Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
(١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٥)
(بِإِزَارٍ) بكسر الهمزة، هو ثوب يُحيط بالنصف الأسفل من البدن، يُذكّر،
(١)
ويؤنّث(١) .
وقال في ((المصباح)): الإزار معروفٌ، والجمع في القلّة آزرة، وفي الكثرة
أُزُرٌ بضمّتين، مثل حِمَار وحُمُر، ويُذكّر ويؤنّث، فيقال: هو الإزار، وهي
الإزار، وربّما أنّث بالهاء، فقيل: إزارة. انتهى باختصار(٢).
(ثُمَّ يُبَاشِرُهَا) من المباشرة التي هي أن يمسّ الجلد الجلدَ، أي يمسّ
بشرته بشرتها، وليس المراد به الجماع؛ لأن جماع الحائض حرام(٣).
وقال القرطبيّ ◌َّثُهُ: قوله: ((ثم يباشرها)): أي تلتقي بشرتاهما، والبَشَرة:
ظاهر الجلد، والأدمة باطنه، ويعني بذلك الاستمتاع بما فوق الإزار،
والمضاجعة، كما قال ◌َّر للذي سأله عما يحلّ من امرأته الحائض، فقال:
(لتشدّ عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها))(٤)، وهذا مبالغة في الحماية، وأما
المحرَّم لنفسه فهو الفرج، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، من السلف
وغيرهم. انتهى(٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٦٨٥/١ و٦٨٦] (٢٩٣)،
و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣٠٠ و٣٠٢)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٦٨)،
(٢) ((المصباح المنير)) ١٣/١.
(١) راجع: ((المعجم الأوسط)) ١٦/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٩٧/٣.
(٤) هذا مرسل أخرجه في: ((الموطّأ))، فقال:
(١١٤) حدثني يحيى، عن مالك، عن زيد بن أسلم، أن رجلاً سأل رسول الله وَلچ ،
فقال: ما يَحِلّ لي من امرأتي، وهي حائض؟ فقال رسول الله وَلَه: «التشُدّ عليها
إزارها، ثم شأنك بأعلاها)).
(٥) ((المفهم)) ١ /٥٥٥ - ٥٥٦.
٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
و(الترمذيّ) فيه (١٣٢)، و(النسائيّ) في ((الحيض)) (١٥١/١ و١٨٩)، و(ابن
ماجه) في ((الطهارة)) (٦٣٥ و٦٣٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٣٧٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٢٣٧) (٦٢/١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٢٥٤/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٥/٦ و١٣٤ و١٧٠ و١٧٤ و١٨٢
و١٨٧ و١٨٩ و٢٠٦ و٢٠٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٢/١ و٢٤٤)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (١٠٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٣٦٤)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٧٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٠/١
و٣١٢ و٣١٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣١٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٨٩١ و٨٩٢ و٨٩٣ و٨٩٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٧٦ و٦٧٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان جواز مباشرة الحائض، وسيأتي تمام البحث فيه في
المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أمر الرجل زوجته الحائض أن تتّزر، فإذا اتّزرت جاز له
مباشرتها .
٣ - (ومنها): الأخذ بالأحوط خشية الوقوع في الحرام.
٤ - (ومنها): بيان أن المباشرة تكون فوق الإزار، لا تحته، وفيه خلاف
سيأتي ترجيح الجواز في المسألة التالية أيضاً - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّل من ضبط النفس، وقوّة الإرادة،
حيث لا تغلبه شهوته .
٦ - (ومنها): جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في
لحاف واحد، إذا انتزرت.
٧ - (ومنها): أنه أبدى في ((الفتح)) وجهاً مفرّقاً بين ابتداء الحيض وما
بعده؛ لظاهر التقييد بقولها: ((فور حيضتها))، قال: ويؤيّده ما رواه ابن ماجه
(١) المراد فوائد حديث عائشة ؤها بطرقه وألفاظه المختلفة، لا خصوص السياق
المشروح الآن، فتنبّه.
٣٤٣
(١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٥)
بإسناد حسن، عن أم سلمة رضيوثها: ((أن النبيّ وَّ كان يتّقي سَوْرة الدم ثلاثاً، ثم
يباشر بعد ذلك))(١)، ويُجمع بينه وبين الأحاديث الدالّة على المبادرة إلى
المباشرة على اختلاف هاتين الحالتين. انتهى (٢).
٨ - (ومنها): أن عرق الحائض طاهر؛ لأن الاضطجاع معها في لحاف
واحد لا يخلو غالباً من إصابة العرق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم مباشرة الحائض:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخُّ: ثبتت الأخبار عن رسول الله وَالل أنه
كان يباشر المرأة من نسائه، وهي حائض، قال: ورَوَينا عن عمر بن
الخطاب نظريته أنه قال فيما يحل للرجل من امرأته حائضاً: ما فوق الإزار، لا
يَطَّلعَنّ إلى ما تحته حتى تطهر، وقالت عائشة ◌َّا: تَشُدّ إزارها على أسفلها،
ثم يباشرها، وبمثل هذا المعنى قال سعيد بن المسيِّب، وشُريح، وعطاء،
وطاوس، وسليمان بن يسار، وقتادة، وكان مالك بن أنس يقول: تشدّ إزارها،
ثم شأنه بأعلاها، وكان الشافعيّ يقول: دَلَّت السنة على اعتزال ما تحت
الإزار، وإباحة ما فوقه.
ورَخَّصَ أحمد، وإسحاق، وأبو ثور في مباشرتها، ورَوَينا عن عليّ، وابن
عباس ◌ّ قالا: ما فوق الإزار، وعن أم سلمة، أنها أباحت مضاجعة
الحائض، إذا كان على فرجها خِرْقة.
ورَخَّصت طائفة لزوج الحائض إتيانها دون الفرج، ورَوَينا هذا القول عن
عكرمة، والشعبيّ، وعطاء، وقال الحكم: لا بأس أن يَضَعَه على الفرج، ولا
يُدْخِله، وقال الحسن: له أن يَلْعَب على بطنها، وبين فخذيها، وقال سفيان
الثوريّ: لا بأس أن يباشرها زوجها إذا أنقَى(٣) موضع الدم، وقال أحمد: ما
(١) هذا الحديث عزاه في: ((الفتح) إلى ابن ماجه، لكني لم أجده فيه، والله تعالى
أعلم.
(٢) ((الفتح)) ١/ ٤٨٢.
(٣) هكذا نسخة ((الأوسط))، ولعل الصواب: ((إذا اتّقى))، والله أعلم.
٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
دون الجماع، وقال إسحاق: لو جامعها دون الفرج، فأنزل لم يكن به بأس،
وقال النخعيّ: إن أم عمران لتعلم أني أطعن بين أَلْيتها (١)، وهي حائض.
قال ابن المنذر تَخْلُهُ: الأعلى، والأفضل اتّباع السنة، واستعمالها، ثبت
أن النبيّ ◌َّهِ أَمَر عائشة ◌َّا أن تتزر، ثم يباشرها، وهي حائض، ولا يَحْرُم
عندي أن يأتيها دون الفرج، إذا اتّقى موضع الأذى، والفرجُ بالكتاب، وبإتفاق
أهل العلم مُحَرَّم في حال الحيض، وسائرُ البدن إذا اختلفوا فيه على الإباحة
التي كانت قبل أن تحيض، وغير جائز تحريم غير الفرج، إلا بحجة، ولا حجة
مع مَن مَنَعَ ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَّ﴾ إلى قوله:
﴿فَأَتُوهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال غير واحد من العلماء: من
حيث أمركم الله: أن يعتزلوهن في حال الحيض، والمباح منها بعد أن تطهر هو
الممنوع منها قبل الطهارة، والفرج مُحَرَّم في حال الحيض بالكتاب،
والإجماع، وسائرُ البدن على الإباحة التي كانت قبل الحيض. انتهى كلام ابن
المنذر تَُّ(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
وقال النوويّ تَّهُ: (اعلم): أن مباشرة الحائض أقسام:
[أحدها]: أن يباشرها بالجماع في الفرج، فهذا حرام بإجماع المسلمين،
بنصّ القرآن العزيز، والسنة الصحيحة، قال أصحابنا: ولو اعتَقَد مسلم حِلَّ
جماع الحائض في فرجها، صار كافراً مرتدّاً، ولو فعله إنسان غير معتقد حِلّه،
فإن كان ناسياً، أو جاهلاً بوجود الحيض، أو جاهلاً بتحريمه، أو مُكْرَهاً، فلا
إثم عليه، ولا كفارة، وإن وَطِئها عامداً عالِماً بالحيض والتحريم مختاراً، فقد
ارتَكَب معصية كبيرةً، نَصّ الشافعي على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفي
وجوب الكفارة قولان للشافعيّ، أصحهما وهو الجديد، وقول مالك، وأبي
حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه، وممن
ذهب إليه من السلف: عطاءٌ، وابن أبي مليكة، والشعبيّ، والنخعيّ،
(١) هكذا نسخة ((الأوسط))، ولعله ((بين أَلْيتيها)) بالتثنية، وهي بفتح الهمزة، ولا تُكسر،
كما قاله في: ((القاموس)) وغيره، والله تعالى أعلم.
(٢) ((الأوسط)) ٢٠٥/٢ - ٢٠٨.
٣٤٥
(١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٥)
ومكحول، والزهريّ، وأبو الزناد، وربيعة، وحماد بن أبي سليمان، وأيوب
السختيانيّ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد - رحمهم الله تعالى أجمعين -.
والقول الثاني، وهو القديم الضعيف أنه تجب عليه الكفارة، وهو مرويّ
عن ابن عباس، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وقتادة، والأوزاعيّ،
وإسحاق، وأحمد في الرواية الثانية عنه.
واختَلَف هؤلاء في الكفارة، فقال الحسن، وسعيد: عِتْقُ رقبة، وقال
الباقون: دينار، أو نصف دينار، على اختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه
الدينار، ونصف الدينار، هل الدينار في أول الدم، ونصفه في آخره، أو الدينار
في زمن الدم، ونصفه بعد انقطاعه؟ وتعلقوا بحديث ابن عباس المرفوع: ((مَن
أتى امرأته، وهي حائض، فليتصدق بدينار، أو نصف دينار))، وهو حديث
ضعيف باتفاق الحفاظ، فالصواب ألّا كفّارة، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((حديث ضعيف باتّفاق الحفّاظ)) غير
صحيح، فقد صححه جمع من الأئمة، وهو الذي يظهر لي، فممن صحّحه
الحاكم، والذهبيّ، وابن القطّان الفاسيّ، وابن دقيق العيد، وابن حجر، ومن
المتأخرين الشوكاني، وأحمد شاكر، والألبانيّ، قال الحافظ تَّتُ ما حاصله:
الصواب تصحيحه، فكم من حديث قد احتجّوا به، فيه من الاختلاف أكثر مما
في هذا الحديث، كحديث بئر بضاعة، وحديث القلّتين، ونحوهما، وفي ذلك
ما يَرُدّ على النوويّ دعواه أنه ضعيف باتفاق الأئمة، وتبعه في ذلك ابن
الصلاح. انتهى(١).
وقد حقّق الكلام فيه العلامة أحمد شاكر: فيما كتبه على الترمذيّ تحقيقاً
بالغاً، فارجع إليه، تجد علماً جمّاً(٢).
والحاصل أن الحديث صحيح، وهو حجة لمن أوجب التصدّق بدينار،
أو نصف دينار، وأن الراجح أن ((أو)) للتخيير، فيكون من الواجب المخيّر بين
أن يعطي ديناراً، أو نصف دينار، وقد حقّقت البحث في هذا في شرح
(١) راجع: ((التلخيص الحبير)) ١٦٦/١.
(٢) راجع: تعليقه على الترمذيّ ٢٤٥/١ - ٢٥٤.
٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
النسائيّ، فراجعه تستفد علماً(١)، وبالله تعالى التوفيق.
[القسم الثاني]: المباشرة فيما فوق السرة، وتحت الركبة بالذَّكَر، أو
بالقبلة، أو المعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك، وهو حلال، باتفاق العلماء،
وقد نَقَل الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وجماعة كثيرة الإجماع على هذا، وأما
ما حُكِي عن عَبِيدة السلمانيّ وغيره، من أنه لا يباشر شيئاً منها بشي منه، فشاةٌ
منكرٌ، غير معروف، ولا مقبول، ولو صَحّ عنه لكان مردوداً بالأحاديث
الصحيحة المشهورة المذكورة في ((الصحيحين)) وغيرهما في مباشرة النبيّ وَّل
فوق الإزار، وإذنه في ذلك، بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده.
ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذي يستمتع به شيء من الدم،
أو لا يكون، هذا هو الصواب المشهور الذي قطع به جماهير أصحابنا وغيرهم
من العلماء؛ للأحاديث المطلقة، وحَكَى المحاملي من أصحابنا وجهاً لبعض
أصحابنا أنه يَحرُم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة، إذا كان عليه شيء من
دم الحيض، وهذا الوجه باطلٌ لا شكّ في بطلانه، والله تعالى أعلم.
[القسم الثالث]: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر،
وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا :
أصحها عند جماهيرهم وأشهرها في المذهب أنها حرام.
والثاني أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا الوجه
أقوى من حيث الدليل، وهو المختار.
والوجه الثالث إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويَثِقُ من نفسه
باجتنابه، إما لضعف شهوته، وإما لشدة ورعه جاز، وإلا فلا، وهذا الوجه
حسنٌ، قاله أبو العباس البصريّ من أصحابنا .
وممن ذهب إلى الوجه الأول، وهو التحريم مطلقاً: مالك، وأبو حنيفة،
وهو قول أكثر العلماء، منهم سعيد بن المسيب، وشريحٌ، وطاوس، وعطاء،
وسليمان بن يسار، وقتادة.
وممن ذهب إلى الجواز عكرمة، ومجاهد، والشعبيّ، والنخعيّ،
(١) راجع: (ذخيرة العقبى)) ٣٠/٥ - ٣٤.
٣٤٧
(١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٥)
والحكم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن،
وأصبغ، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود، وقد قدمنا أن
هذا المذهب أقوى دليلاً، واحتجوا بحديث أنس الآتي: ((اصنَعُوا كل شيء إلا
النكاح))، قالوا: وأما اقتصار النبيّ وَلّ في مباشرته على ما فوق الإزار،
فمحمول على الاستحباب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَظْذّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال أهل العلم،
وأدلّتهم، أن الأرجح هو مذهب القائلين بجواز مباشرة الحائض مطلقاً فوق
الإزار وتحته إلا الفرج؛ لقوّة حجته، كما أشار إليه ابن المنذر تَّهُ في كلامه
السابق، وصرّح به النوويّ كَّلُ في كلامه المذكور آنفاً، ولكن الأولى أن يكون
فوق الإزار اتّباعاً للسنة.
والحاصل أن الاستمتاع بالحائض جائز غير الجماع في الفرج، كما نصّ
عليه وَّه بقوله: ((اصنَعُوا كلّ شيء إلا النكاح))، أي الجماع في الفرج، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في ذكر اختلاف أهل العلم في وطء الرجل زوجته
بعد أن تطهر قبل الاغتسال:
قال ابن المنذر تَُّ: اختَلَفُوا في وطء الرجل زوجته بعد انقطاع دمها
قبل أن تغتسل، فمنعت من ذلك طائفة، وممن منع منه، أو كَرِهِ سالمُ بن
عبد الله، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وربيعة، ومالك بن أنس، والليث بن
سعد، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقالت فرقة: إذا أدرك الزوج الشَّبَقُ(٢) أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها
إن شاء، رُوي هذا القولُ عن عطاء، وطاوس، ومجاهد.
واحتج بعض من نَهَى عن ذلك بظاهر الكتاب، وهو قول الله: ﴿وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، وبمنع الجميع الزوج وطأها في حال
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/٣.
(٢) (الشَّبَقُ - بفتحتين -: شدّة الغُلْمة، وطلب النكاح)). اهـ. ((لسان العرب)) ٣٧/١٢.
و((الغُلْمة)) بضم الغين، وضبطها بعضهم بكسرها: شدّة شهوة الضراب.
٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الحيض، فلما اختلفوا بعد إجماعهم من منع وطئها في حال الحيض، وجب
أن يكون التحريم قائماً حتى يتفقوا على الإباحة، ولم يتفقوا قط إلا بعد أن
تطهر بالماء، في حال وجود الماء.
قال ابن المنذر: فأما ما رُوي عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، فقد رَوَینا
عن عطاء، ومجاهد خلافَ هذا القول، ثبت عن عطاء أنه سئل عن الحائض
أنها تَرَى الطهر، ولم تغتسل أتحل لزوجها؟ فقال: لا حتى تغتسل، ثم أخرج
عن ابن جريج، عن عطاء، وعن مجاهد، أنهما قالا: لا يأتيها حتى تحلّ لها
الصلاة .
قال: فهذا ثابت عنهما، والذي رَوَى عن طاوس، وعطاء، ومجاهد
الرخصةَ ليثُ بن أبي سليم، وليث ممن لا يجوز أن يقابل به ابن جريج، ولو
لم يخالفه ابن جريج لم تثبت رواية ليث بن أبي سليم، وإذا بطلت الروايات
التي رُوِيت عن عطاء، وطاوس، ومجاهد كان المنع من وطء مَن قد طَهُرت من
المحيض، ولم تتطهّر بالماء كالإجماع من أهل العلم، إلا ما قد ذكرناه من منع
ذلك، ولا نجد أحداً ممن يُعَدّ قوله خلافاً قابلهم إلا بعض من أدركنا من أهل
زماننا، ممن لا (١) أن يقابَلُ عوام أهل العلم به(٢).
واحتجّ بعض من أدركنا ممن يخالف ما عليه عوام أهل العلم، فقال:
نَهَى الله تبارك وتعالى عن وطء الحائض، وأباح وطأ الطاهر بقوله: ﴿وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَظْهُرْنٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، وأجمعوا أن للزوج وطأ زوجته الطاهر،
ولو كانت إذا انقطع دمها إنما تطهر باغتسالها وجب ما لم يكن الغسل منها أنها
حائض، وليس على الحائض عند الجميع غسل، والحيض معنًى، والطهر
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط منه شيء، والأصل: ((ممن لا يصلح)) إلخ، أو
نحو ذلك، والله أعلم.
(٢) هذا الذي عزاه ابن المنذر إلى بعض من أدركه هو مذهب الحنفيّة، فإنهم يقولون:
إذا انقطع الدم لأكثر الحيض يجوز أن يطأها الزوج قبل أن تغتسل، وأما إن انقطع
لأقله، فلا إلا أن تغتسل، أو تتيمّم وتصلي، أو تكون الصلاة ديناً في ذمتها، بأن
فاتتها، راجع: ((حاشية الطحطاوي)) ص١٤٦ - ١٤٧.
٣٤٩
(١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٦)
ضدّه، ولما حظر الله تبارك اسمه وطأ الحائض، وأباح وطأ الطاهر، ولزم
الحائض الاسم لطهور (١) الدم، وجب أنها طاهر؛ لانقطاعه وطهور النقاء.
وقال آخر: حَرَّم الله رَ وطأ الحائض حتى تطهر بقول الله ريات: ﴿وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَظْهُرْنَّ﴾ الآية، قال: وكان وطؤها إذا طهرت من الحيض قبل أن
تطهر بالماء مباحاً؛ لأن النهي لما لم يقع في هذه الحال كان داخلاً في جملة
قوله : ((وما سكت عنه فهو معفو عنه)).
وقال آخر: وقوله: ﴿حَّى يَظْهُرْنٌّ﴾ فإذا يَظْهُرن يَحْتَمِل غسلهنّ فروجهنّ،
ويَحْتَمِل اغتسلن.
قال ابن المنذر تَخُّْ: والذي أقول به ما عليه جُلُّ أهل العلم، أن لا يطأ
الرجل زوجته إذا طهرت من المحيض، حتى تطهر بالماء. انتهى كلامه دَّهُ(٢)،
وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٨٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ
الشَّيْبَانِيِّ (ح)، وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ
مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا(٤) أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: ((كَانَ إِحْدَانَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضاً، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ
حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا - قَالَتْ -: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
(١) هكذا النسخة بالطاء فى الموضعين، ولعله بالظاء، فليُحرّر.
(٢) ((الأوسط)) ٢١٣/٢ - ٢١٥.
(٤) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((قال: أخبرنا)).
٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب
بعد ما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيّ،
ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو حفص،
ويقال: أبو بكر الفقيه الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
أدرك عمر، وروى عن أبيه، وعم أبيه علقمة بن قيس، وعائشة، وأنس،
وابن الزبير، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، ومالك بن
مِغْوَل، والأعمش، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ، وابن خِرَاش: ثقة، وزاد ابن
خِرَاش: من خيار الناس، وقال محمد بن إسحاق: قَدِمَ علينا عبد الرحمن بن
الأسود حاجّاً، فاعتَلَّت إحدى قدميه، فقام يصلي حتى أصبح على قدم، فصلى
الفجر بوضوء العشاء(١)، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال خليفة: مات قبل المائة، وقال في موضع آخر: مات في آخر خلافة
سليمان، وقال ابن حبّان: مات سنة تسع وتسعين ومائة، وكذا جزم به ابن
قانع، وقال أبو حاتم: أُدْخِل على عائشة، وهو صغير، ولم يسمع منها، وقال
ابن حبان: كان سنه سنّ إبراهيم النخعيّ.
قال الحافظ: فعلى هذا كيف يدرك عمر؟.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم
(٢٩٣) و(٥٧٢) و(٨٣٥) و(١١٩٠)، وأعاده بعده، و(٢١٩٣).
(١) يكثر مثل هذا في تراجم كثير من العبّاد، فيقال: فلان صلّى الصبح بوضوء العشاء
أربعين سنةً، أو نحوها، والحقّ أن مثل هذا ليس مما يُمدَح به الإنسان؛ لأنه
خلاف هدي النبيّ وَّر، فإنه لم يثبت أنه وهل كان يصلّي الصبح بوضوء العشاء،
وخير الهدي هديه ، فتأمل بعين الإنصاف، فإن اتّباع السنة خير لا يعدله شيء
مما يظنّه الظانّ أنه خير، وقد تقدّم بيان هذا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٣٥١
(١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٦)
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا الحديث رواه أبو إسحاق الشيبانيّ من حديث عائشة، ومن
حديث ميمونة
فأما حديث عائشة رضيها، فأخرجه الشيخان من رواية عليّ بن مسهر، عن
الشيبانيّ بسند المصنّف، وقال البخاريّ بعده: تابعه خالد، وجرير، عن
الشيبانيّ.
قال في ((الفتح)): قوله: ((تابعه خالد)) هو ابن عبد الله الطحّان الواسطيّ،
وجرير، هو ابن عبد الحميد، أي تابعا عليّ بن مسهر في رواية هذا الحديث،
عن أبي إسحاق الشيبانيّ بهذا الإسناد، وللشيباني فيه إسناد آخر كما سيأتي
عقبه .
ومتابعة خالد وصلها أبو القاسم التنوخيّ في ((فوائده)) من طريق وهب بن
بقية عنه.
ومتابعة جرير وصلها أبو داود، والإسماعيليّ، والحاكم في ((المستدرك))،
وهذا مما وَهِمَ في استدراكه؛ لكونه مُخَرَّجاً في ((الصحيحين)) من طريق
الشيبانيّ.
ورواه أيضاً عن الشيبانيّ، عن عبد الرحمن بن الأسود، بسنده هذا
منصور بن أبي الأسود، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) (١).
وأما حديث ميمونة مؤثّا، فأخرجه الشيخان أيضاً، أخرجه البخاريّ من
طريق عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، والمصنّف من طريق خالد بن عبد الله
الطحّان، عن الشيبانيّ، عن عبد الله بن شدّاد، عنها .
ثم قال البخاريّ تَّتُهُ: ورواه سفيان، عن الشيبانيّ.
قال في ((الفتح)): قوله: ((رواه سفيان))، يعني الثوريّ ((عن الشيبانيّ))،
يعني بسند عبد الواحد، وهو عند الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهديّ،
عن سفيان، نحوه، وقد رواه عن الشيبانيّ أيضاً بهذا الإسناد خالد بن عبد الله،
عند مسلم - يعني الحديث التالي - وجرير بن عبد الحميد، عند الإسماعيليّ،
(١) ((الفتح)) ١/ ٤٨٢.
٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وذلك مما يَدْفَع عنه توهّم الاضطراب، وكأن الشيبانيّ كان يُحَدّث به تارةً من
مسند عائشة، وتارة من مسند ميمونة، فسمعه منه جرير، وخالد بالإسنادين،
وسمعه غيرهما بأحدهما .
ورواه عنه أيضاً بإسناد ميمونة حفص بن غياث، عند أبي داود، وأبو
معاوية، عند الإسماعيليّ، وأسباط بن محمد، عند أبي عوانة في ((صحيحه)).
انتهى ملخّص ما في ((الفتح)) (١)، وهو بحثُ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقولها: (أَنْ تَأْتَزِرَ) معناه: أن تَشُدَّ إزاراً تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة
فما تحتها .
وقولها: (فِي فَوْرِ خَيْضَتِهَا) هو بفتح الفاء، وإسكان الواو، معناه:
مُعْظَمها، ووقتُ كثرتها. و((الحيضة)) بفتح الحاء: أي الحيض.
وقال القاضي عياض ◌َّتُهُ: ((في فَوْر حيضها)) فَوْرُ الشيء جَأْشُه،
واندفاعه، وانتشاره، وفورُ الحيض معظم صبّه، ومنه فَوْرُ العين، وفورُ القِدْر:
إذا جاشا، قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ النَّنُورُ﴾ [هود: ٤٠]، ومنه في الحديث: ((فإن
شدّة الحرّ من فَوْر جهنّم))، رواه البخاريّ، وفي كتاب أبي داود: ((في فَوْح
حيضتنا))، وكذلك في البخاريّ: ((من فوح جهنم))، و((فيح جهنّم))، والكلّ
بمعنى واحد. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ: فار الماءُ يفورُ فَوْراً: نَبَعَ، وجَرَى، وفارت القِدْرُ فوراً
وفَوَرَاناً: غَلَتْ، وقولهم في الشُّفْعة: على الْفَوْر من هذا، أي على الوقت
الحاضر الذي لا تأخير فيه، ثم استُعْمِل في الحالة التي لا بُطْءَ فيها، يقال: جاء
فلانٌ في حاجته، ثم رجع من فَوْره، أي من حركته التي وصل فيها، ولم يسكن
بعدها، وحقيقته أن يَصِلَ ما بعد المجيء بما قبله من غير لُبْث. انتهى(٣).
وقال أبو نعيم تَخْلَُّ في ((المستخرج)): فَوْرُ الحيض: شِدّته، وأوّله.
(٤)
انتھی
(١) ((الفتح)) ٤٨٣/١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٢١/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٨٢/٢ - ٤٨٣.
(٤) ((المستخرج على صحيح مسلم)) ١/ ٣٥٢.
٣٥٣
(١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٦)
وقولها: (وَأَيُّكُمْ يَمْلِكَ إِرْبَهُ إلخ) قال النوويّ كَُّهُ: أكثر الروايات فيه
بكسر الهمزة، مع إسكان الراء، ومعناه: عُضْؤُه الذي يستمتع به، أي الفرج،
ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه: حاجته، وهي شهوة الجماع،
والمقصود: أملككم لنفسه، فَيَأْمَن مع هذه المباشرة الوقوعَ في المحرَّم، وهو
مباشرة فرج الحائض، واختار الخطابيّ هذه الرواية، وأنكر الأولى، وعابها
على المحدثين. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قولها: ((وأيّكم يملك إربه)) قيّدناه بكسر الهمزة،
وإسكان الراء، وبفتح الهمزة وفتح الراء، وكلاهما له معنى صحيح، وإن كان
الخطّابيّ أنكر الأول على المحدّثين، ووَجْهُ الأول أن الإِرْب: العضو،
والآراب: الأعضاءُ، فكَنَت به عن شهوة الفرج؛ إذ هو عضوٌ من الأعضاء،
وهذا تكلّفٌ، بل في ((الصحاح)) أن الإرب العضو، والدَّهاء، والحاجة أيضاً،
وفيه لغات: إِرْبٌ، وإِرْبةٌ، وأَرَبِّ، ومَأْرَبةٌ، ويقال: هو ذو أَرَبِ، أي ذو عقل،
فقولها: ((يملك إربه)) بالروايتين، تعني حاجته للنساء. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الأَرَبُ بفتحتين، والإِرْبةُ بالكسر، والْمَأْرَّبَةُ بفتح
الراء وضمّها: الحاجة، والجمع المآرب، والأَرَبُ في الأصل: مصدرٌ، من
باب تَعِبَ، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى الشيء: إذا احتاج إليه، فهو آربٌ على
فاعلٍ، والإِرْبُ بالكسر يُستَعْمَلُ في الحاجة، وفي العُضْو، والجمع آراب، مثلُ
حِمْلٍ وأَحْمَال، وفي الحديث: ((وكان أملككم لإربه))، أي لنفسه عن الوقوع في
الشهوات. انتهى(٣).
وقال أبو نعيم تَّتُهُ في ((المستخرج)): الإرب: الحاجة، وقال النضر:
الإرب العقلُ، يعني: أيكم يصبر كما صبر عليّا؟. انتهى(٤).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٤/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ١١/١.
(٤) ((المستخرج على صحيح مسلم)) ١/ ٣٥٢.
(٢) ((المفهم)) ١/ ٥٥٦.
٣٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٨٧] (٢٩٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ
الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يُبَاشِرُ
نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ، وَهُنَّ خُيَّضٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قريباً.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم
الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (الشَّيْيَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان المذكور في السند الماضي.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّاد) بن الهاد الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، كان يأتي
الكوفة، وأمه سَلْمى بنت عُميس الخثعمية، أخت أسماء، ثقة فقيه [٢].
رَوَى عن أبيه، وعمر، ويعلى، وطلحة، ومعاذ، والعباس، وابن مسعود،
وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وخالته أسماء بنت عميس،
وغيرهم.
وروى عنه سعد بن إبراهيم، وأبو إسحاق الشيباني، ومعبد بن خالد،
والحكم بن عتيبة، وذَرّ بن عبد الله الْمُرْهبي، ورِبْعِيّ بن حِرَاش، وغيرهم.
قال الميموني: سئل أحمد: أسمع عبد الله بن شداد من النبي ◌َّ شيئاً؟
قال: لا. وقال ابن المديني: شَهِد مع علي يوم النَّهْرَوان. وقال العجلي
والخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم. وقال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال
ابن سعد: كان عثمانياً (١) ثقة في الحديث، تُوُفّي في ولاية الحجاج على
العراق. وقال الواقدي: خرج مع القراء أيام ابن الأشعث على الحجاج، فقُتل
يوم دُجَيل، وكان ثقة، فقيهاً، كثير الحديث، متشيعاً.
(١) هكذا قال في: ((تهذيب التهذيب))، وتعقّبه الحافظ في: ((تهذيب التهذيب)) بأن فيه
نظراً فإن يعقوب بن شيبة قال: وكان يتشيّع. انتهى.
٣٥٥
(٢) - بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٦٨٧)
قال ابن نُمير: قُتل بدُجيل سنة (٨١). وقال يحيى بن بكير وغير واحد:
فُقِد ليلة دُجيل سنة (٨٢). وقال الثوري: فُقد ابن شدّاد، وابنُ أبي ليلى
بالجماجم، وكذا قال العجلي، وزاد: اقتَحَمَ بهما فرساهما الماء فذهبا، وقال
ابن حبان في ((الثقات)): غَرِقَ بدُجَيل، وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)):
وُلِد على عهد النبي ◌َّهِ. وقال يعقوب بن شيبة في ((مسند عمر)): كان يتشيع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٩٤)
و(٥١٣) وأعاده بعده، و(٢١٩٥) وأعاده بعده، و(٢٤١١).
٥ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث العامرية الهلالية، زوجُ النبيّ ◌َّ، تزوجها
سنة سبع، رَوَت عن النبيّ وََّ، وروى عنها ابن أختها عبد الله بن عباس، وابن
أختها الأخرى عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن أختها عبد الرحمن بن السائب
الهلاليّ، وابن أختها الأخرى يزيد بن الأصم، وربيبها عبيد الله الخولانيّ،
ومولاتها نَدَبَة، ومولاها عطاء بن يسار، ومولاها سليمان بن يسار، وإبراهيم بن
عبد الله بن معبد بن عباس، وكُريب مولى ابن عباس، وعُبيد بن السَّبّاق،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والعالية بنت سبيع، وغيرهم.
وقيل: كان اسمها بَرّة، فسماها رسول الله وَّرِ ميمونة، وتُوُفّيت بِسَرِف
حيث بَنَى بها رسول الله وَّ، وهو ما بين مكة والمدينة، وذلك سنة إحدى
وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وصَلَّى عليها عبد الله بن عباس.
قال الحافظ: والقول الأول هو الصحيح، وأما الأخيران فغَلَطٌ بلا ريب،
فقد صَحَّ من حديث يزيد بن الأصم، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة
ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا، وقال يعقوب بن سفيان: تُوُفِّيت سنة تسع
وأربعين.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (٢٠) حديثاً.
وشرح الحديث يُعلم مما سبق.
وقولها: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُبَاشِرُ إلخ)، ولفظ البخاريّ: ((كان
رسول الله ﴿ ﴿ إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه، أمرها، فاتّزَرَت، وهي
حائض)) .
٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقولها: (وَهُنَّ حُيَّضٌ))) بضمّ الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة: جمع
حائض، كما قال في ((الخلاصة)):
وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَفُعَّلٌ لَفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﴿ّا هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٦٨٧/١] (٢٩٤)، و(البخاريّ) فيه
(٣٠٣)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤/
٢٥٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٨٩٥ و٨٩٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٦٧٨ و٦٧٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١١/١)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٤٤/١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ .
(٢) - (بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلَهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٨٨] (٢٩٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ (ح)
وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةً،
زَوْجَ النَّبِّ نَّهِ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَضْطَجِعُ(١) مَعِي، وَأَنَا خَائِضٌ، وَبَيْنِي
وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قبل بابين.
(١) وفي نسخة: ((ينضجع)).
٣٥٧
(٢) - بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْخَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٦٨٨)
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ الفقيه المصريّ، تقدّم قبل بابين
أيضاً .
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر،
ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، المعروف بابن التستريّ،
صدوقٌ، تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (خ م س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٥ - (مَخْرَمَةُ) بن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ،
صدوقٌ، روايته من أبيه وجادةٌ من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما،
وقال ابن المدينيّ: سَمِع من أبيه قليلاً [٧] (ت١٥٩) (بخ م د س) تقدم في
((الطهارة)) ٥٥٤/٤.
٦ - (أَبُوهُ) هو: بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو
عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) أو بعدها (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
٧ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: كُريب بن أبي مسلم الهاشميّ
مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) (ع).
أدرك عثمان، وروى عن مولاه ابن عباس، وأمه أم الفضل، وأختها
ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ بنت أبي طالب،
وغيرهم، وأرسل عن الفضل بن عباس.
ورَوَى عنه ابناه: محمدٌ ورِشْدين، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وهما من أقرانه، وشريك بن أبي نَمِر، ومحمد، وموسى، وإبراهيم،
بنو عقبة، وحبيب بن أبي ثابت، وسالم بن أبي الجعد، ومكحول الشاميّ، وبكير،
ويعقوب ابنا عبد الله بن الأشج، وسلمة بن كهيل، ومخرمة بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، حسن الحديث، وقال عثمان الدارميّ: قلت
لابن معين: كريب أحبّ إليك عن ابن عباس، أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقةٌ،
وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وَضَعَ عندنا
كريب حِمْلَ بعير من كتب ابن عباس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال الواقديّ، وآخرون: مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين في آخر خلافة
سليمان بن عبد الملك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثاً .
٨ - (ميمونة زوج النبيّ وَّر) تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
قرن بين اثنين منهما، وسبب ذلك أن أبا الطاهر سمع الحديث عن ابن وهب
بقراءة غيره عليه، ولذا قال: أخبرنا ابن وهب، وأما هارون، وأحمد، فسمعاه
من لفظه، ولذا قالا: حدّثنا ابن وهب، وهذا هو إفراد المصنّف لشيخه الأول،
و جمعه بین الأخیرین.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مخرمة، والباقون مصريّون.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: مخرمة، عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بكير، عن كريب.
٥ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى بكُريب غير مولى
ابن عبّاس المذكور هنا، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفاً
عدّة ما له فيه من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضم أوله
مصغّراً (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث
(زَوْجَ النَّبِيِّ وَّ﴾ بنصب (زوج)) بدلاً، أو عطف بيان لـ ((ميمونة))، ويجوز قطعه
إلى الرفع بتقدير ((هو))، أو النصب بتقدير ((أعني)) (قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
يَضْطَجِعُ (١) مَعِي) هكذا النسخ ((يَضطجع))، وذكر في هامش نسخة محمد ذهني
التي اعتمدت عليها في هذا الشرح؛ لكونها أصحّ النسخ التي بين يديّ، ما
نصّه: وفي نسخة معتمَدة (ينضجع)) - أي بالنون بدل الطاء - قال ابن الأثير:
(١) وفي نسخة: (ينضجع)).
٣٥٩
(٢) - بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٦٨٨)
((انضجع)) مطاوع أضجعه، نحو أزعجته فانزعج، وأطلقته فانطلق، وانفعل بابه
الثلاثيّ، وإنما جاء في الرباعيّ قليلاً على إنابة أفعل مناب فَعَلَ. انتهى(١).
(وَأَنَا حَائِضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من ياء المتكلّم، وتقدّم
أن حائض)) بدون هاء؛ هو اللغة الفصحى، ويجوز بقّة حائضة بالهاء، (وَبَيْنِي
وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال أيضاً، إما على التداخل، أو
الترادف.
قال القاضي عياض تَخْلَتْهُ: قولها: ((وبيني وبينه ثوب))، هذا الثوب يرجع
إلى الإزار في الحديث الآخر، وتكون المباشرة حقيقة لما فوق الإزار،
ويجتنب ما تحت الإزار، وقال ابن الجهم، وابن القصّار: حدّه من السرّة إلى
الركبة؛ لأنه موضع الإزار، ولأنه مفسّر في حديث آخر، وهذا مذهب عامّة
أهل العلم في جواز الاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، ومضاجعتها
ومباشرتها في مِثْزَر بمفهوم هذه الأحاديث، وبقوله في غير هذا الكتاب: ((ثم
لك ما فوق الإزار))(٢)، وقوله: ((ثم شأنك بأعلاها))(٣)، وتعلّق بعض من شذّ
بظاهر القرآن إلى اعتزال النساء في المحيض جملةً، وقد بيّنت السنّة هذا
الاعتزال، وفسّرته بما تقدّم، وبقوله {وَ﴿ل بعد هذا: ((اصنعوا كلَّ شيء إلا
النكاح))، وقد يتعلّقون بظاهر حديث ميمونة ﴿ّا، وقولها: ((وبيني وبينه ثوبٌ))،
ولكن قولها في الرواية الأخرى: ((فوق الإزار)) يفسّر أنه الثوب الذي عَنَته، وفي
البخاريّ: ((كان رسول الله وَ لَ﴿ إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه أمرها،
فاتّزرت، وهي حائض)).
وذهب بعض السلف، وبعض أصحابنا - يعني المالكيّة - إلى أن الممنوع
منها الفرج وحده، وأن غيره مما تحت الإزار حماية منه، مخافةً ما يُصيبه،
ورُوي عن عائشة معناه، وحَكَى ابن المرابط في ((شرحه)) إجماع السلف على
(١) راجع: نسخة محمد ذهني ١٦٧/١، و((النهاية)) لابن الأثير ٧٤/٣.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في: ((سننه)) ٥٥/١.
(٣) مرسل صحيح، أخرجه في: ((الموّأ))، والدارميّ في: ((سننه)).
٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
جواز ذلك، وقد يحتجّ باختصاصه الشّدّ بفور حيضها في الحديث المتقدّم.
انتھی(١).
وقال النوويّ كَّتُهُ: فيه جواز النوم مع الحائض، والاضطجاع معها في
لِحَاف واحد، إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة
والركبة، أو يمنع الفرج وحده عند من لا يُحَرِّم إلا الفرج(٢).
قال: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا
الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من
المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا
يكره طبخها، وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها، وعَرَقها طاهران،
وكل هذا متفقٌ عليه.
وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد بن جرير في كتابه في مذاهب العلماء
إجماع المسلمين على هذا كله، ودلائلُهُ من السنة ظاهرة مشهورة.
وأما قول الله تعالى: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِ اَلْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَّ﴾
[البقرة: ٢٢٢]؛ فالمراد: اعتزلوا وطأهنّ، ولا تقربوا وطأهنّ. انتهى (٣)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﴿ّا هذا من أفراد المصنّف دَخَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٦٨٨/٢] (٢٩٥)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٨٩٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٧٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٣١١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
(١) ((إكمال المعلم)) ١٢٤/٢ - ١٢٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/٣.
(٢) قد تقدّم أن هذا القول الراجح.