Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (٢٧) - بَابُ التََّّمُّم - حديث رقم (٨٢٢) طهارة، وقد ثبت بالكتاب والسنة أنها طهارة، حتى ثبت في ((الصحيح)) أن النبيّ ◌َّ سَلَّم عليه رجل، فلم يرد عليه حتى تيمم وردَّ عليه السلام، وقال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر))(١). وإذا كان تطهر قبل الوقت، كان قد أحسن، وأتى بأفضل مما وجب عليه، وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدَّى أكثر من الواجب في الزكاة وغيرها، وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود، وهذا كله حسن، إذا لم يكن محظوراً، كزيادة ركعة خامسة في الصلاة، والتيممُ مع عدم الماء حسن، ليس بمحرم، ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة، ولمس المصحف، وقراءة القرآن، وما ذكر من الأثر عن بعض الصحابة فبعضه ضعيف، وبعضه معارَضٌ بقول غيره، ولا إجماع في المسألة، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَلَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. انتهى كلام شيخ الإسلام رَّتُهُ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه شيخ الإسلام تَخْتُ تحقيقٌ بديع مفيد جدّاً . خلاصته أن الحقّ أن التيمّم رافع للحدث، فيجوز قبل الوقت وبعده، ويصلّي به الفرائض المتعدّدة والنوافل، كما يصلي بالوضوء من غير فرق؛ لأن الشارع جعله بدلاً عنه مطلقاً ما لم يقدر على استعمال الماء، ولا ينقضه إلا ما ينقض أصله، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه جحة العنيد وملجأ البليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تيمّم الجنب إذا خشي على نفسه البرد: قال النوويّ دَّثُهُ: أجمع العلماء على جواز التيمم عن الحدث الأصغر، وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار، ومَن قبلهم على جوازه للجنب والحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحدٌ من الخلف، ولا أحد من السلف إلا ما جاء (١) حديث صحيح أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٥/١، وقصّة السلام عليه وَيقر وهو يبول أخرجه مسلم في ((صحیحه)). ٤٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود رضيًّا، وحُكِي مثله عن إبراهيم النخعيّ الإمام التابعي وقيل: إن عمر، وعبد الله رجعا عنه، وقد جاءت بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة المشهورة، وإذا صلى الجنب بالتيمم، ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء إلا ما حُكَي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعيّ أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله، ومَن بعده، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره وَلقر للجنب بغسل بدنه إذا وَجَد الماء. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ . وقال ابن المنذر تَّلُهُ: وقد احتجّ غير واحد من أهل العلم في التيمم على الجنب بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] كان معناه لا يقرب الصلاة جنب إلا أن يكون عابر سبيل مسافراً لا يجد الماء، فيتيمم ويصلي. قال: وَرَوينا معنى هذا القول عن عليّ، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم، والحسن بن مسلم بن يناق، وقتادة. وبه قال الشافعيّ، والثوريّ، وأبو ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وهو قول عوامّ أهل العلم من فقهاء الأمصار. قال: وقد رَوَينا عن عمر، وابن مسعود قولاً، معناه منع الجنب التيمم، وقال النخعيّ: إذا أجنب الرجل، ولم يجد الماء فلا يتيمم ولا يصلي، وإذا وجد الماء اغتَسَل، وصلّى الصلوات. قال ابن المنذر تَّتُهُ: وبالقول الأول أقول. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح الأقوال هو الذي ذهب إليه الجمهور، من جواز التيمّم للجنب، بل القول بخلافه مهجور، منابذ للأدلّة الصحيحة المشهورة، كحديث عمّار ظُه المتّفق عليه، وسيأتي في الباب، ومنها: حديث عمران بن حصين الخزاعيّ ظها أن رسول الله وَله رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم، فقال: ((يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟))، فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: ((عليك بالصعيد، (١) ((الأوسط)) ١٣/٢ - ١٥. ٤٤٣ (٢٧) - بَابُ التََّمُمِ - حديث رقم (٨٢٢) فإنه يكفيك))، متّفقٌ عليه، وغير ذلك من الأدلّة الصحيحة؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جماع من لا يجد الماء أهله: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ: اختَلَف أهل العلم في غَشَيان من لا ماء معه من المسافرين وغيرهم، فكرهت طائفة لمن هذه صفته أن يجامع، وممن رَوَينا عنه أنه كره ذلك عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال الزهريّ، وقال مالك: لا أحب له أن يصيب أهله إلا ومعه ماء. وأباحت له طائفة غشيان أهله، وإن لم يكن معه ماء، فقالت: یتیمم، ويصلي، رُوي هذا عن ابن عباس، وبه قال جابر بن زيد، والحسن، وقتادة، وهو قول سفيان، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وقال: قد فعله ابن عباس، وقال في مكان آخر: يتوقاه أحب إليّ إلا أن يخاف، قال إسحاق: هو سنة مسنونة من النبيّ ◌َ ﴾ في أبي ذر وعمار، وفعله ابن عباس. وقال أصحاب الرأي: يطؤها، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦]. وفي المسألة قول ثالث قاله عطاء، قال في المسافر لا يجد الماء: إن كان بينه وبين الماء أربع ليال فصاعداً، فليُصْبِ أهله، وإن كان بينه وبينه ثلاث ليال فما دونها، لم يصب أهله، وقال الزهريّ: إن كان في السفر، فلا يقربها حتى يأتي الماء، وإن كان أعزب فلا بأس أن يصيبها، وإن لم يكن عنده ماء. قال ابن المنذر تَّتُهُ: وبهذا القول نقول؛ لأن الله تعالى أباح وطء الزوجة وملك اليمين، فما أباح فهو على الإباحة، لا يجوز حظر ذلك، ولا المنع منه إلا بسنة أو إجماع، والممنوع منه حال الحيض، والإحرام، والصيام، وحال المظاهر قبل أن يكفّر، وما وقع تحريم الوطء منه بحجة، فأما كل مختَلَف فيه في ذلك فمردود إلى أصل إباحة الكتاب الوطء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوُهُربَّهَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، وقد جعل التيمم طهارة لمن لا يجد الماء، ولا فرق بين من صلى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلى بتيمم حيث لا يجد الماء؛ إذ كلٌّ مُؤَدِّ ما فُرِض عليه. ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال: والأخبار التي ذكرناها في باب إثبات التيمم للجنب المسافر الذي لا يجد الماء، دالّةٌ على صحة ما قلناه، وقد رَوَينا عن النبيّ بَّ في هذا المعنى بعينه حديثاً، ثم أخرج من طريق حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ وَل*، فقال: يا رسول الله، الرجل يَعزُب ولا يَقدِر على الماء، يجامع أهله؟ قال: ((نعم)). انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده حجاج بن أرطاة ضعيف، فالأولى الاستدلال بما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، أن أبا ذرّ ◌ُبه قال للنبيّ وَّ: إني أَغْزُبُ عن الماء، ومعي أهلي، فتُصيبني الجنابة، فأصلّي بغير طهور؟ فقال النبيّ وَله: ((إن الصعيد الطيّب طهورٌ ... ))، وهو حديث صحيحٌ، صححه الحاكم، وابن حبّان، وغيرهما . وجه الدلالة أن النبيّ ◌َّله أقرّ أبا ذر رَُّه في إصابة الجنابة له من أهله مع أنه ليس معه ماء، فدلّ على أن إتيان أهله لمن ليس معه ماء جائز، فيتيمّم بالصعید. والحاصل أن أرجح الأقوال قول من قال: بجواز غشيان الأهل لمن لا يجد الماء، كما رجحه ابن المنذر وغيره؛ لقوّة حجّته؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حدّ المريض الذي يباح له التيمم : قال الإمام ابن المنذر كَّتُهُ: اختَلَف أهل العلم في التيمم للمريض الواجد للماء، فرخّص كثير منهم لمن به القروح، أو الجروح، أو الْجُدَريّ(٢)، وخاف على نفسه أن يتيمم، وإن وَجَد الماء. رَوَينا عن ابن عباس ظّ رفعه في قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ تَرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١) ((الأوسط)) ١٦/٢ - ١٨. (٢) (الْجَدَريّ)) بفتح الجيم، وضمّها، وأما الدال فمفتوحة فيهما: قُرُوحٌ تَنْفَط عن الجلد ممتلئةً ماءً، ثم تنفتح. اهـ. ((المصباح)) ١/ ٩٣. ٤٤٥ (٢٧) - بَابُ التََّّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢) الآية [المائدة: ٦]، قال: إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله، أو قروح، أو جُدَريّ، فجَنُب، فخاف أن يغتسل فيموت، يتيمم بالصعيد، ورَخَص مجاهد في التيمم للمَجْدُور، وقال عكرمة: يتيمم الذي به القُروح أو الجروح، ورَخَّص طاوس في ذلك للمريض الشديد المرض، وكذلك قال قتادة، وحماد بن أبي سليمان، وإبراهيم للذي به الْجُدَريّ أن يتيمم، وكذلك قال مالك في المجدور والمحصوب، إذا خافا على أنفسهما . وقالت طائفة: إنما رُخِّص في التيمم للمريض الذي لا يجد الماء، فأما مَن وجد الماء فليس يجزيه إلا الاغتسال، واحتج بظاهر قوله بعد أن ذكر المريض وغيره: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، هذا قول عطاء، وكان الحسن يقول في المجدور تصيبه الجنابة: يُسَخَّن له الماء فيغتسل به، ولا بُدَّ من الغسل. قال ابن المنذر تَُّ: وبالقول الأول أقول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الآية [النساء: ٢٩]، وقد ثبت أن عمرو بن العاص ربه احتَلَم في ليلة باردة، فأشفق إن اغتسل أن يهلك، فتيمم وصلى، وذكر ذلك للنبي وَّ، فضحك ولم يقل شيئاً(١)، وليس بين من خاف إن اغتسل أن يَتْلَف من البرد، وبين من به علة يخاف الموت إن اغتسل من أجلها فرقٌ، والنبيّ وَّه المبيّن عن الله تعالى معنى ما أراد، لو كان ما فَعَل عمرو غير جائز لعلَّمه ذلك، ولأمره بالإعادة، ففي إقراره ذلك من فعله، وترك الإنكار عليه دليل على إجازة ما فعله. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر نَّتُهُ تحقيقٌ حسنٌ جدّاً. (١) هو ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح (٣٣٤) عن عمرو بن العاص نظر اته قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبيّ وَّه، فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟))، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك رسول الله وَ لّ، ولم يقل شيئاً. (٢) ((الأوسط)) ١٩/٢ - ٢٠. ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض والحاصل أن جواز التيمّم للمريض الواجد ماءً إذا شقّ عليه استعماله هو الحقّ؛ لوضوح حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في معنى الصعيد: (اعلم): أنهم اختلفوا فيه على أقوال: فقيل: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، وإن لم يَعْلَق بيده، كالزِّرْنِيخ، والنُّورة، والْجِصِّ، وكالصخرة الملساء، فأما ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به، وهو قول أبي حنيفة، ومحمدٌ يوافقه، لكن بشرط أن يكون مُغَبَّراً، لقوله: ﴿مِنْهُ﴾. وقيل: يجوز بالأرض، وبما اتصل بها حتى بالشجر، كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدَر، وهو قول مالك، وله في الثلج روايتان: إحداهما: يجوز التيمم به، وهو قول الأوزاعيّ، والثوريّ، وقيل: يجوز بالتراب والرمل، وهو أحد قولي أبي يوسف، وأحمد في إحدى الروايتين، وروي عنه أنه يجوز بالرمل عند عدم التراب، وقيل: لا يجوز إلا بتراب طاهر له غبارٌ يَعْلَق باليد، وهو قول أبي يوسف، والشافعيّ، وأحمد في الرواية الأخرى. واحتجّ هؤلاء بقوله: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وهذا لا يكون إلا فيما يعلق بالوجه واليد، والصخرُ لا يعلق لا بالوجه ولا باليد، واحتجوا أيضاً بأن ابن عباس ما قال: الصعيد الطيب تراب الحرث، واحتجوا أيضاً بقول النبيّ وَل: ((جُعِلت لي الأرض مسجداً، وجُعلت تربتها طهوراً))، قالوا: فَعَمَّ الأرض بحكم المسجد، وخَصَّ تربتها، وهو ترابها بحكم الطهارة. قالوا: ولأن الطهارة بالماء اختَصَّت من بين سائر المائعات بما هو ماء في الأصل، فكذلك طهارة التراب تختص بما هو تراب في الأصل، وهما الأصلان اللذان خُلِقٍ منهما آدم، الماء والتراب، وهما العنصران البسيطان، بخلاف بقية المائعات والجامدات، فإنها مركبة. واحتج الأولون بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾ قالوا: والصعيد هو الصاعد على وجه الأرض، وهذا يعمّ كل صاعد، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَِعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا ﴾﴾ [الكهف: ٨]، وقوله: ﴿فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. ٤٤٧ (٢٧) - بَابُ التَّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢) واحتجَّ من لم يخص الحكم بالتراب بأن النبيّ وَّ قال: ((جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصلِّ)، وفي رواية: ((فعنده مسجده وطهوره))، فهذا يُبَيِّن أن المسلم في أيّ موضع كان عنده مسجده وطهوره، ومعلوم أن كثيراً من الأرض ليس فيها ترابُ حرث، فإن لم يجز التيمم بالرمل كان مخالفاً لهذا الحديث، وهذه حجة مَن جَوَّز التيمم بالرمل دون غيره، أو قَرَن بذلك السَّبِخَة، فإن من الأرض ما يكون سبخة، واختلاف التراب بذلك كاختلافه بالألوان، بدليل قول النبيّ وَ له: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنوه على قدر تلك القبضة، جاء منهم الأسود والأبيض، وبين ذلك، وجاء منهم السهل والْحَزْن، وبين ذلك، ومنهم الخبيث والطيب، وبين ذلك))، وآدم إنما خُلِق من تراب، والتراب الطيب والخبيث الذي يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً، يجوز التيمم به، فعلم أن المراد بالطيب الطاهرُ، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار، فإنها ليست من جنس التراب، ولا تَعْلَق باليد، بخلاف الزرنيخ والنورة، فإنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس، قاله شيخ الإسلام تَخَذَثُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان المذاهب، وأدلّتها أنّ أرجحها مذهب أبي حنيفة، ومالك ــ كما قال النوويّ - وهو جواز التيمّم بكلّ ما كان من جنس الأرض، وإن لم يَعْلَق باليد؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من فقد ماءً، وصعيداً : قال النوويّ نَُّهُ: هذه المسألة فيها خلاف السلف والخلف، وهي أربعة أقوال للشافعيّ: [أصحها]: عند أصحابنا أنه يجب عليه أن يصلي، ويجب عليه أن يعيد الصلاة، أما الصلاة فلقوله وَله: ((فإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما (١) ((مجموع الفتاوى)) ٣٦٤/٢١ - ٣٦٦. . . ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض استطعتم))، وأما الإعادة فلأنه عذر نادرٌ، فصار كما لو نَسِي عضواً من أعضاء طهارته وصلى، فإنه يجب عليه الإعادة. [والقول الثاني]: لا تجب عليه الصلاة ولكن تُستحب، ويجب القضاء، سواء صلى أم لم يصلّ. [والثالث]: تحرم عليه الصلاة؛ لكونه محدثاً، وتجب الإعادة. [والرابع]: تجب الصلاة، ولا تجب الإعادة، وهذا مذهب الْمُزَنيّ، وهو أقوى الأقوال دليلاً، ويعضده هذا الحديث وأشباهه، فإنه لم يُنقَل عن النبيّ وَّ إيجاب إعادة مثل هذه الصلاة، والمختار أن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولم يثبت الأمر فلا يجب، وهكذا يقول المزنيّ في كل صلاة وجبت في الوقت على نوع من الخلل، لا تجب إعادتها . وللقائلين بوجوب الإعادة أن يجيبوا عن هذا الحديث بأن الإعادة ليست على الفور، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة على المختار. انتهى كلام النوويّ نَظُّهُ(١) . قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي هو ما ذهب إليه المزنيّ، وهو المشهور عن الإمام أحمد، وسحنون من المالكيّة، وابن المنذر - كما عزاه إليهم في ((الفتح)) (٢) - لقوّة دليله، كما قاله النوويّ. وأما قوله: ((إن الإعادة لا تجب على الفور)) ففيه نظر، بل الحقّ أنه يجب إذا قدر الشخص عليه، فقد قال ◌َله: ((من نام عن صلاة أو نسيها، فليُصلّها إذا ذكرها))، متّفقٌ عليه، فقد أوجب عليه أن يصليها وقت تذكّرها، وهذا مثله، فلو كانت الإعادة واجبة لبيّنها لهم النبيّ وَّر في ذلك الوقت؛ لأن ذلك وقت الحاجة، فلما لم يبيّنها تبيّن عدم وجوبها . والحاصل أن الأرجح أن من فقد شرطاً من شروط الصلاة، كفاقد الطهورين، وعادم ما يستر عورته، ونحو ذلك تجب عليه الصلاة، ولا تجب عليه الإعادة؛ لأنه قام بما كُلّف به، فقد صحّ عنه وَّ قوله: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم))، متّفق عليه، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا (١) ((شرح النوويّ)) ٦٠/٤. (٢) راجع: ((الفتح)) ٥٢٤/١. ٤٤٩ (٢٧) - بَابُ التَّيَّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢) وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٨٢٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ بِشْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرٍ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيِّ ◌َّل شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ: جَزَاكِ اللهُ خَيْراً، فَوَ اللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ، إِلَّا جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجاً، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو أُسَامَّةَ) حماد بن أسامة بن زيد القُرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١. ٤ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بِشر الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١. ٥ - (هِشَام) بن عروة المدنيّ، تقدّم قريباً. ٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير المدنيّ، تقدّم قريباً أيضاً. وقولها: (أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ) هي أخت عائشة ﴿ُها الملقّبة بذات النطاقين، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وتوفّيت سنة (٣ أو ٧٤) وتقدّمت ترجمتها في ((الطهارة)) ٦٨١/٣٣. ولا تخالف بين هذه الرواية: ((استعارت من أسماء))، وقولها الماضي: ((انقطع عِقْد لي))؛ لإمكان الجمع بأنه كان ملكاً لأسماء حقيقةً، أضافته إلى نفسها؛ لكونه في يدها وتصرّفها، والله تعالى أعلم. ٤٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وقولها: (قِلَادَةً) بكسر القاف: ما يُجعل في العنُق(١)، وهو العقد المذكور في الحديث الماضي، قال النوويّ تَخْذُّهُ: وأما العقد، فهو بكسر العين، وهو كلُّ ما يُعقد، ويُعلّق في العنق، فيُسمّى عِقْداً وقِلادةً. انتهى(٢). وقولها: (فَهَلَكَتْ) أي ضاعت، وهو بمعنى قولها السابق: ((انقطع عقد لي)». وقولها: (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ نَِّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((فبعث رسول الله (﴿ ﴿ رجلاً))، ولا تنافي بين الروايتين؛ لإمكان الجمع بأنه وقدليه أرسل جماعة، وجعل رجلاً منهم رئيساً عليهم، وهو أسيد بن حُضير نَظُه. وقولها: (فَصَلَّوْا بِغَيْرٍ وُضُوءٍ) هذا دليل لقول من قال: إن فاقد الطهورين يصلي على حاله، وقد تقدّم أن أرجح المذاهب وجوب الصلاة عليه، بلا إعادة؛ فتنبّه. [تنبيه]: قوله: ((فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ)) هذه الزيادة ادّعى ابن المنذر تَُّهُ فِي ((الأوسط)) (٤٦/٢) أنه تفرّد بها عبدة بن سليمان. ورُدّ عليه بأنه لم ينفرد بها، بل تابعه أبو أسامة، ومحمد بن بشر عند المصنّف هنا، وعبد الله بن نمير، عند الحسن بن سفيان في («مسنده))، وأبو نعيم عند الإسماعيليّ، أفاده في ((الفتح)(٣). قوله: (فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطَّ) وفي رواية البخاريّ: ((فوالله ما نزل بكِ أمرٌ تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيراً)). والحديث متّفقٌ عليه، والمسائل المتعلّقة به قد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٤] (٣٦٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ تُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ (١) راجع: ((القاموس)) ٣٣٠/١. (٣) ٥٢٥/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٩/٤. ٤٥١ (٢٧) - بَابُ التََّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٣) شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يَتَيَمَّمُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّعُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ، أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ، كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا))، ثُمّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَوَ لَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْتَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌّ إمام، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧. ٤ - (شَقِيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة [٢] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات ظه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. ٦ - (عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوَذِيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن يام بن عَنْس - بنون ساكنة - ابن ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض مالك العنسي، أبو اليَقْظَان، حليف بني مخزوم، وأمه سُمَيّة مولاة لهم، كان من السابقين الأولين هو وأبوه، وكانوا ممن يُعَذَّب في الله، فكان النبي ◌َِّ يَمُرّ عليهم، فيقول: ((صبراً آل ياسر موعدكم الجنة))، واختلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها، ثم استَعمَله عمر رُه على الكوفة، وكَتَبَ إليهم أنه من النجباء، من أصحاب محمد له . وتواترت الأحاديث عن النبي ◌ّ ر أن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قُتل مع علي ◌ُّه بصِفِين قتله أبو غادية الجهنيّ، وقيل: المزنيّ، طعنه برمح فسقط، سنة سبع وثمانين في ربيع، وله ثلاث وتسعون سنة(١)، واتفقوا على أنه نزل فيه قوله رَك: ﴿إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦](٢). وقال النبيّ وَّرَ في حقّه: ((مَرْحباً بالطيّب المطيّب))(٣)، وقال: ((اهتدوا بهدي عمّار)) (٤)، وقال: ((من أبغض عمّاراً أبغضه الله، ومن عاداه عاداه الله))(٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط(٦)، هذا برقم (٣٦٨) وأعاده بعده، وحديث (٨٦٩): ((إن طول صلاة الرجل، وقِصَر خطبته مئنّة من فقهه ... ))، وحديث رقم (٢٧٧٩) وأعاده بعده، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ الاتّفاق كيفيّة تحمّله عنهم، وهي السماع من لفظهم مع غيره. (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ١٣٤. (٢) راجع: ((الإصابة)) ٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤. (٣) أخرجه الترمذيّ (٣٧٩٩)، والحاكم في (٣٨٨/٣) وصححه، ووافقه الذهبيّ. (٤) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٨٥/٥ و٤٠٢)، وصححه ابن حبان (٢١٩٣)، والحاكم في (٧٥/٣) ووافقه الذهبيّ. (٥) أخرجه أحمد (٨٩/١ و٩٠)، والحاكم ٣٨٩/٣ و٣٩٠، وصححه، ووافقه الذهبيّ. (٦) وقال ابن الملقّن تَغْلَثُ في ((الإعلام)) (١٣٢/٢): له عن النبي ◌َّ اثنان وستّون حديثاً، اتفق الشيخان على حديثين، وقال ابن الجوزيّ: على واحد، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث. ٤٥٣ (٢٧) - بَابُ التَّيَّمُّم - حديث رقم (٨٢٤) ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال أبو بكر ... إلخ))، وذلك أن شيوخه الثلاثة، وإن اشتركوا في الرواية عن أبي معاوية، إلا أن شيخه أبا بكر صرّح بالتحديث عنه، بخلاف الآخرين، فبيّنه المصنّف بالتفصيل. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، إلا الثوريّ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: أبي موسى، عن عمّار ◌َّ، وتابعيّ عن تابعيّ مخضرم: الأعمش، عن شقيق، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ شَقِيق) بن سلمة، أبي وائل تَخُّْ، وفي رواية للبخاريّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، قال: ((سمعتُ شقيق بن سلمة))، فصرّح الأعمش بالسماع، فزالت عنه تهمة التدليس، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَبُه (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌َبه (فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن مسعود (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ) قال في ((القاموس)): ((الجَنابة)): الْمَنيّ، وقد أجنب، وجَنِبَ - بكسر النون - وجَنُبَ - بضمّها - وأُجْنِبَ - بالبناء للمفعول - واسْتَجْنَبَ، وهو جُنُبٌ يستوي الواحد والجميع، أو يقال: جُنُبَانٍ، وأَجْنابٌ، لا جُنُبَةٌ. انتهى(١). وقال في ((المفهم)): قال الفرّاء: يقال: أجنب الرجل، وجَنُبَ من الجنابة، وقال غيره: يقال: جُنُبٌ للواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنّث، قال ابن فارس: وقد قيل في الجمع: أجنابٌ، والجنَابة: الْبُعْدُ، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ فقوله: ((عن جنابة)): أي بُعْدٍ، قال الأزهريّ: وسُمّي جُنُباً؛ لأنه نُهِي أن (١) ((القاموس المحيط)) ٤٨/١ - ٤٩. ٠ ٤٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض يقرَبَ مواضع الصلاة ما لم يتطهّر، فيجتنبها، وقال الشافعيّ: إنما سُمّي جُنُباً من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجلُ: إذا خالط امرأته، وهذا ضدّ المعنى الأول، كأنه من القرب منها. انتهى(١). (فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً) المراد طول المدّة، لا التحديد بالشهر (كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟) أي هل يصلّي بالتيمّم، أم يترك الصلاة؟، وفي رواية البخاريّ: ((لو أن رجلاً أجنب، فلم يجد الماء شهراً، أما كان يتيمّم، ويُصلّي؟)) (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌َظُه (لَا يَتَيَمَّمُ) يعني أنه لا يُصلي؛ لعدم ما يتوضّأ به (وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً) قال القرطبيّ تَخْفُ: كان مذهب عبد الله بن مسعود ◌ّه أن الجنب لا يتيمّم؛ لأنه ليس داخلاً في عموم ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ألا تراه قد سَلَّم ذلك لأبي موسى، ونحا إلى منع الذريعة، وكأنه كان يعتقد تخصيص العموم بالذريعة، ولا بُعْدَ في القول به على ضعفه. وأما عمر بن الخطاب ظه، فكان يرى أن الآية لا تتناول الجنب رأساً، فمنعه التيمّم لذلك، وتوقّف في حديث عمّار ◌َه؛ لكونه لم يَذْكُره حین ذَكَّرَه به، وقد صحّ عن عمر، وابن مسعود أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمّم، وهو الصحيح؛ لأن الآية بعمومها متناولة له، ولحديث عمّار ظه المذكور هنا، وحديث عمران بن الحصين ظمه، حيث قال النبي ◌ّ للرجل الذي قال له: أصابتني جنابةٌ ولا ماء، فقال له: ((عليك بالصعيد، فإنه يكفيك))، متّفقٌ عليه، وهذا نصّ رافعٌ للخلاف. انتهى(٢) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في المسألة الخامسة في الحديث (٨٢٢) تحقيق القول في مسألة تيمّم الجنب، وأن الراجح جوازه، وهو مذهب الجمهور، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) ◌َبه (فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ) وفي رواية البخاريّ: ((فكيف تصنعون بهذه الآية؟))، وقوله: (فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ) متعلّق بصفة لـ ((الآية))، أو حال منه . (١) ((المفهم)) ١/ ٦١٣. (٢) ((المفهم)) ١/ ٦١٣ - ٦١٤. ٤٥٥ (٢٧) - بَابُ النَّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٤) وإنما عَيَّنَ سورة المائدة؛ لكونها أظهر في مشروعيّة تيمّم الجنب من آية النساء؛ لتقدّم حكم الوضوء في المائدة. وقوله: ﴿﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ [المائدة: ٦]) بدلٌ من ((الآية، أو عطف بيان. قال الخطابيّ وغيره: فيه دليلٌ على أن عبد الله بن مسعود كان يرى أن المراد بالملامسة الجماع، فلهذا لم يَدفع دليل أبي موسى عظاته، وإلا لكان يقول له: المراد من الملامسة التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجَعْلُ التيمّم بدلاً من الوضوء لا يستلزم جعله بدلاً من الغسل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الخطابيّ وغيره من أن ابن مسعود ظُه يرى أن المراد بالملامسة الجماع واضح من هذه القصّة، وتَعَقُّب العينيّ تبعاً للكرمانيّ مما لا يخفى بُعْده على من تأمله، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود رَُّه (لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ) بالبناء للمفعول (فِي هَذِهِ الْآيَةِ) ((في)) هنا سبيّة، كما في حديث: ((عُذِّبت امرأة في هرّة حبستها))، متّفقٌ عليه، أي بسبب هذه الآية (لَأَوْشَكَ) أي أسرع، قال في ((القاموس)): وَشُكَ الأمرُ، ككَرُمَ: سَرُعَ، كَوَشَّكَ، وأوشك: أسرع السيرَ؛ كَوَاشَك، ويُوشِكُ الأمرُ أن يكون، وأن يكونَ الأمرُ، ولا تُفْتَحُ شينه، أو لغةٌ رَدِيَّةٌ. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: يُوشِك أن يكون كذا من أفعال المقاربة، والمعنى: الدنوّ من الشيء، قال الفارابيّ: الإيشاك: الإسراع، وفي ((التهذيب)) في باب الحاء: وقال قتادة: ((كان أصحاب رسول الله وَ ل يقولون: إن لنا يوماً أوشك أن نستريح فيه، ونَنْعَمَ))، لكن قال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل منها قليلٌ، وقال بعضهم: وقد استعملوا ماضياً ثلاثيّاً، فقالوا: وَشُكَ مثلُ قَرُبَ، وُشْكاً. انتهى(٣). قال ابن مالك تَخْتُ في ((خلاصته)) : وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لِـ ((أَوْشَكَا)) وَ(كَادَ)) لَا غَيْرُ وَزَادُوا ((مُوشِكًا)) (١) راجع: ((الفتح)) ١/ ٥٤٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٦١/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ٣٢٣/٣. ٤٥٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض (إِذَا بَرَدَ) بفتح الراء على المشهور، وحَكَى الجوهريّ ضمّها، قاله في (١) ((الفتح))(١). وعبارة ((القاموس)): الْبَرْدُ: معروفٌ، بَرَدَ، كَنَصَرَ، وكَرُمَ، بُرُودَةً، وماءٌ بَرْدٌ - بفتح، فسكون - وباردٌ، وبَرُودٌ - بالفتح -، وبُرَادٌ - بالضمّ، وتخفيف الراء - ومَبْرُودٌ، وبَرَدَهُ - بالتخفيف - وبَرّده - بالتشديد -: جعله بارداً، أو خَلَطه بالثلج. انتھی(٢). وفي ((المصباح)): بَرُد الشيءُ بُرُودَةً، مثلُ سَهُلَ سُهُولةً: إذا سكنت حرارته، وأما بَرَدَ بَرْداً، من باب نصر، فيُستعمل لازماً ومتعدّياً، يقال: بَرَدَ الماءُ، وبَرَدتُهُ، فهو باردٌ ومَبْرُودٌ، وهذه العبارة تكون من كلّ ثلاثيّ يكون لازماً ومتعدّياً، قال الشاعر [من الطويل]: وَعَظِّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكَابِ فَإِنَّهَا سَتَبْرُدُ أَكْبَاداً وَتُبْكِي بَوَاكِيَا وبَرَّدتُّهُ بالتثقيل مبالغةٌ. انتهى(٣). (عَلَيْهِمُ) متعلّق بـ ((بَرَدَ)) (الْمَاءُ) بالرفع على الفاعليّة، وقوله: (أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ) في تأويل المصدر فاعل ((أوشك))، أي أوشك تيمّمهم بالصعيد، و((أوشك)) هنا تامّة لا تحتاج إلى خبر، وذلك أنها من أفعال المقاربة التي تنسخ المبتدأ والخبر، فترفع المبتدأ اسماً لها، وتنصب الخبر خبراً لها، وتُسمّى ناقصةً، نحو: أوشك زيد أن يقوم، وتُستعمل أيضاً تامّة، وهي التي تكتفي بمرفوعها، نحو: أوشك أن يقوم زيد، وكهذا الحديث، ومثلها في ذلك (عسى))، و((اخلولق))، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله: غِنَّى بِـ ((أَنْ يَفْعَلَ)) عَنْ ثَانٍ فُقِدْ بَعْدَ (عَسَى)) ((اخْلَوْلَقَ)) ((أَوْشَكْ)) قَدْ یَرِدْ (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ◌َّهِ (لِعَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَُهُ (أَلَمْ تَسْمَعْ) قال في ((الفتح)): ظاهره أن ذكر أبي موسى لقصّة عمّار متأخّرٌ عن احتجاجه بالآية، ووقع في رواية للبخاريّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش أن احتجاجه بالآية متأخّر عن احتجاجه بحديث عمّار رظُه، قال: ورواية حفص (١) ٥٤٤/١. (٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ٢٧٦/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٢/١ -٤٣. ٤٥٧ (٢٧) - بَابُ التََّمُّم - حديث رقم (٨٢٤) أرجح؛ لأن فيها زيادة تدلّ على ضبط ذلك، وهي قوله: فَدَعنا من قول عمّار، كيف تصنع بهذه الآية؟. انتهى (١). (قَوْلَ عَمَّار) بالنصب على المفعوليّة لـ ((تسمع)) (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَّ) يقال: بعثه، وابتعثه بمعنى أرسله، فابتعث، وهو من المطاوع، ومنه بعثت الناقة: أثرتها، وبعثه من منامه: أي أنبهه، وبعث الله الموتى: أي نشرهم ليوم البعث، وانبعث في السير: أي أسرع فيه (فِي حَاجَةٍ) هي رعاية الإبل، ففي رواية النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: ((أتذكر يا أمير المؤمنين، حيث كنت بمكان كذا وكذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنا أجنبنا))، وفي رواية المصنّف التالية: ((أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريّة، فأجنبنا))، وفي رواية أحمد في ((مسنده)) من طريق يعلى بن عبيد، عن الأعمش: ((بعثني رسول الله وَّرَ أنا وأنت فأجنبتُ)) (فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ) وفي رواية ابن أبي أبزى الآتية: ((فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصلّ، وأما أنا فتمعّكت في التراب)) (فَتَمَرَّغْتُ) أي تقلّبتُ، قال ابن الملقّن: التمرّغ في الشيء: التمعّك فيه، ويقال للموضع المتمرَّغ فيه: متمرَّغٌ، ومَرَاغٍ، ومَرَاغة. انتهى. (فِي الصَّعِيدِ) أي في التراب، كما في الرواية الأخرى (كَمَا تَمَرَّغُ) بحذف إحدى التاءين؛ تخفيفاً، كما في قوله تعالى: ﴿نَزَّلُ الْمَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَ ((تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) أي تتمرّغ الدابة، أي تتقلّب. وفيه دليلٌ على أن عمّاراً رَّه كان عنده علم بأصل التيمّم، وإنما لا يعلم كيفيّته، وكأن عمّاراً وُله استعمل القياس في هذه المسألة؛ لأنه لَمّا رأى أن التيمّم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمّم عن الغسل يقع على هيئة الغسل(٢). (الدَّابَّةُ) في الأصل كلُّ ماش على وجه الأرض، وقد أخرجها العرف عن هذا الأصل، فاستعملها أهل العراق في الفَرس خاصّةً، وأهل مصر في (١) ((الفتح)) ٥٤٤/١. (٢) ((الفتح)) ٥٢٩/١. ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض الحمار، قال الجوهريّ: وقولهم: أكذب مَنْ دَبّ ودَرَج: أي أكذب الأحياء والأموات(١). (ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) أي تيمّمه للجنابة بالتمرّغ، زاد في رواية النسائيّ: ((فضحك))، وإنما ضحك تعجّباً من فعله ذلك (فَقَالَ) وَهِ معلّماً له كيفيّة التيمّم المشروع في الجنابة ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ) بفتح أوله: أي يجزيك عن التمرّغْ (أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَ))) فيه إطلاق القول على الفعل مجازاً، وقد تقدّم غير مرّة. قال الحافظ تَُّ: فيه دليلٌ على أن الواجب في التيمّم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث، والزيادة على ذلك لو ثبت بالأمر دلّ على النسخ، ولزم قبولها، لكن إنما وردت بالفعل، فتُحمل على الأكمل، وهذا هو الأظهر من حيث الدليل. انتهى. وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: خاطبه بـ ((إنما)) ليحصر له القدر الواجب، وهو أن يضرب الأرض بيديه، ثم يمسح وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح كفّيه، ولم يُختَلَف أن الوجه كلّه لا بدّ من استيعابه، واختَلَفوا هل الواجب أن يبلغ إلى المرفقين، أم يقتصر على الكوعين؟ وإنما يُستحبّ الإيصال إلى المرفقين، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه، وهذا مذهب ابن القاسم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: ((فتُحمل على الأكمل)) فيه نظر، وكذا قول القرطبيّ: ((ثم يضرب ضربة أخرى ... إلخ))، فيه نظر أيضاً، فمن أين له تكرار الضرب؟ فإن الثابت في الحديث الصحيح في كيفيّة التيمّم ضربة واحدة للوجه والكفين، فما زاد على هذا فليس عليه دليلٌ يصحّ الاعتماد عليه، فلا ينبغي القول باستحبابه، وسيأتي تحقيق القول فيه قريباً - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ) بيّن المعنى المراد بالقول المشار إليه بقوله: (ضَرَبَ بِيَدَيْهِ) وفي رواية النسائيّ: ((بكفّيه)) (الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً) زاد في رواية: ((ثم نفخ فيهما))، وفي رواية: ((ثم أدناهما من فيه))، وهو كناية عن النفخ، وفيهما إشارة إلى أنه (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٣٥/١ - ١٣٦. (٢) ((المفهم)) ٦١٥/١. ٠ ٤٥٩ (٢٧) - بَابُ التَّيِّمُمِ - حديث رقم (٨٢٤) كان نفخاً خفيفاً، وفي رواية: (تَفَلَ فيهما))، و((التَّفْلُ)) قال أهل اللغة: هو دون الْبَزْق، والنَّفْثُ دونه. قال الحافظ تَُّ: وسياق هؤلاء يدلّ على أن التعليم وقع بالفعل، ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد - يعني الرواية التالية - والإسماعيليّ من طريق يزيد بن هارون وغيره، كلهم عن شعبة أن التعليم وقع بالقول، ولفظهم: ((إنما كان يكفيك أن تضرب الأرضَ بيدك)»، زاد يحيى: ((ثم تنفُخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفّیك)). واستُدلّ بالنفخ على استحباب التخفيف للتراب، وعلى سقوط استحباب التكرار في التيمّم؛ لأن التكرار يستلزم عدم التحفيف(١)، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ مَسَحَ) ◌َّهِ (الشِّمَالَ) بكسر الشين: خلاف اليمين، وجمعها أَشْمُلٌ، مثلُ: ذِرَاعٍ وأذرُع، وشمائل أيضاً(٢). (عَلَى الْيَمِينٍ) ويقال أيضاً: الْيُمنى، وهي مؤنّةٌ، وجمعها: أَيْمُنٌّ، وأيمانٌ. قال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: ومسحه الشمال على اليمين مراعاةٌ لحال اليمين حتى تكون هي المبدوء بها(٣). (وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ) بالنصب عطفاً على ((الشِّمالَ))، أي مسح ظاهر كفّيه، فهو من عطف المفصّل على المجمل، فإن قوله: ((الشمال على اليمين)) فيه إجمال من حيث شموله لكلّ اليدين، ففصّله بأن المراد مسح ظاهر كفّ اليمين بالشمال. و((الكفّ)» مؤنّئةٌ وقد تُذكَّر، سُمّيت بذلك؛ لأنها تكُفّ الأذى عن البدن: أي تدفعه، وقيل: لأن بها تُضمّ الأشياء وتُجْمَع . [فائدة]: في الإنسان عشرة أشياء أولها كاف: كُوعٌ، وكُرسوعٌ، وكفّ، وكَتِفٌ، وكَتَدٌ - بفتح التاء وكسرها -، وهو مجتمع الكتفين، وقيل: ما بين الكاهل والعنق، وكاهلٌ، وكُليةٌ(٤)، وهو ما بين الكتفين، وكَبِدٌ، وكَمَرةٌ، وهي (١) ((الفتح)) ٥٢٩/١. (٢) ((المصباح)) ٣٢٣/١. (٣) ((المفهم)) ٦١٥/١. (٤) ويقال: الكلوة بالواو لغة لأهل اليمن، قال الأزهريّ: الكليتان للإنسان ولكل = ٤٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض الحشفة، وكعبٌ، أفاده ابن الملقّن ◌َظّتْهُ(١). وقد نظمت ذلك بقولي : أَوَّلُهَا بِالْكَافِ نِلْتَ الرَّشَدَا وَجَاءَ فِي الإِنْسَانِ عَشْرٌ تُبْتَدَا وَكَتَدٌ وَكَاهِلٌ مِنْهَا عُرِفْ كُوٌ وَكُرْسُوعٌ وَكَفٍّ وَكَتِفْ قَرَّبْتُهَا نَظْماً لِقَوْم بَرَرَهْ وَكُلْيَةٌ كَعْبٌ وَكَبْدٌ كَمَرَهْ (وَوَجْهَهُ) بالنصب أيضاً، أي ومسح وجهه أيضاً، والوجه: مأخوذ من المواجهة، ويقال له: الْمُحَيّا أيضاً (٢). قال القرطبيّ تَظْهُ: وكونه في هذه الرواية أخّر الوجه في الذكر، وكونه في الرواية الثانية قدّمه يدلّ على عدم ترتيب الواو. انتهى (٣) . [تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ: ((ثم مسح بهما ظهر كفّه بشماله، أو ظهر شماله بكفّه، ثم مسح بهما وجهه))، قال في ((الفتح)): كذا في جميع الروايات بالشكّ، وفي رواية أبي داود تحرير ذلك، من طريق أبي معاوية أيضاً، ولفظه: ((ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله، على الکفین، ثم مسح وجهه)). وفيه الاكتفاء بضربة واحدة في التيمم، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، واختاره. وفيه أن الترتيب غير مُشْتَرَط في التيمم، قال ابن دقيق العيد: اختُلِف في لفظ هذا الحديث، فوقع عند البخاري بلفظ: ((ثُمّ))، وفي سياقه اختصار، ولمسلم بالواو، ولفظه: ((ثم مَسَحَ الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه)»، وللإسماعيلي ما هو أصرح من ذلك، ولفظه من طريق هارون الحمّال، عن أبي معاوية: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تنفُضَهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك)). انتهى (٤). حيوان، وهما لحمتان حمراوان لازقتان بعظم الصلب عند الخاصرتين، وهما منبت = زرع الولد. اهـ. ((المصباح)) ٥٤٠/٢. (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٣٦/٢ - ١٣٧ ببعض تصرّف. (٢) ((الإعلام)) ١٣٧/٢. (٤) ((الفتح)) ٥٤٤/١. (٣) ((المفهم)) ٦١٥/١.