Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤)
فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ الْمَلِيكُ فَإِنَّمَا قَسَمَ الْخَلَائِقَ بَيْنَنَا عَلَّمُهَا
((الخلائق)): الطبائع التي جُبِل الإنسان عليها، ورُوي عن نافع إشباع
الكسرة في ملك، فيقرأ ملكي على لغة من يُشبع الحركات، وهي لغة للعرب
ذكرها الْمُهْدَويّ، وغيره.
قال: واختَلَف العلماء أيُّما أبلغ: مَلِك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عن
النبيّ ◌َّر، وأبي بكر، وعمر، ذكرهما الترمذيّ.
فقيل: ملك أعمّ، وأبلغ من مالك؛ إذ كلُّ مَلِك مالك، وليس كل مالك
مَلِكاً، ولأن أمر الملِك نافذ على المالك في مِلْكه حتى لا يتصرف إلا عن
تدبير الملك، قاله أبو عبيدة، والمبرِّد، وقيل: مالك أبلغ؛ لأنه يكون مالكاً
للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرُّفاً وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم
عنده زيادة التملك ... إلى آخر ما ذكره القرطبيّ من الأقوال(١).
(قَالَ) الله رَّتْ (مَجَّدَنِي عَبْدِي) أي عظّمني، وأثنى عليّ بصفات الجلال،
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((مجّدني)): أي اعتقد شَرَفي، ونَطَقَ به، والمجدُ
نهاية الشرف، وهو الكثير صفات الكمال، والمجد: الكثرة، ومنه قوله:
في كلّ شجر نارٌ، واسمه الْمَرْغُ والْعَفَارُ: أي كثُر نارهما. انتهى(٢).
(وَقَالَ مَرَّةً) أي قال الراوي بدل قوله: ((مجّدني عبدي))، ثم يحتمل أن
يكون أبا هريرة ظته، أو غيره (فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي) أي سلِّم أموره إليّ، قال
القرطبيّ تَخْتُهُ: أي يقول هذا، ويقول هذا، غير أن فوَّض أقلّ ما يقوله، وليس
شكّاً، وهو مطابق لقوله: ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك
اليوم بالملك؛ إذ لا تبقى دعوى لِمُدَّع. انتهى.
وقال النوويّ كَّلُهُ: وقوله: ((وربما قال: فَوَّض إليّ عبدي))، وجه مطابقة
هذا لقوله: ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّنِ﴾ أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم،
وبجزاء العباد، وحسابهم، والدين الحسابُ، وقيل: الجزاء، ولا دعوى لأحدٍ
في ذلك اليوم ولو مجازاً، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازيّ ويدَّعي
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٣٩/١ - ١٤٠.
(٢) ((المفهم)) ٢٦/٢ - ٢٧.

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فالله ◌َالَ
هو المالك، والْمَلِك على الحقيقة للدارين، وما فيهما، ومن فيهما، وكلُّ مَن
سواه مربوبٌ له عبدٌ مُسَخَّرٌ، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد،
وتفويض الأمر ما لا يخفى. انتهى.
(فَإِذَا قَالَ: ﴿إِنَّاكَ نَعْبُدُ﴾) أي نخضع، ونتذلّل لك، وقرأ السبعة بتشديد
الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾، وقرأ عمر بن فائد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذّة
مردودة؛ لإن ((إيَا)) ضوء الشمس، وقرأ بعضهم ((أَيّاك)) بفتح الهمزة، وتشديد
الياء، وقرأ بعضهم ((هِيّاك)) بالهاء بدل الهمزة.
قال القرطبيّ تَخْتُهُ: رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنه من
أوّل السورة إلى هنا خبر عن الله تعالى، وثناءٌ عليه، و﴿نَعْبُدُ﴾ معناه: نُطيع،
والعبادة: الطاعة والتذلّل، وطريقٌ مُعَبَّدٌ إذا كان مُذلَّلاً للسالكين، قاله الهرويّ.
ونُطق المكلّف به إقرار بالربوبيّة، وتحقيق لعبادة الله تعالى؛ إذ سائر
الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. انتهى.
وقال ابن كثير كَخَّتُهُ: والعبادة في اللغة من الذّلّ، يقال: طريقٌ مُعَبَّدٌ: أي
مُذلَّلٌ، وفي الشرع: عبارة عما يَجمع كمال المحبّة والخضوع والخوف. انتهى.
(﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) أي نسألك العون، وهو بفتح النون في قراءة الجميع
إلا يحيى بن وَثّاب، والأعمش، فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد، وربيعة،
وبني تميم: أي نطلُبُ العون والتأييد والتوفيق.
وقُدّم المفعول، وهو ((إيّاك))، وكُرّر؛ للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلا
إياك، ولا نتوكّل إلا عليك، وهذا كمال الطاعة، والدينُ كلّه يرجع إلى هذين
المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه
الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالأوّل تبرّؤ من الشرك، والثاني تبرّؤْ من
الحول والقوّة، وتفويض إلى الله رم، قاله ابن كثير رَّتُهُ .
وقال أبو جعفر الطبريّ تَخْذُّهُ: تأويل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: لك اللهمّ
نخشع، ونَذِلّ، ونستكين؛ إقراراً لك يا ربّنا بالربوبيّة، لا لغيرك.
ومعنى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾: وإياك ربّنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا
لك، وفي أمورنا كلّها، لا أحد سواك؛ إذ كان من يكفر بَك يستعين في أموره

٢٤٣
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤)
بمعبوده الذي يعبده، من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا،
مخلصين لك العبادة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: في هذه الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب،
ووجه حسنه فيها أن الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تجديداً
لنشاط السامع، وكان أكثر إيقاظاً للإصغاء إليه.
وألطف من ذلك أن العبد إذا ذكر الحقيقَ بالحمد عن قلب حاضر يجد
من نفسه مُحرّكاً للإقبال عليه، وكلما أجرى عليه صفةً من تلك الصفات العظام
قَوِيَ ذلك المحرّك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمة تلك الصفات المفيدة أنه
مالك الأمر كلّه يوم الجزاء، فحينئذ يوجب الإقبال عليه، والخطاب بتخصيصه
بغاية الخضوع، والاستعانة في المهمّات، أفاده بعض المحقّقين(٢).
(قَالَ) الله رَتْ (هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) وفي رواية أبي داود: ((فهذه بيني
وبين عبدي))، وفي رواية النسائيّ: ((فهذه الآية بيني وبين عبدي))، وإنما كانت
بين الله رَك وبين عبده؛ لأن بعضها تعظيم الله تعالى، وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾،
وبعضها استعانة للعبد بربّه رَمَ على أموره، وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وقال القرطبيّ: وإنما قال الله تعالى هنا: ((هذا بيني وبين عبدي))؛ لأنها
تضمّنت تذلّل العبد لله، وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمّن تعظيم الله تعالى
وقدرته على ما طلب منه. انتهى(٣).
(وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) هذا وعد من الله تعالى لعبده أن يعطيه ما سأله من
العون على أموره. (فَإِذَا قَالَ) العبد (﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ﴾) قراءة الجمهور
بالصاد، وقُرئ: ((السراط)) بالسين، وقُرئ بالزاي، قال الفرّاء: وهي لغة بني
عُذْرة، وبني كُليب.
قال القرطبيّ كَّتُهُ: ﴿أَهْدِنَا﴾ دعاءٌ ورغبةٌ من المربوب إلى الربّ،
(١) ((تفسير الطبريّ)) ٦٩/١.
(٢) هو العلامة محمد بن عبد الرحمن القزوينيّ، صاحب ((تلخيص المفتاح)) في علوم
البلاغة ٤٧١/١ - ٤٧٥ بنسخة حاشية الدسوقيّ.
(٣) ((المفهم)) ٢٧/٢.

٢٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
والمعنى: دُلّنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك
الموصلة إلى أُنسك وقُربك، قال بعض العلماء: فجعل الله وَكَ عُظْمَ الدعاء،
و جملته موضوعاً في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع
الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به
الداعي؛ لأن هذا الكلام قد تكلّم به ربّ العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو
كلامه الذي تكلّم به.
وفي الحديث: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء))(١)، وقيل: المعنى:
أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك، وقيل: الأصل فيه الإمالة، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: أي مِلْنا، وخرج ◌ََّ في مرضه
يُهادى بين رجلين: أي يتمايل، ومنه الهديّة؛ لأنها تُمال من ملك إلى ملك،
ومنه الْهَدْيُ للحيوان الذي يُساق إلى الحرم.
فالمعنى: مِلْ بقلوبنا إلى الحقّ.
وقال الفضيل بن عياض: الصراط المستقيم: طريق الحجّ، وهذا خاصّ،
والعموم أولى.
وقال محمد ابن الحنفيّة: هو دين الله الذي لا يُقبَل من العباد غيره.
وقال عاصم الأحول، عن أبي العالية: الصراط المستقيم: هو
رسول الله صل وصاحباه من بعده، قال عاصم: فذكرت للحسن، فقال: صدق
ونصح. انتهى كلام القرطبيّ باختصار(٢).
وقال الحافظ ابن كثير كظّثه: لمَّا تقدم الثناءُ على المسؤول تبارك
وتعالى، ناسب أن يُعَقَّب بالسؤال، كما قال: ((فنصفُها لي، ونصفها لعبدي،
ولعبدي ما سأل))، وهذا أكمل أحوال السائل أن يَمْدح مسؤوله، ثم يسأل
حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْنَفِيمَ﴾؛ لأنه أنجح
للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون
السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى عليّلا: ﴿رَبِّ إِنِ
(١) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والحاكم، من حديث أبي هريرة
ـنه .
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١/ ١٤٧.

٢٤٥
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤)
لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلََ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف
مسؤول، كقول ذي النون: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٧]، وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كقول الشاعر [من الوافر]:
حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْماً
والهداية ها هنا الإرشاد والتوفيق، وقد تُعَدَّى الهداية بنفسها كما هنا:
﴿أَهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فتَضَمَّن معنى ألهمنا، أو وفِّقنا، أو ارزقنا، أو أعطنا،
[البلد: ١٠]، أي بَيَّنّا له الخير والشر، وقد تُعَدَّى بـ ((إلى))،
﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
كقوله تعالى: ﴿أَجْتَبَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيٍ﴾ [النحل: ١٢١]، ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ
الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّكَ،
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقد تُعَدَّى باللام، كقول أهل الجنة:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِىِ هَدَنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]: أي وَفَّقَنا لهذا، وجعلنا له أهلاً.
وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة
من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا
اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية
الْخَطَفَى [من الوافر]:
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطِ إِذَا الْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيم
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب
الصراط، فتستعمله في كل قول وعمل وُصِف باستقامة، أو اعوجاج، فتصف
المستقيم باستقامته، والمعوَجَّ باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط،
وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله تعالى، وللرسول الت،
فُرُوي أنه كتاب الله، وقيل: هو الإسلام، وقيل: الحقُّ، قال: وهذا أشمل،
ولا منافاة بينه وبين ما تقدم، وذَكَرَ ما تقدّم في كلام القرطبيّ، إلا قول فضيل :
إنه طريق الحجّ.
ثم قال: وكلّ هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتّبع
النبيّ ◌َّر، واقتدى باللذين من بعده: أبي بكر وعمر، فقد اتّبع الحقّ، ومن اتّبع

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الحقّ، فقد اتّبع الإسلام، ومن اتّبع الإسلام، فقد اتّبع القرآن، وهو كتاب الله،
وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلّها صحيحة، يُصدّق بعضها بعضاً، ولله
الحمد.
وقال ابن جرير أيضاً: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني
﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون مَعْنِيّاً به: وَفِّقْنا للثبات على ما ارتضيته،
ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط
المستقيم؛ لأن مَن وُفِّق لما وُفِّق له مَن أنعم الله عليه من النبيين والصديقين
والشهداء، فقد وُفِّق للإِسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما
أمر الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهج النبيّ بَّر، ومنهاج الخلفاء
الأربعة، وكل عبد الله صالح، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم.
[فإن قيل]: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت، من صلاة
وغيرها، وهو مُتَّصِفٌ بذلك؟، فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟.
[فالجواب]: أن لا، ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الهداية لما
أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى
في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره
عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى
إلى أن يسأله في كل وقت أن يُمِدَّه بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد مَن
وَقَّقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما
المضطرّ المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال الله تعالى:
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ
الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦].
فقد أَمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل؛
لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال الْمُعِينة على ذلك، والله
أعلم.
وقال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
[آل عمران: ٨].
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ

٢٤٧
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤)
فمعنى قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾ اسْتَمِرَّ بنا عليه، ولا تَعْدِلْ بنا
إلى غيره. انتهى كلام ابن كثير تَذْتُهُ(١).
وقوله: (﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) مُفَسَرٌ الصراط المستقيم، وهو
بدلٌ منه عند النُّحَاة بدل الشيء من الشيء، كقولك: جاءني زيد أبوك، ويجوز
أن يكون عطف بيان، والله أعلم.
ومعناه: أَدِمْ هدايتنا، فإن الإنسان قد يَهْدِي إلى الطريق، ثم يقطع به،
وقيل: هو صراط آخر، ومعناه: العلم بالله وَق، والفهم عنه، قاله جعفر بن
محمد .
[تنبيهات]:
(الأول): في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عشر لغات، قرئ بعامتها ((عليهُم)) بضم الهاء
وإسكان الميم، و((عليهم)) بكسر الهاء وإسكان الميم، و((عليهِمي)) بكسر الهاء
والميم، وإلحاق ياء بعد الكسرة، و((عليهمو)) بكسر الهاء، وضم الميم، وزيادة
واو بعد الضمة، و((عليهمو)) بضم الهاء والميم كلتيهما، وإدخال واو بعد
الميم، و((عليهم)) بضم الهاء والميم من غير زيادة واو، وهذه الأوجه الستة
مأثورة عن الأئمة من القراء، وأوجه أربعة منقولة عن العرب، غير مَحْكيّة عن
القراء، ((عليهُمي)) بضم الهاء وكسر الميم، وإدخال ياء بعد الميم، حكاها
الحسن البصريّ عن العرب، و((عليهُم)) بضم الهاء وكسر الميم، من غير زيادة
ياء، و((عليهِم)) بكسر الهاء وضم الميم، من غير إلحاق واو، و((عليهم)) بكسر
الهاء والميم، ولا ياء بعد الميم، وكلها صواب، قاله ابن الأنباريّ.
(الثاني): اختَلَف الناس في الْمُنْعَم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين:
إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانتزعوا ذلك من قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِيِقِينَ
[النساء: ٦٩]، فالآية تقتضي أن
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد، وجميع ما قيل إلى
هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال.
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٣٠/١.

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(الثالث): في هذه الآية ردّ على القدريّة، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم
يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعةً كانت أو معصية؛
لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه،
وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية؛ إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم،
فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم، لَمَا سألوه الهداية، ولا
كرّروا السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرّعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما
يناقض الهداية، حيث قالوا: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِّينَ﴾، فكما سألوه أن يَهديهم سألوه أن لا يُضِلِّهم، وكذلك يدعون،
فيقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية [آل عمران: ٨]، ذكره
القرطبيّ تَخْذِفُ(١).
وقوله: ﴿﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) قرأ الجمهور بجرّ ﴿غَيْرِ﴾ على
النعت، قال الزمخشريّ: وقُرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله وَ لآه،
وعمر بن الخطاب، ورُويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾،
والعامل ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ممن تقدم وصفُهُم ونعتهم، وهم أهل الهداية
والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره، وترك نواهيه وزواجره، غير
صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقّ، وعَدَلوا
عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فَقَدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة،
لا يهتدون إلى الحقّ، وأكّد الكلام بـ(لا))؛ ليدُلّ على أن ثَمّ مسلکین فاسدين،
وهما طريقة اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن ﴿غَيْرِ﴾ ها هنا استثنائية، فيكون على هذا
منقطعاً لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما أوردناه أولى؛ لقول
الشاعر [من الوافر ]:
يُقَعْقَعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشِ
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحَذَف الموصوفَ، واكتَفَى
بالصفة، وهكذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: أي غير صراط المغضوب عليهم اكتَفَى
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٤٨/١ - ١٤٩.

٢٤٩
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤)
بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دَلَّ عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى:
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿غَيْرِ
﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُتَقِيمَ (@)
الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾ .
ومنهم من زعم أن ﴿لَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَ الضَّالِّينَ﴾ زائدة، وأن
تقدير الكلام عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج [من
الرجز]:
فِي بِثْرٍ لَا حُورٍ(١) سَرَى وَمَا شَعَرْ
أي في بئر حور، والصحيح ما قدمناه، ولهذا رَوَى أبو عبيد القاسم بن
سلام في كتاب ((فضائل القرآن)) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ظُله أنه كان يقرأ: ((غير المغضوب عليهم
وغير الضالين))، وهذا إسناد صحيح، وكذلك حَكَى عن أُبَيّ بن كعب ◌َظُله أنه
قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير، فيدل على ما
قلناه، من أنه إنما جيء بـ((لا)) لتأكيد النفي؛ لئلا يُتَوَهَّم أنه معطوف على
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وللفرق بين الطريقتين؛ لِيُجْتَنَب كل واحد منهما، فإن
طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحقّ، والعمل به، واليهود فَقَدُوا
العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال
للنصارى؛ لأن مَن عَلِم، وترك استحقّ الغضب، بخلاف من لم يعلم،
والنصارى لما كانوا قاصدين شيئاً، لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا
الأمر من بابه، وهو اتّباع الحقّ ضَلُّوا، وكلٌّ من اليهود والنصارى ضالٌ
مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، كما قال تعالى عنهم: ﴿مَنْ
(١) قال في ((اللسان)) (٢١٧/٤): الْحَوْرُ: الرجوع عن الشيء، وإلى الشيء، حار إلى
الشيء، وعنه حَوْراً، ومَحَاراً، ومَحَارةً، وحُؤُوراً: رجع عنه، وإليه، وقال
العجاج :
فِي بِثْرِ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ
أراد في بئرٍ لا حُؤُورٍ، فأسكن الواو الأولى، وحذفها؛ لسكونها، وسكون الثانية
بعدها . انتهى.

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
لَّمَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، وأخص أوصاف النصارى الضلال، كما
قال تعالى عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ
السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار، قاله ابن كثير رَّتُهُ .
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: اختُلِفَ في المغضوب عليهم والضالين من هم؟
فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى، وجاء ذلك مفسراً
عن النبيّ وَّر في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود
الطيالسيّ في ((مسنده))، والترمذي في ((جامعه))، وشَهِد لهذا التفسير أيضاً قوله
سبحانه في اليهود: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ الَهُ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، وقال في النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا
وَضَلُواْ عَنِ سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقيل: المغضوب عليهم المشركون،
والضالين المنافقون.
وقيل: المغضوب عليهم هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة،
والضالين عن بركة قراءتها، حكاه السلمي في ((حقائقه))، والماوردي في ((تفسیرہ))،
وليس بشيء، قال الماوردي: وهذا وجه مردود؛ لأن ما تعارضت فيه الأخبار،
وتقابلت فيه الآثار، وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يُطْلَق عليه هذا الحكم.
وقيل: المغضوب عليهم باتّباع البدع، والضالين عن سنن الهدى.
قال القرطبيّ: وهذا حسنٌ، وتفسير النبيّ ◌َّ أولى وأعلى وأحسن. انتهى
كلام القرطبيّ تَخَذْتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح التفاسير - كما قال القرطبيّ - هو تفسير
النبيّ وَّ، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما، من
حديث عديّ بن حاتم ◌َظُه، فما فسّر به النبيّ وََّ لا يُقدّم عليه غيره؛ لأنه
تفسير من قال الله تعالى له: ﴿وَأَنْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾
الآية [النحل: ٤٤]، والله تعالى أعلم.
[فائدة مهمّة]: قال الحافظ ابن كثير تَظّهُ: الصحيح من مذاهب العلماء
أنه يُغْتَفَر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء؛ لقرب مخرجيهما، وذلك أن
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٤٩/١.

٢٥١
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤)
الضاد مخرجها من أول حافة اللسان، وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء
من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلّاً من الحرفين من الحروف
المجهورة، ومن الحروف الرِّحْوَة، ومن الحروف الْمُطْبَقَة، فلهذا كلِّه اغتُفِرَ
استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، وأما حديث: («أنا أفصح مَن
نطق بالضاد))، فلا أصل له. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الله تعالى (هَذَا لِعَبْدِي) أي الكلام خاصّ بعبدي؛ لأنه دعاء
بالتوفيق إلى صراط من أنعم الله عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء،
والصالحين، والعصمة من صراط من غَضِبَ الله عليهم، ولعنهم، وجَعَل منهم
القِرَدَة والخنازير، وصراط من أضلّوا كثيراً، وضلّوا عن سواء السبيل.
وقال النوويّ كَُّهُ: قوله تعالى: ((فإذا قال العبد: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ
الْمُسْتَقِمَ ﴾ ... ) إلى آخر السورة، فهذا لعبدي)»، هكذا هو في ((صحيح
مسلم))، وفي غيره: ((فهؤلاء لعبدي))، وفي هذه الرواية دليل على أن ﴿أَهْدِنَا﴾
وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات، لا آيتان، وفي المسألة خلافٌ، مبنيّ
على أن البسملة من الفاتحة أم لا؟ فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنها من الفاتحة،
وأنها آية ﴿وَأَهْدِنَآً﴾ وما بعده آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن يقول: إنها ليست
من الفاتحة، يقول: ﴿أَهْدِنَا﴾ وما بعده ثلاث آيات، وللأكثرين أن يقولوا:
قوله: ((هؤلاء))، المراد به الكلمات، لا الآيات، بدليل رواية مسلم: ((فهذا
لعبدي))، وهذا أحسن من الجواب بأن الجمع محمول على الاثنين؛ لأن هذا
مجاز عند الأكثرين، فيحتاج إلى دليل على صرفه عن الحقيقة إلى المجاز.
انتهى كلام النوويّ تَخْذَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة كون الاثنين أقلّ الجمع قد استوفيت بحثه
في (التحفة المرضيّة))، وشرحها ((المنحة الرضيّة)) في الأصول، ورجّحت أنه
الحقّ، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وأما مسألة كون البسملة من الفاتحة، أم لا؟ فسيأتي البحث عنه مستوفّى
بعد بابين - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/٤.

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ))) هذا وعدٌ من الله تعالى الكريم أن يُجيب عبده بإعطاء
ما سأل، و﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩].
فهنيئاً للعبد الموفّق لهذا الفضل العظيم ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اٌلْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، اللَّهم اجعلنا هداة مهديين، غير
ضالّين، ولا مضلّين، آمين.
(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة، والظاهر أنه بالسند السابق، وليس معلّقاً، والله
تعالى أعلم.
(حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي على
العلاء (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المجرور، وقوله:
(فِي بَيْتِهِ) متعلّق بـ((مريض))، أو بـ((دخلتُ))، أو بحال مقدّر (فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ) أي
عن هذا الحديث.
وغرض المصنّف بهذا: تأكيد اتّصال السند ببيان سماع سفيان من شيخه
العلاء؛ لأنه كان في الرواية السابقة بالعنعنة، وتأكيد ذلك السماع ببيان مكانه،
والحالة التي كان هو عليها حينما حدّثه به، وهي كونه مريضاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَخْذّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٨٤/١١ و٨٨٥ و٨٨٦] (٣٩٥)، و(أبو داود)
في ((الصلاة)) (٨٢١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٥٣)، و(النسائيّ) في
((الصلاة)) (٩٠٩)، و((الكبرى)) في ((فضائل القرآن)) (٨٠١٢)، و(ابن ماجه) في
((إقامة الصلاة)) (٨٣٨)، و(مالك) في ((الموظأ)) (٨٤/١ - ٨٥)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٥٦١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٧٦٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٠/٢ و٢٨٥ و٤٨٧)، (وابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٥٠٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٧٨٤ و١٧٨٨ و١٧٨٩ و١٧٩٤
و١٧٩٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٥/١)، و((مشكل الآثار))
(٢٣/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩/٢ و١٦٦ و١٦٧)، و(البغويّ) في

٢٥٣
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤)
(شرح السنّة)) (٥٧٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٧٣ و١٦٧٤ و١٦٧٥
و١٦٧٦ و١٦٧٧ و١٦٧٨ و١٦٧٩ و١٦٨٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٧٣
و٨٧٤ و٨٧٥ و٨٧٦ و٨٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب قراءة الفاتحة على كلّ مصلٍّ، إماماً كان، أو
مأموماً، أو منفرداً، وقد تقدّم البحث فيه قريباً مستوفَى، فراجعه.
٢ - (ومنها): بيان عظم شأن الفاتحة، حتى سمّاها الله تعالى بالصلاة،
قال العلماء: المراد بالصلاة هنا الفاتحة، سُمِّين بذلك؛ لأنها لا تصح إلا
بها، كقوله ◌َّيقول: ((الحج عرفة))، ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة.
٣ - (ومنها): المراد بقسمة الفاتحة نصفين قسمتها من جهة المعنى؛ لأن
نصفها الأول تحميد لله تعالى، وتمجيد، وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف
الثاني سؤال، وطلبٌ، وتضرعُ وافتقارٌ.
٤ - (ومنها): أنه احتَجّ القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا
الحديث، قال النوويّ تَخْلَتُهُ: وهو من أوضح ما احتَجُوا به، قالوا: لأنها سبع
آيات بالإجماع، فثلاث في أولها ثناء، أولها ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وثلاث دعاء،
أولها ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْفِيمَ﴾، والسابعة متوسطة، وهي ﴿إِنَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
تَسْتَعِينُ﴾، قالوا: ولأنه وُعَلَ قال: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين،
فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ... ))، فلم يذكر البسملة، ولو كانت
منها لذكرها .
قال: وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول: إن البسملة آية من الفاتحة
بأجوبة :
[أحدها]: أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة، لا إلى الفاتحة، هذا
حقيقة اللفظ .
[والثاني]: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة.
[والثالث]: معناه: فإذا انتهى العبد في قراءته إلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذه الأجوبة من التكلّفات،

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
والحقّ أن قول من قال: إن البسملة ليست آية من الفاتحة هو الظاهر؛ لوضوح
أدلّته، وسيأتي تمام البحث في هذا بعد بابين - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): بيان عناية الله تعالى بعبده، حيث مدحه بسبب حمده،
وثنائه، وتمجيده، ووَعَده أن يُعطيه ما سأل.
٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن كثير تَخّْتُهُ: اشتَمَلت هذه السورة
الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله، وتمجيده، والثناء عليه، بذكر أسمائه
الحسنى، المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين، وعلى
إرشاده عبيدَه إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرُّؤ من حولهم وقوتهم، وإلى
إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية، تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له
شريك، أو نظير، أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم،
وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، حتى يَقْضِي لهم بذلك إلى جواز الصراط
الحسية يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين،
والصديقين، والشهداء، والصالحين، واشتَمَلت أيضاً على الترغيب في الأعمال
الصالحة؛ ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا
يُخْشَروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم، والضالون.
وما أحسن ما جاء من إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة، كما قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمَا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم ... ) الآية [المجادلة: ١٤]، وكذلك
إسناد الضلال إلى مَن قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدَره، كما قال تعالى:
﴿َمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]،
وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ وَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَعُونَ (٨)﴾ [الأعراف:
١٨٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية
والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية، ومن حَذَا حَذْوهم من أن العباد هم
الذين يختارون ذلك، ويفعلونه، ويحتجون على بدعتهم بمتشابهٍ من القرآن،
ويتركون ما يكون فيه صريحاً في الردّ عليهم، وهذا حال أهل الضلال والغيّ.
وقد ورد في الحديث الصحيح: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه

٢٥٥
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٥)
فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم))، يعني في قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
زَبْغٌ فَقَّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ اُلْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلٌِّ﴾ [آل عمران: ٧]، فليس بحمد الله
المبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء لِيَفْصِل الحقّ من الباطل،
مُفَرِّقاً بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض، ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله
﴿تَزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. انتهى كلام ابن كثير تَظُّهُ(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٨٥] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا
هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي (٢) الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِّ يَعْقُوبَ،
أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى بَنِي عَبْدِّ اللهِ بْنِ هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلَّةً، فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ)) بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ سُفْيَانَ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي
نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَام بْنِ زُهْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، يقال: اسمه
عبد الله بن السائب، ثقة [٣] (م ٤) تقدم ((الطهارة)) ٦٦٤/٢٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، سوى ((الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ))،
و((أَبِي هُرَيْرَةَ)) بَعْلُبُهُ فتقدّما في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ) يعني أن أنس بن مالك، وابن جُريج حدّثا
عن العلاء بن عبد الرحمن بمثل حديث سفيان بن عيينة عنه المذكور قبلهما .
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ ... إلخ) يعني أن
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٨/١ - ٢٩.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
في حديث أنس، وابن جريج زيادة على حديث سفيان، وهي قوله: ((فنصفها
لي، ونصفها لعبدي».
[تنبيه]: أما رواية مالك التي أحالها هنا على رواية سفيان بن عيينة،
فأخرجها النسائيّ كَّتُهُ في ((المجتبى))، فقال:
(٩٠٩) أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع
أبا السائب، مولى هشام بن زُهْرة، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: قال
رسول الله وَ: ((من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِداج، هي
خِداج، هي خِداجٌ، غير تمام))، فقلت: يا أبا هريرة، إني أحياناً أكون وراء
الإمام، فغَمَز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسيّ في نفسك، فإني سمعت
رسول الله وسلم يقول: ((يقول الله ريك: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين،
فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل))، قال رسول الله وَ لقوله: (اقرءوا،
يقول العبد: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ يقول الله رَّمَ: حَمِدني عبدي، يقول
العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله ريك: أثنى عليّ عبدي، يقول العبد:
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول الله وََّ: مَجّدني عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد:
﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيَمَ ﴾ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّآلّينَ﴾، فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل)). انتهى.
وأما رواية ابن جريج، فأخرجها الإمام أحمد تَخَّهُ في ((مسنده))، فقال:
(٧٥٠٢) حدثنا عبد الرزاق، قال: ابن جريج قال: أخبرني العلاء بن
عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا السائب، مولى هشام بن زُهْرة أخبره، أنه
سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَير: ((من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم
القرآن، فهي خِداج، هي خِداج، غير تمام))، قال أبو السائب لأبي هريرة:
إني أكون أحياناً وراء الإمام؟ قال أبو السائب: فغمز أبو هريرة ذراعي،
فقال: يا فارسي اقرأها في نفسك، إني سمعت رسول الله وسلم يقول:
((قال الله رَّك: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها
لعبدي، ولعبدي ما سأل))، قال أبو هريرة: قال رسول الله وَ لقوله: ((اقرءوا،

٢٥٧
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلُّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٦)
يقول العبد: ﴿ٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، فيقول الله: حَمِدَني عبدي، ويقول
العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيقول الله: أثنى عليّ عبدي، فيقول العبد: ﴿مَلِكِ
يَوْمِ الدِّنِ﴾، فيقول الله: مَجّدني عبدي، وقال: هذه بيني وبين عبدي، يقول
العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: أجدها لعبدي، ولعبدي ما سأل،
قال: يقول عبدي: ﴿أَهْدِنَ الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِنَ﴾، يقول الله ريق: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)).
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي، وَمِنْ أَبِي
السَّائِبِ، وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
(مَنْ صَلَّى صَلَةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَهِيَ خِدَاجٌ)) يَقُولُهَا ثَلَاثاً، بِمِثْلٍ
حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ) - بفتح الميم، وسكون العين المهملة،
وكسر القاف ـ: نسبة إلى ناحية من اليمن، تسمّى مَعْقِر، أبو الحسن، نزيل
مكة، مقبول [١١].
رَوَى عن النضر بن محمد، وإسماعيل بن عبد الكريم بن مَعْقِل بن مُنَّبِّه.
ورَوَى عنه مسلم، والمفضَّل بن محمد الْجَنَديّ، ومحمد بن إسحاق بن
العباس الفاكهيّ المكيّ، كان حيّاً سنة (٢٥٥)، وذكر عبد الغنيّ في ترجمته أنه
رَوَى عن سعيد بن بَشِير، وقيس بن الربيع، وهو وَهَمٌ، فإنه لم يدركهما، وإنما
رَوَى عن النضر عنهما، وقال اللالكائيّ: يُكْنَى أبا أحمد.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٩٥)،
وحديث (٨٣٢): ((أرسَلَني بِصِلَةِ الأرحام ... ))، و(٢٣٦٢): ((ما تصنعون؟

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قالوا: كنا نصنعه ... ))، و(٢٥٠١): ((نعم، قال: عندي أحسن العرب،
وأجمله، أم حبيبة ... )).
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ(١)، أبو محمد اليماميّ، مولى
بني أميّة، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤.
٣ - (أَبُو أُوَيسٍ) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر
الأصبحيّ المدنيّ، قريب مالك وصِهْره، صدوقٌ يَهِم [٧] (ت١٦٧) (م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ٣٩١/٧٣.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث أبي أويس بمثل حديث سفيان،
ومالك، وابن جريج.
[تنبيه]: رواية أبي أويس هذه أخرجها الإمام البيهقيّ كَُّ في ((السنن
الكبرى)) (٣٧٥/٢)، فقال:
(٣٧٦٧) وأخبرنا أبو نصر، أحمد بن عليّ بن أحمد القاضي، من أصله،
ثنا أبو بكر محمد بن المؤمَّل بن الحسن بن عيسى الماسَرْجِسيّ، ثنا الفضل بن
محمد الشعرانيّ، ثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثني أبي، عن العلاء، أنه
قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب جميعاً، وكانا جليسي أبي هريرة لحظ اته
قالا: قال أبو هريرة نظُّله: قال رسول الله وَله: ((مَن صلى صلاةً، لم يقرأ فيها
بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، فهي خِداج (٢)، غير تمام))، قال: قلت: يا أبا
هريرة إني أكون أحياناً وراء الإمام، فَغَمَز ذراعي، وقال: يا فارسيّ اقرأ بها في
نفسك، فإني سمعت رسول الله وَل يقول: ((- يعني - يقول الله: قسمت الصلاة
بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول
عبدي: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، يقول الله: حَمِدني عبدي، فيقول: ﴿الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾، فيقول الله: أثنى عليّ عبدي، يقول عبدي: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾
(١) بجيم مضمومة، وشين معجمة. اهـ. ((ت)).
(٢) هكذا مرّتين، وعند المصنّف ثلاثاً، ولعله سقط من النساخ لـ((سنن البيهقيّ))، والله
تعالى أعلم.

٢٥٩
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٧)
يقول الله: مَجَّدني عبدي، وهذه الآية بيني وبين عبدي، يقول عبدي: ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾، فهذه الآية بيني وبينه، وآخر السورة لعبدي، ولعبدي ما
... ))) إلى آخر السورة.
سأل، يقول عبدي: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٨٧] (٣٩٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ حَبِيبٍ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا أَعْلَنَ (١)
رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَعْلَنَّهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ)(٢).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٣ - (حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) الأزديّ، أبو محمد، ويقال: أبو شهيد البصريّ،
مولى قُرَيبة، ثقةٌ ثبتٌ [٥].
أدرك أبا الظُفيل، وأرسل عن الزبير بن العوام، وأنس، وسعيد بن
المسيب، وعُبيد بن عُمير، ورَوَى عن الحسن بن ثابت، وابن أبي مليكة،
وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، وابن المنكدر، وميمون بن مهران،
وأبي إسحاق السَّبيعيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زُريع، وابن
عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وابنه إبراهيم بن حبيب، وأبو أسامة، وروح بن
عبادة، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((فما أعلن لنا)).
(٢) وفي نسخة: ((أخفينا لكم)).

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال أحمد: كان ثبتاً ثقةً، وهو عندي يقوم مقام يونس، وابن عون، وكان
قليل الحديث، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو أسامة:
كان من رُفَعاء الناس، وإنما رَوَى مائة حديث، وقال عليّ ابن المدينيّ: ثقة، وقال
ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - وقال العجليّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال
الآجريّ: قيل لأبي داود: أيما أحبّ إليك: هشام بن حسان، أو حبيب بن
الشهيد؟ فقال: حبيب، وحَكَى ابن شاهين في ((الثقات)) أن شعبة قال لإبراهيم: لم
يكن أبوك أقلهم حديثاً، ولكنه كان شديد الاتّقاء، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال أبو داود، عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: مات سنة (١٤٥)، وهو
ابن (٦٦) سنةً، وزاد علي ابن المدينيّ، عن إبراهيم: أن ذلك كان في ذي
الحجة .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا
(٣٩٦)، وحديث (٩٥٥): ((صلى على قبر))، و(١٢٣٢): ((جَمَعَ بينهما، بين
الحجّ والعُمرة))، و(٢٤٢٧): ((نعم، فحملنا، وتركك)).
٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح، واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
الفقيه المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في
«الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
أبو هريرة تقدّم قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: حبيبٌ، عن عطاء.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَبِيبٍ بْنِ الشَّهِيدِ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي ابن أبي رَبَاح
(يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ) هكذا رواية أبي أسامة،