Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) سَعِيدٍ اوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا عَنْ أَعْرَجِ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا ٦ - (ومنها): أن أبا الزناد لقبٌ بصورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما مرّ آنفاً . ٧ - (ومنها): أن صحابيّه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَعْبُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أي أُذّن لأجل الصلاة، وفي الرواية الماضية: ((بالصلاة)) بالباء، قال في ((الفتح): ويمكن حملهما على معنى واحد (١)، وقال في ((العمدة)): تكون الباء للسببيّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، أي بسبب ذنبه، وكذلك المعنى هنا بسبب الصلاة، ومعنى التعليل قريب من معنى السبب. (٢) انتھی(٢). وقال العراقيّ تَخَّتُهُ: ((النداء)) بكسر النون وضمها، لغتان، الأولى أشهر وأفصح، وهو الأذان وقوله: (للصلاة))، و((بالصلاة))، كلاهما صحيح، يقال: نودي للصلاة، وبالصلاة، وإلى الصلاة، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ [المائدة: ٥٨]. انتھی(٣). (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دَبَرَ الرجلُ، وأدبر: إذا ولَّى، أفاده في ((القاموس)) (٤)، وفي ((المصباح)): أدبر الرجل: إذا ولَّى، أي صار ذا دُبُرٍ، ودَبَرَ النهارُ دُبُوراً، من باب قَعَدَ: إذا انصَرَمَ، وأدبر بالألف مثلُهُ، ودَبَرَ السهم دُبُوراً، من باب قَعَدَ أيضاً: خَرَج من الْهَدَف، فهو دابر. انتهى (٥). وقال العراقيّ تَخْلَتُهُ: الظاهر أن المراد هنا جنس الشيطان، فلا يختص (١) ((الفتح)) ١٠١/٢. (٣) ((طرح التثريب)) ٢/ ١٩٧. (٥) ((المصباح المنير)) ١٨٩/١. (٢) ((عمدة القاري)) ١٦٣/٥. (٤) راجع: ((القاموس)) ٢٦/٢. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ذلك بواحد من الشياطين دون واحد، والشيطانُ كلُّ عات مُتَمرِّد، سواء كان من الجنّ أو الإنس، أو الدوابّ، لكن المراد هنا شياطين الجنّ خاصةً، ويحتمل أن يختص ذلك بالشيطان الأكبر، وهو إبليس لعنه الله. انتهى(١). (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسمية وقعت حالاً بدون واو، ووقع في بعض النسخ: ((وله ضراط)) بالواو، والجملة الحاليّة تُربط بالضمير، أو بالواو، أو بهما، قال ابن مالك ◌َّتُهُ في ((خلاصته)) مبيّناً ذلك: كَـ«جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوِ رِحْلَهْ)) وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوٍ مُبْتَدَا بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا قال القاضي عياض تَُّهُ: يمكن حمله على ظاهره؛ لأنه جسم مُتَغَذّ يصح منه خروج الريح، ويَحْتَمِل أنها عبارة عن شِدّة نِفَاره، ويقويه رواية مسلم المتقدّمة: (له حُصَاص)) بمهملات مضموم الأول، فقد فسره الأصمعي وغيره بشدة العدو. وقال الطيبيّ تَخْذَتُهُ: شَبَّهَ شَغْلَ الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضُرَاطَاً؛ تقبيحاً له. (٢) انتھی(٢). وقال العراقيّ نَّتُهُ: ويَحْتمل أنها عبارة عن الاستخفاف. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذه الاحتمالات التي ذكروها من حمل الضُّرَاط هنا على التشبيه أو غيره، غير صحيحة، والصواب أنه على الحقيقة، كما هو الاحتمال الذي ذكره عياض أوّلاً، فأيّ مانع منع من ذلك، وأيُّ داع إلى صرف ظاهر النصّ عنه، وما ذكره في ((الفتح)) من تقوية رواية مسلم: ((وله خُصَاص)) ليس كما قال؛ لأن أهل اللغة فسّروا الْحُصَاص بالضُّراط، فهما بمعنى، وتفسير الأصمعي، لا ينافيه؛ لأنه يعدو مع ضُراطه، فهو مما يقوّي (١) ((طرح التثريب)) ٢٠٣/٢. (٣) ((طرح التثريب)) ٢٠٢/٢. (٢) ((الفتح)) ٨٥/٢. ١٤٣ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) الظاهر، لا خلافه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) علّة للضُّرَاط، إنما يفعل ذلك؛ ليَشْغَلَ نفسه عن سماع الأذان؛ لئلا يشهد للمؤذّن يوم القيامة؛ لما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه) عن أبي سعيد الخدريّ رظُه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((لا يسمع مَدَى صوت المؤذن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة))، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ێڑ . وقيل: ((حتى)) غاية لإدباره، قاله في ((العمدة)) (١). وقال في ((الفتح)): ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك إما لِيَشْتَغِل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافاً، كما يفعله السفهاء، ويَحْتَمِل أن لا يتعمد ذلك، بل يحصل له عند سماع الأذان شدّة خوف، يَحْدُثُ له ذلك الصوتُ بسببها، ويَحْتَمِل أن يتعمد ذلك؛ ليقابل ما يناسب الصلاة، من الطهارة بالحدث. انتهى(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الطيبيّ كَّلُ: كُرّرت ((حتى)) في هذا الحديث خمس مرّات؛ أولاهنّ، والرابعة، والخامسة بمعنى ((كي))، والثانية، والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيّتين، وليستا للتعليل. انتهى (٣). (فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ) ببناء الفعل للمفعول، و((التأذين)) بالرفع نائب فاعله، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى المنادي المدلول عليه بـ(نُودي))، و(التأذينَ)) منصوب على المفعوليّة. والقضاء يأتي لمعانٍ كثيرةٍ، وهو هنا بمعنى الفراغ، تقول: قَضَيْتُ حاجتي: أي فَرَغْتُ منها، أو بمعنى الانتهاء، قاله في ((العمدة))(٤). وقال في ((الفتح)): واستُدِلَّ به على أنه كان بين الأذان والإقامة فَضْلٌ، (١) ((عمدة القاري)) ١٦٣/٥ - ١٦٤. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩١٠/٣. (٢) ((الفتح)) ١٠٢/٢. (٤) ((عمدة القاري)) ١٦٤/٥. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة خلافاً لمن شَرَط في إدراك فضيلة أول الوقت أن يَنطِقِ أول التكبير على أول الوقت. انتهى (١). (أَقْبَلَ) أي جاء الشيطان، فوسوس، كما تقدّم في الرواية السابقة (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) أي أُقيم لها، ففي الرواية السابقة: ((فإذا سمع الإقامة)). قال العراقيّ تَخْتُ: ((التثويب)) بالتاء المثناة، ثم المثلثة، المراد به ههنا إقامة الصلاة، ويدلّ لذلك قوله في رواية لمسلم: ((فإذا سمع الإقامة))، ولا يمكن أن يكون المراد بالتثويب هنا قول المؤذن: ((الصلاة خير من النوم)) مرتين، وإن كان يُسَمَّى تثويباً؛ لأمرين: [أحدهما]: أن هذا خاصّ بأذان الصبح، والحديث عامّ في كل أذان. [والثاني]: أن الحديث دلّ على أن هذا التثويب يتخلل بينه وبين الأذان فصلٌ، يَحْضُر فيه الشيطان، والتثويب الذي في الصبح لا فصل بينه وبين الأذان، بل هو في أثنائه. وأصل التثويب أن يجيء الرجل مُسْتصرِخاً، فَيُلَوِّح بثوبه؛ لِيُرَى ويشتهر، فسُمِّي الدعاء تثويباً لذلك، وكل داع مُثَوِّب، وقيل: إنما سُمِّ تثويباً، من ثاب يثوب: إذا رَجَعَ، فالمؤذن رجع بالإقامة إلى الدعاء للصلاة، قال عبد المطلب بن هاشم، وهو بالمدينة عند أخواله بني النجّار [من الوافر]: غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إِلَيَّ عَقْلِي فَحَنَّتْ نَاقَتِي فَعَلِمْتُ أَنِّي وقال غيره [من الخفيف]: لَوْ رَأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُظَّةَ عَجْزٍ مَا شَفَعْنَا الأَذَانَ بِالشَّغْوِيبِ (٢) قال ابن عبد البر تَخْلَتُهُ: لفظ التثويب مأخوذ من ثاب الشيءُ يثوب: إذا رجع، كأن المقيم للصلاة عاد إلى معنى الأذان، فأَتَّى به، ويقال: ثَوَّبَ الداعي: إذا كَرَّر دعاءه إلى الحرب، قال حسّان بن ثابت ظه [البسيط]: فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُمْ لَا يَنْكُلُونَ إِذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي وقال حُذيفة في معناه [من الوافر]: (١) ((الفتح)) ١٠٢/٢. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٩٧/٢ - ١٩٨. ١٤٥ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) إِذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَا لَا لَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ ويقال: ثاب إلى الرجل عقله، وثاب إلى المريض جسمه: أي عاد إلى حاله. انتھی(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((إذا ثُوِّبَ)) بضم المثلثة، وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثاب: إذا رَجَع، وقيل: من ثَوَّب: إذا أشار بثوبه عند الفزع الإعلام غيره. قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في ((صحيحه))، والخطابيّ، والبيهقيّ، وغيرهم، قال القرطبيّ: ثُوِّب بالصلاة: إذا أقيمت، وأصله أنه رَجَع إلى ما يُشْبِهِ الأذان، وكلُّ مَن رَدَّد صوتاً فهو مثوب، ويدلّ عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة بظلاله: ((فإذا سمع الإقامة ذهب)). وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة: حيّ على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، وحَکَی ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وزعم أنه تفرد به، لكن في ((سنن أبي داود)) عن ابن عمر أنه كَرِه التثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدلّ على أن له سلفاً في الجملة، ويَحْتَمِل أن يكون الذي تفرد به القول الخاصّ. وقال الخطابيّ: لا يَعْرِف العامة التثويب إلا قول المؤذن في الأذان: ((الصلاةُ خير من النوم))، لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة، والله أعلم. انتھی . (أَدْبَرَ) أي ذهب الشيطان؛ لئلا يسمع الإقامة (حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّغْوِيبُ أَقْبَلَ) وفي الرواية السابقة: ((فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع، فوسوس)) (حَتَّى يَخْطِرَ) بضم الطاء، قال عياض: كذا سمعناه من أكثر الرواة، وضبطناه عن الْمُتْقِنين بالكسر، وهو الوجه، ومعناه: يوسوس، وأصله من خَطَرَ البعير بذنبه: إذا حَرَّكه، فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن السلوك والمرور: أي يَدْنُوَ منه، فيمر بينه وبين قلبه، فَيَشْغَله عما هو فيه، وبهذا (١) ((الاستذكار)) ٥٢/٤ - ٥٣. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة فسّره الشارحون لـ((الموطأ))، فقال الباجيّ: معناه: أنه يحول بين المرء وبين ما يريد من نفسه، من إقباله على صلاته، وإخلاصه، وبالأول فسّره الخليل. (١) انتھی(١). وقال في ((الفتح)): وضَعَّف الحجري في ((نوادره)) الضم مطلقاً، وقال: هو يَخْطِر بالكسر في كل شيء. انتهى (٢). (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، يعني أنه يحول بينه وبين الإقبال على الصلاة، والإخلاص فيها، وقال في ((العمدة)): وبهذا التفسير - يعني تفسير النفس بالقلب - يحصل الجواب عما قيل: كيف يُتصوّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يُجاب بأن يكون تمثيلاً لغاية قربه منه. انتهى(٣). [فائدة]: ((المرء»: الإنسان، وفيه سبع لغات: فتح الميم، وضمها، وكسرها، وتَغَيُّرها باعتبار إعراب اللفظة، فإن كانت مرفوعة فالميم مضمومة، وإن كانت منصوبة فالميم مفتوحة، وإن كانت مجرورة فالميم مكسورة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، امرؤ بزيادة همزة الوصل مع ضم الراء في سائر الأحوال، ومع فتحها في سائر الأحوال، ومع تغيرها باعتبار حركات الإعراب، حكاهن في ((الصحاح))، إلا اللغة الثالثة والرابعة، فحكاهما في ((المحكم))، وأنشد قول أبي خِرَاش [من الطويل]: جَمَعْتُ أُمُوراً يُنْفِذُ الْمِرْأَ بَعْضُهَا مِنَ الْحِلْم وَالْمَعْرُوفِ وَالْحَسَبِ الضَّحْمِ وقال: هكذا رواه السكّريّ بكسر الميم، وزعم أن ذلك لغة هُذَيَل. انتھی . ويُثَنَّى، فيقال: المرءان، ولا جمع له من لفظه، كما ذكره صاحبا ((الصحاح))، و(المحكم))، وقال في ((المشارق)): والجمع مَرْءُون، ومنه في الحديث: ((أيها المرءون))، وذكر صاحب ((النهاية)) تبعاً للهرويّ حديثَ الحسن: ((أحسنوا ملأكم أيها المرءون))، وقال: هو جمع المرء، قال: ومنه قول رؤبة (١) ((طرح التثريب)) ١٩٨/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ١١٢/٥. (٢) ((الفتح)) ١٠٢/٢. ١٤٧ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) لطائفة رآهم: أين يريد المرءون؟ قال في ((الصحاح)): وبعضهم يقول: هذه مرأة صالحةٌ، ومَرَةٌ أيضاً بترك الهمز، وتحريك الراء بحركتها، وهذه امرأة مفتوحة الراء على كل حال. انتهى(١). (يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، وَاذْكُرْ كَذَا) هكذا الرواية هنا بالعطف مكرّراً، وكذا في رواية للبخاريّ، ووقع في رواية له: ((اذكر كذا، اذكر كذا)) بدون عطف، وسيأتي للمصنّف في ((أبواب السهو)) من طريق عبد ربّه بن سعيد، عن الأعرج زيادة: ((فَهَنّاه، ومنّه، وذكّره من حاجته ما لم يذكر)) (لِمَا) بكسر اللام، و((ما)) موصولة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ((اذكُر)) على سبيل التنازع، وقوله: (لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) صلة ((ما))، و((يذكُر)) مبنيّ للفاعل، أي للأمر الذي نسيه المصلّي (مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي من قبل دخوله في الصلاة. قال في ((الفتح)): ومن ثَمّ استنبط أبو حنيفة كَُّ للذي شكا إليه أنه دَفَنَ مالاً، ثم لم يَهتد لمكانه أن يُصلّي، ويَحرص أن لا يُحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل، فذكر مكان المال في الحال. قيل: خَصَّه بما يَعْلَم دون ما لا يَعْلَم؛ لأنه يميل لما يَعْلَم أكثر؛ لتحقق وجوده، والذي يظهر أنه لأعمّ من ذلك، فيُذَكِّرُهُ بما سَبَق له به عِلْمٌ؛ ليشتغل باله به، وبما لم يكن سبق له؛ ليوقعه في الفِكْرة فيه، وهذا أعمّ من أن يكون في أمور الدنيا، أو في أمور الدين؛ كالعلم، لكن هل يَشْمَل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك؛ لأن غرضه نقص خشوعه، وإخلاصه بأيّ وجهٍ كان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا جعل في ((الفتح)) التفكّر في معاني الآيات التي يقرؤها، ونحو ذلك من هذا القسم الذي هو من وسوسة الشيطان، وفيه نظر لا يخفى، فكيف يُعدّ هذا منه، وهو من روح الصلاة، ومن مقصدها الأعظم؟ لأن ذلك هو الذي يَحمله على الخشوع والخضوع والإخلاص، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. (١) ((طرح التثريب)) ١٩٨/٢ - ١٩٩، وقد أطال البحث في هذا في (لسان العرب))، فراجعه في مادّة ((مرئ)). ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) كذا للجمهور بالظاء المشالة المفتوحة، يقال: ظلّ الرجل يفعل كذا يَظَلّ، من باب تَعِبَ ظُلُولاً: إذا فعله نَهاراً، قال الخليل: لا تقول العرب: ظلّ، إلا لعمل يكون بالنهار، قاله الفيّوميّ(١). ومعنى ((يَظَلّ)) في الأصل اتِّصاف الْمُخْبَر عنه بالخبر نهاراً، لكنها هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا﴾ [النحل: ٥٨]، وقيل: بمعنى يبقى، ويدوم. ووقع عند الأصيلي في ((صحيح البخاري)): ((يَضِلّ)) بكسر الضاد المعجمة، من باب ضرب، من الضلال؛ أي يَنْسَى، ومنه قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أو بفتحها، من باب تَعِبَ: أي يُخطئ، ومنه قوله: إلَّ يَضِلُّ رَبٍِ وَلَا يَسَى﴾ [طه: ٥٢]، والمشهور الأول، أفاده في ((الفتح))(٢). وقال العراقيّ كَُّ في ((شرح التقريب)): المشهور في الرواية: ((حتى يَظلّ الرجل إن يدري كم صلَّى؟))، بفتح الظاء من ((يَظَلّ))، وكسر ((إن))، فـ((يَظَلّ)) إحدى نواسخ الابتداء، ترفع الاسم، وتنصب الخبر. ومعناها في الأصل اتصاف الْمُخْبَر عنه بالخبر نهاراً، وهي هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ الآية [النحل: ٥٨]، وقيل: بمعنى يبقى ويدوم، و((إِنْ)) نافيةٌ، ويدلّ على ذلك قوله في رواية البخاريّ: ((لا يَدْرِي))، وفي رواية مسلم: ((ما يدري))، والثلاثة حروف نفي. وقال ابن عبد البرّ كَلْتُهُ: الرواية في ((أَنْ)) ههنا عند أكثرهم بالفتح، فيكون حينئذ بمعنى لا يدري، وكذلك رواه جماعة عن مالك بهذا اللفظ : ((حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى؟))، بكسر الهمزة، فمعناه: ما يدري كم صلى؟، و((إن)) بمعنى ((ما)) كثير، وقيل: يظلّ ها هنا بمعنى يبقى لا يدري كم صلّى؟، وأنشدوا [من الطويل]: ظَلِلْتُ رِدَائِي فَوْقَ رَأْسِيَ قَاعِدَا أَعُدُّ الْحَصَى مَا تَنْقَضِي عَبَرَاتِي (٣) انتهى . (١) ((المصباح المنير)) ٣٨٦/٢. (٣) ((الاستذكار)) ٥٣/٤. (٢) ١٠٣/٢. ١٤٩ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) واعترضه بعضهم فيما قاله في ((أن)) المفتوحة، فقال: وهذا غير صحيح؛ لأن ((أن)) لا تكون نفياً، ولا أعلم أحداً من النحويين حَكَى ذلك، والوجه في هذه الرواية: ((أَنْ يَذْريَ)) بفتح الياء من ((يَدْري))، وتكون ((أَنْ)) هي الناصبة للفعل، ويكون (يضل)) بضاد غير مشالة، من الضلال الذي هو الْحَيْرة، كما يقال: ضَلّ عن الطريق، فكأنه قال: يَحار الرجل، ويَذْهَل عن أن يدري كم صلى؟، فتكون ((أن)) في موضع نصب بسقوط حرف الجر. ويجوز أن يكون من الضلال الذي يراد به الخطأ، فتكون الضاد مكسورة، كقوله: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبٍِ وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، وتكون ((أَنْ)) في موضع نصب على المفعول الصحيح؛ لأن ((ضَلَّ) التي بمعنى أخطأ لا يَحتاج تعديها إلى حرف الجر، قال طَرَفَةُ [من الطويل]: وَكَيْفَ يَضِلُّ الْقَصْدَ وَالْحَقُّ وَاضِحٌ وَلِلْحَقِّ بَيْنَ الصَّالِحِينَ سَبِيلُ قال: ولو رُوِي: حتى يُضِلَّ الرجلَ أَنْ يدريَ كم صلى؟، لكان وجهاً صحيحاً يريد به حتى يُضِلّ الشيطانُ الرجلَ عن دراية كم صلى؟، ولا أعلم أحداً رواه كذا، لكنه لو رُوي لكان وجهاً صحيحاً في المعنى، غير خارج عن مراده ◌ُه. انتهى. قال العراقيّ: وما أدري ما وجه تفرقة ابن عبد البر بين ((لا))، و((ما))، فَجَعَل رواية الفتح بمعنى ((لا))، ورواية الكسر بمعنى ((ما))، مع أن ((لا))، و((ما)) بمعنّى واحدٍ، ثم إنه - أعني ابن عبد البر - لا يَعْرِف قوله: ((يظل)) إلا بالظاء المشالَة، ولا يتجه مع ذلك في ((إن)) إلا الكسر، ولا يتجه فيها الفتح إلا مع الضاد الساقطة، كما حكيناه عن بعضهم، وهي رواية. وقال القاضي عياض: حَكَى الداوديّ أنه رُوي ((يضلّ)) بالضاد، بمعنى ينسى ويذهب وَهْمُهُ، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وما حكيته عن ابن عبد البر من ضبطه ((أَنْ)) هنا بالفتح وافقه عليه الأصيليّ، فضبطها بالفتح في ((صحيح البخاريّ))، وما حَكَيته عن المعترض عليه ذكره أيضاً القاضي عياض، فقال: ولا يصح تأويل النفي، وتقدير ((لا)) مع الفتح، وإنما يكون بمعنى ((ما))، والنفي مع الكسر، قال: وفتحها لا يصحّ إلا ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة على رواية مَن رَوَى (يَضلّ)) بالضاد، فتكون ((أن)) مع الفعل بعدها بتأويل المصدر مفعولَ ((يضلّ))، أي يجهل درايته، وينسى عدد ركعاته. انتهى. قال وليّ الدين: وما ذكره ابن عبد البر من أنّ أكثرهم على الفتح، مُعارَضٌ بنقل القاضي عياض أن أكثرهم على الكسر، وهو المشهور المعروف، وما حكاه والدي عن ابن عبد البر أنه قال: الوجه ((حتى يَضلّ الرجل أن يدري)) بفتح ((أن)) الناصبة، وبالضاد المكسورة، لم أره في كلامه، إنما تَعَرَّض بفتح الهمزة في ((أن))، ولم يذكر كون الضاد ساقطة، هذا هو الذي وَقَعْتُ عليه في ((الاستذكار))، و((التمهيد))، فإما أن يكون الشيخ وَقَف على هذا الكلام في موضع آخر، وإما أن يكون خَرَّج على ما ذكره ابن عبد البر في فتح همزة ((أَنْ)) أن يكون يَضلّ بالضاد الساقطة، وألزمه ذلك؛ إذ لا يمكن مع فتح الهمزة أن يكون يظل بالظاء المشالة. انتهى كلام وليّ الدين كَّهُ(١). (مَا يَدْرِي) وفي نسخة: ((لا يدري))، وهي عند البخاريّ (كَمْ صَلَّى؟))) وفي الرواية التالية: ((إن يدري كيف صلّى؟))، وفي رواية للبخاريّ في ((بدء الخلق)) من ((صحيحه))، من وجه آخر عن أبي هريرة: ((حتى لا يدري أثلاثاً صلى، أم أربعاً؟))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٦٢/٨ و٨٦٣ و٨٦٤ و٨٦٥ و٨٦٦] (٣٨٩)، وفي ((المساجد ومواضع السجود)) (٣٨٩)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٠٨)، وفي ((السهو)) (١٢٢٢ و١٢٣١)، و((بدء الخلق)) (٣٢٨٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥١٦)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩٧)، و(النسائيّ) في ((الأذان)) (٢١/٢ -٢٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٦٩/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٤٦٢)، و(أبو (١) ((طرح التثريب)) ١٩٩/٢ - ٢٠١. ١٥١ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) داود الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٣٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٣/٢ و٤١١ و٤٦٠ و٥٠٣ و٥٠٤ و٥٢٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٣/١ و٣٥٠ و٥٣١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٩٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦ و١٦٦٢ و١٦٦٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٧٥ و٩٧٦ و٩٧٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٤٨ و٨٤٩ و٨٥٠ و٨٥١ و٨٥٢ و٨٥٤ و٨٥٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٢/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٧٤/١ و٣٧٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٧٤/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل التأذين، وعظم قدره، حيث إن الشيطان يهرُبُ منه، ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصلاة التي هي أفضل الأحوال، بدليل قوله: ((فإذا قُضِي التثويب أقبل))، ويكفي هذا في فضل الأذان. ٢ - (ومنها): أن الشيطان يتأذّى منه، فلا يستطيع سماعه. ٣ - (ومنها): أن الشيطان له تسلّط على الإنسان بالوسوسة حتى في حال الصلاة، وأنه شديد الحرص على إلحاق الضرر به، فيجب الحذر منه. ٤ - (ومنها): أن للشيطان ضُرَاطاً على حقيقته، كما تقدّم تحقيقه؛ لأنه ثبت أنه يأكل ويشرب، فلا حاجة إلى ما تكلّفه بعضهم بتأويله. ٥ - (ومنها): أن الإقامة يقال لها: التثويب، وهي مشروعة، وما تقدّم من كون التثويب بدعة، كما نُقل عن ابن عمر ظها هو ما أحدثه الناس بين الأذان والإقامة من قولهم: حي على الصلاة، حيّ على الفلاح، ونحو ذلك. ٦ - (ومنها): أن التفكّر في الصلاة، والسهو فيها لا يُبطلها، وهو مجمع عليه . ٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على استحباب رفع الصوت بالأذان، فإنه ذكر فيه أنه إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان، وله ضُراط إلى غاية لا يسمع فيها الأذان، فدَلّ على أنه كلما زاد في رفع صوته زاد الشيطان في الإبعاد، ولا شك في استحباب فعل الأمور التي تبعد الشيطان وتطرُده، وقد دلّ هذا الحديث على أن زيادة الرفع زيادة له في الإبعاد، إلا أنه يَحْتِمل أن يقال: قوله: ((حتى لا يسمع التأذين)) ليس غايةً للإبعاد في الإدبار، بل غاية للزيادة في الضُّرَاط. ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والمراد أنه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت المؤذن، لكن يدلّ على زيادته في الإبعاد ما تقدّم للمصنّف في هذا الباب من حديث جابر نظانه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة، ذهب حتى يكون مكان الرَّوْحَاء)). قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفنا أن الأقرب كون الضراط لعدم سماعه الأذان، على أنه لا مانع من اجتماع الأمرين في حصول الضراط، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطال عن المهلب: فيه من الفقه أن مَن نَسِي شيئاً، وأراد أن يتذكره فَلْيُصَلِّ، ويُجْهِد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا، فإن الشيطان لا بدّ أن يحاول تَسْهِيتَهُ، وإذكاره أمور الدنيا؛ ليصدّه عن إخلاص نيته في الصلاة. وقد رُوِي عن أبي حنيفة أن رجلاً دَفَن مالاً، ثم غاب عنه سنين كثيرةً، ثم قَدِم فطلبه، فلم يهتد لمكانه، فقصد أبا حنيفة، فأعلمه بما دار له، فقال له: صَلِّ في جوف الليل، وأخلص نيتك لله تعالى، ولا تُجْرٍ على قلبك شيئاً من أمور الدنيا، ثم عَرِّفني بأمرك، ففعل ذلك، فذَكَرَ في الصلاة مكان المال، فلما أصبح أتى أبا حنيفة، فأعلمه بذلك، فقال بعض جلسائه: من أين دللته على هذا يرحمك الله؟ فقال: استدللت من هذا الحديث، وعلمتُ أن الشيطان سيرضى أن يصالحه بأن يُذَكِّره موضع ماله، ويمنعه الإخلاص في صلاته، فعجب الناس من حسن انتزاعه واستدلاله. انتهى كلامه. ٩ - (ومنها): ما قاله العراقيّ تَخُّْ: هل يتوقف هروب الشيطان من الأذان على كونه أذاناً شرعيّاً مستجمعاً للشروط، واقعاً في الوقت، مقصوداً به الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو يهرُب من الإتيان بصورة الأذان، وإن لم يوجد فيه ما تقدَّم؟ الأقرب عندي الأول، وكلام أبي صالح السمّان راوي الحديث عن أبي هريرة - يعني الحديث المذكور قبل هذا الحديث - يدل على أنه فهم الثاني. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما فهمه أبو صالح هو الأظهر؛ لظاهر النصّ، ويؤيّد ذلك الأثران التاليان، والله تعالى أعلم. ١٥٣ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) ورُوي عن عمر بن الخطاب ظ به أنه قال: إن شيئاً من الخلق لا يستطيع أن يتحول في غير خلقه، ولكن للجن سَحَرَةً كسَحَرَة الإنس، فإذا خشيتم شيئاً من ذلك، فَأَذِّنوا بالصلاة. وقال مالك بن أنس: استُعْمِل زيد بن أسلم على مَعْدن بني سليم، وكان معدناً لا يزال يصاب فيه الناس من الجنّ، فلما وَلِيَهم شَكَوا ذلك إليه، فأمرهم بالأذان، وأن يرفعوا أصواتهم به، ففعلوا، فارتفع ذلك عنهم، فهم عليه حتى اليوم، قال مالك: وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم. انتهى. ١٠ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أنه كان في زمنه وَّر يفصل بين الأذان والإقامة بزمن، وذلك دليلٌ على أنه لا يُشتَرط في تحصيل فضيلة إيقاع الصلاة في أول وقتها انطباق أولها على أول الوقت؛ إذ لو كان كذلك لَمَا واظبوا على ترك هذه الفضيلة، وهذا هو الصحيح المعروف، وقيل: لا يَحصُل ذلك إلا بأن ينطبق أول التكبيرة على أول الوقت، وهو شاذٌّ، وهذا الحديث يدلّ على خلافه، قاله في ((شرح التقريب))(١). ١١ - (ومنها): أن الجنّ يسمعون أصوات بني آدم، قاله العينيّ. ١٢ - (ومنها): ما قيل: إنه يُشبه أن يؤخذ منه الزجر عن خروج الإنسان من المسجد بعد أن يؤذّن فيه؛ لئلا يكون مشابهاً للشيطان الذي يفرّ عند سماع الأذان. ١٣ - (ومنها): ما قيل أيضاً: يؤخذ من التصريح بلفظ الضراط أن استحباب الكناية عما يُستقبح سماعه إنما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى التصريح به، وإلا بأن ترتّب عليه مصلحة؛ كالتقبيح والتنفير المرادين من هذا الحدیث، فلا بأس به، فتنبّه. ١٤ - (ومنها): أنه قد يُستَدَلُّ به على أن الأذان أفضل من الإمامة، وهو الذي صححه النوويّ، خلافاً للرافعيّ، فإنه صحح تفضيل الإمامة، وعن أحمد روايتان، قال العراقيّ: وفي المسألة لأصحابنا وجه ثالثٌ، وهو أنه إن قام بحقوق الإمامة، كانت أفضل من الأذان، وإلا فهو أفضل، قال به أصحابنا : (١) ((طرح التثريب)) ٢٠٤/٢. ١٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أبو علي الطبريّ، والقاضيان: ابن كَجِّ، والحسين، والمسعوديّ، ويوافقه قول الشافعي تَخُّْ: أُحِبّ الأذان؛ لقول رسول الله وَ له: ((اللهم اغفر للمؤذنين))(١)، وأكره الإمامة؛ للضمان، وما على الإمام فيها، وإذا أَمَّ انبغى أن يتقيَ، ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإن فعل رجوت أن يكون أحسن حالاً من غيره. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره الإمام الشافعيّ ◌َّتُهُ هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في علّة هروب الشيطان عند سماع الأذان: قال في ((الفتح)): اختَلَف العلماء في المعنى في إدبار الشيطان وهروبه عند سماع الأذان، فقال المهلب: إنما يهرب - والله أعلم - من اتّفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد، وإقامة الشريعة، كما يَفعَل يوم عرفة لِمَا يَرَى من اتفاق الكل على شهادة التوحيد لله تعالى، وتنزل الرحمة، فييأس أن يُرُدّهم عما أعلنوا به من ذلك، ويوقن بالخيبة بما تفضل الله تعالى عليهم من ثواب ذلك، ويذكر معصية الله ومضادته أمره، فلا يملك الحدَث لِمَا حصل له من الخوف. انتھی، وذکر القاضي عياض نحوه. وقيل: إنما أدبر عند الأذان؛ لئلا يسمعه، فيضطرّ إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة؛ لقوله وَ﴾: ((لا يَسمَع مَدَى صوت المؤذن جنّ، ولا إنس، ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة))، رواه البخاريّ، وهذا قد حكاه النوويّ عن العلماء، وهو مبني على أن الكافر يدخُل في هذه الشهادة، وهو الصحيح، وحَكَى القاضي عياض قولاً أن الكافر لا يدخل في هذه الشهادة؛ لأنه لا شهادة له، وقال: لا يقبل هذا من قائله؛ لما جاء في الآثار من خلافه. (١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه))، ولفظه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَم: «الإمام ضامنٌ، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنین)» . (٢) راجع: ((طرح التثريب)) ٢٠٣/٢. ١٥٥ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٥) قال ابن عبد البر: إنما يفعل ذلك لِمَا يلحقه من الذَّعْر والخزي عند ذكر الله، وذكرُ الله تعالى في الأذان تَفْزَع منه القلوب ما لا تفزع من شيء من الذكر؛ لما فيه من الجهر بالذكر، وتعظيم الله تعالى فيه، وإقامة دينه، فيدبر الشيطان؛ لشدّة ذلك على قلبه. انتهى. وقال بعضهم: سبب إدباره عِظَم أمر الأذان؛ لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد، وإظهار شعار الإسلام وإعلانه، وقيل: ليأسه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد، وقيل: لأنه دعاء إلى الصلاة التي فيها السجود الذي امتنع من فعله لَمّا أُمر به، قال ابن بطال: وليس بشيء؛ لأنه ◌َ﴿ قد أخبر أنه إذا قُضِي التثويب أقبل يُذَكِّره ما لم يَذكُر، يَخْلِط عليه صلاته، وكان فراره من الصلاة التي فيها السجود أولى لو كان كما زعموا. انتهى. قال القاضي عياض: ولا يلزم هذا الاعتراض؛ إذ لَعَلَّ نِفَاره إنما كان من سماع الأمر والدعاء بذلك، لا من رؤيته ليغالط نفسه أنه لم يسمع دعاءً، ولا خالف أمراً . قال العراقيّ: أحسنُ ما ذكره القاضي عياض في جواب اعتراض ابن بطال أن نفرته عند الأذان إنما هو تصميم على مخالفة أمر الله، واستمرار على معصيته، وعدم الانقياد إليه، والاستخفاف بأوامره، فإذا دعا داعي الله فَرَّ منه وأعرض عنه، واستخفّ به، فإذا حضرت الصلاة حضر مع المصلين، غير مشارك لهم في الصلاة، بل ساعياً في إبطالها عليهم، وهذا أبلغ في المعصية والاستخفاف مما لو غاب عن الصلاة بالكلية، فصار حضوره عند الصلاة من جنس نفرته عند الأذان، ومن مَهْيَع واحد، ومقصوده بالأمرين الاستخفاف بأوامر الله تعالى، وعدم الانقياد إليها، كما ذكرته، والله أعلم. انتهى كلام العراقيّ كَذَتُهُ(١). وقال في ((الفتح)) بعد ذكر نحو ما تقدّم: ((وقيل: إنما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق، وإقامة الشريعة. واعتُرِض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي. (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٠١/٢ - ٢٠٢. ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وأُجيب بأن الإعلان أخصّ من الاتفاق، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلاً، ولهذا قال لعبد الله بن زيد: ألقه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك؛ أي أقعد في المدّ والإطالة والإسماع؛ ليعم الصوت، ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدميّ عن إقامة الصلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها، أو وقت فضيلتها، فيفر حينئذ، وقد ييأس عن أن يردّهم عما أعلنوا به، ثم يرجع لِمَا طُبع عليه من الأذى والوسوسة. وقال ابن الجوزيّ: على الأذان هيبة يشتدّ انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة، وقد ترجم عليه أبو عوانة: ((الدليلُ على أن المؤذِّن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة والرياء؛ التباعد الشيطان منه))، وقيل: لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ، هي من أفضل الذكر، لا يزاد فيها ولا يُنقص منها، بل تقع على وفق الأمر، فيفرّ من سماعها، وأما الصلاة فلِمَا يقع من كثير من الناس فيها من التفريط، فيتمكن الخبيث من المفرِّط، فلو قُدِّر أن المصلي وَفّى بجميع ما أُمر به فيها لم يقربه إذا كان وحده، وهو نادرٌ، وكذا إذا انضم إليه من هو مثله، فإنه يكون أندر، أشار إليه ابن أبي جمرة تَخَّهُ. انتهى(١). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وردت في فضل الأذان أحاديثُ كثيرة، ذكر البخاريّ بعضها في مواضع أخرى، واقتصر على هذا هنا؛ لأن هذا الخبر تَضَمَّن فضلاً لا يُنال بغير الأذان، بخلاف غيره من الأخبار، فإن الثواب المذكور فيها يُدرَك بأنواع أخرى من العبادات. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٦٦] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، (١) ((الفتح)) ١٠٣/٢ - ١٠٤. (٢) ((الفتح)) ١٠٤/٢. ١٥٧ (٨) - بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَبَيَانِ هَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ - حديث رقم (٨٦٦) عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، ثقة عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّامِ الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقة [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٢١٣/٢٦. رضى عنه . وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث الأعرج، عن أبي هريرة . وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لهمّام. وقوله: (إِنْ يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى؟) قال النوويّ: بكسر همزة ((إِنْ))، قال القاضي عياض: ورُوي بفتحها، قال: وهي رواية ابن عبد البرّ، وادَّعَى أنها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأصيليّ في كتاب البخاريّ، والصحيح الكسر. انتهى. وقال في ((الفتح)): ((إن يدري)) بكسر همزة ((إن))، وهي نافيةٌ بمعنى ((لا))، وحَكَى ابن عبد البرّ عن الأكثر في ((الموّأ)) فتح الهمزة، ووجَّهَهُ بما تعقّبه عليه جماعة، وقال القرطبيّ: ليست رواية الفتح بشيء إلا مع رواية الضاد، فتكون ((أن)) مع الفعل بتأويل المصدر، ومفعول ((يَضَلّ)) ((أن)) بإسقاط حرف الجرّ، أي يضلّ عن درايته، وينسى عن عدد ركعاته، وهذا أيضاً فيه بُعْدٌ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنّ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١) ((المفهم)) ٢/ ١٧. ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَفْع الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَفِي الرَّفْعِ مِنْهُ، لَا فِي الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٨٦٧] (٣٩٠) - (حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرِ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ إِذَا اقْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ مَنَّكِبَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ))). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، مصنّف [١٠] (ت٢٢٧) وقيل بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبتُ حافظ حجّة، من رءوس [٨] (ت١٩٨) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب. ٦ - (سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. ٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر طًّا، تقدّم قريباً. ١٥٩ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه ستة من الشيوخ، قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الخمسة، وهم من عدا محمد بن نمير. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين من الزهريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن سالِماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، من الصحابة ، روى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَالِم) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ◌َهَا، أنه (قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ) وفي رواية ابن جريج التالية: ((إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حَذْوَ منكبيه، ثم كبّر))، فدلّ على أن الرفع يتقدّم التكبير، ويخالفه ما يأتي من حديث مالك بن الحويرث رائه بلفظ: ((إذا صلّى كبّر، ثم رفع يديه))، ويُجمع بينهما بأنه فعل هذا، وفعل هذا فيحمل على اختلاف الأوقات، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. (حَتَّى يُحَاذِيَ) الضمير للنبيّ وََّ، ويَحْتَمِل أن يعود الضمير على الرفع المفهوم من قوله: ((رَفَعَ))، أي حتى يحاذي الرفع منكبيه، وفي حديث وائل بن حجر عند أبي داود وغيره: ((حتى حاذتا أذنيه))، قاله وليّ الدين تَظُّهُ(١). (مَنْكِبَيْهِ) منصوب على المفعوليّة، وهو غاية للرفع، يعني أنه يرفع يديه حتى ينتهي بهما إلى مقابلة منكبيه. (١) ((طرح التثريب)) ٢٥٧/٢. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ((والْمَنْكِب) بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة: مجمع عظم الْعَضُد والكتف. والمعنى: أنه وَله رفع يديه حتى تكونا مقابلتين لمنكبيه. وبهذا أخذ الشافعيّ، والجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى حديث مالك بن الْحُويرث ◌ُله الآتي في الباب: ((أن رسول الله وَّو كان إذا كبر رفع يديه، حتى يحاذي بهما أذنيه ... ))، وفي رواية: ((حتى يحاذي بهما فروع أذنيه))، قال الحافظ تَخُّْ: ورُجّح الأول؛ لكون إسناده أصحّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجحُ هو العمل بهما؛ لصحّتهما، وإمكان العمل بهما، فيعمل تارةً بهذا، وتارة بهذا، فلا حاجة للترجيح؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذّر العمل بالدليلين، وقد أمكن هنا؛ فتبصّر، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -. (وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ) أي ورفع يديه أيضاً قبل ركوعه، وفي رواية ابن جريج: (فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك)) (وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ) أي ورفع أيضاً عند رفع رأسه من الركوع، وفي رواية البخاريّ: ((ثم إذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك))، وفي حديث مالك بن الحويرث ظ ◌ُه الآتي: ((وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثلَ ذلك)) (وَلَا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) وفي رواية ابن جريج: ((ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود))، وفي رواية للبخاريّ: ((ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود))، قال في ((الفتح)): وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية، والرابعة، والتشهّدين، ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضاً، لكن بدون تشهّد؛ لكونه غير واجب. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن التشهّد الأول واجب، كما هو مذهب أحمد؛ لأنه ◌َ ◌ّ دام عليه، وسجد للسهو لَمّا تركه، وسيأتي تمام البحث فيه - إن شاء الله تعالى -. قال: وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة - أي وهو الحقّ - لم يدلّ هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثانية، والرابعة، لكن قد روى يحيى القطّان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضيها، مرفوعاً هذا الحديث، وفيه: