Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٧)
وقوله: (ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ) منصوب على المفعوليّة، وجملة ((وعبد الله ..
إلخ)) في محلّ نصب على الحال، رُبط بالواو، كما قال في ((الخلاصة)):
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا
بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
(فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي) أي انتهيت من أفعالها (انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ) أي إلى
عبد الله بن عمر رضيّه (مِنْ شِقِّي) - بكسر الشين، وتشديد القاف -: أي جانبي،
وفي رواية أبي عوانة من طريق خالد بن مخلد الْقَطوانيّ، عن سليمان بن بلال:
((فلما قضيت صلاتي، انصرفتُ إليه من شقّي الأيسر)) (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن
عمر ◌ِّها (يَقُولُ نَاسٌ) تقدّم أنه اسمٌ وُضِع للجمع، كالقوم والرهط، وواحده
إنسان من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تحرّك، فيشمل الإنس والجنّ،
قال الله رَّت: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾﴾ ثم فسّر الناس بالجنّ
والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾﴾(١).
قال في ((الفتح)): يشير بقوله: ((ناسٌ)) إلى من كان يقول بعموم النهي،
كما سبق، وهو مرويّ عن أبي أيوب، وأبي هريرة، ومَعْقِل الأسديّ، وغيرهم.
انتھی(٢).
(إِذَا قَعَدْتَ) ذكر القعود لكونه الغالب، وإلا فحال القيام كذلك(٣)
(لِلْحَاجَةِ) أي لقضاء الحاجة، من البول والغائط، وجملة قوله: (تَكُونُ لَكَ)
صفة لـ((الحاجة))، أو منصوب على الحال؛ إذ المعرّف بـ((أل)) الجنسيّة كالنكرة،
على حدّ قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
(فَلاَ تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) أي الكعبة (وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان: فتح
الميم، وسكون القاف، وكسر الدال مخفَّفةً، وهو إما مصدر، أو مكان،
والثانية: ضمّ الميم، وفتح القاف والدال المهملة المشدّدة، من التقديس، وهو
(١) راجع ((المصباح)) ٦٣٠/٢.
(٣) ((الفتح)) ٢٩٨/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٨/١.

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
التطهير، سُمي به لأنه موضعٌ يُتقدَّس، أي يُتطَهَّر فيه من الذنوب، وقد تقدّم
البحث فيه في أول ((باب الإسراء)).
(وَلَقَدْ) اللام جواب قسم محذوف، أي والله
(قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ◌ِّا
لقد (رَقِيتُ) - بكسر القاف: أي صَعِدتُ، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة،
وحَكَى صاحب ((المطالع)) لغتين أخريين؛ إحداهما: بفتح القاف بغير همزة،
والثانية: بفتحها مع الهمزة؛ قاله النوويّ تَخْذُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هاتان اللغتان اللتان حكاهما صاحب
((المطالع)) لم أجدهما في كتب اللغة التي بين يديّ، فليُحرّر، والله تعالى
أعلم.
وقال الفيّوميّ تَظُّهُ: رَقِيتُ في السلّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِبَ رُقِيّاً
على فُعُولٍ، ورَقْياً، مثلُ فَلْسٍ أيضاً، وارتقيتُ، وتَرَقَّيتُ مثلُهُ، ورَقِيتُ السطح
والجبلَ: عَلَوتُهُ، يتعدّى بنفسه، والْمَرْقَى، والْمُرْتَقَى: موضع الرُّقِيّ، والْمَرْقَاةُ
مثلُهُ، ويجوز فتح الميم على أنه موضعُ الارتقاء، ويجوز الكسر تشبيهاً باسم
الآلة، كالْمِظْهَرَة، والْمِسْقَاةِ، وأنكر أبو عُبيد الكسر، وقال: ليس في كلام
(٢)
العرب. انتهى (٢).
(عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ) هكذا في هذه الرواية متعدياً بـ(على))، والذي في
((الصحاح))، و((القاموس))، و((المصباح))، و((اللسان)) تعديته بـ((إلى))، وبـ((في))،
أو بنفسه، والله تعالى أعلم.
(عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: ((رقيتُ على
بيت أختي حفصة))، وفي رواية للبخاريّ: ((على ظهر بيتٍ لنا))، وفي رواية له:
((على ظهر بيتنا))، وفي رواية ابن خزيمة: ((دخلت على حفصة بنت عمر،
فصعِدتُ ظهر البيت))، وفي رواية أبي عوانة: ((على ظهر منزلنا)).
وطريق الجمع أن يقال: إضافته البيت إليه على سبيل المجاز؛ لكونها
(١) (شرح النوويّ)) ١٥٨/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٦/١.

٥٤٣
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٧)
أخته، فله منه سبب، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي
أسكنها النبيّ وَّ فيه، واستمرّ في يدها إلى أن ماتت، فورثه عنها، وحيث
أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه وَرِث حفصة دون
إخوته؛ لكونها كانت شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب، قاله في
((الفتح)(١).
(فَرَأَبْتُ) عطف على ((رَقِيتُ))، وهو بمعنى أبصرتُ، فلا يقتضي إلا
مفعولاً واحداً، وهو قوله: (رَسُولَ اللهِ وَ لَ) [فإن قلت]: كيف نظر ابن عمر رضيّا
إلى النبيّ وَّ، وهو في تلك الحالة، ولا يجوز له ذلك؟.
[أجيب]: بأنه لم يقصد الإشراف عليه وسلّ في تلك الحالة، وإنما صَعِد
السطح لضرورة له، كما قال في رواية للبيهقيّ، من طريق نافع، عن ابن عمر:
((فحانت منه التفاتة))، نعم لَمّا اتّفَقَت له رؤيته في تلك الحالة من غير قصد
أَحَبَّ أن لا يُخْلِي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعيّ، وكأنه إنما رآه
من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، ودَلّ ذلك
على شدّة حرص الصحابيّ ظُه على تتبع أحوال النبيّ وَّ؛ ليتبعها، وكذا
كان رَُّه، أفاده في ((الفتح))(٢).
وقال في ((العمدة)): وقعت منه تلك الرؤية اتّفاقاً من غير قصد لذلك،
فَنَقَلَ ما رآه، وقصده ذلك لا يجوز، كما لا يتعمّد الشهود النظر إلى الزنا، ثم
يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويتحمّلوا الشهادة بعد ذلك.
وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون ابن عمر ﴿َّا قَصَدَ ذلك، ورأى رأسه
دون ما عداه من بدنه، ثم تأمّل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله،
فنقل ما شاهد. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: هذا الرُّقيّ من ابن عمر ◌ّ الظاهر منه أنه لم
يكن عن قصد الاستكشاف، وإنما كان لحاجةٍ غير ذلك، ويَحْتَمِلُ أن يكون
(١) ٢٩٨/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٤٢٧/٢.
(٢) ٢٩٨/١.

٥٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ليطّلع على كيفيّة جلوس النبيّ وَ لّ للحدث، على تقدير أن يكون قد استَشعَرَ
ذلك، وأنه تحفّظ من أن يطّلع على ما لا يجوز له، وفي هذا الثاني بُعْدٌ.
(١)
انتھی
٠
(قَاعِداً عَلَى لَبِنَتَيْنٍ) حال من الفاعل، ولابن خزيمة: ((فأشرفت على
رسول الله ﴿ ﴿، وهو على خلائه))، وفي رواية له: ((فرأيته يقضي حاجته،
محجوباً علیه بلبن))، وللحكيم الترمذيّ بسند صحيح: ((فرأيته في کَنِيف»، وهو
بفتح الكاف، وكسر النون، بعدها ياء تحتانية، ثم فاء، وانتَفَى بهذا إيراد مَن
قال ممن يرى الجواز مطلقاً: يَحْتَمِل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه رآه على
لبنتين لا يدلّ على البناء؛ لاحتمال أن يكون جَلَس عليهما ليرتفع بهما عن
الأرض، ويَرُدُّ هذا الاحتمال أيضاً أن ابن عمر ◌ُها كان يَرَى المنعَ من
الاستقبال في الفضاء إلا بساتر، كما رواه أبو داود، والحاكم بسند لا بأس
به(٢) .
[تنبيه]: قوله: (لَبِنتين)): تثنية لَبِنَةٍ، واحد اللَّبِن، وهو ما يُعْمَل من الطين،
ويُبْنَى به، وهو بفتح اللام، وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء، مع فتح اللام،
ومع كسرها، وكذا كلُّ ما كان على هذا الوزن، أعني مفتوح الأول، مكسور
الثاني يجوز فيه الأوجه الثلاثة، كَكَتِفٍ، فإن كان ثانيه، أو ثالثه حرف حلق،
جاز فيه وجهٌ رابعٌ، وهو كسر الأول والثاني، كَفَخِذٍ(٣)، والله تعالى أعلم.
(مُسْتَقْبِلاً) منصوبٌ على الحال كسابقه، إما على الترادف، أو التداخل،
وقوله: (بَيْتَ الْمَقْدِسِ) منصوب على المفعوليّة لـ((مستقبلاً))، وقوله: (لِحَاجَتِهِ)
متعلّق بـ((قاعداً))، أو بخبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك كائن لحاجته، واللام فيه
للتعليل؛ أي لأجل قضاء حاجته، ويحتمل أن تكون للتوقيت، أي وقت قضاء
حاجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والمستعان، وعليه
التكلان.
(١) ((المفهم)) ٥٢٢/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٨/١.
(٣) راجع ((المصباح المنير)) ٥٤٨/٢، و((شرح النوويّ)) ١٥٤/٣.

٥٤٥
(١٧) - بَابُ آدَابِ الشَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر تها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦١٧/١٧ و٦١٨] (٢٦٦)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٤٥ و١٤٨ و١٤٩) وفي ((فرض الخمس))
(٣١٠٢)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (١٢)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (١١)،
و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٢٣)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣٢٢)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (١٩٣/١ - ١٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٥١/١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١/٢ و٩٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧١/١)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤١٨ و١٤٢١)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٦١/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤/
٢٣٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٣٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(١٣٣١٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥١٢ و٥١٣ و٥١٤)، و(أبو نُعيم) في
(مستخرجه)) (٦١١ و٦١٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٢/١)، و(البغويّ) في
((شرح السنّة)) (١٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان، قال الحافظ
ابن عبد البرّ تَّثُ: دلّ الحديث على أن النهي إنما أُريد به الصحاري، لا
البيوت؛ لما في ذلك من الضِّيق والحرج، وما جعل الله في الدين من حرج.
(١)
انتھی(١).
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخُّْ: واستقباله بيت المقدس يدلّ على
خلاف ما ذَهَبَ إليه النخعيّ، وابن سيرين، فإنهما منعا ذلك، وما رُوي من
النهي عن استقبال شيء من القبلتين بالغائط لا يصحّ؛ لأنه من رواية عبد الله بن
نافع، مولى ابن عمر ظًّا، وهو ضعيفٌ، وقد ذهب من منع استقبال القبلة
(١) ((الاستذكار)) ١٧٤/٧.

٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
واستدبارها مطلقاً إلى أن حديث ابن عمر طها لا يصلَحُ تخصيص حديث أبي
أيوب رَُّه به؛ لأنه فعلٌ في خلوة، وهو محتمِلٌ للخصوص، وحديث أبي
أيوب قولٌ قُعِّدت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى.
والجواب عن ذلك أن نقول: أما فعله مرَّهِ، فأقلّ مراتبه أن يُحْمَل على
الجواز بدليل مطلق اقتداء الصحابة بفعله، وبدليل قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وبدليل قوله وَ لاَ لأم سلمة طوّرًا(١)
حين سألتها المرأة عن قبلة الصائم: ((ألا أخبرتها أني أفعل ذلك؟))(٢) وقالت
عائشة رضيّا: ((فعلته أنا ورسول الله وَلّر، فاغتسلنا))(٣)، تعني التقاء الختانين،
وقَبِلَ ذلك الصحابة، وعَمِلُوا عليه.
وأما كون هذا الفعل في خلوة، فلا يصلح مانعاً من الاقتداء؛ لأن
الحدث كلّه كذلك يُفْعَلُ، ويُمنَعُ أن يُفعَلَ في الملإِ، ومع ذلك فقد نُقِلَ،
وتُحُدّث به، سيّما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته، من الأمور
المشروعة .
(١) كان في نسخة ((المفهم)) عائشة بدل أم سلمة، وهو غلطٌ، والإصلاح من ((الموطأ))،
فتنبه .
(٢) رواه الإمام مالك تَخّْتُهُ في ((الموطأ)) ٢٩١/١، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار أن رجلاً قَبّل امرأته، وهو صائم في رمضان، فوَجَد من ذلك وجداً شديداً،
فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة، زوج النبيّ بَّر، فذكرت
ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله وَ ﴿ يقبّل وهو صائم، فرجعت فأخبرت
زوجها بذلك، فزاده ذلك شرّاً، وقال: لسنا مثل رسول الله وَّه، الله يُحِلّ
لرسول الله ﴿ ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها
رسول الله ◌َّله، فقال رسول الله وَله: ((ما لهذه المرأة؟)) فأخبرته أم سلمة، فقال
رسول الله قال: ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟))، فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى
زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرّاً، وقال: لسنا مثل رسول الله وَّر، الله يحل
لرسوله * ما شاء، فغضب رسول الله وَ﴾، وقال: ((والله إني لأتقاكم الله،
وأعلمكم بحدوده)). انتهى.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٢٣٩/٦، والترمذيّ ١٨٠/١ وابن ماجه
١٩٩/١.

٥٤٧
(١٨) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الاسْتِثْجَاءِ بِالْيَمِينِ - حديث رقم (٦١٧)
وأما دعوى الخصوص، فلو سمعها النبيّ نَّ لغضب على مدّعيها، وأنكر
ذلك، كما قد غَضِبَ على من ادّعى تخصيصه بجواز القُبْلة، فإنه غَضِب عليه،
وأنكر ذلك، وقال: ((إني لأخشاكم، وأعلمكم بحدوده)»، وكيف يجوز توهّم
هذا؟ وقد تبيّن أن ذلك إنما شُرِعَ إكراماً للقِبلة، وهو أعلم بحرمتها، وأحقّ
بتعظيمها، وكيف يَستَهين بحرمة ما حرّم الله؟ هذا ما لا يصدُر توهّمه إلا من
جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول وَل9. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َخْذُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي الوقوف على هدي النبيّ وَّ حتى فيما يُطلَب
إخفاؤه؛ ليُقتدى به، ويُهتدی بضوئه.
٤ - (ومنها): ما كان عليه ابن عمر رضيها من شدّة الحرص على تتبّع آثار
النبيّ مَّل، وهو معروف بذلك.
٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن مثل هذا الفعل عن النبيّ وَّل، وإن كان
عادة مما يُخفى؛ لأجل الاقتداء، والعمل به.
٦ - (ومنها): بيان أن أفعال النبيّ وَ ل﴿ كلّها للتشريع، إلا ما خُصّ به،
وهو معنى قوله رَّ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب:
٢١].
٧ - (ومنها): استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط.
٨ - (ومنها): أن في قوله: ((يقول ناس .. إلخ)) دليلاً على أن
الصحابة ظّ يختلفون في معاني السنن، وكان كلّ واحد منهم يستعمل ما سمع
على عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف.
قال الخطابيّ تْتُ: قد يتوهّم السامع من قول ابن عمر خطراًا: (يقول
ناس .. إلخ)) أنه يريد إنكار ما رُوي في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة
نسخاً لما حكاه من رؤيته ◌َّ يقضي حاجته مستدبر القبلة، وليس الأمر في
ذلك على ما يُتوهّم؛ لأن المشهور من مذهبه أنه لا يجيز الاستقبال والاستدبار
(١) ((المفهم)) ٥٢٣/١ - ٥٢٤.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
في الصحراء، ويُجيزهما في البنيان، وإنما أنكر قول من يزعم أن الاستقبال في
البنيان غير جائز، ولذلك مثّل لما شاهد من قعوده في الأبنية. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما ذكره الخطابيّ تَخَّتُهُ ما أخرجه أبو داود
في ((سننه)) بسند حسن، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر، أناخ
راحلته، مستقبل القبلة، ثم جَلَس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس
قد نُهِي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نُهِي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك
وبين القبلة شيء يستُرُك فلا بأس. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦١٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ
الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ
وَاسِعٍ بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ قَاعِدَاً لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور
أول الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
(١) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود في ((سننه)) برقم (١١).

٥٤٩
(١٨) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الاسْتِثْجَاءِ بِالْيَمِينِ - حديث رقم (٦١٩)
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وشرح الحديث، والمسائل
المتعلّقة به، تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٨) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الاسْتِثْجَاءِ بِالْيَمِينِ)
[٦١٩] (٢٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ
الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ(١) فِي الْإِنَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ المذكور قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) الإمام المشهور المذكور قريباً أيضاً.
٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ السُّلَميّ، أبو إبراهيم، ويقال: أبو
يحيى المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وجابر، وعنه ابنه ثابت، ويحيى بن أبي كثير، وزيد بن
أسلم، وحصين بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وعبد العزيز بن
رفيع، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((ولا يتنفسنّ)).

٥٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال النسائي: ثقة. وقال الهيثم بن عديّ: توفي في خلافة الوليد بن
عبد الملك. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة تسع وتسعين،
وقال غيره: وسبعين بتقديم السين، وهو وَهَمٌ ظاهر. وفي كتاب ابن سعد:
تُوُنّي في خلافة الوليد، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال البخاري: روى عنه
ابنه قتادة بن عبد الله وكذا ذكر البخاري في ((التاريخ)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً.
٦ - (أبو قتادة) الأنصاري السَّلَمِيّ فارس رسول الله وَالر اسمه الحارث بن
رِبْعيّ - بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها عين مهملة -، وقيل: النعمان،
وقيل: عمرو، وقيل: عون، وقيل: مراوح، والمشهور: الحارث بن ربعي بن
بُلْدُمَة - بضم الموحّدة والمهملة، بينهما لام ساكنة - ابن خُناس - بضم
المعجمة، وتخفيف النون، وآخره مهملة ــ ابن سنان بن عُبيد بن عدي بن
غنم بن كعب بن سَلَمَة السَّلَمي - بفتحتين - المدني. وأمه كبشة بنت مُطَهَّر بن
حرام بن سَوَاد بن غَنْم.
رَوَى عن النبيِ وَّر، وعن معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وعنه ولداه
ثابت وعبد الله، ومولاه أبو محمد نافع بن عباس بن الأقرع، وأنس بن مالك،
وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن رباح الأنصاري، ومعبد بن كعب بن مالك،
وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن سليم الزرقي، وآخرون. قال
ابن سعد: شهد أُحُداً وما بعدها، وقال الحاكم أبو أحمد يقال: كان بدرياً ولا
يصح.
وأخرج مسلم في ((صحيحه)) عن إياس بن سلمة عن أبيه، قال النبي وَلّ:
((خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة بن الأكوع)). وأخرج مسلم أيضاً
عن أبي قتادة في قصة طويلة قال: كنت مع رسول الله و 18 في بعض أسفاره إذ
مال عن راحلته، قال: فدعمته، فاستيقظ ... فذكر الحديث، وفيه: ((حفِظَك الله
كما حفِظت نبيّه و9َّ)). وقال أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري: أخبرني من هو
خير مني أبو قتادة.

٥٥١
(١٨) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الاسْتِثْجَاءِ بِالْيَمِينِ - حديث رقم (٦١٩)
وقال الواقدي: توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن اثنتين وسبعين
سنة، ويقال: ابن سبعين، ولم أَرَ بين علمائنا اختلافاً في ذاك، قال: وروى
أهل الكوفة أنه مات بالكوفة، وعلي بها، وصلى عليه. وحكى خليفة أن ذلك
كان سنة ثمان وثلاثين، وهو شاذّ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين.
ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في ((الأوسط)) في ((فصل من مات بعد
الخمسين إلى الستين))، ثم روى بإسناده أن مروان بن الحكم لما كان والياً على
المدينة من قِبَل معاوية أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي ◌َّ وأصحابه،
فانطلق معه فأراه. وقال ابن عبد البر: رُوي من وجوه عن موسى بن عبد الله
والشعبي أنهما قالا: صلى عليٍّ على أبي قتادة، وكبّر عليه سبعاً، قال الشعبي:
وكان بدرياً، ورجح هذا ابن القطان، ولكن قال البيهقي: رواية موسى والشعبي
غلط؛ لإجماع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين. قال
الحافظ: ولأن أحداً لم يوافق الشعبي على أنه شهد بدراً، والظاهر أن الغلط
فيه ممن دون الشعبي، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
والحاصل أن الأصحّ في وقت وفاته ما قاله الواقديّ.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٧٠) حديثاً، اتفقا على (١١)
وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بثمانية، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثاً،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّتُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن عبد الله،
والابن عن أبيه.
(١) راجع ((الإصابة)) ٧/ ٢٧٢ - ٢٧٤، و((تهذيب التهذيب)) ٥٧٤/٤.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٤ - (ومنها): أن النوويّ كَّلُ ادّعى في ((شرحه))، أن في هذا السند
تصحيفاً، ودونك نصّه:
قوله: ((حدّثنا يحيى بن يحيى، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن
همام .. إلخ)) هكذا هو في الأصول التي رأيناها فى الأول ((هَمّام)) بالميم،
عن يحيى بن أبي كثير، وفي الثاني ((هشام)) بالشين، وأظنّ الأول تصحيفاً
من بعض الناقلين عن مسلم، فإن البخاريّ، والنسائيّ، وغيرهما من الأئمة
رووه عن هشام الدستوائيّ، كما رواه مسلم في الطريق الثاني، وقد أوضح
ما قلته الإمام الحافظ، أبو محمد، خَلَفٌ الواسطيّ، فقال: رواه مسلم عن
يحيى بن يحيى، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن هشام، وعن يحيى بن
يحيى، عن وكيع، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، فصَرَّح الإمام خلفٌ
بأن مسلماً رواه في الطريقين، عن هشام الدستوائيّ، فدَلّ هذا على أن همّاماً
بالميم تصحيفٌ وَقَعَ في نسخنا ممن بعد مسلم، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ادّعى النوويّ التصحيف هنا، ولي فيه
نظر؛ لأنه لا دليل عليه إلا احتجاجه بما قاله خلف الواسطيّ، وهذا وحده لا
يكفي، وقد ذكر الحافظ المزيّ كَُّهُ ما ذكره خلف، ولكن الظاهر من سياقه أنه
لم يُوافقه علیه، ودونك عبارته:
في كتاب خلف، وأبي مسعود: ((عبد الرحمن بن مهديّ، عن هشام))،
وفي ((صحيح مسلم)): ((عن همّام))، وفي بعض الأصول الصحيحة منه: ((عن
همّام بن يحيى)). انتهى كلام المزيّ ◌َذُّ(٢).
فظاهر كلام المزيّ تَتُ أنه يصوّب ما وقع في ((صحيح مسلم)) بلفظ
((همّام))، فقد أيّد ذلك بقوله: ((وفي بعض الأصول الصحيحة .. إلخ))، ولم
يعلّق الحافظ ابن حجر في ((نكته))، ولا الحافظ وليّ الدين في ((أطرافه)) شيئاً،
مع شدّة اهتمامهما في مثل ذلك.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/٣.
(٢) ((تحفة الأشراف)) ٥٣٨/٨.

٥٥٣
(١٨) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ - حديث رقم (٦١٩)
ومما يؤيّد ما ذكرته أن الحافظ أبا نُعيم تَذَتُهُ أثبت ذلك في ((مستخرجه))
(٣٢٢/١)، ونصّه: ((رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن عبد الرحمن بن
مهديّ، عن همّام. انتهى.
والحاصل أن الحكم على هذا السند بالتصحيف عندي غير مقبول،
فهمّام بن يحيى مشهور بالرواية عن يحيى بن أبي كثير، كاشتهار رواية هشام
الدستوائيّ عنه، وإن لم يكن في الحفظ مثله، فغير مستغرب وقوعه في هذا
السند، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَُّّه يُلقّب بأنه فارس رسول الله وَلَر؛ لأنه وَه
قال: ((خير فرساننا أبو قتادة))، وذلك في قصّة طويلة ساقها الشيخان، وغيرهما
من حديث سلمة بن الأكوع حينما أُغير على لقاح النبيّ بَّر، وهي قصّة
مشهورة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) تقدّم الخلاف في اسمه، والمشهور
أنه الحارث بن رِبْعِيّ ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لا) ناهية، وقوله:
(يُمْسِكَنَّ) مجزوم المحلّ بها؛ لكونه مبنيّاً؛ لاتّصال نون التوكيد به، كما قال
في ((الخلاصة)) :
وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا
مِنْ نُونٍ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ
نُونٍ إِنَاثٍ كَـ«يَرُعْنَ مَنْ فُتِنْ))
وذكر في ((الفتح) ما يُفيد أن ((لا)) ناهية والأفعال الثلاثة مجزومة، ورُوي
بالرفع فيها على أن ((لا)) نافية(١).
وقوله: ((يُمْسِكَنَّ) - بضم أوله - من الإمساك: أي لا يأخذنّ (أَحَدُكُمْ
ذَكَرَهُ) - بفتحتين -: الفرج من الحيوان، جمعه ذِكَرَةٌ - بكسر، ففتح - بوزن
عِنْبَةِ، ومَذَاكيرُ على غير قياس؛ قاله الفيّوميّ(٢).
(١) ((الفتح)) ١/ ٣٠٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٠٩/١.

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(بِيَمِينِهِ) أي بيده اليمين؛ تشريفاً لها، وقال ابن الملقّن ◌َظُّهُ: ((اليمين))
قيل: من اليمن، وقيل: من القوّة، قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ
٤٥
[الحاقّة: ٤٥]، وقال نفطويه: أي لأخذنا بيمينه، فمنعناه من التصرّف، وفي
((الصحاح)): أن تصغيرها يُمَيِّنْ بالتشديد بلا هاء، وفي ((الجمهرة)): الجمع
أَيْمُن. انتهى(١).
وقوله: (وَهُوَ يَبُولُ) جملة حاليّة في محلّ نصب، أفادت أن النهي مقيّد
بحالة البول، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله
تعالى -.
(وَلَا يَتَمَسَّحْ) أي لا يستنج، وهو من باب التفعُّل، أشار به أنه لا
يتكلّف المسح باليمين؛ لأن التفعّل للتكلّف غالباً، قاله العينيّ تَذُّ(٢). (مِنَ
الْخَلَاءِ) - بالفتح، والمدّ، كالفضاء وزناً ومعنَى - وقال النوويّ كَُّ: الخلاء
بالمدّ: الغائط، قال: وليس التقييد به للاحتراز عن البول، بل هما سواء.
(٣)
انتھی(٣).
وقال ابن الملقّن تَظْلَتُهُ: المسح هنا الاستنجاء، وسُمّي الخارج من القبل
والدبر خلاءً؛ لكونه يُفعل في المكان الخالي، ويلازم ذلك غالباً، ولفظ
الحديث يتناول القبل والدبر. انتهى (٤).
وقال ابن دقيق العيد تَخْتُهُ: ظاهر النهي التحريم، وعليه حمله الظاهريّة،
وجمهور الفقهاء على الكراهة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على التحريم هو الأرجح؛ لأن الأصل
في المناهي للتحريم، وسيأتي تحقيق الحقّ فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله
تعالی.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): محل الخلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٩٨/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٤٨/٢.
(٤) ((الإعلام)) ٤٩٨/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/٣.

٥٥٥
(١٨) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الاسْتِثْجَاءِ بِالْيَمِينِ - حديث رقم (٦١٩)
غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة، فحرام غير مجزىء بلا خلاف، واليسرى
في ذلك کالیمین. انتهى(١).
(وَلَا يَتَنَفَّسْ) وفي نسخة: ((ولا يتنفّسَنَّ)) بنون التوكيد، وهو من باب
التفعيل أيضاً (فِي الْإِنَاءِ») أي الوعاء، جمعها آنيةٌ، وجمع الآنية الأواني، مثلُ
سِقَاءٍ، وأسقيةٍ، وأساقي، وأصله غير مهموز، ولهذا ذكره الجوهريّ في باب
((أَنى، فعلى هذا أصله إنايٌ، قُلبت الياء همزةً؛ لوقوعها في الطرف بعد ألف
ساكنة))؛ قاله العينيّ تَذَتُهُ(٢).
وقال النوويّ تَخَُّهُ: معناه: لا يتنفّس في نفس الإناء، وأما التنفّس ثلاثاً
خارج الإناء فسنّة معروفة، قال العلماء: والنهي عن التنفّس في الإناء هو من
طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره، ونتنه، وسقوط شيء من الفم والأنف فيه،
ونحو ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد بقوله: ((هو من طريق الأدب)) أن النهي
للتنزيه، لا للتحريم، ففيه نظر؛ لما سيأتي في المسألة الرابعة.
[تنبيه]: قيل: الحكمة في النهي عن التنفّس في الإناء أنه أبعد عن تقدير
الإناء والماء، فإنه من ألطف الجواهر، وأقبلها للتغيّر بالريح، وعن خروج شيء
تَعَافُهُ النفس من الفم، فإذا أبانه عند إرادة التنفّس أمن من ذلك، وقد ثبت إبانة
الإناء للتنفّس ثلاثاً، وهو في هذا الحديث مطلقٌ، ولأن إبانة الإناء أهنا في
الشرب، وأحسن في الأدب، وأبعد عن الشره، وأخفّ للمعدة، وإذا تنفّس في
الإناء، واستوفى رِيّه حمله ذلك على فوات ما ذكرناه من حكمة النهي، وتكاثر
الماء في حلقه، وأثقل معدته، وربّما شُرق به، وآذى كبده.
وقيل: علّة الكراهة أن كلّ عبّة شربةٌ مستأنفة، فيستحبّ الذكر في أولها،
والحمد في آخرها، فإذا وصل، ولم يفصل بينها، فقد أخلّ بسنن كثيرة.
وقد أخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) بسند حسن، عن أبي هريرة مظ لته:
((أن النبيّ وَّ كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه
(١) ((الفتح)) ٣٠٥/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٨٢/٢.

٥٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
يُسمّي الله، فإذا أخّره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثاً))، وأصله في ابن ماجه،
وله شاهد من حديث ابن مسعود ظه عند البزّار، والطبرانيّ، وأخرج
الترمذيّ من حديث ابن عبّاس المشار إليه قبلُ: ((وسَمُّوا إذا أنتم شربتم،
واحمدوا إذا أنتم رفعتم)).
قال في ((الفتح)): وهذا يحتمل أن يكون شاهداً لحديث أبي هريرة
المذكور، ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عبّاس ﴿ّ ضعيف؛ لأن في إسناده
يزيد بن سنان الجزريّ، ضعيف، وشيخه مجهول، فتنبه.
ومسألة الشرب سيأتي البحث عنها مستوفَى في ((كتاب الأشربة)) - إن
شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة تظله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦١٩/١٨ و٦٢٠ و٦٢١] (٢٦٧)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٥٣ و١٥٤) وفي ((الأشربة)) (٥٦٣٠)، و(أبو داود)
في ((الطهارة)) (٣١)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (١٥)، و(النسائيّ) في ((الطهارة))
(٤٧)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣١٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٢٨)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٣/٤) و(٢٩٥/٥ و٢٩٦ و٣٠٠ و٣٠٩ و٣١٠
و٣١١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٨ و٧٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٤٣٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٨٨ و٥٨٩ و٥٩٠ و٥٩١ و٥٩٢ و ٥٩٣
و٥٩٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦١٣ و٦١٤ و٦١٥ و٦١٦ و٦١٧)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٢/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨١)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٠ / ٩٤.

٥٥٧
(١٨) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الاسْتِثْجَاءِ بِالْيَمِينِ - حديث رقم (٦١٩)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن مسّ الذكر بيمينه عند البول.
٢ - (ومنها): النهي عن الاستنجاء باليمين.
٣ - (ومنها): النهي عن التنفّس عند الشرب في الإناء.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى جواز الشرب في نَفَس واحد؛ لأنه إنما
نهي عن التنفّس في الإناء، والذي يشرب في نفس واحد، ولم يتنفّس في
الإناء، فلا يكون مخالفاً للنهي، وهو مقتضى حديث أبي سعيد الخدريّ څته،
حيث أقرّه وَ لَّ عليه، وقال المازريّ: ومذهبنا جوازه، وحكاه القاضي عن ابن
المسيّب، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، قال: وكرهه ابن عبّاس، وطاوس،
وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان؛ قاله ابن الملقّن ◌َظَّتْهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي سعيد وبه المشار إليه هو ما أخرجه
أحمد، والترمذيّ كَُّ بسند حسن، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ وَّ نَّهَى
عن النفخ في الشرب، فقال رجل: القَذَاة أراها في الإناء؟ قال: ((أهرقها))،
قال: فإني لا أَرْوَى من نَفَسٍ واحد، قال: ((فَأَبِنِ القَدَحَ إِذَنْ عن فيك)). قال أبو
عیسی: هذا حديث حسن صحيح. انتهى (٢).
ووجه الاستدلال أنه ◌ّل﴿ أقرّه على قوله: ((من نفَس واحد))، وإنما أرشده
إلى إبانة القدح عن فيه؛ لأجل أن يروى، فدلّ على جواز الشرب من نفس
واحد.
قال الحافظ ابن عبد البرّ ◌َّتُهُ في ((التمهيد)) بعد أن أورد حديث أبي
سعيد المذكور ما نصّه: وفيه إباحة الشرب في نَفَس واحد، وكذلك قال
مالك كثّفُ ثم أخرج بسنده، عن ابن القاسم، عن مالك، أنه رأى في قول
النبيّ ◌َ ﴿ للرجل الذي قال له: إني لا أَرْوَى من نفس واحد، فقال له النبيّ وَّ:
((فَأَبِنِ القَدَح عن فيك))، قال مالك: فكأني أرى في ذلك الرخصة أن يشرب من
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣.
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (١٠٧٧١ و١١٢٢٧)، والترمذيّ برقم (١٨٠٩).

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
نفس واحد ما شاء، ولا أرى بأساً بالشرب من نفس واحد، وأرى فيه رخصة
لموضع الحديث: (إني لا أروى من نفس واحد))، قال أبو عمر: يريد
مالك تَخُّْ أن النبيّ وَّ لم ينه الرجل حين قال له: ((إني لا أروى من نفس
واحد)) أن يشرب في نفس واحد، بل قال له كلاماً، معناه: فإن كنت لا تروى
في نفس واحد، فأبن القدح عن فيك، وهذا إباحة منه للشرب من نفس واحد
إن شاء الله.
وقد رُوِيت آثار عن بعض السلف فيها كراهة الشرب في نفس واحد،
وليس منها شيء تجب به حجة، ثم أخرج بسنده عن ابن عباس ﴿ّ قال:
الشراب بنفس واحد شرب الشيطان، وفي سنده إبراهيم بن أبي حبيبة، قال أبو
عمر: ضعيفٌ، لا يحتجّ به، ولو صح كان المصير إلى المسند أولى من قول
الصاحب(١).
قال الجامع عفا الله عنه: يعني أن ما دلّ عليه حديث أبي سعيد رَظُه من
جواز الشرب بنفس واحد أولى من هذا الموقوف الضعيف؛ لأنه مرفوع،
وصحیح.
والحاصل أن الشرب بنفس واحد لا كراهة فيه، ولكن المستحبّ أن
يشرب بثلاثة أنفاس؛ لحديث أنس ◌َظله قال: كان رسول الله وَل يتنفس في
الشراب ثلاثاً، ويقول: إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ، قال أنس: فأنا أتنفس في
الشراب ثلاثاً، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم. وسيأتي تمام البحث في ((كتاب
الأشربة)) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء
بالیمین :
ذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه، وذهب الظاهريّة إلى أنه
للتحريم، حتى قال الحسين بن عبد الله الناصريّ في كتابه ((البرهان على مذهب
(١) راجع ((التمهيد)) ٣٩٢/١ - ٣٩٣.

٥٥٩
(١٨) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ - حديث رقم (٦١٩)
أهل الظاهر)): ولو استنجى بيمينه لا يُجزيه، وهو وجه عند الحنابلة، وطائفة
من الشافعيّة؛ قاله العينيّ(١).
ومال العلامة الشوكانيّ تَّتُهُ إلى رأي أهل الظاهر، حيث قال: وهو
الحقّ؛ لأن النهي يقتضي التحريم، ولا صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة
(٢)
فقط. انتهى(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشوكانيّ هو الصواب، وأما ما قاله في
((الفتح)) من أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم هي أن ذلك من الآداب، فقد
تعقّبه الصنعانيّ تَّتُهُ، فقال: ولا يخفى بُعد هذه القرينة. انتهى.
والحاصل أن كون النهي هنا للتحريم هو الأظهر؛ لعدم وجود صارف
معتبر، وقولهم: (يصرفه كونه للأدب)) عجيب، كيف يكون كونه أدباً صارفاً عن
التحريم؟، أليست كلّ الأحكام الشرعية أوامرها، ونواهيها آداباً، وإرشادات،
فهل كلّها للندب، والكراهة التنزيهيّة؟ إن هذا لهو العجب العجاب !!!.
وخلاصة القول أن كون الشيء أدباً من الآداب الشرعيّة لا ينافي وجوبه،
أو تحريمه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ
العنيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): الأصحّ أن النهي عن مسّ الذكر باليمين محمول
على حالة البول، فيكون ما عداه مباحاً، وقال بعضهم: يكون ممنوعاً أيضاً من
بابٍ أولى؛ لأنه إذا نُهي عنه في تلك الحالة، وهي مظنّة الحاجة، فلأن يُنهى
في غيرها أولى.
وتعقّبه أبو محمد بن أبي جمرة كَخُّ بأن مظنّة الحاجة لا تختصّ بحالة
الاستنجاء، وإنما خُصّ النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطَى
حكمه، فلما مُنِعِ الاستنجاء باليمين مُنع مسّ آلته بها حَسْماً للمادّة، ثم استدلّ
على الإباحة بقوله وَ لطلق بن عليّ رظُه حين سأله عن مسّ الذكر: ((إنما هو
(١) ((عمدة القاري)) ٤٥٠/٢.
(٢) ((نيل الأوطار)) ١/ ١٢.

٥٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
بضعةٌ منك))، فدلّ على الجواز في كلّ حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث
الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه ابن أبي جمرة تَخَّتُهُ حسنٌ جدّاً،
وحديث طلق رَظُنّه الذي احتجّ به حديث صحيح رواه أصحاب السنن، والله
تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن دقيق العيد تَخُّهُ: الحديث يقتضي النهي عن مسّ الذكر
باليمين في حالة البول، ووردت روايات أخرى في النهي عن مسّه باليمين
مطلقاً، من غير تقييد بحالة البول، فمن الناس من أخذ بهذا العامّ المطلق، وقد
يسبق إلى الفهم أن المطلق يُحْمَل على المقيّد، فيختصّ النهي بهذه الحالة،
وفيه بحثٌ؛ لأن هذا الذي يقال يتّجه في باب الأمر والإثبات، فإنا لو جعلنا
الحكم المطلق، أو العامّ في صورة الإطلاق، أو العموم مثلاً كان فيه إخلال
باللفظ الدالّ على المقيّد، وقد تناوله لفظ الأمر، وذلك غير جائز، وأما في
باب النهي، فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيّد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق، مع
تناول النهي له، وذلك غير سائغ.
هذا كلّه بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث، وهو أن يُنظر في الروايتين،
هل هما حديث واحدٌ، أو حديثان؟، وذلك أيضاً بعد النظر في دلائل المفهوم،
وما يُعمَل به منه، وما لا يُعمل به، وبعد أن ننظر في تقديم المفهوم على ظاهر
العموم - أعني رواية الإطلاق والتقييد - فإن كان حديثاً واحداً، مخرجه واحد،
واختلف عليه الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيّد؛ لأنها تكون زيادةً من
عدل في حديث واحد، فتُقبَل، وهذا الحديث المذكور راجع إلى رواية يحيى بن
أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه. انتهى كلام ابن دقيق
العيد رَخَذَتْهُ(٢).
وقوله: ((وهذا الحديث .. إلخ)) أراد حديث أبي قتادة ظُه المذكور هنا،
يعني أنه روي بلفظ: ((لا يمسكنّ أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول))، وبلفظ:
(١) راجع ((الفتح)) ٣٠٦/١.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ٢٥٨/١ - ٢٦١.