Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٢٧) - بَابُ التََّمُّم - حديث رقم (٨٢٨)
٤ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس) ويقال: مولى أم الفضل، وهو: عُمير بن
عبد الله الهلاليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن مولاته، وعن ابنيها: عبد الله، والفضل، ابني العباس، وأبي
جُهَيم بن الحارث بن الصِّمّة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن يسار، مولى
میمونة .
ورَوَى عنه الأعرج، وسالم أبو النضر، وإسماعيل بن رَجَاء الزُّبيديّ،
وعبد الرحمن بن مهران.
قال ابن إسحاق: حدثني الأعرج، عن عُمير مولى ابن عباس، وكان
ثقةً، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال ابن سعد وغيره: مات بالمدينة سنة أربع ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب(١) حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٩)، وحديث (١١٢٣): ((أن ناساً تماروا
عندها يوم عرفة في صيام رسول الله وَليه ... ))، وأعاده بعده.
٥ - (أَبُو الْجَهْمِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيُّ) هكذا الرواية في مسلم
(الجهم)) بالتكبير، والصواب أنه بالتصغير، وهو: أبو جُهيم بن الحارث بن
الصِّمّة - بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم - ابن عمرو بن عَتِيك بن عمرو بن
مَبْذُول بن عامر بن مالك بن النجّار الأنصاريّ، وقيل في نسبه غير ذلك، وهو
ابن أخت أُبَيّ بن كعب، قيل: اسمه عبد الله، وقال أبو حاتم: يقال: أبو
جهم بن الحارث بن الصِّمّة، ويقال: إنه الحارث بن الصِّمّة.
رَوَى عن النبيّ ◌ِّهِ، وعنه بِشْر بن سعيد الحضرميّ، وأخوه مسلم بن
سعيد، وعُمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة، وصحح أبو
حاتم كون الحارث اسم أبيه، لا اسمه، وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن
جَهْم، أبو جُهَيم فَرَّق بينه وبين ابن الصِّمّة، وفي ((أَسْد الغابة)) عن
((الاستيعاب))، و((المعرفة)): عبد الله بن جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة ...
فذكره، جَعَل الحارث جدّه، وهكذا قاله ابن منده، وكأنه أراد أن يجمع
(١) بل ليس له عند البخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ إلا هذان الحديثان فقط.

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم، قاله في ((تهذيب التهذيب))(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٩)،
وحديث (٥٠٧): (لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ... )).
[تنبيه]: أبو الْجُهيم هذا هو المشهور أيضاً في حديث المرور بين يدي
المصلي، كما أشرنا إليه آنفاً، وهو غير أبي الجهم المذكور في حديث
الْخَمِيصة والإنبجانية، ذلك بفتح الجيم، بغير ياء، واسمه عامر بن حُذيفة بن
غانم القُرَشيّ الْعَدويّ، من بني عَديّ بن كعب، وسنوضحه في موضعه - إن
شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ مُسْلِم) يحتمل أن يكون هذا من كلام الراوي عن مسلم، ويَحْتَمل
أن يكون من كلام مسلم نفسِهِ.
(عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ) الضمير الأول لعبد الرحمن بن
هرمز، والثاني لعمير؛ أي سمع عبد الرحمن عُميراً (يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا) أكّد
الضمير المتّصل بالمنفصل؛ ليعطف عليه ما بعده؛ لوجوب الفصل بالضمير، أو
بأيّ فاصلٍ، كما قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَّى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْم فَاشِياً وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ
(وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في أصول ((صحيح
مسلم))، قال أبو عليّ الغسّانيّ، وجميع المتكلمين على أسانيد مسلم: ((قوله:
عبد الرحمن)) خطأً صريحٌ، وصوابه: ((عبد الله بن يسار))، وهكذا رواه
البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم على الصواب، فقالوا: ((عبد الله بن
يسار))، قال القاضي عياض: ووقع في روايتنا ((صحيح مسلم)) من طريق
السمرقنديّ، عن الفارسيّ، عن الْجُلُوديّ، عن عبد الله بن يسار، على
الصواب، وهم أربعة إخوة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الملك، وعطاء،
(١) ٤ / ٥٠٥.

٤٨٣
(٢٧) - بَابُ التََُّّّمِ - حديث رقم (٨٢٨)
مولى ميمونة، والله أعلم. انتهى(١).
(زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ََّ) بالجرّ على البدليّة من
(مَوْلَی مَيْمُونَةً) بنت الحارث
((ميمونة)) (حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْم) تقدّم آنفاً أن هذا غلطٌ، والصواب أبو جُهيم
بالتصغير، وأما أبو الجهم مكبّراً،َ فهو صاحب الأنبجانيّة، وهو قرشيّ، وهذا
أنصاريّ، ويقال في كلّ منهما بالألف واللام، وبحذفهما، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال النوويّ في ((شرحه)): وأما أبو الجهم - فبفتح الجيم، وبعدها هاء
ساكنة - هكذا هو في مسلم، وهو غلط، وصوابه ما وقع في ((صحيح البخاريّ))
وغيره: ((أبو الجهيم)) بضم الجيم، وفتح الهاء وزيادة ياء، هذا هو المشهور في
كتب الأسماء، وكذا ذكره مسلم في كتابه في أسماء الرجال، والبخاري في
((تاريخه))، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم، وكلّ من ذَكَره من المصنفين في
الأسماء والكنى، وغيرهما، واسم أبي الجهيم عبد الله، كذا سماه مسلم في
كتاب ((الكنى))، وكذا سماه أيضاً غيره، والله أعلم. انتهى (٣).
(ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ) بكسر الصاد، وتشديد الميم (الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ
أَبُو الْجَهْم) الصواب أبو جُهيم (أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ) أي من
الموضع الذي يُعرف بهذا الاسم، وهو موضع معروف بالمدينة، وهو بفتح
الجيم والميم، ويقال فيه: ((بئر جمل)) بالتنكير كما في ((الصحيحين))، و((بئر
الجمل)) بالتعريف، كما عند النسائيّ، وهو موضع قريبٌ من المدينة، فيه مال
من أموالها، قاله في ((العمدة))(٤).
(فَلَقِيَهُ رَجُلٌ) والرجل هو أبو جهيم، كما صَرَّح به الشافعيّ، فقد روى
البغويّ في ((شرح السنّة)) بإسناده عن الشافعيّ، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي
الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهيم بن الصّمّة، قال: ((مررت على
النبيّ ◌ََّ، وهو يبول، فسلّمتُ عليه، فلم يُرُدّ عليّ حتى قام إلى الجدار، فحتّه
بعصا کانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح بها وجهه وذراعیه، ثم ردّ
عليّ))، قال: هذا حديث حسنٌّ. انتهى.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٣/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦٤/٤.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١/ ٥٢٧.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٥/٤.

٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال الجامع عفا الله عنه: في تحسينه نظرٌ؛ في سنده إبراهيم بن محمد،
وهو متروك، وأبو الحويرث، متكلّم فيه، وفيه انقطاع بين الأعرج، وأبي
جهيم، والصواب عن الأعرج، عن عمير مولى ميمونة، عن أبي جُهيم، راجع
((الفتح))(١).
(فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ ◌ََّ (فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ وَ عَلَيْهِ) سلامه،
ويجوز في دال (يَرُدّ)) الحركات الثلاث: الكسر، وهو الأصل في التخلّص من
التقاء الساكنين، والفتح؛ لخفّته، والضمّ لإتباع حركة الراء، أفاده في
((العمدة))(٢). (حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ) الألف واللام فيه للعهد الخارجيّ؛ أي
جدار هناك.
[فإن قلت]: كيف تيمّم النبيّ وَله بالجدار بغير إذن مالكه؟.
[أجيب]: بأنه محمول على أن هذا الجدار كان مباحاً، أو كان مملوكاً
الإنسان يعرفه، ويعرف رضاه بذلك، فأدلّ النبيّ وَّر عليه، وتيمّم به؛ لعلمه بأن
مالكه لا يكره ذلك، ويجوز مثل هذا، والحالة هذه الآحاد الناس، فالنبيّ وَل
أولى، والله تعالى أعلم (٣).
وللدار قطنيّ من طريق ابن إسحاق، عن الأعرج: ((حتى وضع يده على
الجدار))، وزاد الشافعيّ - كما تقدّم -: ((فحتّه بعصاه))، قاله في ((الفتح)) (٤).
قال الجامع: لكن سبق لك أنه بسند ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ) ولفظ البخاريّ: ((فمسح بوجهه ويديه))، وللدار قطنيّ
من طريق أبي صالح، عن الليث: ((فمسح بوجهه، وذراعيه))، وكذا للشافعيّ من
رواية أبي الحويرث، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود، لكن
خطّأ الحفّاظ رواية رفعه، وصوّبوا وقفه، وقد رواه مالك موقوفاً، وهو
الصحيح، والثابت في حديث أبي جُهيم أيضاً بلفظ ((يديه))، لا (ذراعيه))، فإنها
شاذّة مع ما في أبي الحويرث، وأبي صالح من الضعف(٥).
(١) ١/ ٥٢٧.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٣/٤.
(٣) راجع: النوويّ ٦٥/٤، و((شرح الكرمانيّ على البخاريّ)) ٢١٧/٢.
(٤) ١/ ٥٢٧.
(٥) ((الفتح)) ١/ ٥٢٧.

٤٨٥
(٢٧) - بَابُ التَّيَمُّمِ - حديث رقم (٨٢٨)
(ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ) أي على الرجل الْمُسَلِّم (السَّلَامَ) بالنصب على المفعوليّة،
وفيه استحباب الطهارة لردّ السلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي جهيم حظ ◌ّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨٢٨/٢٧] (٣٦٩)، و(البخاريّ)
في ((التيمّم)) (٣٣٧)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٣٢٩)، و(النسائيّ) فيها (١/
١٦٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٩/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٠٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٥/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٨٨)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٨١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز التيمّم في الحضر، وقال النوويّ في ((شرحه)): هذا
الحديث محمول على أنه # كان عادماً للماء حال التيمم، فإن التيمم مع
وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يضيق وقت
الصلاة، وبين أن يتسع، ولا فرق أيضاً بين صلاة الجنازة والعيد وغيرهما،
هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة تَّتُهُ: يجوز أن يتيمم مع وجود
الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، وحَكَى البغويّ من أصحابنا عن
بعض أصحابنا أنه إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلّاها بالتيمم، ثم
توضأ وقضاها، والمعروف الأول. انتهى(١).
وممن قال بجواز التيمّم في الحضر الإمام البخاريّ كَّتُهُ، فقد ترجم في
((صحيحه)): ((باب التيمّم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الوقت))،
وكذا الإمام النسائيّ تَخْتُ، فقد ترجم في ((سننه)): ((باب التيمّم في الحضر))، ثم
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٤/٤.

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
أوردا في الباب حديث أبي جهيم هذا، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة
التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز التيمّم على الحجر، وهو
مذهب الحنفيّة، وهو الصحيح، ووجه الاستدلال أن حيطان المدينة مبنيّة
بالحجارة السود، ولا يعترض ذلك بما سبق في رواية الشافعيّ تَّهُ: ((فحتّه
بعصاه))؛ لأنها رواية ضعيفة.
وقد أجاد العينيّ في الرد على الكرمانيّ، حيث قال: قد ثبت أنه حَتّ
الجدار بالعصا، ثم تيمم، فقال العينيّ: قوله: (ثبت أنه حتّ ... إلخ)) ممنوع؛
لأن حتّ الجدار بالعصا رواه الشافعيّ عن إبراهيم بن محمد، وهو حديث
ضعيف، فإن قلت: حسنه البغويّ، قلت: كيف حسّنه، وشيخ الشافعيّ وشيخ
شيخه ضعيفان، لا يُحتجّ بهما؟، قاله مالك وغيره، وأيضاً فهو منقطع؛ لأن ما
بين الأعرج وأبي جهيم عُمير كما سبق من رواية البخاري وغيره، ونصّ عليه
أيضاً البيهقيّ وغيره، وفيه علة أخرى، وهي زيادة حكّ الجدار، لم يأت بها
أحد غير إبراهيم، والحديث رواه جماعة، وليس في حديث أحدهم هذه
الزيادة، والزيادة إنما تقبل من ثقة. انتهى، وهو بحث جيّد(١).
وقد تقدّم تحقيق المسألة مستوفّى في المسألة الثامنة في شرح حديث
عائشة طنًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): أنه استدلّ به الطحاويّ: على جواز التيمّم للجنازة عند
خوف فواتها، وهو قول الكوفيين، والليث، والأوزاعيّ؛ لأنه وَّ تيمّم لردّ
السلام في الحضر؛ لأجل فوت الردّ، وإن كان ليس شرطاً، ومنع ذلك
الشافعيّ وأحمد، وقول الأولين أظهر؛ لهذا الحديث، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز التيمم للنوافل، والفضائل؛ كسجود
التلاوة والشكر، ومسّ المصحف، ونحوها، كما يجوز للفرائض، قال
النوويّ: وهذا مذهب العلماء كافّةً، إلا وجهاً شاذّاً منكراً لبعض أصحابنا أنه
لا يجوز التيمم إلا للفريضة، وليس هذا الوجه بشيء. انتهى.
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٤/٤ - ٢٥.

٤٨٧
(٢٧) - بَابُ الَُّّمِ - حديث رقم (٨٢٨)
٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي السلام على من يبول، وأن من سلّم عليه لا
يستحقّ جواباً؛ لأنه وَّلّ لم يردّ على الرجل حينما سلّم عليه، وإنما ردّ عليه بعد
التيمّم من كريم أخلاق وَله، ويؤيّد ذلك أنه قال في حديث جابر وته: ((إذا
رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلّم عليّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرُدّ
عليك))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز التيمّم في الحضر:
قال الإمام ابن المنذر كثّثهُ: اختلفوا في التيمم في الحضر لغير المريض،
وللمريض لا ماء بحضرته، ولو وصل إلى الماء لتوضأ، فقالت طائفة: إذا
خاف فوات الصلاة، تيمم وصلى، وحَكَى ابن القاسم عن مالك، أنه سئل
عمن في القبائل من أطراف الفُسْطاط، وخَشِي إن توضأ أن تَطلُع الشمس قبل
أن يبلغ الماء، قال: يتيمم ويصلي، قال: وقد كان مرة من قوله: في الحضر
يعيد إذا توضأ .
وسئل الأوزاعي عمن انتَبَهَ من نومته وغفلته وهو جنب، فأشفق إن اغتسل
وتوضأ طلعت الشمس، أو غابت؟ قال: يتيمم، ويصلي الصلاة قبيل فوات
وقتها، قال الوليد: فذكرت ذلك لإبراهيم بن محمد الفزاريّ، فأخبرني عن
سفيان أنه قال: يتيمم ويصلي، قال الوليد: فذكرت ذلك لمالك، وابن أبي
ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم، فقالوا: بل يغتسل، وإن طلعت عليه
الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، فهذا واجد
للماء، وكان في عذرٍ من نومه وغفلته ونسيانه معذورٌ بها .
وحَكَى الوليد ذلك عن الليث، وكان الحسن يقول في مريض بحضرته
ماء، وحضرت الصلاة، وليس عنده من يناوله، وخَشِي فوت الوقت، قال:
يتيمم، ويصلي.
وقال الوليد: ولا أعلم إلا أني سمعت أبا عمرو يقول: إذا لم يجد
المقيم ماءً تيمم وصلى، ولا إعادة عليه إلا في الوقت، واحتَجَّ بحديث ابن
عمر، أنه أقبل من الْجُرُف، فلما كان بالْمِرْبَد حضرته صلاة العصر، فنزل فتيمم
وصلى العصر.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن قوله: ((ولا إعادة عليه إلا في الوقت)) فيه

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
نظر؛ لأن الإعادة في الوقت مما لا دليل عليه، فقد احتَجّ بفعل ابن عمر ◌ًَّا،
وابن عمر دخل المدينة، والشمس مرتفعةٌ، فلم يُعِد، كما ذكره البخاريّ في
((صحيحه))، وسيأتي قريباً.
قال: وقالت طائفة: لا يجوز للحاضر غير المريض التيمم بحالٍ، فإن
فَعَل كانت عليه الإعادة، هذا قول الشافعيّ، وأبي ثور، وقال ابن جريج: قلت
لعطاء: قضيتُ الحاجة في بعض هذه الشِّعَاب، أتمسَّح بالتراب، وأصلي؟ قال:
لا. انتهى كلام ابن المنذر تَظّهُ(١).
وقال الإمام البخاريّ كَّتُهُ في (صحيحه)): ((باب التيمّم في الحضر إذا لم
يجد الماء، وخاف فوات الوقت))، وبه قال عطاء، وقال الحسن - في المريض
عنده الماء، ولا يجد من يُناوله -: يتيمّم، وأقبل ابن عمر من أرضه بالْجُرُف،
فحضرت العصر بمِرْبَد النَّعَم، فصلّى - أي بالتيمّم -(٢) ثم دخل المدينة،
والشمس مرتفعةٌ، فلم يُعِد، ثم أورد حديث الباب. انتهى.
وقال أبو محمد بن حزم كَّتُ في كتابه ((الْمُحَلَّى)): ويتيمم من كان من
الحضر صحيحاً إذا كان لا يقدر على الماء، إلا بعد خروج وقت الصلاة، ولو
أنه على شَفِير البئر، والدلو في يده، أو على شَفِير النهر، والساقيةِ، والعين،
إلا أنه يوقن أنه لا يُتِمُّ وضوءه أو غسله حتى يطلع أول قرن الشمس، وكذلك
المسجون، والخائف.
ثم احتجّ بما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن حذيفة نظراته قال: قال
رسول الله وَ له: ((فُضِّلنا على الناس بثلاث))، فذكر فيها: ((وجُعلت لنا الأرض
مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء)).
وبما أخرجه عن أبي هريرة عنه أن النبيّ نَّه قال: ((فُضِّلتُ على الأنبياء
بستّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلت
(١) ((الأوسط)) ٣٠/٢ - ٣١.
(٢) أخرجه الشافعيّ بذكر التيمّم، فقال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع،
عن ابن عمر، أنه أقبل من الْجُرُف، حتى إذا كان بالْمِرْبَد تيمّم، فمسح وجهه،
ويديه، وصلّى العصر ... الحديث، راجع: ((الفتح)) ٥٢٦/١.

٤٨٩
(٢٧) - بَابُ التََّّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٨)
لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الناس كافّةً، وخُتم بي النبييون)).
فهذا عموم دخل فيه الحاضر والبادي.
[فإن قيل]: فإن الله تعالى قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ الآية [النساء:
٤٣]، وقال رسول الله وَ له: ((لا تُقبل صلاة مَن أحدث حتى يتوضأ))، فلم
يُبح ◌َك للجنب أن يقرب الصلاة حتى يغتسل، أو يتوضأ إلا مسافراً.
[قلنا]: نعم قال الله تعالى هذا، وقال رسول الله وَلقر ما ذكرتم، وقال
تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُمْ فَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ
مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فكانت هذه الآية زائدةً حكماً، وواردة بشرع ليس في
الآية التي ذكرتم، بل فيها إباحة أن يقرَب الصلاة الجنب دون أن يغتسل، وهو
غير عابر سبيل، لكن إذا كان مريضاً لا يجد الماء، أو عليه فيه حرجٌ، وكانت
هذه الآية أيضاً زائدةً حكماً على الخبر الذي لفظه: ((لا تُقْبَل صلاة مَن أحدث
حتى يتوضأ))، ثم جاء الخبران اللذان ذكرنا بزيادة وعموم على الآيتين والخبرِ
المذكورِ، فدخل في هذين الخبرين الصحيحُ المقيمُ إذا لم يجد الماء، وكلام الله
تعالى وكلام رسوله وَّ فرضٌ جمعُ بعضه إلى بعض، وكله من عند الله تعالى.
وقولنا هذا هو قول مالك، وسفيان، والليث.
وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: لا يتيمم الحاضر، لكن إن لم يقدر على
الماء إلا حتى يفوت الوقت، تيمم وصلى، ثم أعاد، ولا بُدّ إذا وجد الماء.
وقال زفر: لا يتيمم الصحيح في الحضر البتةَ، وإن خرج الوقت، ولكن
يصبر حتى يخرج الوقت، ويجد الماء، فيصلي حينئذ.
قال أبو محمد: أما قول أبي حنيفة، والشافعيّ فظاهر الفساد؛ لأنه لا
يخلو أمرهما له بالتيمم والصلاة من أن يكونا أمراه بصلاة، هي فرض الله
تعالى عليه، أو بصلاة لم يفرضها الله تعالى عليه، ولا سبيل إلى قسم ثالث،
فإن قال مقلِّدُهما أمراه بصلاة هي فرض عليه، قلنا: فَلِمَ يعيدها بعد الوقت إن
كان قد أدّى فرضه؟ وإن قالوا: بل أمراه بصلاة، ليست فرضاً عليه، أَقَرًا بأنهما
ألزماه ما لا يلزمه، وهذا خطأ .

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وأما قول زفر فخطأ؛ لأنه أسقط فرض الله تعالى في الصلاة في الوقت
الذي أمر الله تعالى بأدائها فيه، وألزمه إياها في الوقت الذي حَرَّم الله تعالى
تأخيرها إليه.
قال أبو محمد: والصلاة فرض مُعَلَّق بوقت محدود، والتأكيد فيها أعظم
من أن يجهله مسلم، وقد قال رسول الله وَله: ((إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما
استطعتم))، فوجدنا هذا الذي حضرته الصلاة هو مأمور بالوضوء وبالغسل، إن
كان جنباً، وبالصلاة، فإذا عجز عن الغسل والوضوء سقطا عنه، وقد نَصّ علَّلهُ
على أن الأرض طهور إذا لم يجد الماء، وهو غير قادر عليه، فهو غير باقٍ
عليه، وهو قادر على الصلاة، فهي باقية عليه، وهذا بَيِّنٌ، والحمد لله رب
العالمين. انتهى كلام ابن حزم ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه أبو محمد كَُّهُ تحقيقٌ نفيسٌ.
والحاصل أن المذهب الراجح هو مذهب من قال بجواز التيمّم لمن كان
في الحضر إذا فقد الماء، وخاف فوت الوقت، أو تعذّر عليه استعماله؛
المرض، أو غيره، ثم إنه لا قضاء عليه لتلك الصلاة التي صلاها بذلك التيمّم؛
لسقوط الفرض عنه، حيث قام بأداء ما فرض الله عليه، فتبصّر بالإنصاف، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٢٩] (٣٧٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الضَّخَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً مَرَّ،
وَرَسُولُ اللهِهِ يَبُولُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
(١) ((الْمُحلَّى)) ١٧/٢ - ١٨.

٤٩١
(٢٧) - بَابُ التََّّمُّم - حديث رقم (٨٢٨)
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (الضَّخَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ
الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض))
١٦ / ٧٧٤.
٥ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهور
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ
الشهير رضاه، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة،
من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى الضحّاك بن عثمان، فما
أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين، ونصفه الثاني
بالمدنیین .
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، والمشهورين بالفتوى، من الصحابة ه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ◌َِّا (أَنَّ رَجُلاً) يحتمل أن يكون أبا جُهيم
المذكور في الحديث الماضي، فقد أخرجه البغويّ في ((شرح السنّة)) من حديث
أبي جهيم بن الصمّة، قال: ((مررت على النبيّ ◌َلّ وهو يبول، فسلّمت عليه،
فلم يردّ عليّ ... )) الحديث، ولكن تقدّم أنه ضعيف، فيه ثلاث علل.
ويَحْتَمل أن يكون هو المهاجرَ بن قُنفُذ ◌َظُنه، فقد أخرج أبو داود في
((سننه)) عنه أنه أَتَى النبيّ وَّهَ وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يَرُدّ عليه حتى توضأ،
ثم اعتذر إليه، فقال: ((إني كَرِهت أن أذكر الله رَك إلا على طهر))، أو قال:
((على طهارة))، وهو حديث صحيح.

٤٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(مَرَّ) أي اجتاز عليه، يقال: مرّ به مرّاً، ومُرُوراً، ويتعدّى بنفسه، كما
قال ابن الأعرابيّ، ومنه قول الشاعر [من الوافر]:
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا كَلَامُكُمُ عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ
(وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ يَبُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((مَرّ))،
والرابط الواو؛ لأن الجملة الاسميّة تُربط بالواو، كما تربط بالضمير، قال في
(الخلاصة» :
بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا
أي والحال أنه وَ له يبول (فَسَلَّمَ) ذلك الرجل عليه وََّ (فَلَمْ يَرُدَّ) النبيّ ◌َّـ
(عَلَيْهِ) أي على الرجل سلامه.
ثم إنه يَحْتَمل أنه أخّر الردّ حتى يتطهّر؛ لتعظيم اسم الله تعالى، ويؤيّد
هذا ما سبق في رواية أبي داود: ((ثم اعتذر إليه، فقال: إني كَرِهت أن
أذكر الله رحمك إلا على طهر)).
ويَحْتَمِلُ أنه تركه تأديباً له، ويؤيّده ما أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) من
طريق عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد الله ضُِّهَا أن رجلاً مَرّ على
النبيّ وَّر وهو يبول، فسَلَّم عليه، فقال له رسول الله وَّه: ((إذا رأيتني على مثل
هذه الحالة، فلا تُسَلِّم عليّ، فإنك إن فعلت ذلك، لم أَرُدَّ عليك))، وفي سنده
عبد الله بن محمد بن عَقِيل، متكلّم فيه (١).
وقال السنديّ كَّتُهُ: ويحتمل أنه ترك الردّ أحياناً، وأخّره أحياناً على
حسب اختلاف الناس في التأديب وغيره. انتهى(٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٢٩/٢٧] (٣٧٠)، و(أبو داود) في ((الطهارة))
(١) وصحّح الحديث الشيخ الألبانيّ كَُّ، وذكر له متابعات، انظر: ((الصحيحة)) ١/
٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ١٤٩/١.

٤٩٣
(٢٧) - بَابُ التَّيِّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٩)
(١٦)، و(الترمذيّ) فيها (٩٠)، و(النسائيّ) فيها (٣٥/١ -٣٦)، و(ابن ماجه)
فيها (٣٥٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٧٢ و٥٧٣)، و(أبو نُعيم) في
((مستخرجه)) (٨١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): أنه يُستفاد من مجموع أحاديث الباب كراهة ذكر الله
تعالى حال قضاء الحاجة، ولو كان واجباً بحسب الأصل؛ كردّ السلام، وأن
الْمُسَلِّم في هذا الحالة لا يستحق جواباً، وأما ردّه وَّر بعد ذلك، فمن مكارم
أخلاقه وَّ، ولذلك نَهَى الرجل عن السلام عليه في مثل تلك الحال، وأنه إن
سلّم عليه، فإنه لا يردّ عليه، كما تقدّم في رواية ابن ماجه.
قال النوويّ تَخْتُ: وهذا مُتّفَقٌ عليه، قال أصحابنا: ويكره أن يُسَلِّم على
المشتغل بقضاء حاجة: البول، والغائط، فإن سُلِّم عليه كُرِهِ له ردُّ السلام،
قالوا: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار،
قالوا: فلا يُسَبِّح، ولا يُهَلِّل، ولا يرُدّ السلام، ولا يُشَمِّت العاطس، ولا
يحمد الله تعالى إذا عَطَس، ولا يقول مثل ما يقول المؤذن، قالوا: وكذلك لا
يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع، وإذا عَطَس في هذه الأحوال
يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه، وهذا الذي ذكرناه من كراهة
الذكر في حال البول والجماع، هو كراهة تنزيه، لا تحريم، فلا إثم على
فاعله، وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة، بأيّ نوع كان من أنواع
الكلام، ويُسْتَثنى من هذا كله موضع الضرورة، كما إذا رأى ضريراً يكاد أن
يقع في بئر، أو رأى حيةً، أو عقرباً، أو غير ذلك يقصد إنساناً، أو نحو ذلك،
فإن الكلام في هذه المواضع ليس بمكروه، بل هو واجب، وهذا الذي ذكرناه
من الكراهة في حال الاختيار هو مذهبنا، ومذهب الأكثرين، وحكاه ابن المنذر
عن ابن عباس، وعطاء، وسعيد الجهنيّ، وعكرمة ﴿ه، وحُكِي عن إبراهيم
النخعيّ، وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس به، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ رَُّهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٥/٤.

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(٢٨) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٣٠] (٣٧١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ
سَعِيدٍ(١) - قَالَ: حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ(٢)، عَنْ أَبِي
رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ◌َ(٣) فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ
جُنُبَّ، فَانْسَلَّ، فَذَهَبَ، فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ◌َ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ (٤): ((أَيْنَ كُنْتَ
يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقِيتَنِي، وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى
أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابین.
٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ
مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٥ - (حُمَيْدُ الطَّوِيلُ) هو: حُميد بن أبي حُميد الطويل، أبو عُبيدة
البصريّ، اختُلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقةٌ عابدٌ يُدلّس [٥]
(ت٢ أو ١٤٣) وهو يصلّي عن (٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا يحيى بن سعيد)) بدون ((يعني)).
(٢) إثبات بكر بن عبد الله هنا هو الصواب؛ لما سيأتي قريباً، وهو موجود في بعض
النسخ - كما نبّه عليه الحافظ كَّفُ؛ فتنبّه.
(٣) وفي نسخة: ((أنه لقي النبيَّ نَّ).
(٤) وفي نسخة: ((فلما جاء قال)).

٤٩٥
(٢٧) - بَابُ التََّّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٩)
٦ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المزنيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ
[٥](١) (ت١٠٦) (خت م ٤) تقدّم في ((المقدّمة)) ٦/ ٨٢.
٧ - (أَبُو رَافِع) نُفيعٌ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته
[٢] (ع) تقدّم في ((َشرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٦٢.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َته مات سنة (٥٧ أو ٥٨ أو ٥٩) عن (٧٨) سنة (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُدَاسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وله فيه شيخان فرّق بينهما
بالتحويل، وفيه التحديث والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم
نيسابوريّ، والثاني كوفيّ، وأبو هريرة مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا)) قال النوويّ تَظْتُ: هذا قد
يلتبس على بعض الناس، وليس فيه ما يوجب اللبس على من له أدنى اشتغال
بهذا الفنّ، فإن غاية ما فيه أنه قدّم (حميدٌ))، وكان هو الفاعل على الفعل، وهو
((حدّثنا))، والغالب أنهم يقولون: ((حدّثنا حميد))، فيجعلونه من باب الفعل
والفاعل، فقال هو: ((حميدٌ حدّثنا))، فجعله من باب المبتدأ والخبر، فـ ((حُميدٌ))
مبتدأ، وجملة (حدّثنا)) خبره.
والحاصل أنه لا فرق بين تقديمه وتأخيره من حيث أصل المعنى؛ فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: حميدٌ،
عن بكر، عن أبي رافع.
(١) هذا أولى مما في ((التقريب))، فإنه جعله من الثالثة، والأول هو الظاهر؛ لأنه لم
يلق إلا عبد الله بن عمر.

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ظه أحفظ من روى الحديث في دهره، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي رَافِع) هكذا في بعض
نسخ ((صحيح مسلم))، كما نبّه عليه الحافظ في ((النكتَّ الظراف))، وهو
الصواب، ووقع في مُعظم النسخ: ((عن حميد الطويل، عن أبي رافع))، قال
النوويّ في ((شرحه)): هكذا هو في ((صحيح مسلم))، في جميع النسخ(١)، قال
القاضي عياض: قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: هذا الإسناد منقطع، إنما
يرويه حميدٌ، عن بكر بن عبد الله الْمُزنيّ، عن أبي رافع، هكذا أخرجه
البخاريّ، وأبو بكر بن أبي شيبة في ((مسنده))، وهذا كلام القاضي عن
المازريّ، وكما أخرجه البخاريّ، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، كذلك
أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم من الأئمة، ولا
يقدح هذا في أصل متن الحديث، فإن المتن ثابت على كل حال من رواية أبي
هريرة، ومن رواية حذيفة ﴿ّ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: تسمية هذا منقطعاً غير صحيح؛ لأن هذا مما
سقط سهواً من النّسّاخ، إما من مسلم، وهو بعيد، وإما ممن رواه عنه، وهو
الأقرب، ولا شكّ في ذلك؛ لأن المنقطع إنما يكون قصداً، كالمرسل وغيره،
فهو من مقصود الراوي، لا من تصرّف النسّاخ.
ويدلّ على كون الإسقاط من المصنّف، أو ممن بعده أمور:
[الأول]: أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة أخرجه في ((مصنّفه)) (١٥٩/١)
عن ابن عليّة، عن حُميد، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، وكذلك رواه
ابن ماجه في ((سننه)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن عليّة، عن
حميد، عن بكر بن عبد الله ... إلخ.
[الثاني]: أن أبا نعيم أخرجه في ((مستخرجه)) على ((صحيح مسلم)) (١/
(١) هذا بالنسبة لما علمه النوويّ، وإلا فقد وقع على الصواب في بعضها؛ فتنبّه.

٤٩٧
(٢٨) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ - حديث رقم (٨٣٠)
٤٠٥ - ٤٠٦) بذكر بكر (١)، ثم ذكر أن مسلماً رواه عن زهير بن حرب، عن
يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر، عن إسماعيل ابن علية، جميعاً، عن حميد.
انتهى، ولم يُشِر إلى سقوط بكر من السند، فلو كان ساقطاً من سند المصنّف
لنبّه عليه، كعادته.
[الثالث]: أن أبا عوانة أخرجه في ((مسنده)) الذي هو مُستخرَج على
((صحيح مسلم)) أيضاً، فقال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا مسدّدٌ، ثنا
بشر بن المفضّل، قال: ثنا حميد الطويل، قال: حدّثني بكر بن عبد الله، عن
أبي رافع ... إلخ، ولم يُشِر إلى سقوط شيء من السند.
[الرابع]: أن الحافظ ابن حجر - وهو حَذَام الحفّاظ المحقّقين، ورأس
المتقنين فيما ينقله، ويكتبه - كتب في ((النكت الظراف على الأطراف)) (١٠/
٣٨٥)، ما نصّه: سقط ((بكر بن عبد الله)) في السند عند مسلم في أكثر النسخ
من مسلم، وثبت في بعضها من رواية بعض المغاربة، وكذا هي عندي بخطّ
أبي الحسن المراديّ الراوي عن الْفَرَاوِيّ. انتهى كلام الحافظ في
((نكته)) رَّتُهُ .
[الخامس]: أن أبا مسعود الدمشقيّ، وخَلَفاً الواسطيّ ذكرا أن مسلماً
أخرجه أيضاً كذلك؛ أي بذكر بكر بن عبد الله بين حميد، وأبي رافع، ذكر هذا
ابن الملقِّن في ((شرح العمدة))(٢).
قال الجامع: فقد تبيَّن بما ذُكر أن هذا السند متّصلٌ، وليس فيه انقطاع
من حيث الصناعة الحديثيّة، وإنما فيه إسقاط راو منه سهواً، والظاهر أنه ممن
بعد المصنّف؛ لما ذكرته من الأدلّة التي تقتضي أن مسلماً رواه متّصلاً كما رواه
البخاريّ، وأصحاب السنن الأربعة، وأحمد بن حنبل في ((مسنده))، وغيرهم،
بل ثبت في كتاب شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأثبته صاحبا المستخرجين على
كتابه: أبو عوانة، وأبو نعيم، دون تنبيه على أي سقوط من مسلم.
(١) وقع في النسخة في السند الأول: ((عن أبي بكر))، وفي الثاني: ((عن بُكير))،
وكلاهما غلط من النسّاخ، والصواب: ((عن بكر))؛ فتنبّه.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦/٢.

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وبناء على ما صحّ في بعض النسخ أثبتّه هنا مخالفاً أكثر النسخ؛ لكونه
سقط منها غلطاً؛ فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ) بالرفع على الفاعليّة، ووقع في
بعض النسخ: ((أنه لقي النبيّ و9َّ))، فيكون منصوباً على المفعوليّة (فِي طَرِيقٍ مِنْ
طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال.
[تنبيه]: نقل ابن الملقّن في ((شرح العمدة)): قال الترمذيّ الحكيم في
((علله)): سُمِّيت جنابةً؛ لأن ماء الرجل من ظهره، فإذا وصل إلى رحم المرأة،
نزل الماء من ترائبها، يخرج من بين الصلب: يعني فَقَارَ الظهر، والترائب: يعني
الصدر والثديين، فيختلط الماءان، فإن قضى الله من ذلك ولداً جَمَد، وصار
عَلَقَةً ... إلى آخر ما أخبر الله تعالى، وإلّا غَلَب ماءُ الرجل ماء المرأة، فذهب
كأنه لم يكن، وأكثر ما يكون ذلك من البرودة، وأما ما يصير به ولداً، فيستوي
الماءان في الرحم، وينزل ماء المرأة من ترائبها إلى بين جنبيها، ولو نزل ماؤها
من ظهرها خرج لها شعر في وجهها كما يخرُج من الرجال، وأما الذي ينزل من
المرأة من ترائبها الذي بين جنبيها، فإن كان ما ينزل من الجنب الأيمن أكثر
وأغلب كان سعيداً، واسع الرزق، حكيماً يُشبه بالصفة أباه في اللون وغيره من
الجسد، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيمن أغلظ من الذي ينزل من
الجانب الأيسر، كان الولد عاماً حكيماً وسطاً في أمر الدنيا، وإن كان الماء
الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلب وأكثر، كان الولد شقيّاً موسَّعاً عليه في
الدنيا، وربما كان كافراً، يشبه في الصفة واللون وغير ذلك في جسده أخواله،
وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلظ، كان الولد فاسقاً فاجراً
زانياً فاحشاً متفحّشاً مقَتَّراً عليه في الدنيا، يُروى ذلك عن عليّ
فمن ذلك سُمّيت الجنابة جنابةً؛ لأن ماء الرجل إذا وصل إلى رحم
المرأة نزل ماؤها إلى بين جنبيها، فيجتمع ثم ينزل إلى الرحم، ثم يَلحق بماء
الرجل، قال: وقد قيل أيضاً: إنما سُمّيت الجنابة جنابةً؛ لقول حوّاء لَمّا
جامعها آدم: وجدتُ لذّة ذلك بين جنبيّ إلى أن استقرّ ذلك فيّ. انتهى(١).
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٧/٢ - ٨.

٤٩٩
(٢٨) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ - حديث رقم (٨٣٠)
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذه الحكاية من النكارة،
والظاهر أنها من الإسرائيليّات، ولا يثبت عن عليّ رَظُه ولا عن غيره، وإنما
نقلته للتنبيه عليه، والذي صحّ لدينا مما في ((الصحيحين)) وغيرهما قوله وَ ل:
((وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نَزَع الولدَ، وإذا سبق ماء المرأة
ماء الرجل نزعت الولد))، لفظ البخاريّ، وفي لفظ لمسلم: ((إذا علا ماؤها ماء
الرجل، أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه))، ونحو
ذلك، لا كما ذكره الترمذيّ الحكيم بسياقه الغريب، فلا تغترّ به، والله تعالى
الهادي سواء السبيل.
(فَانْسَلَّ) أي ذهب عن النبيّ وََّ في خُفْية، قال في ((اللسان)): الانسلال:
الْمُضيّ، والخروج من مَضِيق، أو زِحَام، وانسَلَّ، وتسلَّل: انطلق في استخفاء،
ويقال: انْسَلَّ فلانٌ من بين القوم يَغّدُو: إذا خرج في خُفْيةٍ يَعْدُو. انتهى
باختصار وتصرّف(١).
ووقع عند البخاريّ: ((فانخنست منه))، والانخناس: الانقباض والرجوع،
وما قارب ذلك المعنى.
يقال: خَنَسَ يُستعمل لازماً ومتعدّياً، ومن الأول: ((إذا ذَكَر الله خَنَسَ،
وإذا غَفَلَ وسوس))(٢)، ومن الثاني: ((وَخَسَ إبهامه))(٣)، أي قبضها.
وقيل: إنه يقال: أخنسه في المتعدّي، حكاه صاحب ((مجمع
البحرين)» (٤).
وقد رويت هذه اللفظة: ((فانبجست منه)) بالجيم، من الانبجاس، وهو
(١) ((لسان العرب)) ٣٣٨/١١ - ٣٣٩.
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده) ٢٧٩/٧، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦٨/٦، والبيهقيّ في
((الشعب)) ٤٣٦/٢، وضعّفه الحافظ في ((الفتح)) ٧٤٢/٨، والهيثميّ في ((المجمع))
١٤٩/٧، والألباني في ((الضعيفة)) رقم (٣٦٧).
(٣) طرف من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((إن الشهر هكذا وهكذا، وخنس الإبهام في
الثالثة))، متّفق عليه.
(٤) هو الحسن بن محمد بن حيدر العدويّ العمريّ الصاغانيّ الحنفيّ المتوفّى سنة
(٦٥٠ هـ).

٥٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الاندفاع: أي اندفعتُ عنه، ويؤيّده قوله في حديث آخر: ((فانسللت منه))،
ورُوي أيضاً: ((فانبخست منه))، من البخس، وهو النقص، وقد استُبْعِدت هذه
الرواية، ووُجّهت على بُعدها بأنه اعتَقَد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسته بَّه
أو مصاحبته مع اعتقاد نجاسة نفسه، هذا أو معناه، قاله ابن دقيق العيد رَظّهُ(١).
وقوله: (فَذَهَبَ) عطف تفسير لـ ((انسلّ)) (فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ◌َّ) أي
طلبه ليجالسه، ويُحادثه، وفي رواية النسائيّ: ((ففقده النبيّ وَّ﴾))، ومعناه:
عَدِمه، يقال: فَقَدته فَقْداً، من باب ضرب، وفُقْداناً بالكسر والضمّ: عَدِمْتُهُ،
فهو فَقِيد، ومفقودٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طلبته، أفاده في ((المصباح)) بزيادة
عليه(٢).
والمعنى: أنه وَيولم يجد أبا هريرة ظبه بعدما أبصره عنده؛ لكونه ذهب
يغتسل عن جنابته؛ لاعتقاده أنه نَجَسٌ بسببها، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا جَاءَهُ) أي جاء أبو هريرة النبيّ وَل﴿ من المكان الذي يغتسل فيه،
وفي نسخة: ((فلما جاء)) (قَالَ) وَلّ مستفهماً له عن سبب تغيّبه عن حضرته
الشريفة ((أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقِيتَنِي) بكسر القاف: أي
صادفتني، يقال: لَقِيته ألقاه، من باب تَعِبَ لُقِيّاً بالضمّ، والأصلُ على فُعُول،
فاجتمعت الواو والياء، فقُلبت الواو ياءً، ثمّ أُدغمت في الياء، ولُقَّى بالضمّ مع
القصر، ولِقَاءً - بالكسر مع المدّ والقصر -، وكلُّ شيء استَقْبَل شيئاً، أو صادفه،
فقد لَقِيه، ومنه لقاءُ البيت: وهو استقباله. انتهى من ((المصباح)) بإيضاح(٣).
(وَأَنَا جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَكَرِهْتُ)
بكسر الراء، يقال: كَرِهته، من باب تَعِبَ كُرْهاً بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ
أحببته، فهو مكروه(٤). (أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة (أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ)
وللبخاريّ: ((وأنا على غير طهارة))، وإنما كره أبو هريرة بظلاله مجالسته على
تلك الحالة؛ لأنه وَ﴾ كان إذا لَقِيَ أحداً من أصحابه ماسحه ودعا له، فقد
(١) ((إحكام الأحكام)) ٣٥٩/١ - ٣٦٢ بنسخة ((الحاشية)).
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٧٨/٢.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٥٨/٢.
(٤) ((المصباح)) ٥٣٢/٢.