Indexed OCR Text
Pages 1-20
السِالمحيط التجارية فِسُرْح صَحِي الأَمْر ◌ُسُلِم ◌ُ الحَجَاجُ لَجَامِعِه الْفَقِيْرِالمِصَوْلَه الغَنِالْقَدِرْ ◌ُقَدَابْ الشَّهُ الْعُلََّ بَلِبْنِ آدَمْ برُمُوسَى الإِتيُّ الوَلَّوِيّ ◌ُوَيَدْمِ العِلُم بِمَكّة المُكرّمَةَ عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْهُ، وَعَنْ وَالدِبْه آمين المَجَلّدُ الثَّامِنْ كِتَابُ الحَيْض رقم الأحَاديثُ (٧٣١- ٨٤٢) دارابن الجوزي بِشِـ Lu 3 النِالخَطُ التجارة في شرح جميع الإمطر مُسْلِيُ الحجاج حِقُوق الطّرِّع محقوظة ◌ِدَارابن الجوزي الطّبَعَة الأولىى جَادَىَ الآخِرَةِ ١٤٢٨هـ حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٢٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. دارابر ٠٠٠٠ ـو التو دارابن الجوزي لِلنّشْر وَالتَّوزيْع المملكة العربية السعودية: الدمام - شارع الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - ت: ٤٢٦٦٣٣٩ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - الخبر - ت: ٨٩٩٩٣٥٦ - فاكس: ٨٩٩٩٣٥٧ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠- فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٣٤٤٩٧٠ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com-www.aljawzi.com ٥ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣١) براس الرحمن الرحيم ليلة الخميس ١٤٢٥/١٢/١٦ هـ أول الجزء الثامن من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)» رحمه الله تعالى. (٩) - (بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَجَوَازٍ غَسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي آذٍ وَاحِدٍ، وَغَسْلٍ أَحَدِهِمَا بِفَضْلِ الآخَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٣١] (٣١٨) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِم، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقٌّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ)))(١). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ)(٢) أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل(٣) البصريّ، (١) هذا الحديث جعله الشرّاح في الباب الماضي، ورأيت جعله هنا أولى، كما لا . يخفى على اللبيب، وقد ذكره الحميديّ كذلك في الكلام على غريب ((الصحيحين))، كما نقله عنه في: ((الفتح))، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم. (٢) ((العَنَزيّ)) بفتح العين والنون، وبالزاي: نسبة إلى قبيلة. (٣) قال في: ((عمدة القاري)) (٣٠٤/٣): لُقِّب بالنبيل؛ لأن شعبة حَلَف أنه لا يحدث شهراً، فبلغ ذلك أبا عاصم، فقصده، فدخل مجلسه، فقال: حَدِّث وغلامي العطار = ٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٢٩/٦. ٣ - (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) واسمه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان الْجُمَحِيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٣/٥. ٤ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣. ٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين ◌ًّا ماتت سنة (٥٧) على الأصحّ، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة النبويّة، وقد تقدّم غير مرّة. من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) ٥ - (ومنها): أن عائشة أحاديث. شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّنا أنها (قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ)، أي أراد أن يغتسل، كما بيّنته رواية الإسماعيليّ (مِنَ الْجَنَابَةِ)، أي بسببها، فـ((من)) سببيّة، كما تقدّم (دَعَا)، أي طلب (بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ) بجرّ ((نحوِ)) على أنه صفة لـ((شيء))، و((الْحِلاب)) - بكسر الحاء، وتخفيف اللام، وآخره باء موحّدة - وهو: إناء يُحلَب فيه، ويقال له: الْمِحْلَب أيضاً بكسر الميم، قال الخطّابيّ: هو إناء يسع قدر حَلْبة ناقة، وهذا هو المشهور الصحيح المعروف في الرواية، = حرِّ عن كفارة يمينك، فأعجبه ذلك، وقال: أبو عاصم النبيل، فلُقِّب به، وقيل لغير ذلك. انتهى. ٧ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣١) وذَكَر الهرويّ، عن الأزهريّ أنه الْجُلَّابُ - بضمّ الجيم، وتشديد اللام - قال الأزهريّ: وأراد به ماء الورد، وهو فارسيّ مُعَرَّبٌ، وأنكر الهرويّ هذا، وقال: أراه الْحِلَابَ، وذكر نحو ما قدّمناه، قاله النوويّ ◌َّتُهُ(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((نحوِ الْحِلاب)): أي إناء قريب من الإناء الذي يُسَمَّى الْحِلاب، وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقلُّ من شبر في شبر، أخرجه أبو عوانة في (صحيحه)) عنه، وفي رواية لابن حبان: وأشار أبو عاصم بكفيه فكأنه حلّق بشبريه، يصف به دوره الأعلى، وفي رواية للبيهقيّ: ((كقدر كُوز يسع ثمانية أرطال)). انتهى. (فَأَخَذَ بِكَفِّهِ) بالإفراد (بَدَأَ بِشِقٌّ) بكسر الشين المعجمة: أي جانب (رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ) ثَنَّى بشقّه (الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ) بالتثنية، (فَقَالَ بِهِمَا)، أي قلب الماء الذي في الكفّين، ففيه اطلاق القول على الفعل، قال في ((العمدة)): والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتُطلقه أيضاً على غير الكلام، فتقول: قال بيده: أي أخذ، وقال برجله: أي مَشَى، قال الشاعر [من الطويل]: وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةً أي أومأت، وجاء في حديث آخر: ((فقال بثوبه)): أي دفعه، وكلُّ ذلك على المجاز والاتساع. انتهى، وقد تقدّم نظم معاني ((قال)) قريباً، فلا تغفل. (عَلَى رَأْسِهِ)، وفي رواية البخاريّ: ((فقال بهما على وسط رأسه)) - بفتح السين -. [تنبيه]: قال الجوهريّ ◌َخْتُ: ((الْوَسْطُ)) بالسكون: ظرفٌ، وبالحركة اسمٌ، وكل موضع صلح فيه ((بَيْن)) فهو بالسكون، وإن لم يصلح فيه، فهو بالتحريك، وقال الْمُطَرِّزيّ: سمعت ثعلباً يقول: استنبطنا من هذا الباب أن كل ما كان أجزاء ينفصل قلت فيه وَسْطٌ بالتسكين، وما كان لا ينفصل، ولا يتفرق، قلت بالتحريك، تقول من الأول: اجعل هذه الْخَرَزة وَسْطِ السُّبْحة، وانظم هذه الياقوتة وَسْط القِلادة، وتقول أيضا منه: لا تقعد وَسْط الحلقة، ووَسْط القوم، هذا كله يتجزأ، ويتفرق، وينفصل، فيقال فيه بالتسكين، وتقول في القسم (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٣/٣. ٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض الثاني: احتَجَم وَسَط رأسه، وقَعَد وَسَطَ الدار، وقس على هذا، وفي ((الواعي)) لأبي محمد: قال الفراء: سمعت يونس يقول: وَسَطٌّ، وَوَسْطٌ بمعنَى، وفي (المخصص)) عن الفارسيّ: سَوَّى بعضُ الكوفيين بين وَسْطِ وَسَطِ، فقال: هما ظرفان، واسمان، ذكره العينيّ ◌َظُّهُ(١) . [تنبيه آخر]: ترجم الإمام البخاريّ رَّتُ في ((صحيحه)) لهذا الحديث بقوله: ((باب من بدأ بالحِلاب، أو الطيب عند الغسل))، ثم أورده عن شيخ المصنّف بسنده، فاختلف الشرّاح في شرح كلامه اختلافاً كثيراً، فإن أردت أن ترى العجب، فراجع ((فتح الباري)) (٤٤٠/١ - ٤٤٢)، و((عمدة القاري)) (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٣١/٩] (٣١٨)، و(البخاريّ) في ((الغسل)) (٢٥٨)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٤٠)، و(النسائيّ) في ((الغسل)) (٢٠٦/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه) (٢٤٥)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١١٩١ و١١٩٦ و١١٩٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٤/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٥٤)، و(أبو نُعيم) في (مستخرجه)) (٧١٦) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قدر الماء الذي يُستحبّ الاغتسال به، وهو ما كان بمقدار الحلاب، أي الإناء الذي يسع حَلَب الناقة، وقد بيّنه في رواية البيهقيّ (١٨٤/١)، ولفظه: ((كان يغتسل في حِلاب قدرٍ هذا، وأرانا أبو عاصم قدر الْحِلاب، فإذا هو كقدر كُوز يسع ثمانية أرطال)). انتهى. (١) ((عمدة القاري)) ٣٠٥/٣. ٩ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٢) ٢ - (ومنها): بيان أن المغتسل يُستَحَبّ له أن يُجَهِّز الإناء الذي فيه الماء؛ ليغتسل منه. ٣ - (ومنها): استحباب البدء بغسل الرأس أوّلاً؛ ولعله لكونه أكثر شَعَثاً من سائر البدن. ٤ - (ومنها): بيان استحباب البدء بشقه الأيمن، ثم بالشق الأيسر، ثم الصبّ على وسط رأسه. ٥ - (ومنها): أن المالكيّة استدلّوا به على أن وضوء الغسل لا يُمسح فيه الرأس، بل يُكتفى عنه بغسله، وهو الظاهر، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): بيان طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهّر. ٧ - (ومنها): أنه يُستَنبَط من قولها: ((كان رسول الله (وَ ل)) مداومته على ذلك؛ لأن لفظة ((كان)) تدلّ على الاستمرار والدوام غالباً. ٨ - (ومنها): بيان ما كانت عليه عائشة رضيها من شدّة العناية في حفظ سنة رسول الله وَله، وتبليغها للناس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٣٢] (٣١٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ، هُوَ الْفَرَقُ، مِنَ الْجَنَابَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ إمام [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَخْلُهُ، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما روى عنه أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه أيضاً، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة . ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، فكلّ رواته مشهور بالفقه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة. ٦ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، روى عن خالته عائشة ينا، وهي من المكثرين السبعة. وقولها: (مِنْ إِنَاءٍ) ((من)) للابتداء، وفي الكلام مضاف محذوفٌ، أي كان يغتسل من ماء إناء. وقوله: (هُوَ الْفَرَقُ) بفتح الفاء والراء، وإسكانها لغة، كما يأتي وهو ثلاثة آصع، کما یأتي بيانه. وقوله: (مِنَ الْجَنَابَةِ) الجار والمجرور متعلّقٌ بـ(يغتسل))، بيّنت به أن ذلك الغسل كان من الجنابة، لا أنه من الأغسال المسنونة، وتمام شرح الحديث يأتي في الذي يليه، وإنما أخرته إليه لكون ذاك مطوّلاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٣٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَعَمْرٌو النََّقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ، وَهُوَ الْفَرَقُ، وَكُنْتُ أَْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ))، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ))، قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ سُفْيَانُ: وَالْفَرَقُ، ثَلَاثَةُ آصُعٍ). ١١ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٣) رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر المصريّ، تقدّم قبل بابین. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وفي السند الماضي. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَلَتُهُ، وله فيه ستة من الشيوخ جمع بين أربعة منهم لاتّفاق كيفيّة تحمّلهم وهي السماع من لفظ شيخهم سفيان بن عيينة، ولذا قالوا: حدّثنا سفيان، وفرّق بين اثنين بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهما، بالقراءة والسماع، فقتيبة سمع مع غيره، من لفظ شيخ الليث، ولذا قال: حدّثنا، ومحمد بن رمح، مع قراءة من يقرأ عليه، ولذا قال: أخبرنا، وبقيّة اللطائف ذُكرت في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير، قال في ((الفتح)): كذا رواه أكثر أصحاب الزهريّ، وخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عنه، عن القاسم بن محمد، أخرجه النسائيّ، ورجّح أبو زرعة الأول، ويَحْتَمِل أن يكون للزهريّ شيخان، فإن الحديث محفوظ عن عروة، والقاسم، من ◌ُرُق أخرى. انتهى(١). (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّنَا أنها (قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ). قال النوويّ كَّلُهُ: هكذا هو في الأصول، وهو صحيحٌ، ومعناه: من القَدَح. انتهى(٢). أشار به إلى أن ((في)) فيه بمعنى ((من))، أي الماء الذي في القَدَح، وفي رواية البخاريّ: ((من إناء واحد، من قَدَح))، فـ((من)) الأولى ابتدائيّة، والثانية بيانيّة، وقال الكرمانيّ: الأولى أن يكونَ (قَدَح)) بدلاً من ((إناء)) بتكرار حرف الجرّ في البدل. (١) ((الفتح)) ٤٣٣/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٣/٤. ١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض و((الْقَدَحُ)) بفتحتين: واحد الأَقْدَاحِ، مثلُ سَبَب وأسباب، وهو إناء يُرْوي الرجلين، وليس له حدّ، وقيل: هو اسم يجمع صغارها وكبارها، ومُتّخذها قَدّاح، وصِناعته قِدَاحة(١)، وفسّرته عائشة ﴿يَّها هنا بقولها: (وَهُوَ الْفَرَقُ)، وعند البخاريّ من رواية ابن أبي ذئب: ((يقال له: الفرق))، ولأبي داود الطيالسيّ من روايته: ((وذلك الْقَدَحُ، يُدْعَى الْفَرَقَ)). قال ابن التين رَُّهُ: ((الْفَرْقُ)) بتسكين الراء، ورَوَيناه بفتحها، وجَوَّز بعضهم الأمرين، وقال الْقُتيبيّ وغيره: هو بالفتح، وقال النوويّ: الفتح أفصح وأشهر، وزعم أبو الوليد الباجيّ أنه الصواب، قال: وليس كما قال، بل هما لغتان. قال الحافظ: لعل مُستَنَد الباجيّ ما حكاه الأزهريّ، عن ثعلب وغيره: ((الْفَرَقُ)) بالفتح، والمحدثون يُسَكِّنونه، وكلام العرب بالفتح. انتهى. وقد حَكَى الإسكان أبو زيد، وابن دُريد، وغيرهما، من أهل اللغة، والذي في روايتنا هو الفتح، والله أعلم. وحَكَى ابن الأثير تَتُهُ: ((الْفَرَقُ)» بالتحريك: مكيالٌ يَسَعُ ستة عشر رِظْلاً، وهو اثنا عشر مُدّاً، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الْفَرَق خمسة أَقْساط، والْقِسْطُ: نصف صاع، فأما الْفَرْقُ بالسكون، فمائة وعشرون رطلاً. انتهى (٢)، قال في ((الفتح)): وهو غريب(٣). (وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ)، أي النبيّ وَّ، وإنما أبرز الضمير لأجل عطف المظهر على الضمير المتّصل، كما قال في ((الخلاصة)): عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ وفي رواية البخاريّ: ((كنت أغتسل أنا والنبيّ وَّ))، قال الطيبيّ تَظَُّ: أبرز الضمير؛ ليعطف عليه المظهر. (١) راجع: ((القاموس)) ص٢١٤، و((المصباح)) ٤٩١/٢. (٢) ((النهاية)) ٤٣٧/٣. (٣) ((الفتح)) ٤٣٣/١. ١٣ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٣) . [فإن قلت]: كيف يستقيم العطف؛ إذ لا يقال: أغتسل، والنبيّ وَّ؟. [قلت]: هو على تغليب المتكلّم على الغائب، كما غُلِّب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥]، عطف ﴿َزَوْجُكَ﴾ على ﴿أَنْتَ﴾ . [فإن قلت]: الفائدة في تغليب ﴿آسْكُنْ﴾ هي أن آدم عليَّ كان أصلاً في سُكنى الجنّة، وحوّاءُ عَلَ تابعةٌ له، فما الفائدة فيما نحن فيه؟. [قلت]: الإيذان بأن النساء محلّ الشهوات، وحاملات للاغتسال، فكُنّ أصلاً فیه. انتهى(١). (فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ)))، أي من الإناء الواحد، فـ(في)) بمعنى ((من))، كما بيّنته رواية سفيان، قال ابن التين: كان هذا الإناء من شَبَهٍ، وهو بفتح المعجمة والموحدة، وهو نوع من النحاس، قاله في ((العمدة)) (٢)، وقال في ((الفتح)): وكأن مُستند ابن التين ما رواه الحاكم، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ولفظه: (تَوْر مِن شَبٍَ)). انتهى(٣) . (وَفِي حَدِيثٍ سُفْيَانَ) بن عيينة (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ)، أي بدل قول الليث: ((في الإناء الواحد)). (قَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد: (قَالَ سُفْيَانٌ) بن عيينة: (وَالْفَرَقُ) تقدّم ضبطه بفتح الفاء، وفتح الراء، وإسكانها، وهما لغتان، والفتح أفصح وأشهر، وهو مبتدأ خبره قوله: (ثَلاثَةُ آصُع) بمدّ الهمزة، وضمّ الصاد المهملة، قال النوويّ تَّتُهُ: هو صحيح فصيح، وَقد جَهِلَ مَن أنكر هذا، وزَعَم أنه لا يجوز إلا أَصْوُع، وهذه منه غفلة بيِّنةٌ، أو جهالة ظاهرةٌ، فإنه يجوز أَصْوُعٌ، واصُعٌ، فالأول هو الأصل، والثاني على القلب، فتقدم الواو على الصاد، وتُقْلَب ألفاً، وهذا كما قالوا: آدر وشبهه، وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، ويقال: صَاعٌ، وصَوَعٌ، بفتح الصاد والواو، وصُوَاعٌ، ثلاث لغات. انتهى(٤). (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨١٢/٣. (٣) ((الفتح)) ٤٣٣/١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٩١/٣. (٤) ((شرح النوويّ)) ٣/٤. ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((آصُع)) يُروى هكذا، ويُروى ((أَصْوُع))، وكلاهما صحيح الرواية، وهو جمع صاع، ويقال: صُوَاعٍ، وصُوَّعٌ، وهو جمع قلّة، وأصله أَضْوُعٌ، بواو مضمومة، كدار وأَدْؤُر، غير أن من العرب من يستثقل الضمّة هنا على الواو، فيُبْدلها همزةً، فيقول: أصْؤٌُ، كما يقول: أَدْؤُرٌ، وهو مكيال أهل المدينة المعروف فيهم، وهو يسع أربعة أمداد بمدّ النبيّ وَؤ . (١) انتھی وقال الفيّوميّ تَُّهُ: الصاع يُذكّر، ويؤنّث، قال الفرّاء: أهل الحجاز يؤنّثون الصاع، ويَجمعونها في القلّة على أَصْوُع، وفي الكثرة على صِيعانٍ، وبنو أسد، وأهل نَجْد يُذكّرون، ويجمعون على أَصْوَّاعِ، وربّما أنّتها بعض بني أسد، وقال الزجّاج: التذكير أفصح عند العلماء، ونَقَّلَ الْمُطَرِّرِيّ، عن الفارسيّ أنه يُجمع أيضاً على آصُع بالقلب، كما قيل: دارٌ وآدُرٌ بالقلب، وهذا الذي نقله جعله أبو حاتم من خطأ العوامّ، وقال ابن الأنباريّ: وليس عندي بخطأ في القياس؛ لأنه وإن كان غير مسموع من العرب، لكنه قياسُ ما نُقِل عنهم، وهو أنهم ينقلون الهمزة من موضع العين إلى موضع الفاء، فيقولون: أَبْارٌ، وآبارٌ. (٢) انتهى (١). وقال المجد ◌َّلهُ: الصّاع، والصُوَاعِ بالكسر، وبالضمّ، والصَّوْعُ، ويُضمّ: الذي يُكال به، وتدور عليه أحكام المسلمين، وقُرئ بهنّ، أو الصّاع غير الصِّوَاعِ، ويؤنّث، وهو أربعة أمداد، كلُّ مدّ رطلٌ وثُلُثُ، قال الداوديّ: مِعْيارُه الذي لا يَختَلف، أربع حَفَنَات بكفَّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفَّين، ولا صغيرهما؛ إذ ليس كلُّ مكان يوجد فيه صاع النبيّ وَّر. انتهى. قال المجد: وجرّبتُ ذلك، فوجدته صحيحاً، جمعه أَضْوٌُ، وأَصْؤٌُ، وأَضْوَاعٌ، وصُوٌ بالضمّ، وصِيعانٌ، أو هذا جمع صُوَاعٍ، وهو الجامُ الذي يُشرَب فيه. (٣) انتھی (١) ((المفهم)) ١/ ٥٨٠ - ٥٨١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٦٦. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٥٢/١. ١٥ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٣) وقال في ((الفتح)) ما حاصله: وأما مقدار الْفَرَق، فقد تبيّن في رواية ابن عيينة حيث قال: الفَرَقُ ثلاثة آصع، قال النوويّ: وكذا قال الجماهير، وقيل: الفَرَق صاعان، لكن نقل أبو عُبيد الاتفاق على أن الفَرَق ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلاً، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم: إن الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بما رُويَ عن مجاهد في حديث عائشة أنه حَزَرَ الإناء ثمانية أرطال، والصحيح الأول، فإن الْحَزْر لا يعارض به التحديد، وأيضاً فلم يُصَرِّح مجاهد بأن الإناء المذكور صاع، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها . ويؤيد كون الفرق ثلاثة آصع ما رواه ابن حبان، من طريق عطاء، عن عائشة، بلفظ: ((قدر ستة أَقْسَاط))، والقِسْط بكسر القاف، وهو باتفاق أهل اللغة نصف صاع، والاختلاف بينهم أن الفرق ستة عشر رطلاً، فصح أن الصاع خمسة أرطال وثلث. وتوسط بعض الشافعية، فقال: الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وهو ضعيفٌ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٣٢/٩ و٧٣٣] (٣١٩) و[٩/ ٧٣٤] (٣٢٠) و[٧٣٥/٩ و٧٣٦ و٧٣٧ و٧٣٨] (٣٢١)، و(البخاريّ) في ((الغسل)) (٢٥٠ و٢٦١ و٢٦٣) و((الحيض)) (٢٩٩)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٣٨)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (١٠٤)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٢٧/١ - ١٢٨)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣٧٦)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٤/١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٢/١)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١) ((الفتح)) ٤٣٣/١ - ٤٣٤. ١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض (١٠٢٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه)) (١/ ٦٥) (٤٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧/٦ و١٢٧ و١٩٩ و٢٣٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩١/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٥٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٣٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٠٨ و١١٩٢ و١١٩٣ و١١٩٤ و١١٩٥ و١٢٠١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٧/١ - ١٨٨) وفي ((المعرفة)) (٤٤٢/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٥٢/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٤٥ و٨٤٦ و٨٤٧ و٨٤٨ و٨٤٩ و٨٥٠ و٨٥١ و٨٥٢ و٨٥٣)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٧١٨ و٧١٩ و٧٢٠ و٧٢١ و٧٢٢ و٧٢٣ و٧٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مقدار الماء الذي يستحبّ استعماله في الغسل. ٢ - (ومنها): بيان أن الماء لا تؤثّر فيه الجنابة، لأنها لو كانت تؤثّر فيه لامتنع الاغتسال من الإناء الذي تتقاطر فيه ما لاقى بدن الجنب من ماء اغتساله . ٣ - (ومنها): جواز اشتراك الرجل مع امرأته في الغسل من إناء واحد، ومثله الوضوء، بلا فرق، وأن اغترافهما من الإناء يكون على التعاقب؛ لغلبة صغر أوانيهم، وتعذّر تساويهما في الاغتراف من غير تعاقب. ٤ - (ومنها): جواز تطهّر الرجل بفضل المرأة، وعكسه؛ لتأخّر اغتراف أحدهما عن الآخر في بعض الاغترافات، وفيه خلاف، والأصحّ الجواز، وسيأتي بيانه. ٥ - (ومنها): طهارة فضل الجنب. ٦ - (ومنها): جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته، وعكسه، قاله الداوديّ، قال الحافظ: ويؤيّده ما رواه ابن حبّان من طريق سليمان بن موسى، أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاءً، فقال: سألت عائشة، فذكر هذا الحديث بمعناه، وهو نصّ في المسألة. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ٤٣٤/١. ١٧ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٣) ٧ - (ومنها): ما نقله ابن الملقّن في ((شرح العمدة)) عن ابن القطّان الفاسيّ في ((أحكام النظر))، قال: سئل مالك، أيجامع الرجل زوجته، وليس بينهما سترٌ؟ قال: نعم، فقيل له: إنهم يرون كراهة ذلك، فقال: قد كان النبيّ ◌َّ﴾ وعائشة يغتسلان عريانين، والجماع أولى بالتجرّد، وقال: لا بأس أن ينظر إلى فرجها في الجماع. قال ابن الملقّن: وهو المرجّح عندنا. انتهى(١). ٨ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن أفعال النبيّ وَّهُ كلّها حجةٌ كأقواله، إلا ما كان خُصوصيّة له، ولا تثبت الخصوصيّة إلا بدليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في مقدار الماء الذي يُغتسل به: (اعلم): أنه قد اختلفت الروايات في هذا الباب، ففي رواية المصنّف، من حديث عائشة رضيّا ((كانت تغتسل هي والنبيّ وَّ في إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد))، وفي رواية: ((من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه))، وفي رواية: ((فَدَعَت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت فيه))، وفي حديث أنس رضُله: ((كان رسول الله وَل يغتسل بخمسة مكاكيك، ويتوضأ بمكّوك))، وفي حديثه الآخر: ((كان النبيّ ثَ يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد))، وفي حديث سفينة ر ◌ُبه: ((كان رسول الله وَّر يغسله الصاع من الماء، ويوضئه المدّ)). وفي رواية البخاريّ: ((بنحو من صاع))، وفي لفظ: ((من قَدَح، يقال له الفرق)). وفي رواية أبي داود، من حديث عائشة رضيها: ((أن النبيّ وَّر كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد))(٢)، ومن حديث جابر كذلك، ومن حديث أم عمارة ظُّ: ((أن النبيّ وَّر توضأ، فأُتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المدّ))(٣)، وفي روايته عن أنس ظه: ((كان النبيّ ◌َ﴿ يتوضأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٣/٢. (٢) حديث صحيح. (٣) حديث صحيح. ١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض بالصاع))، وفي رواية ابن خزيمة، وابن حبان في ((صحيحيهما))، والحاكم في (مستدركه))، من حديث عبد الله بن زيد رضيله: ((أن النبيّ وَ ﴿ أَتِي بثلثي مدّ من ماء، فتوضأ، فجَعَل يدلُك ذراعيه))، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قال الجامع عفا الله عنه: الجمع بين هذه الروايات - كما قاله المحقّقون - أنها كانت اغتسالات في أوقات مختلفة، نُقل فيها أكثر ما استعمله النبيّ وَّته، وأقلّه، فدلّ على أنه لا حدّ في قدر ماء الطهارة، يجب الوقوف عنده، والله تعالى أعلم. قال القرطبيّ تَخْلُ بعد ذكر اختلاف الروايات: (اعلم): أن اختلاف هذه المقادير، وهذه الأواني يدلّ على أنه وَّ لم يكن يُراعي مقداراً مؤقّتاً، ولا إناءً مخصوصاً، لا في الوضوء، ولا في الغسل، وأن كلّ ذلك بحسب الإمكان والحاجة، ألا ترى أنه تارةً اغتسل بالْفَرَق، وأخرى بالصاع، وأخرى بثلاثة أمداد. والحاصل أن المطلوب إسباغ الوضوء والغسل من غير إسراف في الماء، وأن ذلك بحسب أحوال المغتسلين، وقد ذهب ابنُ شعبان إلى أنه لا يُجزئ في ذلك أقلّ من مدّ في الوضوء، وصاعٍ في الغسل، وحديث الثلاثة أمداد يردّ عليه، والصحيح الأول. انتهى(١). وقال النوويّ تَخُّْهُ: أجمع المسلمون على أن الماء الذي يُجزئ في الوضوء والغسل غير مُقَدَّر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وُجد شرط الغسل، وهو جَرَيان الماء على الأعضاء، قال الشافعيّ تَخْتُ: وقد يَرْفُق بالقليل، فيكفي، ويَخْرَقُ(٢) بالكثير فلا يكفي. قال العلماء: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مُدّ، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغداديّ، والمدّ رطل وثلث، وذلك معتبر على التقريب، لا على التحديد، وهذا هو الصواب المشهور، (١) ((المفهم)) ١ / ٥٨١. (٢) من باب تعب. ١٩ (٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبُّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٣) وذكر جماعة من أصحابنا(١) وجهاً لبعض أصحابنا أن الصاع هنا ثمانية أرطال، والمدّ رطلان. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في المسألة أن الماء الذي يتوضّأ به، أو يُغتسل به، لا حدّ له يُلتزم، ما لم يبلغ في الزيادة حدّ الإسراف، فيُمنَعَ، أو في النقص حدّاً لا يُسمّى غسلاً، بل مسحاً، وذلك بأن لا يتقاطر أصلاً، فيكون باطلاً، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: جعل الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام تَّثهُ للمتوضئ والمغتسل ثلاث حالات: (أحدها): أن يكون معتدل الخلق، كاعتدال خَلْقه وََّ، فيقتدي به في اجتناب النقص عن المدّ والصاع. (الثاني): أن يكون ضَئِيلاً، نَحِيف الخَلْقِ، بحيث لا يُعادل جسده جسدَهُ وَّةِ، فيُستحبّ له أن يستعمل من الماء ما تكون نسبته إلى جسده، كنسبة المدّ والصاع إلى جسده وال﴾ . (الثالث): أن يكون متفاحش الْخَلْق طولاً وعرضاً، وعِظَمَ البطن، وثَخَانة الأعضاء، فيُستحبّ له أن لا ينقص عن مقدار، تكون النسبة إلى بدنه كنسبة المدّ والصاع إلى رسول الله وَّ. انتهى، وهو تحقيقٌ جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال في ((الفتح)): الصاع: تقدَّم أنه خمسة أرطال وثلث، برطل بغداد، وهو على ما قاله الرافعيّ وغيره مائةٌ وثلاثون درهماً، ورَجَّحَ النوويّ أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وقد بَيَّنَ الشيخ الموفَّق سبب الخلاف في ذلك، فقال: إنه كان في الأصل مائة وثمانية وعشرين وأربعة أسباع، ثم زادوا فيه مثقالاً لإرادة جبر الكسر، فصار مائة وثلاثين، قال: والعمل على الأول؛ لأنه هو الذي كان موجوداً وقت تقدير العلماء به. انتهى(٢). (١) يعني الشافعيّة. (٢) ((الفتح)) ١/ ٤٣٤. ٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وقال الشيخ عبد الله البسّام تَُّ في ((شرح بلوغ المرام)): الصاع مكيالٌ معروفٌ، والمراد به الصاع النبويّ، ويبلغ وزنه (٤٨٠) مثقالاً من البرّ الجيّد، وبالغرامات يبلغ (٢٥٠٠) غراماً، فيكون بالكيلو اثنين من الأكيال، وخمسمائة غرام . والمدّ بضمّ الميم: مكيالٌ معروفٌ، وهو ربع الصاع النبويّ، ويُجمع على أمداد، ومُدَدٍ، ومقداره بالغرامات (٦٢٥) غراماً بحَبّ البرّ الجيّد الرزين. انتهى(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال النوويّ تَخَُّ: أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ البحر، والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعض أصحابنا: الإسراف حرام. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول بتحريم الإسراف، هو الأرجح عندي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِفُوَاْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله ريَّ: ﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُّوْاْ إِخْوَنَ الشَّيَطِيْنِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ الآية [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]، فإن التحريم ظاهر في الآيتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم اغتسال الرجل بفضل المرأة: قال الإمام ابن المنذر تَّلُهُ: اختَلَف أهل العلم في هذا الباب، فنهت طائفة أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، رُوي هذا القول عن أبي هريرة . وفيه قول ثان: وهو الرخصة أن تتوضأ المرأة، وتغتسل بفضل طهور الرجل، وكراهية أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، رَوَينا عن عبد الله بن (١) ((توضيح الأحكام)) ١/ ٢٣٧. (٢) (شرح النوويّ)) ٢/٤.