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٥١) سمع أنس بن مالك يقول: ((آخرُ نظرة نظرتها إلى رسول الله صل* كَشَفَ السِّتَارة يوم الاثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقَةُ مُصْحف، والناس خلف أبي بكر في الصلاة، فأراد أن يتحرك، فأشار إليه أَنِ اثْبُتْ، وألقى السِّجْفَ، ومات من آخر ذلك اليوم)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٩٥١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لصالح بن كيسان، وابن عيينة، يعني أن معنی حدیث معمر، عن الزهريّ کمعنى حديث صالح، وسفيان عنه. [تنبيه]: رواية معمر هذه ساقها بتمامها الحافظ أبو عوانة نَّهُ في ((مسنده)) (٤٤٥/١) فقال: (١٦٤٩) حدّثنا الدَّبَريّ(٢)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: وأخبرني أنس بن مالك، قال: ((لَمّا كان يومُ الاثنين كَشَفَ رسول الله وَهـ سِتْرَ الحجرة، فرأى أبا بكر يصلّي بالناس، قال: فنظرتُ في وجهه كأنه ورقةُ مصحف، وهو يتبسم، قال: وكِدْنا أن نُفْتَتَن في صلاتنا فرحاً برؤية رسول الله وَّل، قال: فأراد أبو بكر أن ينكُص، فأشار إليه النبيّ وَّ أَنْ كما أنت، ثم أرخى السِّتْر، فمات من يومه)). انتهى. وأخرجها الإمام أحمد كَّتُهُ في ((مسنده)) مطوّلةً، فقال: (١٢٥٥٧) حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: قال الزهريّ: وأخبرني أنس بن مالك، قال: لما كان يومُ الاثنين كَشَفَ رسول الله وَّه ◌ِتْرَ الْحُجْرة، فرأى أبا بكر، وهو يصلّي بالناس، قال: فنظرتُ إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، وهو يتبسم، قال: وكِدْنا أن نُفْتَتَنَ في صلاتنا فرحاً لرؤية (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) هو إسحاق بن إبراهيم. ١٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رسول الله وَلجه، فأراد أبو بكر، أن ينكُصَ، فأشار إليه أَنْ كما أنت، ثم أرخى السِّتْر، فقُبِض من يومه ذلك، فقام عمر، فقال: إن رسول الله وَلير لم يمت، ولكنّ ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلةً، والله إني لأرجو أن يعيش رسول الله وَله حتى يَقْطَع أيدي رجال من المنافقين، وألسنتهم، يزعمون، أو قال: يقولون: إن رسول الله وَلو قد مات)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٥٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللهِ وَِّ ثَلَاثاً، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ وَهَ بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ نَّهِ، مَا نَظَرْنَا مَنْظَراً قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ وََّ، حِينَ وَضَحَ لَنَا، قَالَ: فَأَوْمَأَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى نَبِيُّ اللهِوَهِ الْحِجَابَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ الْبَزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز (٨٠) سنة (٤٢) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. ٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنْبَريّ مولاهم، التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨. ١٣١ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٥٢) ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهَيب البنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. و((أنس)) ظُه تقدّم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نََّثُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى هارون، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه هارون، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، وأن شيخه الأول أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك رَظُه أنه (قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللهِ نَّهِ ثَلاثَاً) أي ثلاث ليال، وقد تقدّم غير مرّة، أن تمييز العدد إذا لم يُذْكَر بعده جاز في العدد التأنيث، والتذكير، وكان ابتداؤها من حين خَرَج النبيّ وََّ، فصلَّى بهم قاعداً، كما تقدّمُ(١). (فَأُقِيمَتِ الصَّلَةُ، فَذَهَبَ) أي شَرَع وأخذ (أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ) أي يكون إماماً يصلّي بالناس، وذلك بأمره وَ ◌ّر، كما تقدّم قوله ◌َّ: (مُرُوا أبا بكر أن يصلّي بالناس)) (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ وَهِ بِالْحِجَابِ) أي أخذه، وإجراء القول مجرى فَعَلَ كثير في استعمال العرب، وقد قدّمنا تحقيقه (فَرَفَعَهُ) أي ليرى ما عليه الصحابة ه من اجتماعهم للصلاة خلف من أمره أن يصلّي بهم، وهو أبو بكر تَُّه (فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا) أي بان وظهر للصحابة الحاضرين تلك الصلاة، وقال ابن التين: أي ظهر لنا بياضه وحسنه؛ لأن الوضاح عند العرب هو الأبيض اللون لحسنه. انتهى (٢). (وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ وَ، مَا) نافية (نَظَرْنَا مَنْظَراً) (١) راجع: ((الفتح)) ١٩٤/٢، و((عمدة القاري)) ٣٠٠/٥. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٠٠/٥. ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وفي رواية البخاريّ: ((ما رأينا منظراً (قَطُّ) أي في الزمان الماضي، وهي بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومةً في أفصح اللغات، ظرف زمان لاستغراق ما مضى وتختصّ بالنفي، يقال: ما فعلته قطّ، والعامّة يقولون: لا أفعله قطٌ، وهو لحنٌّ، واشتقاقه من قَطَطْتُهُ: أي قطعته، فمعنى ما فعلته قطّ: ما فعلته فيما انقطع عن عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبُنِيتْ؛ لتضمّنها معنى ((مُذْ، وإلى))؛ إذ المعنى: مُذْ أن خُلِقتُ إلى الآن، وعلى حركة؛ لئلا يلتقي ساكنان، وكانت ضمّةً؛ تشبيهاً لها بالغايات، وقد تُكْسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تُتْبَع قافه طاءه في الضمّ، وقد تُخَفّف طاؤه مع ضمّها، أو إسكانها، ذكره ابن هشام الأنصاريّ كَُّ في ((مغنيه))(١). (كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ بَّهِ، حِينَ وَضَحَ) أي ظهر (لَنَا، قَالَ) أنس رُه: (فَأَوْمَأَ) أي أشار، يقال: أومأتُ إليه إيماءً: أشرتُ إليه بحاجب، أو يدٍ، وفي لغة: وَمَأْتُ وَمْئاً، من باب نَفَعَ، قاله الفيّوميّ(٢). (نَبِيُّ اللهِ وَيجوز بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل، مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي بالتقدّم، وهذا التقدير قياسٌ، كما قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ مَعْ أَمْنٍ لَبْسٍ كَ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا)» نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ» وَ«أَنْ)) يَظَرِدُ ويَحْتَمِلُ أن يكون مفعولاً لـ(أومأ))، بتضمينه معنى ((طَلَبَ)) أي طلب إليه لتقدّم. ثم إن قوله: ((فأومأ ... إلخ)) ليس مخالفاً لقوله في أوله: ((فتقدّم أبو بكر))؛ إذ في السياق حذف يظهر من رواية الزهريّ التي قبله، حيث قال فيها: «فنکص أبو بكر)). وحاصل ذلك أن أبا بكر به تقدّم لأمر النبيّ وَّ له بذلك، فلما كشف ◌َلّ الحجاب ظنّ أنه خارجٌ إليهم ليصلّي بهم، فتأخّر، فأشار إليه وَهـ حينئذ أن يرجع إلى مكانه، ويستمرّ على إمامته (٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ص ١٨١. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٧٣/٢. (٣) راجع: ((الفتح)) ١٩٤/٢. ١٣٣ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٥٣) (وَأَرْخَى) بالبناء للفاعل، أي أرسل (نَبِيُّ اللّهِ وَّ الْحِجَابَ) أي الساتر ـُّ (فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ) بفتح النون، وكسر الذي رفعه بيده؛ ليرى الصحابة الدال، مبنيّاً للفاعل، أي لم نستطع على رؤيته وَّ﴿ بعد ذلك (حَتَّى مَاتَ) أي إلى أن مات النبيّ وَّر، وفي رواية للبخاريّ: ((فلم يُقدَر)) بالياء بدل النون، وعليه فالفعل مبنيّ للمجهول. قال في ((العمدة)): ومما يُستفاد منه أن أبا بكر رَظ له كان خليفته وَّ في الصلاة إلى موته، ولم يَعزِله عنها، كما زعمت الشيعة أنه عُزِلَ بخروج النبيّ وَّه، وتخلّفه، وتقدّم النبيّ ◌َله، وأن الإشارة باليد تقوم مقام الأمر في مثل هذا الموضع. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وبيان فوائده قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٥٣] (٤٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَرِضَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ الهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، مَتَى يَقُمْ(١) مَقَامَكَ لَا يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: ((مُرِي أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))، قَالَ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ حَيَاةَ رَسُولِ اللهِ وَلِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في هذا الباب. ٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ) بن الوليد الْجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٣ أو ٢٠٤) وله (٤ أو ٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٤/١١. (١) وفي نسخة: ((متى يقوم)). ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدَامة الثقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْمَيّ، حليف بني عديّ الفرسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته، الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقد جاوز (٨٠) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات راه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وشرح الحديث يعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى ربه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٩٥٣/٢٢] (٤٢٠)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٣٣٨٥)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٣٩٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/ ٢١٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٤٢/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢/ ٤٥)، و(النسائي) في ((الكبرى)) (٤٠١/٥)، و(البيهقي) في ((الكبرى)) (٨/ ١٥٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٣) - (بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إِذَا تَأَخَّرَ الإِمَامُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٥٤] (٤٢١) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ؛ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، ١٣٥ (٢٣) - بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إِذَا تَأَخَّرَ الإِمَامُ - حديث رقم (٩٥٤) فَقَالَ: أَتْصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ، وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ بَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ رَّتِ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدََّ النَّبِيُّ نَّهِ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟))، قَالَ (١) أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿َ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا النَّصْفِيحُ (٢) لِلنِّسَاءِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج التّمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثُقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠. ٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ضًَّا، مات سنة (٨٨)، وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف نَظّتُهُ، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٤٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو من المعمّرين، كما أسلفناه (١) وفي نسخة: ((فقال)). (٢) وفي نسخة: ((وإنما التصفيق)) بالقاف. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة آنفاً، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ) ﴿ّ، وفي رواية النسائيّ من طريق سفيان، عن أبي حازم: ((سمعتُ سهلاً)) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما: الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس، فيه عِدّةُ أَحياء، كانت منازلهم بقباء، منهم بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وبنو ضُبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف(١). (لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ) أي إن سبب ذهابه بَّه إليهم لأجل أن يُصلح ما وقع بينهم من العداوة، ففي رواية النسائيّ، ((أن رسول الله وَّر بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء))، وفي رواية سفيان، عن أبي حازم: ((وقع بين حيين من الأنصار كلام))، وفي رواية للبخاريّ في (كتاب الصلح)) من طريق محمد بن جعفر، عن أبي حازم: ((أن أهل قباء اقتتلوا، حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله 8َّ﴿ بذلك، فقال: اذهبوا بنا نُصلِح بينهم)). وله فيه من رواية أبي غَسّان، عن أبي حازم: ((فخرج في أناس من أصحابه))، وسَمَّى الطبرانيّ منهم، من طريق موسى بن محمد، عن أبي حازم: أُبَيَّ بن كعب، وسهيلَ بنَ بيضاء، وللبخاريّ في (كتاب الأحكام)) من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: أن توجهه كان بعد أَنْ صلّى الظهر، وللطبرانيّ من طريق عُمَر بن عليّ، عن أبي حازم: ((أن الخبر جاء بذلك، وقد أَذَّنَ بلال لصلاة الظهر)). (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي قرب وقت الصلاة، والمراد بها العصر، فقد صُرِّح به عند البخاريّ في ((كتاب الأحكام))، ولفظه: «فلما حضرت صلاة العصر أَذَّنَ وأقام، وأمر أبا بكر، فتقدَّم))، ولم يسم فاعل ذلك، وقد أخرجه أحمد، وأبو (١) ((الفتح)) ٢/ ١٩٧. ١٣٧ (٢٣) - بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إِذَا تَأَخَّرَ الإِمَامُ - حديث رقم (٩٥٤) داود، وابن حبان من رواية حماد بن زيد، عن أبي حازم، فبَيَّن الفاعلَ، وأن ذلك كان بأمر النبيّ وَّ، ولفظه: ((فقال لبلال: إن حضرت العصر، ولم آتَك، فمر أبا بكر، فليصلّ بالناس، فلما حضرت العصر أَذَّن بلال، ثم أقام، ثم أَمَر أبا بكر فتقدم))، ونحوه للطبرانيّ من رواية موسى بن محمد، عن أبي حازم، وعُرِفَ بهذا أن المؤذن بلال خُه. (فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ) أي بِلال ◌َّهِ، كما مرّ آنفاً (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيقِ نَظُه (فَقَالَ: أَتُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَأُقِيمَ؟) بالنصب؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة في جواب الاستفهام، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَب ويجوز رفعه، على أنه مستأنف بتقدير مبتدأ، أي فأنا أقيم. ثم إن هذا لا يعارض ما ذكرناه آنفاً من أن ذلك بأمر النبيّ وَلِّ بلالاً بذلك؛ لأنه يُحمل على أن بلالاً استفهم أبا بكر، هل يبادر أوّلَ الوقت لتنفيذ أمر رسول الله وَل، أم أنه ينتظر قليلاً مجيئه ◌َّهِ حتى يُصلّ بالناس؟ فترجّح لأبي بكر به المبادرة؛ لأنها فضيلة متحقّقة، فلا تُترك لفضيلة متوهّمة، أفاده في ((الفتح)) (١) . (قَالَ) أبو بكر تَظُه: (نَعَمْ) زاد في رواية البخاريّ من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: ((إن شئت))، وإنما فَوَّض ذلك له مع كونه ربَّي أمره أن يؤمّ الناس إن تأخّر؛ لاحتمال أن يكون عند بلال ظه زيادة علم من النبيّ ◌َ لل في ذلك. (قَالَ) سهل ◌َبُه (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أي دخل في الصلاة، وفي رواية النسائيّ: ((فأقام بلالٌ، وتقدّم أبو بكر، فَكبّر بالناس))، وفي رواية للبخاريّ: ((وتقدم أبو بكر، فكبّر))، وفي روايةٍ: ((فاستفتح أبو بكر الصلاة))، وهي عند الطبرانيّ. قال في ((الفتح)): وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين، حيث امتنع أبو بكر هنا أن يَسْتَمِرّ إماماً، وحيث استمرّ في مرض موته وَ ل﴿ حين صلّى خلفه (١) ٢/ ١٩٧. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الركعة الثانية من الصبح، كما صَرَّح به موسى بن عقبة في ((المغازي))، فكأنه لَمّا أَنْ مَضَى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولَمّا أن لم يَمْضِ منها إلا اليسير لم يستمرّ، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف، حيث صلّى النبيّ وَ خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمرّ في صلاته إماماً لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن هي الآتية بعد هذا من حديث المغيرة بن شعبة (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية للنسائيّ: ((ثم جاء رسول الله وَل (وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (فَتَخَلَّصَ) قال الكرمانيّ: أي صار خالصاً من الأشغال، فتعقّبه العينيّ تَخْتُهُ، فقال: ليس المراد هذا المعنى هنا، بل معناه: فتخلّص من شَقّ الصفوف، حتى وصل إلى الصفّ الأول، وهو معنى قوله (حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) أي في الصفّ الأول، والدليل على ما قلنا: رواية عبيد الله العمريّ(١) عند مسلم - يعني الآتية بعد هذا -: ((فجاء رسول الله وَّله، فخَرَقَ الصفوف حتى قام عند الصفّ المقدّم)). انتهى(٢) . وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد العزيز، عن أبيه: ((فجاء النبيّ وَّل يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقّاً، حتى قام في الصف الأول))، وفي رواية للنسائيّ من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: ((فجعل يشقّ الناس، حتى قام خلف أبي بكر)). (فَصَفَّقَ النَّاسُ) بتشديد الفاء من التصفيق، أي ضربوا كفّ إحدى اليدين على صفحة الكفّ الآخر؛ إعلاماً لأبي بكر ؤُه بحضور النبيّ وَّو، ففي رواية النسائيّ، من طريق عبيد الله العمريّ، عن أبي حازم: ((وصَفّح الناس بأبي بكر؛ ليؤذنوه برسول الله (وَلچر)). وللبخاريّ من طريق عبد العزيز، عن أبيه: ((فأخذ الناس في التصفيح))، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. انتهى. (١) وقع في نسخة ((العمدة)): ((عن عبد العزيز))، وهو غلط؛ لأن هذا عند مسلم ليس في رواية عبد العزيز، وإنما هو في رواية عبيد الله العمريّ، فتنبّه. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٠٦/٥. ١٣٩ (٢٣) - بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إِذَا تَأَخَّرَ الإِمَامُ - حديث رقم (٩٥٤) قال في ((الفتح)): وهذا يدل على ترادفهما عنده، فلا يُلتَفت إلى ما يخالف ذلك. انتهى. وقال الكرمانيّ: التصفيق: الضرب الذي يُسمَع له صوت، والتصفيق باليد التصويت بها. انتهى. وقال في ((العمدة)): التصفيق: هو التصفيح بالحاء، سواء صَفَّق بيده، أو صَفَّح، وقيل: هو بالحاء الضرب بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، وبالقاف ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو اللَّهْوُ واللَّعِبُ. وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء ضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى، وقال الداوديّ في بعض الروايات: ((فصَفَّح القوم، وإنما التصفيح للنساء)»، فيُحْمَل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم. انتهى(١). (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رَبُهُ (لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ) لمزيد خشوعه، واستغراقه في مناجاة ربّه، ولأنه ورد ذُّ الالتفات في الصلاة، فقد أخرج البخاريّ عن عائشة ◌ّا، قالت: سألت رسول الله وَله عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)). وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة عن أبي ذر ظُه قال: قال رسول الله وَله: ((لا يزال الله رحمك مقبلاً على العبد في صلاته، ما لم يَلتَفِت، فإذا صَرَف وجهه انصرف عنه)). وأخرج أحمد، والترمذيّ عن الحارث الأشعريّ ◌ُه نحوه، وزاد: ((فإذا صلّيتم، فلا تلتفتوا))(٢). (١) ((عمدة القاري)) ٣٠٦/٥. (٢) حديث الحارث الأشعريّ ◌ُبه حديث طويل صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، ولفظه : ٢٧٩٠ - حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبان بن يزيد، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أن أبا سلام حدّثه، أن الحارث الأشعريّ حدّثه أن النبيّ وَّ ر قال: ((إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس= ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ) وفي رواية البخاريّ من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: ((فلما رأى التصفيح لا يُمْسَك عنه التفت)). يعني أنه لَمّا صفّق أكثر الناس التفت أبو بكر رَؤُه لينظر ما أوجب تصفيقَهُم . (فَرَأَى رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ) عطف على محذوف، أي فأخذ أبو بكر في التأخر ليتقدّم رسول الله وَ له، فأشار إليه وَّه بعدم التأخّر (أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) ((أن)) تصلح أن تكون مصدريّة، والتقدير: فأشار إليه كلمات، أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، = فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُحْسَف بي، أو أَعَذَّب، فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وتَعَدَّوا على الشَّرَف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات، أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أولهنّ أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وإن مثل من أشرك بالله، كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله، بذهب أو ورق، فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل، وأدِّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟، وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله يَنْصِب وجهه لوجه عبده في صلاته، ما لم يلتفت، وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك، كمثل رجل في عصابة، معه صُرَّةٌ، فيها مسكٌ، فكلهم يعجب، أو يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم، وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سِراعاً، حتى إذا أتى على حِصْن حَصِين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يَحرِز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله)) - قال النبيّ وَ ل﴿ل ـ: ((وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهنّ: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه مَن فارق الجماعة قِيدَ شِبْر فقد خَلَع رِبْقَة الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع، ومن ادَّعَى دعوى الجاهلية، فإنه من ◌ُثًا جهنم)، فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟، قال: ((وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين، عباد الله)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.