Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٥) [تنبيه]: رواية سفيان هذه أخرجها أبو عوانة في ((مسنده)) (٣٢٢/١) فقال : (٩٣٦) - حدثنا إبراهيم الحربيّ، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ عن عمرة، عن عائشة، أن ابنة جحش، استُحِيضت، فكانت تمكث سبع سنين، وتجلس في الْمِرْكَن، فيعلوه الدم، فأتت النبيّ ◌َِّره فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل، وتصلي، تقول: ثم يأمرها أن تغتسل لكل صلاة. انتهى. وأخرجها أيضاً أبو نعيم في ((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) (١/ ٣٨١) فقال: (٧٥٢) - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، وحدثنا فاروق، ثنا أبو مسلم، ثنا القعنبيّ قالا: ثنا سفيان، ثنا الزهريّ، عن عمرة، قالت: عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش، استُحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله بَ ﴿، فقال: ((إنما ذاكِ عرق، وليس بالحيضة))، فأمرها أن تغتسل، وتصلي، كانت تغتسل لكل صلاة، وتجلس في مِرْكن، فيعلو الدم الماء. لفظ الحميديّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الکتاب قال: [٧٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَبِّ حَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ عِرَاكِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِلَّهَ عَنِ الدَّمِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآَنَ (٢) دَماً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي))). (١) وفي نسخة: بإسقاط ((بن سعيد)). (٢) وفي نسخة: ((ملآى)). ١٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) أبو رجاء المصريّ، واسم أبيه سُويد، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت١٢٨) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (جَعْفَر) بن ربيعة بن شُرَحبيل بن حسَنَةَ الْكِنْديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٣ - (عِرَاك) بن مالك الْغِفَاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أحاديث. وقولها: (مَلْآنَ دَماً) قال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في الأصول ببلادنا، وذكر القاضي عياض: أنه رُوي أيضاً ((ملآى))، وكلاهما صحيح، الأول على لفظ ((المركز))، وهو مذكّر، والثاني على معناه، وهو ((الإجّانة))، وهي مؤنّةٌ. ثم ظاهر العبارة يقتضي أنه كان مملوءاً دماً خالصاً، وليس كذلك، بل الصواب أنه كان مملوءاً بالماء الأحمر المشبه للدم، أي ماءاً كالدم، ففي الكلام استعارة تصريحيّة أصليّة، أفاده بعض الشرّاح(١). وقوله: ((امْكُثِي) بضمّ الكاف، مضارع مكُث، يقال: مَكَثَ مَكْثاً، من باب نصر: إذا أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثاً، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْباً، فهو قَرِيبٌ لغةٌ فيه، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمز، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَلْ، أفاده الفيّوميّ(٢). وقوله: (قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ خَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي))) معناه: انتظري بلا صلاة، ونحوها مما تُمْنَع منه الحائض عدد الأيام التي كانت تمنعك حيضتك فيها عنه، ثم اغتسلي، وافعلي جميع ما كنت ممنوعةً منه أيام الحيض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . (١) هو صاحب ((فتح المنعم)) ٣٤٨/٢. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٧. ١٦٣ (١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٦) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ بِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ(١) الدَّمَ، فَقَالَ لَهَا: ((امْكُنِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ خَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي))، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ التَّمِيمِيُّ) هو: موسى بن قُريش بن نافع التميميّ البخاريّ، مقبول [١١]. رَوَى عن إسحاق بن بكر بن مضر، ويحيى بن صالح الْوُحاظِيّ، وَرَوَى عنه مسلم بن الحجاج، قال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: كانت رحلة محمد بن إسماعيل، وسفيان بن عبد الحكم، وموسى بن قُريش في آخر سنة عشر ومائتين. انتهى. وتوفي موسى قبل محمد بن إسماعيل بمدة، أرَّخه القراب في سنة اثنتين وخمسين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٤)، و(٢٠٥١) حديث: ((نعم الأُدُمُ، أو الإدام الخلّ))، و(٢٨٠٣) حديث: ((إن القمر انشقّ على زمان رسول الله (وَلێ)). ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم بن سلمان، أبو يعقوب المصريّ، صدوقٌ فقيهٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وعنه الربيع الْجِيزيّ، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد الله بن عبد الحكم، وموسى بن قريش، وأبو حاتم الرازي، وقال: لا بأس به، كان (١) وفي نسخة: ((شكت - يعني إلى النبي ◌َّ)). ١٦٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض عنده دُرْجُ عن أبيه، وقال ابن يونس: كان فقيهاً مفتياً، وكان يجلس في حلقة الليث، ويفتي بقوله، وكان ثقةً، تُوُفّي سنة (٢١٨)، وذكر يحيى بن عثمان بن صالح أن مولده سنة (١٤٢)، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٣٤)، و(٢٨٠٣) حديث: ((إن القمر انشقّ على زمان رسول الله (َچ)). ٣ - (أَبُوهُ) بكر بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٩/٣٦. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) تقدّم اختلاف العلماء، هل هذا الغسل من عند نفسها، أم بأمر النبيّ ◌َار؟ والجمهور على الأول، لكن الأرجح أنه بأمره والله، كما حقّقناه فيما سبق، فتنبّه، وبقيّة شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٤) - (بَابُ وُجُوبٍ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْخَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تخلّثهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٧] (٣٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا حَمَّاهُ، عَنْ يَزِيدَ الرَّشْكِ، عَنْ مُعَاذَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا، تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الهِ وَّهِ، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٧٦٧) ١٦٥ ٢ - (حَمَّاد) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتیانيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَبُو قِلَابَةَ)(١) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٥ - (يَزِيدُ الرِّشْك) - بكسر الراء، وسكون المعجمة - هو: ابن أبي يزيد الضُّبَعيّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة - مولاهم، أبو الأزهر البصريّ الذّارع المعروف بالرِّشْك، ثقة عابدٌ [٦]. رَوَى عن خالد الأَبَحِّ، وعبد الله بن أنس، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّر، وأبي زيد الأنصاريّ، وأبي الْمَلِيح الْهُذَليّ، ومعاذة العدوية. ورَوَى عنه شعبة، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وأبو قُدَامة، وأبان العطار، وسَلِيم بن حَيَّان، وابن علية. قال أبو طالب، عن أحمد: صالح الحديث، رَوَى عنه شعبة، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، والرِّشْك هو الْقَسَّام، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: صالحٌ صالحٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان غَيُوراً، فسُمِّي بالفارسية أرشك، فقيل: الرِّشْك، ويقال: الْقَسَّام؛ لأنه مَسَحَ مكة قبل أيام الموسم، فبلغ كذا وكذا، ومسح أيام الموسم، فزاد كذا وكذا، وقال سعيد بن عامر، عن المثنى بن سعيد: بَعَثَ الحجاج يزيد الرشك إلى البصرة، فوجد طولها فرسخين، وعرضها خمسة دوانق، وقال ابن الجوزيّ: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال ابن شاهين: ضعفه ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن معين قال: كان ابن عُلَيَّة يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. ورُوي عن جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ: قال: كنت أسمع بكاء يزيد الرِّشك، وهو يومئذ ابن مائة سنة. (١) بكسر القاف، وتخفيف اللام، وبالباء الموحدة. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال ابن حبّان، وابن منجويه: مات سنة ثلاثين ومائة بالبصرة، وفيها أرّخه خليفة، وابن سعد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٥) وأعاده بعده، و(٧١٩): ((كم كان رسول الله وَّل يصلي صلاة الضحى ... ))، و(١١٦٠): ((لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم))، و(٢٦٤٩): ((كلٌّ ميسّرٌ لما خُلق له)). ٦ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد الله الْعدويّة، أم الصَّهْباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في ((الحيض)) ٧٣٨/٩. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق، أم المؤمنين ◌َّا، ماتت (٥٧) على الأصحّ (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة للإسناد الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فقوله: ((وحدّثنا حماد)) عطف على قوله: ((حدثنا حماد)) الأول، فقائل: ((حدّثنا)) هو أبو الربيع، شيخ المصنّف، فله فيه إسنادان: أحدهما: حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، عن عائشة رضيّا، والثاني: حماد، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، عن عائشة ﴿يا، فالثاني أعلى بدرجة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، فكلّهم بصريّون سوى عائشة طُعيّنًا. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، ورواية أبي قلابة، عن معاذة، من رواية الأقران؛ إذ هما من الطبقة الثالثة. ٦ - (ومنها): أن فيه يزيد الرِّشْك - بكسر الراء، وإسكان الشين المعجمة - واختَلَف العلماء في سبب تلقيبه بالرشك، فقيل: معناه بالفارسية: القاسم، ١٦٧ (١٤) - بَابُ وُوبٍ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْخَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٧٦٧) وقيل: الغيور، وقيل: كثير اللحية، وقيل: الرشك بالفارسية اسم للعقرب، فقيل ليزيد: الرشك؛ لأن العقرب دخلت في لحيته، فمكثت فيها ثلاثة أيام، وهو لا يدري بها؛ لأن لحيته كانت طويلةً عظيمةً جدّاً، حَكَى هذه الأقوال صاحب ((المطالع)) وغيره، وحَكاها أبو عليّ الغسانيّ، وذكر هذا القول الأخير بإسناده، ذكره النوويّ كَُّ(١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاذَةَ) بنت عبد الله العدوية، البصريّة، معدودة في فقهاء التابعين (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ) ◌َؤُها، السائلة المبهمة هي معاذة نفسها، كما بيّنته رواية يزيد، قال: ((سمعت معاذة أنها سألت عائشة))، ورواية عاصم، عن معاذة، قالت: ((سألت عائشة))، وقوله: (فَقَالَتْ) تفسير وتوضيح لمعنى سؤالها (أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟) أي حيضها، فـ((المحيض)) مصدر ميميّ لـ((حاض))، والظرف لا يتعلّق بـ((تقضي))؛ لأن الصلاة لا تُقضى في أيام الحيض، وإنما هو متعلّق بحال مقدّر من ((الصلاة))، أي حال كونها واجبةً أيام محيضها، أو متعلّق بصفة لـ((الصلاة))، بناء على جعل المعرّف بلام الجنسيّة في معنى النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قَلْتُ لَا يَعْنِينِي فجملة ((يسبّني)) تحتمل الوجهين. وفي رواية عاصم: ((ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟)). وفي رواية البخاريّ: ((أتجزي إحدانا صلاتَها إذا طهرت؟))، وهو بفتح أول ((تَجْزي)): أي تقضي، و((صلاتَها)) بالنصب مفعوله، ويُروى ((أتُجزئ)) بضمّ أوله، وهمز آخره: أي أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة، وهي طاهرةٌ، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض؟ فـ((صلاتُها)) على هذا بالرفع على الفاعليّة، قال الحافظ: والأوّل أشهر، يعني رواية ((تَجزي)) بالفتح. (١) ((شرح النوويّ)) ٤/ ٢٧. ١٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ََّا منكرةً لسؤالها عما لا ينبغي السؤال عنه؛ لوضوح حكمه لدى النساء منذ عهد رسول الله وسل﴿ ﴿أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و((حروريّةٌ)) خبر مقدَّم، و((أنتِ)) مبتدأ مؤخّرٌ، وفائدة تقدُّم الخبر الدلالة على الحصر، أي أحرورية أنت لا غير؟(١). قال النوويّ تَظُّهُ: ((الْحُروريّة)) - بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى، وهي نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة، قال السمعانيّ: هو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به، وقال الهرويّ: تعاقدوا في هذه القرية، فنُسبوا إليها، فمعنى قول عائشة رضيّا أنّ طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف إجماع المسلمين، وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة، هو استفهام إنكار، أي هذه طريقة الحرورية، وبئست الطريقة. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): ((الحروريّ)) منسوب إلى حروراء بفتح الحاء، وضم الراء المهملتين، وبعد الواو الساكنة راء أيضاً: بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنها بالمدّ، قال المبرد: النسبة إليها حروراويّ، وكذا كلُّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل: الحروريّ بحذف الزوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروريّ؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على عليّ بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دلّ عليه القرآن، ورَدّ ما زاد عليه من الحديث مطلقاً، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار. انتهى(٣). وقال العينيّ رَُّهُ: وكبار فِرَق الحرورية ستة: الأزارقة، والصفرية، والنجدات، والعَجَاردة، والإباضية، والثعالبة، والباقون فروع، وهم الذين خرجوا على علي ظُه، ويجمعهم القول بالتَّبَرِّي من عثمان وعلي ◌ًَّا، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يُصححون المناكحات إلا على ذلك. (١) ((عمدة القاري)) ٤٤٥/٣. (٣) ((الفتح)) ٥٠٢/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٧/٤. ١ ١٦٩ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْخَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٧٦٧) وكان خروجهم على عهد علي ظُه لَمّا حكّم أبا موسى الأشعريّ وعمرو بن العاص، وأنكروا على عليّ في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله، وحَكَّمت عدوك، وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يوماً، وقد خرجوا، وهم ثمانية آلاف، وأميرهم ابن الكوا عبد الله، فَبَعَث إليهم عليٍّ عبدَ الله بن عباس، فناظرهم، فرجع منهم ألفان، وبقي ستة آلاف، فخرج إليهم عليّ، فقاتلهم. وكانوا يشددون في الدين، ومنه قضاء الصلاة على الحائض، قالوا: إذا لم يسقط في كتاب الله تعالى عنها على أصلها . وقد قلنا: إن حروراء اسم قرية، وهي ممدودة، وقال بعضهم بالقصر أيضاً، حكاه أبو عبيد، وزعم أبو القاسم الغورانيّ أن حروراء هذه موضع بالشام، وفيه نظر؛ لأن علياً ظلبه إنما كان بالكوفة، وقتاله لهم إنما كان هناك، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام؛ لأن الشام لم يكن في طاعة علي نظره، وعلى ذلك أطبق المؤرخون. انتهى. وزاد في رواية عاصم الآتية عن معاذة: ((فقلت: لا، ولكني أسأل))، أي سؤالاً مجرداً لطلب العلم، لا للتعنت. (قَدْ كَانَتْ إِحْدَانًا)، وفي الرواية التالية: ((قد كُنّ نساء رسول الله وَّل يحضن، أفأمرهنّ أن يَجْزِين؟)) (تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿)، أي في زمنه، ووجوده بين أظهرنا، والغرض منه بيان أنه كان مُطّلعاً على حال النساء، من الحيض وتركهنّ الصلاة في أيامه (ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ) ببناء الفعل للمفعول، والكلام فيه حذف، تقديره: أي تحيض، وتترك الصلاة أيام الحيض، ثم لا تؤمر بقضائها بعد الطهر، والمراد من عدم الأمر عدم الوجوب؛ لأن الواجب مأمور به. والمعنى: أنه وَليه مع اطلاعه على حيضها، وتركها الصلاة ما كان يأمرها بالقضاء، ولو كان واجباً لأمرها به، كما أمر بقضاء الصوم. وفي رواية البخاريّ: ((فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله))، وعند الإسماعيليّ: ((فلم نكن نقضي، ولم نؤمر به))، قال في ((الفتح)): والاستدلال بقولها: ((فلم نكن نقضي)) أوضح من الاستدلال بقولها: ((فلم نؤمر به))؛ لأن عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب؛ لاحتمال ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء. انتهى (١). وقال أيضاً: فَهِمت عائشة ◌ّا طلب الدليل، فاقتصرت في الجواب عليه دون التعليل، والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام، أن الصلاة تتكرر، فلم يجب قضاؤها للحرج بخلاف الصيام، ولمن يقول بأن الحائض مخاطبة بالصيام أن يُفَرِّق بأنها لم تخاطب بالصلاة أصلاً . وقال ابن دقيق العيد تَخُّْ: اكتفاءُ عائشة ◌َّها في الاستدلال على إسقاط القضاء بکونھا لم تؤمر به یحتمل وجهين: [أحدهما]: أنها أَخَذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء، فيُتَمسَّك به حتى يوجد المعارض، وهو الأمر بالقضاء، كما في الصوم. [ثانيهما]: قال: وهو أقرب، أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ لتكرر الحيض منهن عنده وَّة، وحيث لم يُبَيِّن دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك الأمر بقضاء الصوم، كما في رواية عاصم، عن معاذة الآتية: ((فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٦٧/١٤ و٧٦٨ و٧٦٩] (٣٣٥)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣٢١)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٦٢ و٢٦٣)، و(الترمذيّ) فيها (١٣٠)، و(النسائيّ) في ((الحيض)) (١٩١/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٢٧٧ و١٢٧٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٥٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٩/٢ - ٣٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٤/٦ و١٢٠ و١٤٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٣٣/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٠١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٣٤٩)، و(البيهقيّ) في (١) ((الفتح)) ٥٠٣/١. ١٧١ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْخَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٧٦٧) ((الكبرى)) (٣٠٨/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٤١ و٩٤٢ و٩٤٣ و٩٤٤ و٩٤٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٥٦ و٧٥٧ و٧٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض، ومثلها النفساء، كما لم يجب عليهما أداؤها . ٢ - (ومنها): بيان وجوب قضاء الصوم عليهما، دون أدائه. ٣ - (ومنها): مشروعيّة سؤال أهل العلم لمن كان يجهل أمراً من أوامر الشرع. ٤ - (ومنها): استفسار العالم السائل عن وجه سؤاله، هل هو مسترشدٌ، فيُليّن له الجواب، حتى يفهمه، أم هو معارض، فيشدّد له الخطاب، حتى يُفحمه؟ . ٥ - (ومنها): ذكر الدليل في محلّ الجواب؛ لأنه يكون كافياً عن طلب الدليل؛ إذ لو أجابت عائشة ◌َؤُها ربّما طالبتها السائلة بالدليل، فتحتاج إلى ذكره مرّةً أخرى. ٦ - (ومنها): أنه إنما أنكرت عائشة رضيؤها على السائلة لكونها فَهِمت أن السؤال سؤال منكر، لا مستفهم، ولَمّا بيّنت السائلة أنها ليست منكرةً، وإنما تسأل سؤال مستفهم، فرّقت لها عائشة رضيؤُنا بالنصّ؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردّ على المخالف، بخلاف الفرق المعنويّ، فإنه عُرْضة للمعارضة، والله تعالى أعلم . ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على وجوب ترك الحائض الصلاة والصوم أثناء الحيض؛ لأن القضاء وعدم القضاء مترتّب على الترك. قال النوويّ كَّلهُ: فإن قيل: ليس في الحديث دليل على تحريم الصوم، وإنما فيه جواز الفطر، وقد يكون الصوم جائزاً لا واجباً كالمسافر. قلنا: قد ثبت شدّة اجتهاد الصحابيّات - رضي الله عنهنّ - في العبادات، وحرصهنّ على الممكن منها، فلو جاز الصوم لفعله بعضهنّ، كما في القصر وغيره، ويدلّ أيضاً على التحريم حديث البخاريّ ومسلم: ((أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم)). انتهى. ١٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ٨ - (ومنها): بيان أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا محمول على الرفع على ما هو الصحيح، كما هو مذكور في كتب المصطلح. ٩ - (ومنها): أنه يؤخذ من الحديث أن أمر الشارع ونهيه حجة بمجرّده، ولا يفتقر إلى معرفة سرّه، وحكمته، أو علّته. ١٠ - (ومنها): أن بعضهم ادّعى أنه ليس في السنّة ما يدلّ على تحريم الصوم على الحائض، وهو قول مردود؛ لحديث الشيخين المتقدّم، ولأن حديث حمنة فيها صريح في ذلك، حيث قالت للنبيّ وَّ: ((إني امرأة أُستحاض حيضة كثيرةً شديدةً، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم ... )) الحديث، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود وغيره بطوله، وقد أقرّها بَّ على ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الحائض وصومها : قال الإمام ابن المنذر تَخَّتُهُ: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها، وإذا سقط فرض الصلاة عنها، فغير جائز أن يلزمها قضاء ما لم يجب عليها في أيام الحيض، من الصلاة بعد طهرها، وثبت عن النبيّ وَّ خبر دالٌّ على ذلك، ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ رَظُه قال: خرج رسول الله وَّ في أضحى، أو فطر إلى المصلى، فصلَّى، وانصرف، فقال: ((يا معشر النساء تصدقن، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنّ، يا معشر النساء))، فقلن له: ما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟)) قلن: بلى، قال: ((فذاك من نقصان عقلها، وأليست إذا حاضت المرأة لم تُصَلِّ، ولم تصم؟، قال: فذاك من نقصان دينها))، متّفقٌ عليه. قال: فأخبر ◌َل﴿ أن لا صلاة عليها، ولا يجوز لها الصوم في حال الحيض، ثم أجمع أهل العلم على أن عليها الصومَ بعد الطهر، ونَفَى الجميع عنها وجوب الصلاة، فثبت قضاء الصوم عليها بإجماعهم، وسقط عنها فرض الصلاة لاتفاقهم. انتهى كلام ابن المنذر تَّهُ(١). (١) ((الأوسط)) ٢٠٢/٢ - ٢٠٣. ١٧٣ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٧٦٧) وقال العينيّ نَّثُهُ: لا خلاف في أن الحائض لا تقضي الصلاة بين الأمة، إلا لطائفة من الخوارج، قال معمر: قال الزهريّ: تقضي الحائض الصوم، ولا تقضي الصلاة، قلت: عمن؟ قال: أجمع المسلمون عليه، وليس في كل شيء تجد الإسناد القويّ، أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وعلى أنه عليهما قضاء الصوم، والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة، متكررة، فيشُقّ قضاؤها، بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرةً واحدةً، ومن السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة، وتذكر الله تعالى، تستقبل القبلة ذاكرة لله جالسةً، رُوي ذلك عن عقبة بن عامر، ومكحول، وقال: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهنّ، وقال عبد الرزاق: بلغني أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة، وقال عطاء: لم يبلغني ذلك، وإنه لحسنٌ، وقال أبو عمر: هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء، بل يكرهونه، قال أبو قلابة: سألنا عن ذلك، فلم نجد له أصلاً، وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرفه، وإنا لنكرهه. قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما قاله أبو قلابة، وسعيد بن عبد العزيز أن ما نُقل عن مكحول من قوله: كان ذلك من هدي نساء المسلمين، غير ثابت عنه، وإن صحّ، فلعله يريد مسلمي بلدته، وقريته، والله تعالى أعلم. قال: وفي ((منية المفتي)) للحنفية: يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ، وتجلس في مسجد بيتها، تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة، لو كانت طاهرةً، حتى لا تبطل عادتها . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكرت هذا القول إلا ليُتَعَجَّب منه، ويستبينه من له مُسكة من اتباع السنة، أليس الاستحباب مما يختصّ به الشارع الحكيم؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوَّا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ اُلِيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [الشورى: ٢١]، فهل يجوز لمسلم أن يقول: يستحبّ هذا، ويكره هذا، أو يحرم، أو يجب بدون بيّنة من كتاب أو سنة، أو إجماع؟ ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ اَلْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّنَفْتَّرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَّ﴾ الآية [النحل: ١١٦]، ﴿وَاللَّهُ اُلْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قال: وفي الدراية: يكتب لها ثواب أحسنٍ صلاةٍ كانت تصلي. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال الجامع: هذا أشدّ وأخطر مما قبله، فهل عِلْمُ مقدار الثواب، وتمييز أحسن الثواب من حسنه من تخصّصات صاحب ((الدراية)»؟، ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. وبالجملة فمن قرأ كتب الفقهاء المتأخرين يَرَى العَجَب الْعُجَاب من هذا النوع، مما يتجاسرون فيه بإيحاب أشياء، أو تحريمها، أو استحبابها، أو نحو ذلك، دون أيّ حجة، وأيّ برهان، بل بما يجول في خَلَدهم من الظنون الخالية عن البراهين الساطعة، وربما يكون ذلك مضادّاً لما ثبت بالنص الصريح، وذلك نتيجة قصور علمهم، وقلّة ورعهم، وما أحسن قول ابن عابدين في «رسم المفتي)): وَلَيْسَ يَجْسُرُ عَلَى الأَحْكَامِ سِوَى شَقِيٍّ خَاسِرِ الْمَرَامِ والحاصل أن الحقّ هو ما عليه جمهور أهل العلم من أنه لا تجب على الحائض الصلاة، لا أداؤها، ولا قضاؤها، ولا يُشرع لها أن تتشبه بمن تصليّ، كما افتات هؤلاء الذين سمعت هذياناتهم، بل الواجب عليها الابتعاد من كلّ ابتداع ما أنزل الله به من سلطان، وإنما الواجب عليها قضاء الصوم فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ◌َُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَنَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَحِضْنَ، أَفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: تَعْنِي يَقْضِينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا، فمن أول السند إلى شعبة تقدّموا قبل باب، ومن بعده تقدّموا في السند الماضي، ويزيد هو الرِّشك. وقوله: (قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللهِ وَّ إلخ) هذا على لغة أكلوني البراغيث؛ ١٧٥ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْخَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٧٦٩) لأن الأكثر في الاستعمال أن يقال: قد كانت نساء رسول الله وَّر، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعِ كَـفَازَ الشُّهَدَا)) وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وَقَدْ يُقَالُ ((سعِدَا))، وَ((سَعِدُوا)) وقوله: (أَفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ؟) بفتح حرف المضارعة، وكسر الزاي مضارع جَزَى، غير مهموز، وقد فسره محمد بن جعفر غندر في الكتاب: أن معناه يَقْضِين، وهو تفسير صحيح، يقال: جَزَى يَجْزِي: أي قَضَى، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ويقال: هذا الشيء يَجزِي عن كذا، أي يقوم مقامه، ومنه سُمّي يوم الجزاء، قال القاضي عياض تَخْتُهُ: وقد حَكَى بعضهم فيه الهمز. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَخْلُّ المذكور أولَ الکتاب قال: [٧٦٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِم، عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْخَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَّا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ(٢)، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبِّنَا ذَلِكِ، فَتُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قبل بابین. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين أيضاً. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. (١) ((إكمال المعلم)) ١٨٤/٢. (٢) وفي نسخة: ((ولكنْ أسأل)). ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ـسسســ والباقيان تقدّما . وقولها: (مَا بَالُ الْحَائِضِ إلخ) ذكر في ((القاموس)) من معاني ((البال)): الحال، والخاطر، والقلب، والمناسب هنا معنى الحال، أي ما حال الحائض وما شأنها في قضائها الصوم دون الصلاة؟، والاستفهام حقيقيّ، فهي تستفهم، وتسأل عن علة هذه التفرقة. وقولها: (لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ) الباء زائدة في خبر ((ليس))، كما قال في (الخلاصة» : وَبَعْدَ ((مَا)) وَ((لَيْسَ)) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ ((لَا)) وَنَفْي ((كَانَ)) قَدْ يُجَرْ والمعنى: أني لست أوجب قضاء الصلاة، كالحروريّة، ولكني أسال عن الحکم سؤال مسترشد، لا سؤال معاند. وقولها: (كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِك) الإشارة إلى الحيض، والكاف مكسورةٌ، خطاباً للمؤنّثة، أي كان الحيض يصيبنا، فكان النبيّ وَلّ يأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١٥) - (بَابُ مَشْرُوعِيَّةٍ تَسَتُّرِ الْمُفْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٠] (٣٣٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمَّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِيْ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ لَهِ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْتَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، أبو زكريّا تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو ١٧٧ (١٥) - بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسَتُّرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٧٧٠) عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥١. ٤ - (أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمُّ هَانِيٍّ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ) ويقال: مولى عَقِيل بن أبي طالب، واسمه يزيد الهاشميّ المدني، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣]. رَوَى عن عَقِيل بن أبي طالب، وأم هانئ بنت أبي طالب، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن سعيد، وأبي واقد الليثيّ، ورأى الزبير بن العوام. ورَوَى عنه سالم أبو النضر، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن أبي هند، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وإسحاق بن أبي طلحة، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وأبو حازم بن دينار، ويزيد بن الهاد، وغيرهم. قال الواقديّ: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عَقِيلاً، فنُسِب إليه، وكان شيخاً قديماً، رَوَى عن عثمان، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: رَوَى عن عثمان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٦) وكرّره أربع مرّات، و(٧٢٢) حديث: ((أوصاني حبيبي بثلاث ... ))، و(٢١٧٦) حديث: ((ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ... )). ٥ - (أُمَّ هَانِيْ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند، روت عن النبيّ وَ﴿ه، وروى عنها مولاها، أبو مُرّة، وأبو صالح باذام، وابن ابنها جَعْدة المخزوميّ، وابن ابنها يحيى بن جعفر، وابن ابنها أيضاً، هارون، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وابنه عبد الله، والشعبيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء، وكريب، ومجاهد، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عقبة بن أبي مالك، وهي شقيقة عليّ رَظُه وإخوته، وكانت تحت هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ، فَوَلَدت له عمراً، وبه كان يكنى، وهانئاً، ويوسف، وجَعْدة، ذكره الزبير بن بكار وغيره، أسلمت يوم الفتح، وعاشت ١٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض بعد عليّ رَظُهُ مدّةً، حَكَى هذا الترمذي وغيره، وقد خطبها الرسول وَله، ماتت في خلافة معاوية أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره ستّ مرّات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والقراءة، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريّاً، إلا أنه دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية: أبو مرّة، وأم هانئ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سالم، عن أبي مرّة. ٦ - (ومنها): أن أم هانئ ﴿ُّ، وأبا مرّة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وليس لأم هانئ فيه إلا هذا الحديث، وأما أبو مرّة، فله حديثان آخران أيضاً، كما أسلفته آنفاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة (أَنَّ أَبًا مُرَّةَ) يزيد الهاشميّ (مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ)، تقدّم أنه يقال له أيضاً: مولى عَقِيل بن أبي طالب؛ للزومِّه إياه (أَخْبَرَهُ)، أي أبا النضر (أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِيْ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) واسمها فاختة، وقيل: غيرها ◌َّا (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ الهِ نَّهِ عَامَ الْفَتْحِ) المراد فتح مكّة، وكان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وفي الرواية التالية: ((أنه لَمّا كان عامُ الفتح أتت رسول الله وَّر، وهو بأعلى مكة)). وسبب ذهابها إليه و 8﴿ ما ذكرته هي، قالت: ((أتاني حَمَوان لي، فأجرتهما، فجاء عليّ يريد قتلهما، فأتيت النبيّ وَّ، وهو في قبّة بالأبطح بأعلى مكة ... )) الحديث، وفيه: «قد أجرنا من أجرتِ، وأمّنًا من أمّنتِ)). ١٧٩ (١٥) - بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسَتُرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٧٧١) وقد وقع اختلاف فيمن أجارته أم هانئ ﴿يَا، وسيأتي بيانه في ((كتاب الصلاة)) - إن شاء الله تعالى -. (فَوَجَدْتُهُ) وَِّ (يَغْتَسِلُ) جملة في محلّ نصب على أنه مفعول ثان لـ((وَجَدَ))، أو هو منصوب على الحال من المفعول (وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) وَ (تَسْتُرُهُ)، أي عن أعين الناس (بِثَوْبٍ) وجملة ((وفاطمة تستره)) في محلّ نصب على الحال من المفعول أيضاً، والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بيان مسائله في الحديث الآتي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ سياقاً مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَظّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ حَدَّثَهُ، أَنَّ أُمَّ هَانِيٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ، أَتَتْ رَسُولَ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ بِأَعْلَى مَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ إِلَى غُسْلِهِ، فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ، فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا(١)، إلا واحداً، وهو: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) الْفَزَاريّ، مولى سمرة بن جندب، المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبي موسى، وأبي هريرة، وابن عباس، وأم هانئ بنت أبي طالب، وذكوان مولى عائشة، وأبي مُرّة مولى أم هانئ، وعَبِيدة السَّلْمانيّ، ومطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ورَوَى عنه ابنه عبد الله، ويزيد بن أبي حبيب، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ، وابن إسحاق، وعبد الله بن محمد بن أبي يحيى، وموسى بن ميسرة، ونافع مولى ابن عمر، والوليد بن كثير، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم. (١) فالثلاثة الأولون تقدّموا قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال ابن سعد: تُوُفّي في أول خلافة هشام بن عبد الملك، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن قانع: مات سنة ست وعشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ تَخَّتُهُ: ذكر عبد الحق أن في ((مصنف عبد الرزاق)) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل، عن أبي موسى، في لباس الحرير، كذا قال، وقوله: ((عن رجل)) زيادة ليست في كتاب عبد الرزاق، ولا غيره، من حديث نافع، نعم رواه عبد الرزاق قال: سمعت عبد الله بن سعيد بن أبي هند، يحدث عن أبيه، عن رجل، عن أبي موسى، أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من حديث أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، وقال: هو وَهَمٌ، وقع من عبد الله بن سعيد بن أبي هند؛ لسوء حفظه، كذا قال، وأراد ترجيح رواية نافع، عن سعيد، عن أبي موسى، وقد ذكر أبو زرعة وغيره، أن حديثه عنه مرسل. وقال الدارقطنيّ في ((العلل)): رواه أسامة بن زيد الليثيّ، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مُرّة، مولى أم هانئ، عن أبي موسى، قال الدارقطنيّ بعد أن أخرجه: هذا أشبه بالصواب. قلت(١): رواه كذلك من طريق عبد الله بن المبارك، عن أسامة، لكن رواه ابن وهب، عن أسامة، فلم يذكر فيه أبا مُرّة، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). [تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريّ المدنيّ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ) - بفتح العين المهملة، وكسر القاف ـ ابن أبي طالب، تقدّم أنه إنما نُسب إليهً؛ للزومه إياه، وإلا فهو مولى أم هانئ، وهذا هو الذي جُعل له في كتب مصطلح (١) القائل هو الحافظ، فتنبّه. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٤٧/٢ - ٤٨.