Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٢١) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٣٨)
والتقسيم ينافي الشركة، لكن سبق أنّ الأرجح بالنسبة للإمام أن يجمع بينهما؛
لثبوت ذلك من النبيّ وَ﴾، وأما المأموم فيكتفي بالتحميد فقط؛ لظاهر هذا
الحديث؛ إذ لم يثبت صريحاً ما يعارضه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا بهذا السياق من أفراد
المصنّف نَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٣٧/٢١ و٩٣٨] (٤١٥)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (١٦٣٠ و١٦٣١)، و(أبو نُعيم) (٩٢٤ و٩٢٥)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (١٥٧٦ و١٥٨٢)، وبقيّة المسائل تقدّمت، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٣٨] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ (١)، عَنْ
سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ بِنَحْوِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ:
((﴿وَلَّ الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ))، وَزَادَ: ((وَلَا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الْجُهَنيّ
مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨]
(ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) تقدّم قبل بابين.
والباقيان تقدّما في السندَ الماضي.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا عبد العزيز الدّراورديّ)).

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن حديث عبد العزيز الدراورديّ نحو حديث
الأعمش، إلا أنه نقص منه قوله: ((وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ فقولوا: آمين))،
فلم يذكره.
وقوله: (وَزَادَ: وَلَا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ) فاعل ((زاد)) ضمير عبد العزيز الدراورديّ.
[تنبيه] رواية عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ هذه ساقها أبو نعيم (١)، في
(مستخرجه)) (٣٩/٢) فساقه بسنده(٢) إلى محمد بن إسحاق السّرّاج، ثنا قتيبة بن
سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل عن أبيه(٣)، عن أبي هريرة، أن
رسول الله وَلو قال: ((إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا،
ولا تختلفوا عليه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد،
وإذا سجد فاسجدوا، ولا ترفعوا قبله)). انتهى(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٣٩] (٤١٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا شُغَّبَةُ، عَنْ
يَعْلَى، وَهُوَ ابْنُ عَطَاءٍ، سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا صَلَّى قَاعِداً، فَصَلُّوْا قُعُوداً، وَإِذَا قَالَ:
(١) لكن في النسخة الموجودة أغلاط، صححته من رواية مسلم، فتنبّه.
(٢) إنما لم أسق إسناده لكثرة التصحيفات فيه لكون النسخة سقيمة، فاقتصرت على
السند الذي اتّفق فيه مع مسلم، وعدّلت التصحيفات الواقعة فيه بما في مسلم،
فتنبه .
(٣) وقع في النسخة، غلط كثير في هذا، ونصّه: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سهيل بن
عبد العزيز بن محمد، عن سهيل، عن أمه، عن أبي هريرة، فقوله: ((ثنا سهيل بن
عبد العزيز)) غلط، والصواب: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وقوله: ((عن أمه))
غلط، والصواب: عن أبيه، وأصلحته من سند مسلم، فتنبّه.
(٤) راجع: ((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) ٣٩/٢ رقم (٩٢٥).

٨٣
(٢١) - بَابُ الَّهْىٍ عَنْ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٣٩)
سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الْأَرْضِ
قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٣ - (يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ) العامريّ، ويقال: الليثيّ الطائفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وأوس بن أبي أوس، وعُمارة بن حُدَير البجليّ، وعمرو بن
الشَّرِيد بن سُوَيد، وعمرو بن عاصم بن سُفيان بن عبد الله الثَّقَفِيّ، وأبي عَلْقَمَة
الهاشميّ، وجابر بن يزيد بن الأسود، وأبي هَمّام عبد الله بن يسار الكوفيّ،
ووكيع بن عُدُس، ويزيد بن طَلْق، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوريُّ، وحماد بن سلمة، وهُشيم، وشريك، وأبو
عوانة، وغيرهم.
قال الأثرم: أثنى عليه أحمد بن حنبل خيراً. وقال ابن معين، والنسائيّ:
ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الدُّوريّ،
عن ابن معين: سمع هُشيم من يعلى، وهو صغير جدّاً. وقال الفضل بن زياد
عن أحمد: قال هشيم: فارقنا يعلى سنة عشرين ومائة. وقال البخاريّ: يقال:
مات بواسط سنة عشرين، وفيها أَرّخه ابن حبّان. وقال ابن المديني: يعلى بن
عطاء له أحاديثُ لم يروها غيره، ورجالٌ لم يرو عنهم غيره، منهم وكيع بن
عُدُس، وأهل الحجاز لا يعرفونه، وإنما رَوَى عنه قوم بواسط.
أخرج له البخاريّ في ((جزء القراءة))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤١٦) و(١٨٣٥) و(٢٢٣١).
٤ - (أَبُو عَلْقَمَةَ) الفارسيّ المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: إنه مولى
ابن عبّاس، وقيل: حليفهم، ويقال: حليف الأنصار، ثقة، وكان قاضي
إفريقية، من كبار [٣].

٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
روى عن عثمان بن عفان، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن
عمر، ويسار بن نمير، مولى ابن عمر، وغيرهم.
وعنه أبو الزبير المكي، وأبو الخليل، مُفلح بن أبي مريم، وعطاء
العامري، ويعلى بن عطاء العامري، وأيوب، ويقال: محمد بن حصين،
وآخرون.
قال أبو حاتم: أحاديثه صحاح، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
ابن يونس: أبو علقمة الفارسيّ، مولى ابن عباس، كان على قضاء إفريقية،
وكان أحد الفقهاء الموالي الذين ذكرهم يزيد بن أبي حبيب، وقال العجليّ:
مصري تابعيّ ثقة، وقال أبو أحمد بن عديّ: أبو علقمة هذا اسمه مسلم بن
يسار(١).
أخرج له البخاري في ((جزء القراءة))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤١٦) و(١٤٥٦) و(١٨٣٥).
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، والصحابيّ في السند الماضي.
وقوله: (إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ) أي ساتر لمن خلفه، ومانعٌ من مفسدات
صلاتهم من سهو يَحمله عنهم، أو مارّ يقطعها عليهم، فهو لهم كالمجَنّ،
والْجُنّة، وهي التُّرْس الذي يستُر من وراءه، ويدفع عنه ما يكرهه، قاله القاضي
عياض(٢).
وقوله: (فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الْأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ) أي الملائكة، وقد
تقدّم أن الصحيح في معنى الموافقة هو الموافقة في الزمن، وتمام شرح
الحديث قد تقدّم.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من طريق أبي علقمة من
أفراد المصنّف نَّلُهُ .
(١) انظر: ((تحفة الأشراف)) ٤٩٩/١٠.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣١٣/٢، و((شرح النوويّ)) ١٣٥/٤.

٨٥
(٢١) - بَابُ الَّهْىِ عَنْ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٤٠)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٣٩/٢١] (٤١٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٣٨٦ و٤١٦ و٤٦٧)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٤٦٢)، و(ابن خزيمة)
في ((صحيحه)) (١٥٩٧)، و(الطحاوي) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٠٤/١)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٢٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٢٦)، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث عند المصنّف مختصر، وقد ساقه أبو عوانة في
(مسنده)) (٤٣٨/١) مطولاً، فقال:
(١٦٢٩) حدثنا يونس بن حبيب، وعمار بن رجاء، قالا: ثنا أبو داود
(ح) وحدثنا أبو حميد، قال: ثنا حجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن يعلى بن
عطاء، قال: سمعت أبا علقمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبيّ ◌َالطيار:
((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد
أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني، إنما الإمام جُنة، فإذا صلّى قاعداً
فصلّوا قعوداً، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد،
فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء، غُفِر له ما تقدم من ذنبه))، قال:
((ويهلك قيصر فلا قيصر بعده، ويهلك كسرى فلا كسرى بعده))، وكان يتعوذ
من خمس: ((من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا، وفتنة الممات،
وفتنة المسيح الدجال)) - حديثهما واحد، وفي حديث أبي داود - ((إذا قرأ
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، فقولوا: آمين، فإنه إذا وافق قول أهل
الأرض قول أهل السماء، غُفِر للعبد ما مضى من ذنبه))، وسائر حديثهم واحد.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٤٠] (٤١٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، أَنَّ أَبَا
يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: عَنْ رَسُولِ اللهِ وَله

٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا
قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَائِماً،
فَصَلَّوْا قِيَاماً، وَإِذَا صَلَّى قَاعِداً، فَصَلُّوْا تُعُوداً أَجْمَعُونَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (حَيْوَةُ) بن شُرَيح بن صَفْوان التُّجِيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيةٌ زاهد [٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
٤ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) سليم بن ◌ُبَير الدَّوْسيّ المصريّ، تقدّم
قبل باب.
٥ - و(أبو هريرة تظ﴿به) ذُكر قبله.
وشرح الحديث، وفوائده تُعلم مما سبق، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب
بإعادتها .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عظُّه هذا من طريق أبي يونس من
أفراد المصنّف ◌َّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٩٤٠/٢١) (٤١٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢/
٣٥١)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٢١١٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٩٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .

٨٧
(٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١)
(٢٢) - (بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ
عُذْرٌ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ نَحْوِهِ) (١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٤١] (٤١٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ،
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَا تُحَدِّثِيْنِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ وَّرَ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ
النَّبِيُّ ◌َهَ، فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهُمْ (٢) يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الهِ،
قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ))، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ
(١) نصّ ترجمة النوويّ تَخْلَهُ: ((باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، من مرض
وسفر، وغيرهما، من يصلى بالناس، وأن من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن
القيام لزمه القيام إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حقّ من قدر على
القيام)). انتهى.
والغريب من النوويّ وتبعه بعض الشّرّاح أنه زاد في هذه الترجمة على ما يدلّ عليه
أحاديث الباب قوله: ((وأن من صلّى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام
إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حقّ من قدر على القيام)). انتهى.
وهذا الذي زاده ليس في أحاديث الباب ما يدلّ عليه صريحاً، وإنما سرى له من
تأثّره بمذهبه الشافعيّ، حيث تأول الشافعي ومن تبعه، كالحميديّ أحاديث الباب
بأنها ناسخة لأحاديث الباب الماضي، وقد عرفت أن المحقّقين من فقهاء
المحدثين، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وابن حبّان، وابن
المنذر، وابن حجر العسقلانيّ ردّوا دعوى النسخ، وقالوا: لا دليل على النسخ،
بل يُجمع بين أحاديث البابين بالوجه الذي سبق بيانه في شرح أحاديث الباب
السابق، وهذا الذي قالوه هو الأرجح؛ عملاً بالأحاديث كلها دون تعارض،
ودعوى النسخ، أو الترجيح يؤدي إلى ترك العمل ببعضها دون حاجة، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٢) وفي نسخة: ((هم)) بدون واو.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ،
فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءَ فِي الْمِخْضَبِ))، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ
عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: (أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ،
فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءَ فِي الْمِخْضَبِ))، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ
عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فَقُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ،
قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ لِصَّلاَةِ الْعِشَاءِ
الْآخِرَةِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ
الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَأْمُرَُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ
- وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقاً -: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ
بِذَلِكَ، قَالَتْ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَجَدَ مِنْ
نَفْسِهِ خِقَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنٍ: أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرِ يُصَلِّي
بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَِّ أَنْ لَا يَتَأْخَّرَ (١)،
وَقَالَ لَهُمَا: ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ»، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ
يُصَلِّي، وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ◌َلـ
قَاعِدٌ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ
عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ، عَنْ مَرَضٍ رَسُولِ اللهِ(٢) بَ؟ فَقَالَ: هَاتٍ، فَعَرَضْتُ
حَدِيثَهَا عَلَيْهِ، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ
مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيٍّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ الْيَرْبُوعيّ،
وقد يُنْسَب إلى جدّه، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
(١) وفي نسخة: ((أن لا تتأخّرْ)).
(٢) وفي نسخة: ((النبيّ ◌َِّ)).

٨٩
(٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١)
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ صاحب سُنّة
[٧] (ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٣ - (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الْمَخْزوميّ الْهَمْدانيّ مولاهم، أبو الحسن
الكوفيّ، مولى آل جَعْدة بن هُبَيرة، ثقةٌ عابدٌ [٥].
رَوَى عن عبد الله بن شداد بن الهاد، وعمرو بن الحارث، يقال: مرسل،
وسليمان بن صُرَد، يقال: مرسل، وسعيد بن جبير، وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، ويحيى بن الجزار، وعبد الله بن أبي رَزِين الأسديّ، وعمرو بن شعيب،
وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، وإسرائيل، وأبو إسحاق الفزاريّ، وزائدة، والسفيانان،
وأبو عوانة، وعَبِيدة بن حُميد، وجرير بن عبد الحميد، وآخرون.
قال عليّ ابن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان
الثوريّ يحسن الثناء عليه، وقال الحميديّ، عن ابن عيينة: حدّثنا موسى بن
أبي عائشة، وكان من الثقات، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ،
وقال محمد بن حُميد عن جرير: كنت إذا رأيت موسى ذكرت الله تعالى
لرؤيته، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي
يقول: تُرِيبني رواية موسى بن أبي عائشة حديثَ عُبيد الله بن عبد الله في
مرض النبيّ ◌َلهو.
قال الحافظ: عَنَى أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلا فهو
حديث صحيح، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقةٌ، وقال البخاريّ، وابن
حبان: رأى عَمْرَو بن حُرَیث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤١٨)
و(٤٤٨) وأعاده بعده، و(٢٢١٣).
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌ُنا، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير عبيد الله وعائشة، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه، وموسى هذا أول محل ذكرهما في الكتاب، وقد
عرفت آنفاً ما لكلّ منهما من الحديث فيه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد
تقدّموا غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ)
(فَقُلْتُ لَهَا: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: أداة عرض وتحضيض،
ومعناهما طلبُ الشيء، لكن الْعَرضُ طلبٌ برفق، والتحضيض طلب بحَثّ،
فمعنى قوله: (أَلَا تُحَدِّثِينِي) أي حدّثيني (عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ وَلِّ؟) قال في
(القاموس)): (الْمَرَضُ)): إظلامُ الطبيعة، واضطرابها بعد صفائها واعتدالِهَا،
مَرِضَ، كفَرِحَ مَرَضاً - بالتحريك - ومَرْضاً - بسكون الراء -، فهو مَرِضٌ،
ومَرِيضٌ، ومارضٌ، وجمعه مِرَاضٌ، ومَرْضَى، ومَرَاضَى، أو الْمَرْضُ - بفتح،
فسكون -: للقلب خاصّةً، وبالتحريك، أو كلاهما الشكّ، والنفاق، والفُتُور،
والظلمة، والنُّقْصَانُ. انتهى(١).
وقال في ((المصباح)): مَرِضَ الحيوانُ مَرَضاً، من باب تَعِبَ، و((الْمَرَضُ)):
حالةٌ خارجة عن الطبع، ضَارّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام والأَوْرَامَ
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٤٤/٢.

٩١
(٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١)
أعراضٌ عن المرض، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرَجَ به الإنسان عن
حدّ الصِّحّة، من عِلّةٍ، أو نِفاقٍ، أو تقصير في أمرٍ، ومَرِضَ مَرْضاً لغةٌ قليلةُ
الاستعمال، قال الأصمعيّ: قرأت على أبي عَمْرو بن العلاء: ﴿فِ قُلُوبِهِم
قَرَضٌ﴾، فقال لي: مَرْضٌ يا غلام، أي بالسكون، والفاعل من الأولى:
مريضٌ، وجمعه مَرْضى، ومن الثانية: مارضٌ، قال:
لَيْسَ بِمَهْزُولٍ وَ لَا بِمَارِضٍ (١)
والمراد بالمرض هنا مرض النبيّ وَ ﴿ الذي تُوّي فيه.
(قَالَتْ: بَلَى) هي حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في
الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى،
فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، كالمثال
المذكور، أو في أثنائه، كقوله رَيّ: ﴿أَخْسَبُ آلْإِنسَنُ أَلَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ ج ◌َ﴾ الآية
[القيامة: ٣ - ٤]، والتقدير: بل نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا
يكون، فهو أبداً يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات، قاله
الفيّومِيّ ◌َخْذُّهُ(٢).
(فَقُلَ النَّبِيُّ وََّ﴾ أي اشتدّ به مرضه، يقال: ثَقُل في مرضه - بفتح الثاء
المثلّثة، وضمّ القاف، من باب صَغُرَ -: إذا تناهى في الضعف، ورَكَدت
أعضاؤه عن خفّة الحركة، حتى لا تكاد رجلاه تحمله، وقال في («اللسان»:
وثَقُل الرجل ثِقَلاً، فهو ثَقِيلٌ، وثاقل: اشتدّ مرضه، يقال: أصبح فلانٌ ثاقلاً:
أي أثقله المرض، قال لبيد [من الطويل]: د
رَأَيْتُ التُّقَى وَالْحَمْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ رَبَاحاً إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا
أي ثقيلاً من المرض، قد أدنفه، وأشرف على الموت، ويُروَى: ناقلاً،
أي منقولاً من الدنيا إلى الأخرى، وقد أثقله المرض والنوم. انتهى (٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٦٨ - ٥٦٩.
(٣) ((لسان العرب)) ٨٨/١١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١ / ٦٢.

٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(فَقَالَ) وَِ ((أَصَلَّى النَّاسُ؟))) الهمزة للاستفهام والاستخبار (قُلْنَا) القائل
عائشة ◌َّا، ومن كان حاضراً في البيت (لَا) أي لم يصلّوا (وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا
رَسُولَ اللهِ) وفي نسخة: (هم)) بدون واو، والجملة في محلّ نصب على الحال
من الضمير الواقع في مضمون ((لا))؛ إذ أصلها لم يُصلّوا، حال كونهم منتظرين
لك؛ لتصلّ بهم (قَالَ) ◌َِّ ((ضَعُوا لِي) أمر من الوضع (مَاءَ فِي الْمِخْضَبِ»)
- بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، آخره باء موحّدة -:
هو الْمِرْكَن، وهو الإِجَانَةُ(١).
(فَفَعَلْنَا) أي ما أمرنا به من الماء في الْمِخْضب (فَاغْتَسَلَ) حمله بعضهم
على الوضوء، وبعضهم على الغسل الكامل، وهو الأصحّ، كما سيأتي بيانه (ثُمَّ
ذَهَبَ) أي أخذ وشرع (لِيَنُوءَ) أي لينهض بجُهد، قال الكرمانيّ: ينوء، كيقوم
وزناً ومعنّى. انتهى(٢).
وقال في ((القاموس)): نَاءَ نَوْءاً، وتَنْوَاءَ: نَهَضَ بِجَهْد ومشقّةٍ، وبالحمل:
نَهَضَ مُثْقَلاً، وبه الحملُ: أثقله، وأماله، كأناءه، وفلانٌ: أَثْقِلَ فسَقَطَ، ضِدٌّ.
(٣)
انتھی(٣).
(فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، من الإغماء رباعيّاً، ويقال أيضاً: غُمِي
عليه ثلاثيّاً، قال في ((المصباح)): وغُمي على المريض ثلاثيّاً، مبنيّاً للمفعول،
فهو مَغْمِيٌّ عليه، على مفعول، قاله ابن السِّكِّيت وجماعة، وأُغْمِي عليه إغماءً
بالبناء للمفعول أيضاً، والإغماء: امتلاء بُطون الدماغ من بلغم بارد غليظ،
وقيل: الإغماء: سَهْوٌ يَلْحَقُ الإنسان مع فُتُور الأعضاء لِعِلّة. انتهى(٤).
(١) ((الْمِرْكنُ)) بكسر، فسكون: الإِجّانة، وهو بكسر الهمزة، وتشديد الجيم: إناءٌ تُغسل
فيه الثياب، جمعه أَجَاجين، والإِنْجانة - بالنون - لغة تمتنع الفصحاء من
استعمالها، قاله في ((المصباح المنير)) ٦/١.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣١٥/٥.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣١/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٤٨/٢ و٤٥٤ في مادتي (غُمي)) و((غُشي)).

٩٣
(٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١)
وفيه جواز الإغماء على الأنبياء لّلا لأنه شبيه بالنوم، وقال النوويّ كَّتُهُ:
لأنه مرضٌ من الأمراض، بخلاف الجنون، فإنه لم يجُز عليهم؛ لأنه نقصٌ،
وقال العينيّ تَخْتُهُ: العقل في الإغماء يكون مغلوباً، وفي الجنون يكون مسلوباً .
(١)
انتھی
.
(ثُمَّ أَفَاقَ) أي رجع إليه ◌ََّ عقله بعد الغيبوبة (فَقَالَ) وَِّ («أَصَلَّى
النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي
الْمِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ) أي يقوم (فَأَعْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ،
فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي
مَاءً فِي الْمِخْضَبِ))، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ،
فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فَقُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَتْ: وَالنَّاسُ
عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ) بضم العين: جمع عاكف، يقال: عَكَفَ على الشيء
عُكُوفاً، وعَكْفاً، من بابي قَعَدَ، وضَرَبَ: لازمه، وواظبه، وقُرئ بهما في
السبعة قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٨]، وعَكَفْتُ
الشيءَ أَعْكُفُه بالضمّ، وأعْكِفه بالكسر: حبسته، ومنه الاعتكاف، وهو افتعال؛
لأنه حبس النفس عن التصرّفات العاديّة، وعَكَفته عن حاجته: منعتُهُ، قاله في
((المصباح))(٢).
والمعنى: أنهم ملازمون المسجد لأداء الصلاة معه وَلّ، وهذه الجملة
قالتها عائشة خيّا عند روايتها لعُبيد الله، لا أنها قالتها للنبيّ وَّ، ولهذا أتى
عبيد الله بلفظة: ((قالت)).
(يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) جملة فعليّة في محلّ نصب
على الحال مما قبلها، فتكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة.
(قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) ((أن))
مصدريّة، واللام مقدّرة، أي لأن يصلّي بهم، أو مفعول لـ((أرسل)) على تضمينه
(١) ((عمدة القاري)) ٣١٥/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٤/٢.

٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ضواعنه، كما
معنى ((طلب))، أي طلب منه الصلاة بالناس (فَأَتَاهُ الرَّسُولُ) أي بلال
بُيّن في الرواية الأخرى (فَقَالَ) لأبي بكر ◌َهُ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ بَأْمُرُكَ أَنْ
تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) رَبّه، وقوله: (وَكَانَ رَجُلاًّ رَقِيقاً) جملة معترضة
بين القول ومقوله، بيّن بها سبب صرفه أمر النبيّ وَّر عنه إلى عمر
قال القرطبيّ تَُّهُ: قوله: ((رقيقاً)) أي رقيق القلب، كثير الخشية، سريع
الدَّمعة، وهو الأسيف أيضاً في الحديث الآخر، وحالة الحزين غالباً الرقّة،
والأسيف في غير هذا: العبد، والأسيف أيضاً: الغضبان. انتهى(١).
(يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ) قال السنديّ تَُّهُ: وكأن أبا بكر ◌َظُله رأى أن
أمره وس* بذلك كان تكرّماً منه له، والمقصود أداء الصلاة بإمام، لا تعيينُ أنه
الإمام، ولم يَدْرِ ما جرى بينه وََّ، وبين أزواجه(٢) في ذلك، وإلا لما كان له
تفويض الإمامة إلى عمر. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)) ما معناه: لم يُرِدْ أبو بكر ظُله بهذا القول ما أرادت
عائشة رضيينا - يعني ما يأتي أنها أرادت أن يصرف وَ لّ الإمامة عن أبي بكر؛ لئلا
يتشاءم الناس به لو مات النبيّ 98َّ، كما يأتي بعد حديثين - وقال النوويّ دَخَذْتُهُ:
تأوله بعضهم على أن أبا بكر قاله تواضعاً، وليس كذلك، بل قاله للعذر
المذكور، وهو كونه رقيق القلب، كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس.
انتھی .
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون ◌َّهِ فَهِمَ من الإمامة الصغرى الإمامة
العظمى، وعَلِم ما في تحمُّلها من الخطر، وعَلِم قُوّة عمر على ذلك،
فاختاره، ويؤيِّده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه، أو يبايعوا أبا عبيدة بن
الجرّاح.
(١) ((المفهم)) ٢/ ٥٠.
(٢) يعني ما جرى بين عائشة وحفصة رضـ
(٣) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٠١/٢ - ١٠٢.

٩٥
(٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١)
والظاهر أنه لم يَطَّلِعِ على المراجعة المتقدمة، وفَهِم من الأمر له بذلك
تفويضَ الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه، أو استَخْلَف(١).
وقال القرطبيّ: ويستفاد منه أن للمستَخلَف في الصلاة أن يَستَخْلِف، ولا
يتوقفُ على إذن خاصّ له بذلك. انتهى(٢).
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عبيد الله أي ناقلاً عن عائشة (فَقَالَ عُمَرٌ)
مضرعنه
(أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ) أي بأن تصلّي بالناس؛ لأمر رسول اللهِ وَ لَ إياك به (قَالَتْ)
عائشة ◌َّا (فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ) أي أيام مرض النبيّ وََّ، وانقطاعه
عن المسجد.
واستدلّ به على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته
بهم قاعداً؛ لأنه ◌َِّ استَخْلَف أبا بكر تَظُه، ولم يُصلّ بهم قاعداً غير مرّة
واحدة، قاله في ((الفتح))(٣).
(ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) أي خفّة المرض عنه (فَخَرَجَ
بَيْنَ رَجُلَيْنِ) وسيأتي في رواية الأسود، عن عائشة: ((فقام يُهادَى بين رجلين))
(أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ) بن عبد المطلب عم النبيّ ◌َّرَ المتوفّى سنة (٣٢)، أو بعدها،
وهو ابن (٨٨) سنة، وقد تقدّمت ترجمته في ((كتاب الإيمان)) ١٥٩/١٣،
والرجل الآخر هو علي بن أبي طالب ظُه، كما يأتي قريباً.
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: وقع في رواية عاصم، عن شقيق، عن
مسروق، عن عائشة: ((فخَرَج بين بريرة ونُوبة))، قال: ويُجمَع - كما قال
النوويّ - بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثَمّ إلى مقام
الصلاة بين العباس وعليّ، أو يُحْمَل على التعدد، ويدل عليه ما في رواية
الدارقطنيّ أنه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن العباس، وأما ما في
(١) ((الفتح)) ١٨١/٢.
(٣) ٤٠٢/٢.
(٢) ((المفهم)) ٢/ ٥٠.

٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
مسلم(١) أنه خرج بين الفضل بن العباس وعليّ، فذاك في حال مجيئه إلى
بیت عائشة ها .
[تنبيه]: (نُوبة)) - بضم النون، وبالموحدة ـــ ذكره بعضهم في النساء
الصحابيّات، فوَهِمَ، وإنما هو عبد أسود، كما وقع عند سيف في (كتاب
الردّة))، ويؤيده حديث سالم بن عبيد في (صحيح ابن خزيمة)) بلفظ: ((خرج بين
بريرة ورجل آخر)). انتهى (٢).
وقوله: (لِصَلَاةِ الظَّهْرِ) قال في ((الفتح)): هو صريحٌ في أن الصلاة
المذكورة كانت الظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح، واستدلّ بقوله في رواية
أرقم بن شُرَحبيل، عن ابن عبّاس: ((وأخذ رسول الله وَلّ القراءة من حيث بلغ
أبو بكر ... ))، هذا لفظ ابن ماجه، وإسناده حسنٌ، لكن في الاستدلال به
نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون سمع من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصّةً،
وقد كان ◌َّهُ يُسمِع الآية أحياناً في الصلاة السرّيّة، كما سيأتي من حديث أبي
قتادة رضي ◌ُحبه .
ثم لو سُلِّم لم يكن فيه دليلٌ على أنها الصبح، بل يَحْتَمِلُ أن تكون
المغرب، فقد ثبت في ((الصحيحين)) عن أمّ الفضل بنت الحارث ظُها قالت:
((سمعت رسول الله وَلو يقرأ في المغرب ب﴿وَلْمُرْسَتِ عُرْهً ﴾﴾، ثم ما صلّى لنا
بعدها حتى قبضه الله))، وهذا لفظ البخاريّ، قال الحافظ: لكن وجدت بعدُ في
النسائيّ أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل، كانت في بيته، وقد صَرَّح
الشافعيّ بأنه وَّ﴿ لم يُصَلِّ بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرةً واحدةً،
وهي هذه التي صلّى فيها قاعداً، وكان أبو بكر فيها أوّلاً إماماً، ثم صار
مأموماً، يُسمِع الناسَ التكبيرَ. انتهى(٣).
(١) أراد به ما فى الحديث التالى لهذا الحديث، فإن فيه: ((فخرج ويد له على الفضل بن
عباس، ويد له على رجل آخر)).
(٢) ((الفتح)) ١٨١/٢.
(٣) ((الفتح)) ٢٠٥/٢.

٩٧
(٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب كون تلك الصلاة
هي الظهر لا الصبح؛ لتصريح هذه الرواية بذلك، والله تعالى أعلم.
(وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَلَمَّا رَآهُ أَبُو
بَكْرٍ) أي علم بحضوره وَّر، ففي رواية الأسود، عن عائشة الآتية: ((فلما دخل
المسجد سمع أبو بكر حسّه، ذهب يتأخّر))، وفي رواية أرقم بن شُرَحبيل، عن
ابن عبّاس في هذا الحديث: ((فلمّا أحسّ الناس به سَبَّحُوا))، أخرجه ابن ماجه
وغيره بإسناد حسن(١). (ذَهَبَ) أي شرع أبو بكر رَظُه (لِيَتَأَخَّرَ) حتى يتقدّم
النبيّ وََّ، فيُصلّي إماماً (فَأَوْمَأَ) أي أشار (إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ) وفي
نسخة: ((أن لا تتأخّر))، فتكون ((أن)) مفسّرَةً، و((لا)) ناهية، والفعل مجزوم، وفي
رواية الأسود: ((فأومأ إليه رسول الله وَ ل﴿ه قم مكانك)) (وَقَالَ) وَ (لَهُمَا) أي
للرجلين اللذين خرج يُهَادَى بينهما ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ))، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبٍ
أَبِي بَكْرٍ) رَبَهِ (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رَبِهِ (يُصَلِّ، وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب
على الحال (بِصَلَاةِ النَّبِيِّ وَّهِ) متعلّق بـ(يصلّي)) (وَالنَّاسُ يُصَلَّونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ)
أي بتسميعه لهم التكبير (وَالنَّبِيُّ وََّ قَاعِدٌ) ولفظ النسائيّ: ((ورسول الله وَّه
يصلّي قاعداً))، ولفظ البخاريّ: ((فجعل أبو بكر يصلّي، وهو يأتمّ بصلاة
النبيّ ◌َّهِ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبيّ وَ ◌ِّ قاعدٌ)).
(قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله بن عتبة الراوي عن عائشة رضيؤُها (فَدَخَلْتُ عَلَى
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) مَا (فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف ((لا))، كما تقدّم
قريباً (أَعْرِضُ عَلَيْكَ) بكسر الراء، يقال: عَرَض عليه الشيءَ، من باب ضرب:
إذا أراه إيّاه(٢). (مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) ◌َّنَا (عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ؟) وفي نسخة:
((النبيّ وَّ)) (فَقَالَ) ابن عبّاس ◌ِضَّا (هَاتِ) بكسر التاء، قال في ((اللسان)): يقال:
هاتِ يا رجلُ - بكسر التاء -: أي أعطني، وللاثنين: هاتيا، مثلُ آتيا، وللجمع:
هاتوا، وللمرأة: هاتي بالياء، وللمرأتين: هاتيا، وللنساء: هاتين. انتهى(٢).
(فَعَرَضْتُ حَدِيثَهَا عَلَيْهِ) أي ما حدّثته عائشة رضيها من قصّة مرض النبيّ وَّ،
(١) راجع: ((الفتح)) ١٨١/٢.
(٣) ((لسان العرب)) ١٠٧/٢.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ٣٣٤/٢.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
كما طلب منها أن تحدّثه به (فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) منصوب على
الاستثناء، أي أنّ ابن عبّاسٍ ﴿ّ قال زيادة لتوضيح ما أبهمته من تسمية الرجل
الثاني (أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟) قال عبيد الله (قُلْتُ: لَا) أي
لم تسمّه لي (قَالَ) ابن عبّاس ◌ُهَا (هُوَ عَلِيٍّ) أي ابن أبي طالب نَظُه.
قال في ((الفتح)): زاد الإسماعيليّ من رواية عبد الرزاق، عن معمر:
((ولكن عائشة لا تطيب نفساً له بخير))، ولابن إسحاق في ((المغازي)) عن
الزهريّ: ((ولكنها لا تَقْدِرُ على أن تذكره بخير)).
ولم يَقِف الكرماني على هذه الزيادة، فعَبَّر عنها بعبارة شنيعة(١)، وفي
هذا رَدّ على من تنطع، فقال: لا يجوز أن يُظَنَّ ذلك بعائشة، ورَدٌّ على مَن
زعم أنها أبهمت الثاني؛ لكونه لم يتعين في جميع المسافة؛ إذ كان تارةً يتوكأ
على الفضل، وتارةً على أسامة، وتارةً على عليّ، وفي جميع ذلك الرجل
الآخر هو العباس، واختصّ بذلك إكراماً له، وهذا توهُّم ممن قاله، والواقع
خلافه؛ لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازمٌ بأن المبهم عليٍّ،
فهو المعتمدُ، والله أعلم.
ودعوى وجود العباس في كل مرّة، والذي يتبدل غيره مردودةٌ بدليل رواية
عاصم التي تقدمت الإشارة إليها وغيرها صريحٌ في أن العباس لم يكن في مرة،
ولا في مرتين منها، والله أعلم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ضَّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) حيث قال: لم ما سمّته؟ ثم قال: ما سمّته تحقيراً، أو عداوةً، هكذا نقل العينيّ
عن الكرمانيّ، وأشار إلى مثله في ((الفتح))، وهذا سوء أدب، فلا ينبغي الإصغاء
إليه، ولكن نسخة الكرمانيّ التي عندي خلاف هذا، ولعلها من إصلاح بعض
الناس، والله تعالى أعلم.
(٢) ((الفتح)) ١٨٣/٢.

٩٩
(٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١)
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢ /٩٤١ و٩٤٢ و ٩٤٣ و٩٤٤ و ٩٤٥ و٩٤٦
و٩٤٧ و٩٤٨] (٤١٨)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٩٨) و((الأذان)) (٦٦٤
و٦٦٥ و٦٧٩ و٦٨٣ و٦٨٧ و٧١٢ و٧١٣ و٧١٦) و((الهبة)) (٢٥٨٨)
و((المغازي)) (٤٤٤٢) و((الطبّ)) (٥٧١٤) و((الاعتصام)) (٧٣٠٣)، و(النسائيّ)
في ((الإمامة)) (١٠١/٢ - ١٠٢)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٦١٨)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٧٥٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٣٣)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (١/ ١٨١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٨/٦ و٢٣١ و٢٥١)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٥٠٣/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٧/١)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١١/٢
و١١٣ و١١٤ و١١٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٢٨ و٩٢٩ و٩٣٠ و٩٣١
و٩٣٢ و٩٣٣ و٩٣٤ و٩٣٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١/
٤٠٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٠/٣) و((دلائل النبوّة)) (١٩٠/٧)، و(ابن
المنذر) في ((الأسط)) (٣١٥/١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه) (١٢٦/١)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١١٦ و٢١١٧ و٢١١٨ و٢١١٩ و٢١٢٠
و٢١٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز استخلاف الإمام من يصلّي بالناس إذا عرض له عذر
يمنعه عن حضور صلاة الجماعة، من مرض أو غيره، وأنه لا يستخلف إلا
أفضلهم.
٢ - (ومنها): جواز الإغماء على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -
ولا شك في جوازه؛ فإنه مرض، والمرض يجوز عليهم، بخلاف الجنون، فإنه
لا يجوز عليهم؛ لأنه نقصٌ، والحكمة في جواز المرض عليهم، ومصائبٍ
الدنيا تكثير أجرهم، وتسلية الناس بهم، ولئلا يُفْتَتَن الناس بهم، ويعبدوهم؛
لما يَظْهَر عليهم من المعجزات والآيات البينات، والله تعالى أعلم، قاله
النوويّ ◌َخْذَتُهُ(١) .
(١) (شرح النوويّ)) ١٣٦/٤.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٣ - (ومنها): بيان استحباب الغسل من الإغماء، وإذا تكرّر الإغماء
استُحِبّ تكرار الغسل لكل مرّة، فإن لم يَغتَسل إلا بعد الإغماء مراتٍ كفى
غسل واحد.
وقد حَمَل القاضي عياض تَّثُ الغسل هنا على الوضوء، من حيث إن
الإغماء ينقض الوضوء.
قال النوويّ تَّتُهُ: ولكن الصواب أن المراد غسل جميع البدن، فإنه
ظاهر اللفظ، ولا مانع يمنع منه، فإن الغسل مستحبّ من الإغماء، بل قال
بعض أصحابنا: إنه واجبٌ، وهذا شاذٌ ضعيفٌ. انتهى(١).
٤ - (ومنها): بيان جواز قول الإنسان: العشاء الآخرة، وقد أنكره
الأصمعيّ، والصواب جوازه؛ فقد صحّ عن النبيّ وَّ، وعائشة، وأنس،
﴿ه، وجماعة آخرين إطلاق العشاء الآخرة، والله تعالى أعلم.
والبراء،
٥ - (ومنها): بيان فضيلة أبي بكر الصديق ظُه، وترجيحه على جميع
الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وتفضيله، وتنبيهٌ على أنه أحقّ بخلافة
رسول الله وَ﴾ من غيره.
٦ - (ومنها): بيان فضيلة عمر بعد أبي بكر ها؛ لأن أبا بكر رَّاللّه لم
يَعْدِل إلى غيره.
٧ - (ومنها): بيان أن المفضول إذا عَرَض عليه الفاضل مرتبةً لا يقبلها،
بل يَدَعُها للفاضل إذا لم يمنع مانعٌ.
٨ - (ومنها): جواز الثناء في الوجه لمن أُمِن عليه الإعجاب والفتنة؛
لقول عمر نظرله: ((أنت أحق بذلك)).
٩ - (ومنها): جواز مراجعة الصغير الكبير، والمشاورة في الأمر العامّ،
والأدب مع الكبير؛ لِهَمّ أبي بكر بالتأخر عن الصفّ، وإكرام الفاضل؛ لأنه
أراد أن يتأخر حتى يستوي مع الصفّ، فلم يتركه النبيّ ◌َّر يتزحزح عن مقامه.
١٠ - (ومنها): أن البكاء، ولو كثر لا يُبطل الصلاة؛ لأنه ◌َّ بعد أن علم
حال أبي بكر في رقة القلب، وكثرة البكاء لم يَعْدِل عنه، ولا نهاه عن البكاء.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/٤.