Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) [تنبيه]: قال الأزهريّ في ((التهذيب)): قول المصلّ ((الله أكبر))، وكذلك قول المؤذّن، فيه قولان: أحدهما: أن معناه: الله كبيرٌ، فوُضع ((أفعل)) موضع (فَعِيل))، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، معناه: وهو هَيِّنٌ عليه، ومثله قول مَعْن بن أَوْس [من الطويل]: لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ معناه: وإني لوَجِلٌ. وتقول العرب: المرء بأصغريه: أي بصغيريه، وهما قلبه ولسانه، فكذلك قوله: الله أكبر: أي كبير. والقول الآخر: أن فيه إضماراً، والمعنى: الله أكبر كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ؛ أي أعزّ عزيز، قال الفرزدق [من الكامل]: إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتاً دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَظْوَلُ معناه: أعزّ عزيز، وأطول طويل. وقيل: معناه: الله أكبر من كلّ شيء؛ أي أعظم، فحُذف؛ لوضوح معناه، و((أكبر)) خبر، والأخبار لا يُنكر حذفها، وقيل: معناه: الله أكبر من أن يُعرف كُنْهُ كبريائه وعَظَمته. وإنما قُدّر له ذلك؛ لأن أفعل يلزم الألف واللام أو الإضافة، كالأكبر، وأكبر القوم، والراء في ((أكبر)) في الأذان والصلاة ساكنة، لا تضمّ؛ للوقف، فإذا وُصل بكلام ضُمّ. انتهى(١). (أَشْهَدُ) بفتح الهاء مضارع شَهِد، كعَلِمَ، قال في ((القاموس)): الشهادة: خبرٌ قاطعٌ، وقد شَهِدَ، كعَلِمَ، وكَرُمَ، وقد تُسَكَّن هاؤه، وشَهِده، كسَمِعه شُهُوداً: حضره، فهو شاهد، وجمعه شُهُودٌ، وشُهَّدٌ. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): قوله: (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) أي أعلم وأُبيِّن، ومن ذلك: شهد الشاهد عند الحاكم، معناه: قد بيَّن له، وأعلمه الخبرَ الذي عنده، (١) راجع: ((تهذيب اللغة)) ٢١٤/١٠ - ٢١٥، و((الزاهر في غريب ألفاظ الشافعيّ)) ص٢٢٢ - ٢٢٣، و((لسان العرب)) ١٢٧/٥. (٢) ((القاموس المحيط)) ٣٠٥/١. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال ابن منظور ◌َُّهُ: ((الشهادة)): خبرٌ قاطعٌ، تقول منه: شَهِدَ الرجلُ على كذا، وربما قالوا: شَهْدَ الرجل بسكون الهاء للتخفيف، قاله الأخفش، وقولهم: أَشْهَدُ بكذا: أي أَحْلِف. وقال أبو بكر ابن الأنباريّ في قول المؤذن: ((أشهد أن لا إله إلا الله)): أعلم أن لا إله إلا الله، وأُبَيِّنُ أن لا إله إلا الله، قال: وقوله: ((أشهد أن محمداً رسول الله)): أَعْلَمُ وأُبَيِّنُ أن محمداً رسول الله، وقوله رمَى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قال أبو عبيدة: معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: قَضَى اللهُ أنه لا إله إلا هو، وحقيقته عَلِمَ اللهُ وبَيَّنَ الله؛ لأن الشاهد هو العالم الذي يُبَيِّن ما علمه، فالله قد دَلّ على توحيده بجميع ما خَلَق، فبَيَّن أنه لا يقدر أحد أن يُنشئ شيئاً واحداً مما أنشأ، وشَهِدت الملائكة لِمَا عاينت من عظيم قدرته، وشَهِد أولو العلم بما ثبت عندهم، وتَبَيَّن من خلقه الذي لا يَقدِر عليه غيره. وقال أبو العباس: شَهِدَ الله: بَيَّن الله وأظهر، وشَهِدَ الشاهد عند الحاكم: أي بَيَّن ما يعلمه وأظهره، يدُلّ على ذلك. وسأل المنذريُّ أحمدَ بن يحيى عن قول الله وَك: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فقال: كلُّ ما كان ((شهد الله))، فإنه بمعنى عَلِمَ الله، قال: وقال ابنُ الأعرابيّ: معناه: قال الله، ويكون معناه: عَلِمَ الله، ويكون معناه: كَتَب الله، وقال ابنُ الأنباريّ: معناه: بَيَّن الله أن لا إله إلا هو. انتهى(١). وقال ابن باطيش(٢) في ((المغني)): قوله: ((أشهد)): أصلها أنها خبرٌ، وهي هنا خاصّ بالحال، وإن شاركه في لفظه المستقبل؛ لأن المتلفّظ به سَيُقطَع بإسلامه عقب قوله، ولو كان مستقبلاً لما قُطع به، فإنه يكون وعداً بالشهادة. انتھی(٣). (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) كرّر للتوكيد (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ) أي (١) لسان العرب ٢٣٩/٣. (٢) هو: عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن أبي البركات بن باطيش الموصليّ (٥٧٥ - ٦٥٥هـ) له كتاب («المغني في الإنباء عن غريب المهذّب والأسماء)). (٣) ((المغني في الإنباء عن غريب المهذَّب والأسماء)) ٨٥/١ - ٨٦. ٦٣ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) أعلم وأبيّن أن محمداً وَّه رسول الله، والرسول فَعُولٌ بمعنى مفعول، يقال: أرسلتُ رسولاً: إذا بعثته برسالة يؤدّيها، ويجوز استعماله بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث، والمثنَّى، والمجموع، ويجوز التثنية، والجمع، فيُجمَعُ على رُسُلٍ بضمّتين، وإسكان السين لغةٌ، أفاده الفيّميّ(١). وقال أبو بكر ابن الأنباريُّ في قول المؤذِّن: ((أشهد أن محمداً رسول الله)): أي أعلم، وأُبيِّنُ أن محمداً متابعٌ للإخبار عن الله رَّ، والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه؛ أخذاً من قولهم: جاءت الإبل رَسَلاَ: أي متتابعةً، وقال أبو إسحاق النحويّ في قوله رَ حكايةً عن موسى وأخيه: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]: معناه: إنا رِسالة ربّ العالمين؛ أي ذَوَا رسالة ربّ العالمين، وأنشد قول كُثَيِّر [من الطويل]: بِسِرِّ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ أراد: ولا أرسلتهم برسالة(٢). وقال الجوهريّ: وأرسلتُ فلاناً، فهو مرسَلٌ، ورَسُولٌ، والجمع رُسْلٌ، ورُسُلٌ، والرسول أيضاً: الرسالة، قال [من الوافر]: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا عَمْرٍو رَسُولاً بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ولم يَقُل: رُسُلُ ربّ العالمين؛ لأن فَعُولاً وفَعِيلاً يستوي فيهما المذكّر والمؤنّث والواحد والجمع، مثلُ : عَدُوِّ وصَدِيقٍ. انتهى(٣). [تنبيه]: قال ابن الأنباريّ: فُصَحَاءُ العرب، وأهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أن محمداً رسول الله، وجماعة من العرب يبدلون من الألف عيناً، فيقولون: أشهد عَنَّ. انتهى (٤). (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ يَعُودُ) أي يرجع المؤذّن بهؤلاء الكلمات مرّة أخرى رافعاً صوته، ويستفاد منه أن ما سبق كان بخفض الصوت، ويوضّح ذلك رواية أبي داود، فقد أخرجه بسند صحيح، عن محمد بن عبد الملك بن (١) ((المصباح المنير)) ٢٢٦/١. (٣) ((الصحاح)) ١٣٩٨/٤. (٢) ((لسان العرب)) ٢٨٤/١١. (٤) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٥. ٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أبي محذورة، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت: يا رسول الله عَلِّمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدَّم رأسي، وقال: ((تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)). زاد في رواية: ((قال: وعلمني الإقامة مرتين مرتين، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)). فتبيّن بهذه الرواية أن المراد بالعود هنا أن يعود إلى رفع الصوت بعد خفضه، وهذا هو المسمّى بالترجيع، وهو أن يخفض صوته بالشهادتين بعد الجهر بهما، وفيه خلاف مشهور، والحقّ أنه سنة ثابتةٌ، وسيأتي تحقيق ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -. (فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ) وفي نسخة: ((ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرّتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرّتين)) (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ) معناه: تَعَالَوْا إلى الصلاة، وأَقْبِلُوا إليها، قالوا: وفُتِحَت الياء لسكونها، وسكون الياء السابقة الْمُدْغَمَة، قاله النوويّ(١). وقال ابن منظور: وحَيَّ على الغداء والصلاة: ائتوها، فـ ((حَيّ)) اسم للفعل، ولذلك عُلِّق حرف الجر الذي هو (على)) به، و((حَيَّهَلْ))، و((حَيَّهَلاً))، و ((حَيَّهَلَا)) منوناً وغيرَ منون كلُّه كلمةٌ يُسْتَحَثُّ بها، قال مزاحم [من الطويل]: (١) ((شرح النوويّ)) ٨١/٤. ٦٥ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) أَمَامَ الْمَطَايَا سَيْرُهَا الْمُتَقَاذِفُ بِحَيَّهَلاً يُزْجُونَ كُلَّ مَطِيَّةِ قال بعض النحويين: إذا قُلت: حَيَّهَلاً، فَتَوَّنتَ، قلت: حَثّاً، وإذا قلت: حَيَّهَلَا فلم تنوّن، فكأنك قلت: الْحَثَّ، فصار التنوين عَلَمَ التنكير، وتركه علم التعريف، وكذلك جميع ما هذه حاله من المبنيات، إذا اعتُقِد فيه التنكير نُوِّن، وإذا اعتُقِد فيه التعريف حُذِف التنوين، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخْتُ في (الخلاصة)) حيث قال: وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ مِنْهَا وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ بَيِّنُ وقال الجوهريّ: وقولهم: ((حيَّ على الصلاة)): معناه هَلُمَّ، وأَقْبِلْ، وفتُحِت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، كما قيل: ليت، ولعل، والعرب تقول: حيَّ على الثريد، وهو اسم لفعل الأمر(١). (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنٍ))) أي هَلُمَّ إلى الفَوْز والنجاة، وقيل: إلى البقاء؛ أي أقبلوا على سبب البقاء في الجنة، والْفَلَحُ بفتح الفاء واللام لغة في الفلاح، حكاهما الجوهريّ وغيره، ويقال لِحَيَّ على كذا: الحيعلة، قال أبو منصور الأزهريّ: قال الخليل بن أحمد - رحمهما الله تعالى -: الحاء والعين لا يأتلفان في كلمة أصلية الحروف؛ لقرب مخرجيهما إلا أن يُؤَلَّفَ فعل من كلمتين، مثلُ: حَيَّ على، فيقال منه: حَيْعَلَ. انتهى. وقال الأزهريّ كَّلُهُ: معنى ((حيّ الفلاح)): هَلُمّ، وعَجِّل إلى الفلاح، والفلاحُ: هو الفوز بالبقاء، والخلود في النعيم المقيم، ويقال للفائز: مُفْلح، وكلّ من أصاب خيراً: مُفْلِح، وقال عُبيد بن الأبرص: أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ يُدْرَكُ بِالصْ ضَعْفِ وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ أفلح يعني: ابْقَ بما شئت من حُمْقٍ أو كَيْسٍ، ويقال للسحور الذي يستعين به الصائم على صومه: فلاح وفَلَحٌ - أي بفتحتين -؛ لأنه سبب للبقاء. (٢) انتهى . (زَادَ إِسْحَاقُ) ابن راهويه شيخه الثاني في روايته لهذا الحديث (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ (١) ((لسان العرب)) ٢٢١/١٤ - ٢٢٢. (٢) ((الزاهر في غريب ألفاظ الشافعيّ)) ص ٢٢٠. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) يعني أن أبا غسّان اختصر الحديث، فانتهى عند قوله: ((حيّ على الفلاح مرتين))، وأما إسحاق فأتمّه بذكر قوله: ((الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: رضَّه هذا من أفراد المصنّف تَّتْهُ. (المسألة الأولى): حديث أبي محذورة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٤٨/٣] (٣٧٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥٠٢)، و(الترمذيّ) فيه (١٩٢)، و(النسائيّ) فيها (٤/٢ - ٥)، و(ابن ماجه) في ((الأذان)) (٧٠٩)، و(أبو داود الطيالسيّ))) في ((مسنده)) (١٣٥٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٣/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٩/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧١/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٣٧٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٨٠ و١٦٨١ و١٦٨٢)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (١٣٠/١ و١٣٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤١٦/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٦٤ و٩٦٥)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٨٣٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٠٧)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٣٣/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفة الأذان، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد سبق أنه وقع في أكثر نُسَخ ((صحيح مسلم)) بتثنية التكبير في أوله، ووقع في بعضها بالتربيع، وكذلك اختلف في حديث عبد الله بن زيد بالتثنية والتربيع، والمشهور فيه التربيع. وقد سبق أيضاً أن الأرجح جواز كلّ ذلك؛ لصحّة نقله، فمن شاء ربّع، وهو الأقوى رواية، ومن شاء ثنّى، وكذلك الإقامة، من شاء أفرد، ومن شاء ثنّى، إلا ((قد قامت الصلاة))، فإنها تُثَنَّى دائماً. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الترجيع في الأذان، وفيه خلاف سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٦٧ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) حيث لقّنه النبيّ وَّرِ الأذان ٣ - (ومنها): بيان فضل أبي محذورة بنفسه، وولّاه إياه في مكّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الترجيع: قال النوويّ تَخْتُهُ: وفي هذا الحديث حجة بينةٌ، ودلالة واضحة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أن الترجيع في الأذان ثابت مشروع، وهو الْعَودُ إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت، بعد قولهما مرتين بخفض الصوت، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يُشْرَع الترجيع؛ عملاً بحديث عبد الله بن زيد، فإنه ليس فيه ترجيع، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والزيادة مقدَّمةٌ، مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخرٌ عن حديث عبد الله بن زيد، فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، وانضمّ إلى هذا كلِّه عمل أهل مكة والمدينة، وسائر الأمصار، وبالله تعالى التوفيق. قال: واختَلَف أصحابنا - يعني الشافعيّة - في الترجيع، هل هو ركن لا يصحّ الأذان إلا به، أم هو سنة، ليس ركناً، حتى لو تركه صحّ الأذان، مع فوات كمال الفضيلة؟ على وجهين: والأصح عندهم أنه سنة، وقد ذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه، والصواب إثباته. انتهى كلام النوويّ رَّتُهُ . قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الأرجح ما ذهب إليه جماعة من المحدّثين من التخيير؛ لصحّة كلّ من الترجيع وعدمه؛ كإفراد الإقامة، وتثنيتها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: احتجَّ الجمهور على مشروعية الترجيع وثبوته بروايات أبي محذورة نظره، وهي نصوص صريحة فيه: (فمنها): ما أخرجه المصنّف رَّتُهُ هنا . (ومنها): ما رواه الترمذيّ (١٩١) حدّثنا بشر بن معاذ البصريّ، حدّثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أخبرني أبي وجدّي جميعاً عن أبي محذورة ((أن رسول الله وَّر أقعده، وألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً))، قال إبراهيم: مثل أذاننا، قال بشر: فقلت له: أَعِدْ عليّ، فوصف ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الأذان بالترجيع، قال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد رُوي عنه من غير وجه، وعليه العمل بمكة، وهو قول الشافعي. انتھی . (ومنها): ما رواه أبو داود في ((سننه)) عن أبي محذورة ﴿ُه، وقد تقدّم قريباً، وهو حديث صحيح، وهو نصّ صريح في أن الترجيع من سنة الأذان. (ومنها): ما رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه عن أبي محذورة قال: علَّمني رسول الله وَل﴿ الأذان، فقال: ((الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يعود، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حَيّ على الصلاة حي على الصلاة ... )) الحديث، وإسناده صحيح، فهذه الروايات كلها نصوص صريحة في ثبوت الترجيع ومشروعيته. قال العلامة المباركفوريّ كَّلُهُ: وأجاب عن هذه الروايات من لم يقل بالترجيع بأجوبة كلها مخدوشة واهية جدّاً. (فمنها): ما ذكره ابن الهمام في ((فتح القدير))، فقال: رَوَى الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي محذورة يقول: ((ألقى عليّ رسول الله وسلّ الأذان حرفاً حرفاً، الله أكبر ... )) إلخ، ولم يذكر ترجيعاً، فتعارضا فتساقطا، ويبقى حديث ابن عمر، وعبد الله بن زيد سالماً عن المعارضة. انتهى. ورَدَّه القارئ في ((المرقاة شرح المشكاة)) حيث قال: وفيه أن عدم ذكره في حديثٍ لا يُعَدّ معارضاً؛ لأن مَن حَفِظَ حجةٌ على من لم يحفظ، والزيادة من الثقة مقبولة، نعم لو صَرَّح بالنفي كان معارضاً مع أن المثبت مقدم على النافي. انتهى. (ومنها): ما قال الطحاويّ: إنه يَحتَمِلُ أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يَمُدَّ بذلك صوته على ما أراد النبيّ وَّ منه، فقال النبيّ ◌َّ: ارجع وامدُدْ من صوتك، هكذا اللفظ في هذا الحديث. انتهى. وهذا التأويل مردودٌ، فإنه وقع في رواية أبي داود: ((ثم ارجع، فَمُدَّ من صوتك)) بزيادة لفظ (ثُمَّ))، ولفظه هكذا: ((قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله ٦٩ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، مرتين مرتين، قال: ثم ارجع، فَمُدّ من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ... )) إلخ. فمعنى قوله: ((ثم ارجع، فمد من صوتك))، أي اخفض صوتك بالشهادتين مرتين مرتين، ثم ارجع، فمُدَّ من صوتك وارفعه بهما مرتين مرتين، يدلّ عليه رواية أبي داود التي ذكرناها قبل هذا بلفظ: ((تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله ... )) إلخ، والروايات بعضها يُفَسِّر بعضاً. ويرد هذا التأويل أيضاً ما رواه الترمذي بإسناد صحيح عن أبي محذورة، بلفظ: ((إن النبيّ وَّه علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمةً)). (ومنها): ما ذكره أبو زيد الدبوسي في ((الأسرار))، وتبعه بعض شُرّاح ((الهداية)) من أن النبيّ وَّر أمره بذلك لحكمة رُويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يُبغض رسول الله ◌َو قبل الإسلام بغضاً شديداً، فلما أسلم أمره رسول الله وَ﴿، وعَرَكَ أذنه، وقال له: ((ارجع وامدُد بها من صوتك))؛ لِيُعلَم أنه لا حياء من الحقّ، أو ليزيد محبةً لرسول الله بَ له بتكرير الشهادتين. ورَدّه العينيّ حيث قال: هذا ضعيف، فإنه خفض صوته عند ذكر اسم الله تعالى أيضاً بعد أن رفع صوته بالتكبير، ولم ينقل في كتب الحديث أنه عَرَك أذنه. انتهى. (ومنها): ما قال ابن الجوزيّ في ((التحقيق)) من أن أبا محذورة كان كافراً قبل أن يُسْلِم، فلما أسلم، ولقّنه النبيّ وَّرَ الأذان، أعاد عليه الشهادة وكرَّرها؛ لَثْبُت عنده ويحفظها، ويكررها على أصحابه المشركين، فلما كرّرها عليه ظنّها من الأذان. انتهى. (ومنها): ما قال صاحب ((الهداية)) من أن ما رواه كان تعليماً، فظنه ترجيعاً، وقد ذكر الحافظ الزيلعيّ في ((نصب الراية)) هذه الأقوال، وقال: هذه الأقوال متقاربة في المعنى، ثم ردَّها، فقال: ويردُّها لفظ أبي داود، قلت: يا ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رسول الله عَلِّمني سنة الأذان، وفيه: ((ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، تَخْفِض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بها))، فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك في ((صحيح ابن حبّان))، و((مسند أحمد)). انتهى. وكذلك ردّ هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)). قال المباركفوريّ تَّتُهُ: ولردّ هذه الأقوال وجوهٌ أخرى: (منها): أن فيها سوء الظن بأبي محذورة ظُه، ونسبة الخطأ إليه من غير دلیل. (ومنها): أن أبا محذورة ظبه كان مقيماً بمكة مؤذِّناً لأهلها إلى أن تُوُفِّي، وكانت وفاته سنة تسع وخمسين، وكلُّ مَن كان في هذه المدة بمكة من الصحابة، ومن التابعين كانوا يسمعون تأذينه بالترجيع، وكذلك يَسمَع كل مَن يَرِد مكة في مواسم الحج، وهي مَجْمَع المسلمين، فلو كان ترجيع أبي محذورة غير مشروع، وكان من خطئه لأنكروا عليه، ولم يُقِرُّوه على خطئه، ولكن لم يثبت إنكار أحد من الصحابة وغيرهم على أبي محذورة في ترجيعه في الأذان، فظهر بهذا بطلان تلك الأقوال، وثَبَت أن الترجيع من سنة الأذان، بل ثبت إجماع الصحابة على سنيته على طريق الحنفية فتفكر. قال: وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا ((أبكار المنن في نقد آثار السنن))(١). واستُدِلّ لمن لم يقل بمشروعية الترجيع بما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب وبه مرفوعاً: ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ... )) الحديث. قيل: يستفاد من هذا الحديث أن الأذان ليس فيه الترجيع. وتُعُقِّب بأنه يستفاد منه أيضاً أن الأذان ليس فيه تربيع التكبير، ولا تثنية باقي الكلمات، فما هو الجواب عنهما هو الجواب عن الترجيع. واستُدِلّ أيضاً بحديث عبد الله بن زيد، قال ابن الجوزيّ في ((التحقيق)): (١) راجع: ((أبكار المنن)) (ص٨٤ - ٨٧). ٧١ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) حديث عبد الله بن زيد هو أصل في التأذين، وليس فيه ترجيع، فدَلَّ على أن الترجيع غير مسنون. انتهى. وقد عرفت جوابه في كلام النووي. وقال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)): كَرِهَ قوم أن يقال في أذان الصبح: ((الصلاة خير من النوم))، واحتَجُّوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في الأذان، وخالفهم في ذلك آخرون، فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح بعد الفلاح، وكان الحجة لهم في ذلك أنه وإن لم يكن ذلك في حديث عبد الله بن زيد، فقد عَلَّمه رسول الله و سي﴿ أبا محذورة بعد ذلك، فلما عَلَّم رسول الله ◌َ لّ ذلك أبا محذورة، كان زيادةً على ما في حديث عبد الله بن زيد، ووجب استعمالها. انتهى كلام الطحاويّ. قال المباركفوريّ دَخَّتُهُ: فكذلك يقال: إن الترجيع وإن لم يكن في حديث عبد الله بن زيد، فقد علّمه رسول الله وسل ◌ّ أبا محذورة بعد ذلك، فلما علّم رسول الله * ذلك أبا محذورة كان زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد، فوجب استعماله. وقال صاحب ((بذل المجهود)) تحت حديث أبي محذورة ما لفظه: وهذا الحديث يُحتَجُّ به على سنية الترجيع في الأذان، وبه قال الشافعيّ، ومالك؛ لأنه ثابت في حديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، مشتمل على زيادة غير منافية، فيجب قبولها، وهو أيضاً متأخر عن حديث عبد الله بن زيد؛ لأن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، ويرجِّحه أيضاً عمل أهل مكة والمدينة. انتهى. وقال صاحب ((العرف الشذيّ)) ما لفظه: واستمر الترجيع في مكة إلى عهد الشافعيّ، وكان السلف يشهدون موسم الحج كلَّ سنة، ولم ينكر أحد. انتھی . قال المباركفوريّ: والأمر كما قالا، ولكنهما مع هذا الاعتراف لم يقولا بسنية الترجيع في الأذان، فأما صاحب ((بذل المجهود))، فأجاب عن حديث أبي محذورة بأن الترجيع في أذانه لم يكن لأجل الأذان، بل كان لأجل التعليم، فإنه كان كافراً، فكرر رسول الله * الشهادتين برفع الصوت لترسخا ٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة في قلبه، كما تدل عليه قصته المفَصَّلة، فظن أبو محذورة أنه ترجيع، وأنه في أصل الأذان. انتهى. قلت: وهذا الجواب مردود كما عرفت آنفاً، ثم قال صاحب ((البذل)) مستدلاً على عدم سنية الترجيع، ما لفظه: وقد رَوَى الطبراني في ((معجمه الأوسط)) عن أبي محذورة أنه قال: ((ألقي عليَّ رسول الله وَّرِ الأذان حرفاً حرفاً: الله أكبر الله أكبر ... )) إلى آخره، لم يذكر فيه ترجيعاً. انتهى. قلت: وأجاب عن هذه الرواية في ((نصب الراية))، فقال بعد ذكر هذه الرواية: وهذا معارض للرواية المتقدمة التي عند مسلم وغيره، ورواه أبو داود في ((سننه))، حدثنا النُّفَيليّ، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، فذكره بهذا الإسناد، وفيه ترجيع. انتهى. ثم قال: وأيضاً يدل على عدم الترجيع ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر: إنما كان الأذان على عهد رسول الله وَ ﴿ مرتين مرتين، والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة. انتهى. قلت: قد تقدّم الجواب عن هذه الرواية فتذكر، ثم هذه الرواية إن دلت على عدم الترجيع، فتدل أيضاً على عدم تثنية الإقامة، فعليهم أن يقولوا بعدم تثنيتها أيضاً. وأما صاحب ((العرف الشذيّ، فقال: إن رَجَّع الحنفيّ في الأذان، ففي ((البحر)) أنه يباح، ليس بسنة ولا مكروه، وعليه الاعتماد، وقال: الحقّ ثبوت الترجيع، ووجه الرجحان لنا في عدم الترجيع أن بلالاً استمر أمره بين يدي رسول الله وَله قبل تعليمه التّ الأذان أبا محذورة وبعده. انتهى. قلت: قد استَمَرّ الترجيع أيضاً من حين تعليمه لعلَّ الأذان بالترجيع أبا محذورة إلى عهد الشافعيّ كما اعترف هو به. فحاصل الكلام أنه ليس لإنكار سنية الترجيع في الأذان وجه، إلا التقليدُ، أو قلة الاطلاع. انتهى كلام المباركفوريّ كَُّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ. (١) ((تحفة الأحوذيّ)) (٥٠٣/١ - ٥٠٦)، و((أبكار المنن في نقد آثار السنن)) (ص٨٤ - ٨٨). ٧٣ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) خلاصته أن أدلّة ثبوت الترجيع واضحة كالشمس في رابعة النهار، حتى اعترف بها المعارضون لها من متعصّبي الحنفيّة، إلا أن التعصّب أعماهم، فتكلّفوا التأويلات الزائفة، قاتل الله التعصّب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد كلمات الأذان: ذهب الشافعيّة وطائفة من العلماء إلى أن الأذان تسع عشرة كلمةً، واحتجّوا بحديث أبي محذورة رَظُّه المذكور في الباب، وقالوا: العمل به مقدّم لأن فيه زيادةً، وزيادة الثقة مقبولة، ولأن النبيّ وَّهِ لقّنه إياه بنفسه. وذهب أبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد بن حنبل إلى أنه خمس عشرة كلمة، واحتجّوا بحديث عبد الله بن زید وذهب مالك إلى أنه سبع عشرة كلمة؛ لعدم التربيع في أوله. قال العلامة ابن رشد كَخْتُهُ في كتابه ((بداية المجتهد)): اختلف العلماء في الأذان على أربع صفات مشهورة: [إحداها]: تثنية التكبير فيه، وتربيع الشهادتين، وباقيه مثنى، وهو مذهب أهل المدينة، مالك وغيره، واختار المتأخرون من أصحاب مالك الترجيع، وهو أن يُثَنِّي الشهادتين أوّلاً خفيّاً، ثم يُثَنِّيهما مرةً ثانيةً، مرفوعَ الصوت. [والصفة الثانية]: أذان المكيين، وبه قال الشافعيّ، وهو تربيع التكبير الأول، والشهادتين، وتثنية باقي الأذان. [والصفة الثالثة]: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأول، وتثنية باقي الأذان، وبه قال أبو حنيفة. [والصفة الرابعة]: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الأول، وتثليث الشهادتين، و((حي على الصلاة))، و((حي على الفلاح))، يبدأ بـ((أشهد أن لا إله إلا الله)) حتى يصل إلى ((حي على الفلاح))، ثم يُعِيد كذلك مرة ثانية، أعني الأربع كلمات تبعاً، ثم يعيدهن ثالثةً، وبه قال الحسن البصريّ، وابن سيرين. والسبب في اختلاف هؤلاء الفرق الأربع اختلاف الآثار في ذلك، واختلاف اتّصال العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضاً يحتجون ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة بالعمل المتصل عندهم بذاك، وكذلك الكوفيون، والبصريون، ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله. أما تثنية التكبير في أوله على مذهب أهل الحجاز، فرُوي من طُرُق صحاح عن أبي محذورة وعبد الله بن زيد الأنصاريّ، وتربيعه أيضاً عن أبي محذورة من طُرُق أُخَر، وعن عبد الله بن زيد، قال الشافعيّ: وهي زيادات يجب قبولها مع اتصال العمل بذلك بمكة، وأما الترجيع الذي اختاره المتأخرون من أصحاب مالك، فرُوي من طريق أبي قُدامة، قال أبو عمر: وأبو قدامة عندهم ضعيف. وأما الكوفيون فبحديث ابن أبي ليلى(١)، وفيه أن عبد الله بن زيد رأى في المنام رجلاً، قام على خُرْم حائط(٢)، وعليه بُرْدان أخضران، فأذَّن مثنى، وأقام مثنى وأنه أخبر بذلك رسول الله وَ ﴿، فقام بلال فأذّن مثنى وأقام مثنى، والذي أخرجه البخاريّ في هذا الباب، إنما هو من حديث أنس فقط، وهو أن بلالاً أُمِر أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا ((قد قامت الصلاة))، فإنه يثنيها، وأخرج مسلم عن أبي محذورة، على صفة أذان الحجازيين. ولمكان هذا التعارض الذي ورد في الأذان رأى أحمد بن حنبل وداود أن هذه لا على إيجاب واحدة منها، وأن الإنسان مخير فيها. انتهى كلام ابن رشد ◌َّدَتْهُ(٣) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه أحمد وداود، وهو مذهب كثير من أهل الحديث وهو التخيير في ذلك هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عدد كلمات الإقامة: ذهب الشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمةً، كلها مفردة إلا التكبير في أولها وآخرها، ولفظ ((قد قامت (١) حديث ابن أبي ليلى أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه). (٢) في ((القاموس)): خُرْم الأَكَمَة بالضمّ: منقطعها . اهـ. (٣) (بداية المجتهد، ونهاية المقتصد)) ١٠٥/١ - ١٠٦. ٧٥ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) الصلاة))، فإنها تثنّى، واستدلّوا بحديث أنس المتقدّم، وغيره. وذهب الحنفيّة، والثوريّ، وابن المبارك، وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان، مع زيادة ((قد قامت الصلاة)) مرّتين، واستدلوا بحديث عبد الله بن زيد، فقد وقع في بعض روايته بلفظ: ((كان أذان رسول الله وَله شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة))، وأعلّه الترمذيّ بالانقطاع بين عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبين عبد الله بن زيد، والأصحّ أنه صحيح؛ لأن ابن أبي ليلى قال: حدّثنا أصحاب محمد وَّر ... فذكره، فهو متّصل بلا ريب، وقال الحافظ تَّتُهُ: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائيّ وغيره. انتهى. وقال الشوكانيّ تَظَّتُهُ - بعد ذكر نحو ما سبق -: إذا عرفت هذا تبيّن لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها؛ لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة، وإن كانت أصحّ منها؛ لكثرة طرقها، وكونها في ((الصحيحين))، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم مع تأخّر تاريخ بعضها، كما عرّفناك. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الأحسن مما قاله الشوكاني ما قدّمناه من أن العمل بالحديثين هو الصواب؛ لصحّتهما، فيعمل بالإفراد تارةً، وبالتثنية أخرى، لكن يعمل في أكثر الأوقات بما هو الأقوى، والأرجح، وهو الإفراد، فهذا أحسن من دعوى النسخ أو غيره، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التثويب: اختَلَفوا فيه، فذهبت طائفة إلى مشروعيّته، وممن قال به ابن عمر، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، قاله ابن المنذر، وزاد ابن قُدامة: الأوزاعيّ. قال ابن المنذر: وقد كان الشافعيّ يقول به إذ هو بالعراق، قال: وهو الظاهر المعمول به في مسجد الله، ومسجد رسول الله وَلقر، وحَكَى عنه البُويطيّ أنه كان يقول به، وقال في ((كتاب الصلاة)): ولا أُحبّ التثويب في الصبح، ولا (١) ((نيل الأوطار)) ١٠٦/٢ - ١٠٨. ٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة في غير هذا؛ لأن أبا محذورة لم يَحْكِ عن النبيّ وَِّ أنه أمره بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان، وأكره التثويب بعده. قال ابن المنذر: وما هذا إلا سهوٌ منه ومنسيٍّ، حيث كتب هذه المسألة؛ لأنه حَكَى ذلك في الكتاب العراقيّ عن سعد القَرَظ، وعن أبي محذورة، ورَوَى ذلك عن عليّ. قال: وخالف النعمان، فاستحسن التثويب بين الأذان والإقامة، يقول: ((حي على الصلاة)) مرّتين، ((حيّ على الفلاح)) مرّتين، وخالف ما ثبت عن مؤذّني رسول الله وَّل، من أنهم كانوا يثوّبون في نفس الأذان قبل الفراغ منه. قال: وبالأخبار التي رويناها عن بلال، وأبي محذورة نقول، ولا أرى التثويب إلا في أذان الفجر خاصّةً، يقول بعد قوله: ((حيّ على الفلاح)): ((الصلاة خيرٌ من النوم)) مرّتين. انتهى كلام ابن المنذر ملخّصاً (١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ تَخُّْهُ في ((شرح المهذّب))(٢): يكره التثويب في غير الصبح، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وحُكي عن النخعيّ أن التثويب سنة في كلّ الصلوات كالصبح، وحُكي عن الحسن بن صالح أنه استحبّه في أذان العشاء أيضاً؛ لأن بعض الناس قد ينام عنها . وحجة الأولين حديث عائشة رضيؤها أن رسول الله وَلقر قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ))، متّفقٌ عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن الأرجح استحباب التثويب في أذان الفجر بقوله بعد الحيعلتين: ((الصلاة خير من النوم)) مرّتين؛ لصحّة الخبر بذلك. وأما ما أحدثه الناس من نحو قولهم: الصلاة يرحكم الله، أو ما يسمّونه بالترحيب في الفجر، أو غير ذلك، فإن هذا كلّه من البدع المنكرة، يجب إزالته على من يستطيع. (١) راجع: ((الأوسط)) ٢١/٣ - ٢٤. (٢) راجع: ((المجموع)) ٩٧/٣ - ٩٨. ٧٧ (٣) - بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٨) وكذا زيادة ((حيّ على خير العمل))؛ لأنه لم يثبت عن النبيّ وَّ، قال النوويّ: وروى البيهقيّ فيه شيئاً موقوفاً على ابن عمر، وعليّ بن الحسن قال البيهقيّ تَظْتُ: لم تثبت هذه اللفظة عن النبيّ ◌َّ، فنحن نكره الزيادة في الأذان. انتھی(١). وخلاصة القول: إن التثويب بـ ((الصلاة خيرٌ من النوم)) سنّةٌ ثابتةٌ في أذان الفجر، وما عدا ذلك من أنواع التثويبات، وكذا قولُ ((حيّ على خير العمل)) فمما لا أصل له فيما صحّ عن رسول الله وَّه، فينبغي الحذر، والتحذير منه، والإنكار على من يفعله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في بيان أغلاط المؤذّنين: (اعلم): أنه يجب الاحتراز عن الأغلاط التي يرتكبها معظم المؤذّنين، وهي كثيرة: [أولها]: مدّ الهمزة من ((أشهد))، فيخرج إلى الاستفهام. [ثانيها]: مدّ الباء من ((أكبر))، فينقلب المعنى إلى جمع كَبَر، وهو الطبل. [ثالثها]: الوقف على ((إله))، ويبتدئ بـ ((إلا الله))، قال ابن الملقّن: فهو کفر، وفيه نظر. [رابعها]: إدغام الدال من ((محمد)) ◌َّر في الراء من ((رسول الله))، وهو لحن خفيّ عند القرّاء. [خامسها]: ترك النطق بالهاء من ((الصلاة))؛ لأنه يصير دعاء إلى النار. [سادسها]: أن يُبدل هاء ((الصلاة)) حاء. نبّه على هذه الأخطاء العلامة ابن الملقّن تَّتُ في ((الإعلام))(٢)، وزاد غير هذا تركته؛ إذ لم يُعجبني، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) راجع: ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ٤٢٤/١ - ٤٢٥. (٢) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٢٩/٢ - ٤٣٠. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ اتَّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٨٤٩] (٣٨٠) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ مُؤَذِّنَانٍ: بِلَالْ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُوم الْأَعْمَى). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيٍّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. والباقيان تقدّما قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وبتشدّده في اتّباع السنّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِ﴿هَا، أنه (قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِهِ مُؤَذِّنَانٍ) يعني بالمدينة، وفي وقت واحد، وقد كان أبو محذورة أيضاً مؤذناً لرسول الله وَله- ٧٩ (٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ اتَّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ - حديث رقم (٨٤٩) بمكة، وسعد القرظ أَذَّن لرسول الله وَّه بقباء مرّات، قاله النوويّ ◌َّتُهُ(١). وقال القرطبيّ ◌َّثُهُ: قوله: ((كان لرسول الله ﴿ ﴿ مؤذّنان)) يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له غيرهما؛ أذّن له أبو محذورة بمكّة، ورتّبه لأذانها، وسعد الْقَرَظَ(٢) أَذْن للنبيّ ◌َِّ ثلاث مرّات، وقال له: ((إذا لم تر بلالاً، فأذِّن))(٣)، وأذّن له الصُّدائيّ، وقال: ((إن أخا صداء أذّن، فهو يقيم)) (٤). انتهى(٥). وقوله: (بِلَالٌ) بالرفع على البدلّة من ((مؤذّنان))، وهو بلال بن رَبَاحِ، وهو ابن حَمَامة، وهي أمه، من السابقين الأولين، مات ونه بالشام سنة (٧ أو ١٨) وقيل: سنة (٢٠)، تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. وقوله: (وَابْنُ أُمِّ مَكْتُوم) بالرفع عطفاً على ((بلالٌ))، وقوله: (الْأَعْمَى) نعتٌ له. وهو: عمرو بن زائدة، ويقال: عمرو بن قيس بن زائدة، ويقال: زياد بن الأصم، وهو جُنْدُب بن هَرِم بن رواحة بن حُجْر بن عبد بن مَعيص بن عامر بن لُؤَيّ العامريّ، المعروف بابن أمّ مكتوم الأعمى، مؤذِّن النبيّ وََّ، وقيل: اسمه عبد الله، والأول أكثر وأشهر، وهو قرشيّ عامريّ، أسلم قديماً، وهاجر قبل مقدم النبيّ ◌َّر المدينة، وكان النبيّ وَّ يُكرمه، واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرّة، وشَهِد القادسيّة، وقُتل بها شهيداً في خلافة عمر ظًا، وكان معه اللواء يومئذ، وهو الأعمى المذكور في القرآن، في ﴿عَبَسَ وَتَوَىٌ ﴾﴾، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزوميّة، وزعم بعضهم أنه وُلد أعمى، فكُنيت أمه أم مكتوم؛ لانكتام نور بصره، والمعروف أنه عَمِي بعد بدر بسنتين. (١) ((شرح النوويّ)) ٨١/٤. (٢) تقدّم سبب تلقيبه بالقرظ أنه كان تَجِرَ فيه، فربحَ، فلزمه، فأضيف إليه. (٣) قال الحافظ الهيثميّ تَّثُ في ((مجمع الزوائد)): رواه الطبرانيّ في ((الكبير))، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمّار، وهو ضعيف. انتهى. (٤) ضعيف، أخرجه أبو داود (٥١٤)، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيّ، ضعيف. (٥) ((المفهم)) ١١/٢. ٨٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال في ((الفتح)) (١١٩/٢) وتعُقّب بأن سورة ﴿عَسَ﴾ مكيّة، كما هو مذكور في كتب التفاسير، وقد وُصف فيها بالأعمى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الواقديّ: رجع من القادسية إلى المدينة، فمات بها، ولم يُسمَع له بذکر بعد عمر بن الخطاب ـا . رَوَى عن النبيّ وَّر، وعنه أنس بن مالك، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وزِرّ بن حُبيش، وأبو رَزِين الأسديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطيةٌ بن أبي عطية، وأبو الْبَخْتريّ الطائيّ، ولم يدركه، وذكره ابن حبان في الصحابة في العبادلة، فقال: كان اسمه الْحُصَين، فسماه النبيّ وَّل عبد الله، ومنهم من زعم أن اسمه عمرو، ومن قال: هو عبد الله بن زائدة، فقد نسبه إلى جدّه، وقال ابن سعد: أما أهل المدينة فيقولون: اسمه عبد الله، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو، ثم اتفقوا على نسبه، فقالوا: ابن قيس بن زائدة، وكان النبي وَلّم يستخلفه على المدينة، يصلي بالناس في عامة غزواته، وقال أبو أحمد الحاكم: قُتل شهيداً بالقادسية. أخرج له أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله عندهم حديث عدم الرخصة لمن يسمع النداء، وله ذكر في (الصحيحين)). [تنبيه]: هذا الحديث هنا مختصرٌ، وقد ساقه المصنّف بتمامه في ((كتاب الصيام))، فقال: (١٠٩٢) حدّثنا ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضيها قال: كان لرسول الله ﴿ ﴿ مؤذِّنان: بلالٌ، وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله وَله: ((إن بلالاً يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم))، قال: ولم يكن بينهما إلا أن يَنْزِل هذا، ويَرْقَى هذا. انتهى، وسيأتي تمام شرحه هناك - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ه هذا متّفقٌ عليه.