Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
وقال الخطّابيّ تَخْلُ: وأكثر الرواة يفتحون الخاء، قال: وقد يَحْتَمل أن
يكون بالفتح مصدراً، وبالكسر اسماً، يقال: خَرِىءَ خَرَاءَةً، وخُرءَةً، وخَرْءاً:
سَلَحَ، مثلُ كَرِهَ كَرَاهَةً، وكَرْهاً، والاسم: الْخِرَاءُ، والْخُرْءُ بالضمّ: الْعَذِرَةُ؛
أفاده في ((اللسان)).
وقال الفيّوميّ كَذَفُ: خَرِىءَ يَخْرَأُ، من باب تَعِبَ: إذا تغَوّط، واسم
الخارج خَرْءٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس. انتهى.
وقال السنديّ تَُّهُ: الْخِرَاءةُ - بكسر الخاء، وفتح الراء، بعدها ألفٌ
ممدودة، ثمّ هاءٌ -: هو القعود عند الحاجة، وقيل: هو فعلُ الحدث، وأنكر
بعضهم فتح الخاء، لكن في ((الصحاح)): خَرِىءَ خَرَاءَةً، ككره كَرَاهَةً، وهو يفيد
صحّة الفتح، وقيل: لعلّه بالفتح مصدرٌ، وبالكسر اسم، وقيل: المراد هيئة
القعود للحدث.
قال السنديّ: وهذا المعنى يقتضي أن يكون بكسر الحاء، وسكون الراء،
وهمزة، كجِلْسَةٍ لهيئة الجلوس. انتهى.
والمراد هنا أن نبيّكم ◌َ﴿ يعلّمكم آداب التخلّي، وكيفية القعود عند قضاء
الحاجة، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) عبد الرحمن، أو سلمان على الاحتمال الماضي (فَقَالَ: أَجَلْ)
- بفتحتين، وسكون اللام - كنعَمْ وزناً ومعنّى، قال في ((اللسان)): وقولهم:
((أَجَلْ)) إنما هو جواب مثلُ ((نَعَمْ))، قال الأخفش: إلا أنه أحسنُ من (نَعَمْ)) في
التصديق، و((نعم)) أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب،
قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم، وكان
أحسن من أجل، و((أجل)) تصديق لخبرٍ يُخبِرُك به صاحبك، فيقول: فَعَلَ ذلك،
فتُصدِّقه بقولك له: أجل، وأما (نعَمْ)) فهو جواب المستفهم بكلام لا جَحْدَ فيه،
تقول له: هل صلّيتَ؟ فيقول: نعم، فهو جواب المستفهم. انتهى.
يقول سلمان ◌َّه: نعم عَلَّمنا نبيّنا وَ لّ كلّ شيء نحتاج إليه في ديننا حتى
الخراءة التي ذكرتها أيها المستهزىء، فإنه علّمنا آدابها .

٥٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الطيبيّ تَخْتُهُ: جواب سلمان هذا من باب أسلوب الحكيم؛ لأن
المشرك لَمّا استهزأ كان من حقّه أن يُهَدَّد، أو يُسكَت عن جوابه، لكن ما
التفت سلمان إلى استهزائه، وأجاب جواب المرشد للسائل المجدّ. انتهى.
وقال بعضهم: يحتمل أنه ردِّ له بأن ما زعمه سبباً للاستهزاء ليس بسبب
له، بل المسلم يصرِّح به عند الأعداء؛ لأنه أمرٌ يُحسّنه العقل عند معرفة
تفصيله، فلا عبرة بالاستهزاء به؛ لإضافته إلى أمر مستقبح ذكرُهُ، والجواب
بالردّ لا يُسمّى أسلوب الحكيم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أسلوب الحكيم نوعٌ من أنواع الْمُحَسِّنات
البديعيّة المعنويّة، وهو تَلَقِّي المخاطب بغير ما يترقّبه، إما بترك سؤاله،
والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد؛ إشارةً
إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يَقصِد هذا المعنى.
إذا تقرّر هذا، فقد اتّضح أن ما قاله الطيبيّ تَّتُهُ من أن جواب
سلمان ظُه من أسلوب الحكيم هو الحقّ، لا الاحتمال الذي ذكره البعض،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(لَقَدْ نَهَانَا) اللام واقعة في جواب قسم مقدَّر؛ لتأكيد الجملة؛ لمناسبة
إنكار السائل، أي: والله لقد نهانا نبيّنا وَِّ (أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) و((أن)) مصدريّة،
والمؤوّل بالمصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر قياساً، أي عن استقبال القبلة،
والمراد الاستقبال بالفروج، كما هو في رواية ((الموطأ)): ((لا تستقبلوا القبلة
بفروجكم))، و((أل)) في ((القبلة)) للعهد، والمعهود الكعبة، كما فُسِّر بذلك في
حديث أبي أيوب الآتي، حيث قال: ((فقدمنا الشامَ، فوجدنا مَراحيضَ قد بُنيت
نحو الكعبة)) الحديث (لِغَائِطٍ) قال النوويّ تَّتُهُ: كذا ضبطناه في مسلم:
(الغائط)) باللام، ورُوي في غيره: ((بغائط))، ورُوي: ((للغائط)) باللام، والباء،
وهما بمعنى. انتهى.
(١) راجع ((المنهل العذب المورود)) ٣٨/١.

٥٠٣
(١٧) - بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
وقال وليّ الدين تَخْتُ: ضبطناه في ((سنن أبي داود)) بالباء الموحّدة، وفي
مسلم باللام. انتهى.
أي لأجل غائط، أو بسببه.
و((الغائط)) في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، ثم صار اسماً
للخارج المعروف من دبر الآدميّ؛ قاله النوويّ(١).
وقال الفيّوميّ ◌َتُ: ((الغائط)»: الْمُظْمَئِنّ الواسع من الأرض، والجمع
غِيطان، وأَغْواط، وغُوْطٌ، ثم أُطلق الغائط على الخارج الْمُسْتَقَذَر من الإنسان؛
كراهةً لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقضُون حوائجهم في المواضع
الْمُظْمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه، حتى اشتقّوا منه، وقالوا:
تَغَوّط الإنسان، قال ابن الْقُوطيّة: غاط في الماء غَوْطاً: دخل فيه، ومنه
الغائط. انتهى (٢).
(أَوْ بَوْلٍ) - بفتح الموحّدة، وسكون الواو - هو: في الأصل مصدر بالَ
يبول بولاً، من باب قال، ومَبَالاً، فهو بائلٌ، ثم استُعمل البول في العين - أي
الماء الخارج من الْقُبُل - وجُمِع على أبوال(٣) .
قال الإمام ابن دقيق العيد تَخْدَّتُهُ: دلّ الحديث على المنع من استقبال
القبلة ببول، أو غائط، وهذه الحالة تتضمّن أمرين: أحدهما خروج الخارج
المستقذر، والثاني كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع لكشف العورة،
ويَنبني على هذا الخلاف في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن
علّل بالخارج أباحه؛ إذ لا خارج، ومن علّل بالعورة منعه. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر؛ لظاهر قوله:
((بغائط، أو بول))، وسيأتي تمام البحث قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ) ((أو)) للتنويع، وليست للشكّ، والمصدر المؤوّل معطوف
على المجرور السابق، أي: ونهانا أيضاً عن الاستنجاء باليد اليمنى، ومعنى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/٣.
(٣) راجع ((المصباح)) ٦٦/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٥٧.
(٤) ((إحكام الأحكام)) ١/ ٥٣.

٥٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(نستنجي)): أي نغسل موضع النَّجْو - بفتح، فسكون -: أي الخِراءة بالماء، أو
نمسحه بالحجر ونحوه.
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: الاستنجاء: استخراج النَّجْو من البطن، وقيل: هو
إزالته عن بدنه بالغسل والمسح، وقيل: هو مِن نَجَوْتُ الشجرةَ، وأنجيتها: إذا
قطعتها، كأنه قَطَعَ الأذى عن نفسه، وقيل: هو من النَّجْوَة، وهو ما ارتفع من
الأرض، كأنه يَطْلُبها ليجلس تحتها. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: واستنجيتُ: غسلتُ موضعَ النّجْو، أو مسحته
بحجر، أو مَدَرٍ، والأول مأخوذ من استنجيتُ الشجرَ: إذا قطعته من أصله؛
لأن الغسل يُزيل الأثر، والثاني من استنجيتُ النَّخْلةَ: إذا التقطتَ رُطَبَهَا؛ لأن
المسح لا يقطع النجاسة، بل يُبقي أثرها. انتهى (٢).
[تنبيه]: يُسمّى الاستنجاءُ الاستطابةَ أيضاً، وهي إزالة الأذى عن
المَخرجين بحجر، أو نحوه، أو هي مأخوذة من الطيب؛ لأن إزالة الفضلة
تُطَيِّب المحلَّ، وتذهب عنه القَذَر، يقال: استطاب الرجل، فهو مستطيبٌ،
وأطاب، فهو مُطِيب؛ قاله ابن الملقّن(٣).
وقال الفيّوميّ: الاستطابة: الاستنجاء، يقال: استطاب، وأطاب إطابةً
أيضاً؛ لأن المستنجي تطيب نفسه بإزالة الْخَبَث عن المخرج. انتهى(٤).
(بِالْيَمِينِ) قال ابن سِيدهْ: اليمين: نقيض اليسار، جمعه أيمان، وأيمُنِّ،
ويَمَان؛ قاله في ((اللسان))(٥)، ويقال لها: الْيُمنى، وهي مؤنّثة؛ قاله في
((المصباح)) (٦).
والنهي عن الاستنجاء باليمين يدلّ على إكرامها، وصيانتها عن الأقذار،
(١) ((النهاية)) ٢٦/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٩٥/٢.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٢٠/١.
(٤) ((المصباح)) ٣٨٢/٢.
(٥) (لسان العرب)) ٤٥٨/١٣ - ٤٥٩.
(٦) ٦٨٢/٢.

٥٠٥
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
ونحوها؛ لأن اليمين للأكل والشرب، والأخذ، والإعطاء، وهي مصونة عن
مباشرة الُّفْل(١)، وعن ممارسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنجاسات،
خلاف الشمال، فإنها لخدمة أسفل البدن بإماطة ما هناك من الْقَذَارَات،
وتنظيف ما يحدث من الإنسان وغيره، وسيأتي تحقيق المسألة قريباً - إن شاء الله
تعالى -.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أي نهانا أيضاً عن الاستنجاء بأقلّ
من ثلاثة أحجار، وهذا نصّ صريح صحيحٌ في أن استيفاء ثلاث مسحات
واجبٌ لا بدّ منه، وهو الصواب، والمسألة فيها خلاف بين العلماء، سيأتي
تحقيقه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
وقال الخطّبيّ تَّتُهُ: فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد المطهِّرين،
وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بُدّ من الحجارة، أو ما يقوم مقامها، وهو
قول سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل. انتهى.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيع) - بفتح الراء، وكسر الجيم -: فعيلٌ بمعنى فاعل،
وهو الروث، والْعَذِرَةُ؛ سَُّمِّي به؛ لأنه رَجَعَ عن حالته الأولى بعد أن كان
طعاماً، أو عَلَفاً، وكذلك كلُّ فعلٍ، أو قولٍ يُرَدّ فهو رَجِيعٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول
بالتخفيف؛ أفاده الفيّوميّ(٢).
(أَوْ) ليست للشكّ، بل للتنويع، كما سبق قريباً، أي: ونهانا أيضاً أن
نستنجي (بِعَظْم) - بفتح، فسكون -: جمعه عِظَامٌ، وأعظُمُ، مثلُ سِهَام،
وأَسْهُم؛ قاله الفيَّوميّ(٣).
وقال المجد تَُّهُ: الْعَظْمُ: قَصَبُ الْحَيَوان الذي عليه اللحمُ، جمعه:
أَعِظُمٌ، وعِظَامٌ، وعِظَامٌ، والهاء التأنيث الجمع. انتهى (٤).
(١) ((الثُّفْلُ)) بضم، فسكون، جمعه أثفال، كقُفْل وأقفال: حُثَالة الشيء، وهو الثخين
الذي يبقى أسفل الصافي، أفاده في ((المصباح)) ٨٢/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٠/١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص١٠٢٧.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤١٧.

٥٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال القرطبيّ تَظْتُهُ: وقوله: ((برجيع، أو بعظم)) الرَّجِيع: الْعَذِرة،
والأرواث، ولا يُستنجى بها؛ لنجاستها، ولذلك قال ◌َله لعبد الله بن
مسعود ربه حين أتاه بالحجرين والروثة: ((إنها رجسٌ))، رواه البخاريّ.
وقد أخرج أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود
نه
قال: قَدِم وَفْدُ الجن على رسول الله وَّ: فقالوا: يا محمد انْهَ أُمّتك أن
مضى
يستنجوا بعظم، أو روثة، أو حُمَمة، فإن الله تعالى جَعَلَ لنا فيها رزقاً (١).
وأخرج البخاريّ في ((المناقب)) من ((صحيحه))، عن أبي هريرة ظ له أنه
كان يَحْمِل مع النبيّ وَّ إداوةً لوضوئه، وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال:
((مَنْ هذا؟)) فقال: أنا أبو هريرة، فقال: ((ابغني أحجاراً، أستنفض بها، ولا
تأتني بعظم، ولا بروثة))، فأتيته بأحجار، أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها
إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟،
قال: ((هما من طعام الجنّ، وإنه أتاني وَفْدُ جنّ نَصِيبين - ونعم الجنُّ - فسألوني
الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يَمُرُّوا بعظم، ولا بروثة، إلا وَجَدُوا عليها
طعاماً))(٢).
وأخرج المصنّف تَخْذَثُ في ((الصلاة)) حديث ابن مسعود رَظُه بطوله، وفيه:
وسألوه الزاد، فقال: لكم كلُّ عظم ذُكِر اسمُ الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما
يكون لحماً، وكلُّ بعرة عَلَفٌ لدوابكم، فقال رسول الله وَّهُ: ((فلا تستنجوا
بهما، فإنهما طعام إخوانكم))(٣).
وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمان ربه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود في ((سننه)) برقم (٣٩).
(٢) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) ((كتاب المناقب)) رقم (٣٨٦٠).
(٣) سيأتي للمصنّفِ تَخْتُهُ في ((كتاب الصلاة)) مطوّلاً برقم (٤٥٠).

٥٠٧
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦١٢/١٧] (٢٦٢)، و(أبو داود)
في ((الطهارة)) (٧)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (١٦)، و(النسائيّ) في ((الطهارة))
(٤١ و٤٩) وفي ((الكبرى)) (٤٠)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣١٦)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٤٣٧/٥ و٤٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٧٩ و٥٨٠)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٠٦ و٦٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): شدّة اهتمام النبيّ وَّه بتعليم أمته كلّ ما تحتاج إليه من أمر
دینها .
٢ - (ومنها): شدّة اهتمام أعداء الإسلام من المشركين، وأهل الكتاب
في البحث عما يعيبون به الإسلام، ويجادلون في ذلك بالباطل، وليس
مرادهم إلا إغواء ضعفاء الإيمان، فلا ينبغي الاستماع إليهم، كما قال الله
تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾
[الأنعام: ١٢١].
٣ - (ومنها): بيان فضل فقه الصحابيّ الجليل سلمان ظُه، حيث أجاب
المشركين المعاندين ببيان الأحكام الشرعيّة التي لو فكّر أيّ عاقل لاستحسنها،
ولعمل بها، فكلّ التعليمات النبويّة ليس فيها شيء يأباه القلب، ويُعرض عنه،
إلا من كتب الله ريك عليه الشقاء المؤبّد، فإنه الذي لا يدرك محاسنها، ولكنه
لا يضرّ الإسلام شيئاً، كما قال الشاعر [من البسيط]:
مَا ضَرَّ شَمْسَ الضُّحَى فِي الأُفْقِ طَالِعَةً أَنْ لَا يَرَى ضَوْأَهَا مَنْ لَيْسَ ذَا بَصَرِ
٤ - (ومنها): بيان النهي عن استقبال القبلة بغائط، أو بول، وسيأتي تمام
البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): بيان النهي عن الاستنجاء باليمين، وسيأتي الكلام عليه في
شرح حديث أبي قتادة ظته في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): بيان مشروعيّة الاستنجاء بالحجارة، وفيه خلاف بين
العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.

٥٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٧ - (ومنها): بيان النهي عن الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار، وأن ما
دونها لا يجزىء؛ لأن قوله: ((أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)) نصّ
صريحٌ صحيحٌ في أن استيفاء ثلاث مسحات واجبٌ، لا بد منه، وهذه المسألة
فيها خلاف بين العلماء، وهذا هو المذهبُ الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في
المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم استقبال القبلة،
واستدبارها حال قضاء الحاجة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر تَخْلَتُهُ: قد اختَلَف أهل العلم في هذا
الباب :
فذهبت طائفة إلى ظاهر هذه الأخبار، فقالت: لا يجوز استقبال القبلة،
ولا استدبارها بغائط، ولا بول، في البراري والمنازل، هذا قول سفيان
الثوريّ، وقال أحمد بن حنبل: يعجبني أن يتوقى في الصحراء والبيوت، وكره
مجاهد، والنخعي ذلك.
وحجة هذه الفرقة ظاهر هذه الأخبار التي فيها النهي عن العموم.
ورَخَّصت طائفة في استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول، هذا قول
عروة بن الزبير، وكان يقول: وأين أنت منها؟ وقد حُكِيَ هذا القول عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واحتَجَّ بعض من يوافق هذا القول بما رواه خالد بن
أبي الصَّلت، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة
بالفروج، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: إن النبيّ وَ ل﴿ ذُكِر عنده أن ناساً
يَكرَهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبيّ وَّ: «أوَ قد فعلوها، استقبِلُوا
بمقعدي إلى القبلة)).
رواه أحمد بن حنبل في ((مسنده))، وابن ماجه، وهو حديث ضعيف، قد
استوفى علله في ((تهذيب التهذيب)) (١) في ترجمة خالد بن أبي الصلت، فتحسين
النوويّ له في ((شرحه)) غير مقبول، فتنبّه.
(١) راجع ((تهذيب التهذيب)) ٥٢٢/١ - ٥٢٣.

٥٠٩
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
وذهب بعضهم إلى الإباحة، قالوا: جاءت الأخبار في هذا الباب
مختلفةً، ولا يُعْرَف ناسخها من منسوخها، فوجب إيقاف الخبرين، وحَمْلُ
الأشياء على الإباحة التي كانت؛ لِعدم معرفة الناسخ من الخبرين.
وفَرَّقت فرقة بين استقبال القبلة، واستدبارها في الصحاري والمنازل،
فَنَهَت عن ذلك في الصحاري، ورَخَّصَت فيه في المنازل، رُوي هذا القول عن
الشعبيّ، وبه قال الشافعيّ، وإسحاق بن راهويه، وحُكِي عن مالك هذا
المعنى، حَكَى ابن القاسم عن مالك، أنه سئل عن استقبال القبلة للغائط: أترى
البيوت مثل الصحاري؟ قال: لا، ولا أرى في البيوت شيئاً، وحَكَى عنه ابن
وهب أنه قال: في البيوت أَحَبّ عندي.
واحتج من قال بهذا القول في النهي عن ذلك في الصحاري بخبر أبي
أيوب الأنصاريّ ظُبه الآتي، واحتج في الرخصة في ذلك في المنازل بحديث
ابن عمر ها الآتي أيضاً.
قال ابن المنذر تَّتُهُ بعد نقل هذه المذاهب: وأصح هذه المذاهب
مذهبُ مَنْ فَرَّق بين الصحاري والمنازل في هذا الباب، وذلك أن يكون ظاهر
نهي النبيّ بَّر على العموم إلا ما خصته السنة، فيكون ما خصته السنة مُسْتَئِنَّى
من جملة النهي، وإنما تكون الأخبار متضادّةً إذا جاءت جملةٌ فيها ذِكرُ النهي
يقابل جملةً فيها ذكر الإباحة، فلا يمكن استعمال شيء منها، إلا بطرح ما
ضادّها، وسبيل هذا كسبيل نهي النبيّ بِّ عن بيع الثمر بالثمر جملةً، ثم رَخَّصَ
في بيع الْعَرَايا بِخَرْصِها، فبيع العربية مستثنى من جملة نهي النبيّ بَّ عن بيع
الثمر، وكذلك نهيه عن بيع ما ليس عند المرء وإذنه في السلم، وهذا الوجه
موجود في كثير من السنن، والله أعلم.
فلما نَهَى رسول الله وَلّ عن استقبال القبلة بالغائط والبول نهياً عاماً،
واستَقْبَل بيت المقدس، مستدبراً الكعبة، كان إباحةُ ذلك في المنازل مخصوصاً
من جملة النهي. انتهى كلام ابن المنذر تَقَّتُهُ(١).
(١) ((الأوسط)) ٣٢٤/١ - ٣٢٨.

٥١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال النووي تَكْثُ في ((شرحه)): وأما النهي عن استقبال القبلة بالبول
والغائط، فقد اختَلَف العلماء فيه على مذاهب:
[أحدها]: مذهب مالك، والشافعيّ - رحمهما الله تعالى - أنه يحرم
استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهذا
مرويّ عن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر ◌ًا، والشعبيّ،
وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين - رحمهم الله
تعالی ۔۔
[والمذهب الثاني]: أنه لا يجوز ذلك، لا في البنيان، ولا في الصحراء،
وهو قول أبي أيوب الأنصاريّ الصحابيّ ظُه، ومجاهد، وإبراهيم النخعيّ،
وسفيان الثوريّ، وأبي ثور، وأحمد في رواية.
[والمذهب الثالث]: جواز ذلك في البنيان والصحراء جميعاً، وهو
مذهب عروة بن الزبير، وربيعة، شيخ مالك، وداود الظاهريّ - رحمهم الله
تعالى -.
[والمذهب الرابع]: لا يجوز الاستقبال، لا في الصحراء، ولا في
البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما، وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأحمد
- رحمهما الله تعالى -.
واحتج المانعون مطلقاً بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقاً،
كحديث سلمان المذكور هنا، وحديث أبي أيوب، وأبي هريرة، وغيرهما،
قالوا: ولأنه إنما منع لحرمة القبلة، وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء،
ولأنه لو كان الحائل كافياً لجاز في الصحراء؛ لأن بيننا وبين الكعبة جبالاً،
وأوديةً، وغير ذلك من أنواع الحائل.
واحتج من أباح مطلقاً بحديث ابن عمر ظه الآتي ذكره: ((أنه رأى
النبيّ وَله مستقبلاً بيت المقدس، مستدبر القبلة))، وبحديث عائشة فيها المذكور
آنفاً، وقد عرفت أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به.
واحتج مَن أباح الاستدبار دون الاستقبال، بحديث سلمان
.
نه

٥١١
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
واحتج من حَرَّم الاستقبال والاستدبار في الصحراء، وأباحهما في
البنيان، بحديث ابن عمر ﴿ المذكور في هذا الكتاب، وبحديث عائشة
ضحى
الذي مرّ ذكره، وقد عرفت ما فيه.
وبحديث جابر به قال: نَهَى رسول الله وَ له أن نستقبل القبلة ببول،
فرأيته قبل أن يُقْبَض بعام يستقبلها، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما،
وإسناده حسن.
وبحديث مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر ثها أناخ راحلته، مستقبل
القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نُهِيَ عن
هذا؟ فقال: بلى، إنما نُهِيَ عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة
شيء يسترك فلا بأس، رواه أبو داود وغيره، وهو حديث حسنٌ.
قال النوويّ كَُّهُ: فهذه أحاديث صحيحةٌ مصرحةٌ بالجواز في البنيان،
وحديث أبي أيوب، وسلمان، وأبي هريرة، وغيرهم وردت بالنهي، فيُحْمَل
على الصحراء؛ لِيُجْمَع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن
الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها، والعمل
بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه، وفرقوا بين
الصحراء والبنيان من حيث المعنى، بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه
ترك القبلة، بخلاف الصحراء.
وأما من أباح الاستدبار، فيُحْتَجّ على ردّ مذهبه بالأحاديث الصحيحة
المصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعاً، كحديث أبي أيوب، وغيره.
انتهى كلام النوويّ دَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب المختار هو ما
ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وكثير من أهل العلم، وهو الفرق بين البنيان،
والصحراء، فيجوز في البيان، ويحرم في الصحراء، وهذا هو الذي اختاره ابن
المنذر تخلّتُهُ، كما سبق في كلامه، وهو مذهب الإمام البخاريّ تَّتُ حيث قال
في (صحيحه)): ((باب لا تُستقبَلُ القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، جدارٍ، أو
نحوه))، ومذهب النسائيّ أيضاً، حيث قال في ((المجتبى)) بعد ذكر أحاديث

٥١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
النهي: ((الرخصة في ذلك في البيوت))، وهو أعدل المذاهب؛ لجمعه بين الأدلّة
- كما قال النوويّ، والحافظ - رحمهما الله تعالى -.
والحاصل أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، لا في الصحراء؛
لحديث ابن عمر ◌ّ الآتي، وقد استوفيت مباحث هذه المسألة في ((شرح
النسائيّ))، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فوائد]: ذكرها النوويّ كَُّ في ((شرحه))(١) :
(الأولى): قال رَّتُهُ: المختار عند الشافعيّة: أنه إنما يجوز الاستقبال
والاستدبار في البنيان إذا كان قريباً من ساتر، من جُدْران ونحوها، بحيث
يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها، وأن يكون الحائل مرتفعاً بحيث يَستُر
أسافل الإنسان، وقدَّروه بآخرة الرَّحْل، وهي نحو ثلثي ذراع، فإن زاد ما بينه
وبينه على ثلاثة أذرع، أو قصر الحائل عن آخرة الرحل، فهو حرام كالصحراء،
إلا إذا كان في بيت بُنِي لذلك، فلا حجْر فيه كيف كان، قالوا: ولو كان في
الصحراء، وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، فالاعتبار بوجود
الساتر المذكور وعدمه، فيحلّ في الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم فيهما
لعدمه، هذا هو الصحيح المشهور عند أصحابنا، ومنهم من اعتبر الصحراء
والبنيان مطلقاً، ولم يعتبر الحائل، فأباح في البنيان بكل حال، وحَرَّم في
الصحراء بكل حال، والصحيح الأول، وفرَّعوا عليه، فقالوا: لا فرق بين أن
يكون الساتر دابةً، أو جداراً، أو وَهْدةً، أو كثيب رمل، أو جبلاً، ولو أرخى
ذيله في قُبالة القبلة، ففي حصول السَّتر وجهان لأصحابنا، أصحهما عندهم،
وأشهرهما أنه ساتر؛ لحصول الحائل. انتهى، وهو بحثٌ حسنٌ، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(الثانية): حيث جَوَّزنا الاستقبال والاستدبار، قال جماعة من أصحابنا:
هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة، والمختار أنه لو كان عليه مشقة في
تكلّف التحرف عن القبلة، فلا كراهة، وإن لم تكن مشقة، فالأولى تجنبه؛
(١) راجع ((شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ١٥٥/٣ - ١٥٦.

٥١٣
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
للخروج من خلاف العلماء، ولا تُطلَق عليه الكراهة؛ الأحاديث الصحيحة فيه.
انتھی .
(الثالثة): أنه يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، وهو
مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وداود الظاهريّ، واختَلَف فيه أصحاب
مالك، فجوَّزه ابن القاسم، وكرهه ابن حبيب، والصواب الجواز، فإن التحريم
إنما يثبت بالشرع، ولم يَرِد فيه نَهْيٌّ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(الرابعة): أنه لا يحرم استقبال بيت المقدس، ولا استدباره بالبول
والغائط، لكن يكره.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطلق النوويّ الكراهة، وهو محلّ نظر؛
لأنه ليس عليها دليلٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(الخامسة): إذا تجنب استقبال القبلة، واستدبارها حال خروج البول
والغائط، ثم أراد الاستقبال، أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز. انتهت هذه
الفوائد منقولة عن النوويّ كَّتُهُ، وهي فوائد حسان، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء
بالحجارة :
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر تَخُّ: ثبتت الأخبار عن رسول الله وَل أنه
أمرهم بثلاثة أحجار، وقد اختَلَف أصحاب رسول الله وَّ، ومَن بعدهم في
الاستنجاء، فرأت طائفة منهم الاستنجاء بالأحجار، وممن كان يستنجي بثلاثة
أحجار: ابنُ عمر، ورُوي ذلك عن خزيمة بن ثابت، وهو قول الحسن،
وسعيد بن المسيب، ورَوَينا عن عمر بن الخطاب أنه بال، ثم أَخَذ حجراً،
فمسح به ذكره.
قال: وممن رُوي عنه أنه أنكر الاستنجاء بالماء حذيفةٌ، وسعد بن مالك،
وابن الزبير، ثم أخرج بسنده أن حذيفة ظُه سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال:
إذن لا يزال في يدي نَتْنٌ، وأخرج بسنده عن عبد الله بن الزبير أنه قال: لعن الله
غاسل استه، وعن سعد بن أبي وقّاص ◌ُبه أنه مرّ برجل يبول، فغسل أثر

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
البول، فقال سعد: لِمَ تزيدون في دينكم ما ليس منه؟، وقال سعيد بن
المسيب: أوَ يفعل ذلك - يعني الغسل بالماء - إلا النساء؟ وكان الحسن
البصريّ لا يغسل بالماء، ورَوَينا عن عطاء أنه قال: غسلُ الدبر مُحْدَث.
قال: وممن كان يرى الاستنجاء بالحجارة: سفيانُ الثوريّ، والشافعيّ،
وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وسئل مالك عمن استنجى بالأحجار، ولم يستنج
بالماء، وصَلَّى؟ قال: لا يُعيد.
قال: ورأت طائفة الاستنجاء بالماء، فممن كان يَرَى ذلك ابنُ عمر بعد
أن لم يكن يراه، ورافع بن خَدِيج، وحُذيفة ﴾.
ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: بلغ ابنَ عمر أن معاوية يغسل عنه أثر
الغائط والبول، فكان ابن عمر يَعجَب منه، ثم غسله بعدُ، فقال: يا نافع
جرّبناه، فوجدناه صالحاً.
وأخرج من طريق الأوزاعيّ قال: حدثني أبو النجاشيّ، قال: صحبت
رافع بن خَدِيج سبع سنين، فكان يستنجي بالماء.
ومن طريق حُصين بن عبد الرحمن، عن زِرّ، عن حنظلة، قال: كان
حذيفة يستنجي بالماء إذا خرج من الخلاء. انتهى المقصود من كلام ابن
المنذر رَظْتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح هو القول
بجواز الاستنجاء بالحجارة، والماء، كما صحّ عن رسول الله وَّر، وأما الذين
أنكروا الاستنجاء بالماء، فيُعتذر عنهم بأنه لم يثبت عندهم عن النبيّ وَّ فيه
شيء، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
والحاصل أن الاستنجاء بالماء جائز، بل هو الأولى إن تيسّر، وسنعود
إلى تحقيق المسألة في ((باب الاستنجاء بالماء)) - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الأوسط)) ٣٤٤/١ - ٣٤٩.

٥١٥
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء بأقلّ من
ثلاثة أحجار:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر تَخْذُ: دلت الأخبار الثابتة عن النبيّ وَله
على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، وبذلك قال كلُّ من نَحفَظ عنه من
أهل العلم، إذا أنقى، ودلّ حديث رسول الله وَ لّ على أن الاستنجاء لا يجزي
بأقل من ثلاثة أحجار.
ثم أخرج حديث سلمان حظوته المذكور في الباب، بلفظ: قال: قال
المشركون: لقد علّمكم صاحبكم حتى يوشك أن يعلمكم الخرأة، قال: أجل
نهانا أن نستنجي بالعظام، وبالرجيع، وقال: ((لا يكفي أحدكم دون ثلاثة
أحجار))، قال: فقوله: ((لا يجزي أحدكم دون ثلاثة أحجار)) يدل على إغفال
مَن زَعَم أن المعنى منه إزالة النجاسة، وأن أقل من ثلاثة أحجار تجزي إذا
نَقّى، ويلزم قائل هذا القول طَرْحُ الاستنجاء إذا لم يكن للغائط أثرٌ، وذلك
موجود في بعض الناس، وحديث ابن مسعود(١)، مع حديث سلمان يدلّ أن
أقلّ من ثلاثة أحجار لا تجزي.
قال أبو بكر: وثبت أن نبي الله وَّر قال: ((وإذا استجمر فليوتر)).
قال: فإن قال قائل: فإن اسم الوتر يقع على واحد، ففي حديث سلمان
حيث قال: ((لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار)) دليلٌ على أنه أراد بقوله: ((مَن
استجمر فليوتر)) ثلاثة أحجار، وفي حديث جابر عظ ته أن النبيّ وَّ قال: ((إذا
استجمر أحدكم، فليستجمر ثلاثاً))، دليل على ذلك، وأخبار رسول الله وَاليه
يُفَسِّر بعضها بعضاً، ويدُلّ بعضها على معنى بعض.
(١) أراد بحديث ابن مسعود ربه ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) (١٥٦) عن
عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبيّ وَّر الغائط،
فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده،
فأخذت روثةً فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: ((هذا ركس)).

٥١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وهذا على مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. انتهى المقصود من كلام
ابن المنذر ◌َّتْهُ(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ ما حاصله: ذهب الشافعيّ، وأحمد بن حنبل،
وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور إلى أنه لا بدّ في الاستنجاء بالحجر من إزالة
عين النجاسة، واستيفاء ثلاث مسحات، فلو مسح مرةً، أو مرتين، فزالت عين
النجاسة وجب مسحه ثالثة.
وذهب مالك، وداود إلى أن الواجب الإنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه،
وهو وجه لبعض الشافعيّة، قال: ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، مَسَحَ بكل
حرف مسحة أجزأه؛ لأن المراد المسحات، والأحجار الثلاثة أفضل من حجر
له ثلاثة أحرف. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أصحّ المذاهب مذهب من
قال: إنه لا يُجزىء أقلّ من ثلاثة أحجار؛ لأنه نصّ الحديث الصحيح، فتبصّر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال ابن المنذر تَخُّْ: لا نَحْفَظ عن رسول الله وَلَ شيئاً من
الأخبار أنه أمر بالاستنجاء بغير حجارة، ومن استنجى بالحجارة، كما أمر به
رسول الله وَ﴿، فقد أتى بما عليه، وإن استنجى بغير الحجارة، فالذي نَحفَظ
عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: ذلك جائزٌ، والاستنجاء بالحجارة
أحوط، كان عطاء يقول: إني لأستنجي بالإذخر، وقال طاوس: ثلاثة أحجار،
أو ثلاثة حثيات من تراب، أو ثلاثة أعواد، ويجزي كل ذلك عند الشافعيّ،
وكذلك إن كانت آجُرّات، أو مقابس، أو خَزَفٌ، وهو على مذهب إسحاق،
وأبي ثور، وأجاز مالك الاستنجاء بالمدر.
قال ابن المنذر تَّتُهُ: وأرجو أن يَجزِي ما قالوا، وليس في النفس شيء
إذا استنجى بالأحجار وأنقى، فإن استنجى بثلاثة أحجار، ولم يُنْقِ زاد حتى
يُنْقِي، وكان الشافعي يقول: لا يجزيه إلا أن يأتي من الامتساح بما يَعْلَم أنه لم
(١) ((الأوسط)) ٣٤٩/١ - ٣٥١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٦/٣.

٥١٧
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٢)
يُبقِ أثراً قائماً، فأما أثر لاصقٌ لا يُخرجه إلا الماء، فليس عليه إنقاؤه؛ لأنه لو
جَهَد لم يُنقِه بغير ماء، قال ابن المنذر: وكذلك نقول. انتهى كلام ابن
المنذر تَخْذَتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
[تنبيه آخر]: كان الشافعيّ رَُّهُ يقول: وإن وَجَد حجراً له ثلاثة وجوه،
فامتسح بكل واحد امتساحةً كانت كثلاثة أحجار، وكذلك قال أبو ثور،
وإسحاق .
وقد عارض بعض الناس الشافعيّ، وقال: ليس يخلو الأمر بثلاثة أحجار
من أحد أمرين: إما أن يكون أُريد بها إزالة نجاسة، فإن كان هكذا، فبأيّ
شيء أُزيلت النجاسة يجزي، بحجر، وغير حجر، ولو أزيلت بحجر واحد، أو
يكون عبادةً، فلا يجزي أقل من العدد، أو معنى ثالثاً، فيقال: أريد بها إزالة
نجاسة وعبادة، فلما بَطَلَ المعنى الأول، لم يَبْقَ إلا هذان المعنيان، ولا يجزي
في واحد من المعنيين إلا بثلاثة أحجار؛ لأن العبادات لا يجوز أن ينتقص
عددها .
قال ابن المنذر: والخبر يدلّ على صحة ما قاله هذا القائل، وذلك
موجود في حديث سلمان ظُه: ((لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار))، وكُلَّما
أُمر الناسُ بعدد شيء لم يجز أقل منه، فلا يجزي أن تُرمَى الجمرةُ بأقلَّ من
سبع حصيات، مع أن قول رسول الله وَّلهُ مُسْتَغْنَى به عن غيره، ولا تأويل لما
قال: ((لا يَكفِي أحدكم دون ثلاثة أحجار)) لمتأوّل معه. انتهى كلام ابن
المنذر تَخْذَلهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تَّتُهُ، سيأتي الجواب
عنه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وقال النوويّ تَخْتُهُ: وأما نصه وَ لَّ على الأحجار، فقد تعلق به بعض أهل
الظاهر، وقالوا: الحجر متعين، لا يجزئ غيره، وذهب العلماء كافّة من
الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعيناً، بل تقوم الْخِرَق والخشب وغير ذلك
مقامه، وأن المعنى فيه كونه مزيلاً، وهذا يحصل بغير الحجر، وإنما قال ◌َله :
((ثلاثة أحجار))؛ لكونها الغالب المتيسر، فلا يكون له مفهوم، كما في قوله

٥١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ونظائره، ويدلّ على
عدم تعيين الحجر نهيه مَّر عن العظام والبعر والرجيع، ولو كان الحجر متعيناً
لنهى عما سواه مطلقاً. قال: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: والذي يقوم مقام
الحجر كلُّ جامدٍ طاهرٍ مزيلٍ للعين، ليس له حرمة، ولا هو جزء من حيوان.
قالوا: ولا يشترط اتحاد جنسه، فيجوز في القبل أحجار، وفي الدبر خِرَق،
ويجوز فى أحدهما حجر مع خرقتين، أو مع خرقة وخشبة، ونحو ذلك. انتهى
كلام النوويّ تَخْذُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ تَخْتُ تحقيقٌ حسنٌ
جدّاً .
والحاصل أن الأولى كون الاستنجاء بثلاثة أحجار، ولا يُشترط ذلك؛
لحديث أبي هريرة نظراته، حيث قال له النبيّ وَله: ((ائتني بثلاثة أحجار، ولا
تأتني بعظم، ولا روث))، رواه البخاريّ، فإن نهيه ◌َّول عن إتيانه بعظم،
وروث، يدلّ على جواز إتيانه بغيرهما، فدلّ على أن الأحجار ليست متعيّنةً،
ولولا هذا لكان الحقّ مع من اشترط الأحجار؛ لظاهر قوله وَلّر: ((لا يستنجي
أحدكم بدون ثلاثة أحجار))، رواه مسلم.
وهذا هو الجواب الذي أشرت إليه في تعقّب كلام ابن المنذر السابق،
فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في أقوال أهل العلم في الاستنجاء بالرَّجِيع،
والعظم:
قال الإمام ابن المنذر تَخّْتُهُ: ثبتت الأخبار عن رسول الله وَ ظهر أنه نهى عن
الاستنجاء بالروث والعظام، قال: فلا يجوز الاستنجاء بشيء مما نَهَى عنه
رسول الله وَجٌ، ولا بما قد استنجى به مرّةً، إلا أن يُطهّر بالماء، ويرجع إلى
حالة الطهارة، وقال سفيان الثوريّ: لا يستنجي بعظم، ولا رجيع، ويُكره أن
يستنجي بماء قد استنجى به، وقال إسحاق، وأبو ثور: لا يجوز الاستنجاء
بعظم، وغيره، مما نَهَى عنه النبيّ ◌َّ، وقال الشافعيّ: لا يستنجي بعظمٍ ذَكيّ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٧/٣.

٥١٩
(١٧) - بَابُ آدَابِ الثَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ - حديث رقم (٦١٣)
ولا ميتٍ؛ للنهي عن العظم مطلقاً، ولا بحُمَمَةَ(١). انتهى كلام ابن
المنذر رَّتُهُ(٢).
وقال النوويّ تَخْتُهُ: فيه النهيُ عن الاستنجاء بالنجاسة، ونَبَّهَ بَّ بالرجيع
على جنس النجس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعاماً للجنّ،
فنبه على جميع المطعومات، وتلتحق به المحترمات، كأجزاء الحيوان، وأوراق
كتب العلم، وغير ذلك، ولا فرق في النجس بين المائع والجامد، فإن استنجى
بنجس لم يصحّ استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء، ولا يجزئه
الحجر؛ لأن الموضع صار نجساً بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره
من المحترمات الطاهرات، فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر
بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها، وقيل: إن استنجاءه الأول
يجزئه مع المعصية. انتهى كلام النوويّ كَّلُ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦١٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ
سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ(٣): إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ، حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ
الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ، أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ،
وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ، وَالْعِظَامِ، وَقَالَ: ((لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور في الباب الماضي.
(١) ((الْحُمَمَةُ)) وزانُ رُطَبَة: ما أُحرق من خشب، ونحوه، والجمع بحذف الهاء. اهـ.
((المصباح)) ١٥٢/١.
(٢) («الأوسط)) ٣٥٦/١ - ٣٥٧.
(٣) وفي نسخة: ((قال: قال له المشركون)).

٥٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظُ إمام حجة [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
إمام حافظ حجة [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة [٦]
(ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله :
(قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ) قال النوويّ تَخَُّهُ: هكذا هو في الأصل، وهو
صحيح، وتقديره: قال لنا قائل المشركين، أو أنه أراد واحداً من المشركين،
وجمَعه لكون باقيهم يوافقونه. انتهى(١).
وفي نسخة: ((قال له المشركون)).
وقوله: (إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ) مفعول ((يُعلِّمكم)) الثاني محذوف،
تقديره: يعلِّمكم كلَّ شيء، كما سبق في الرواية الماضية، وجملة ((يُعلِّمكم)) في
محلّ المفعول الثاني لـ((أرى)) على أنها علميّة، والتقدير: إني أرى صاحبكم
معلّماً إياكم كلَّ شيء.
وقوله: (أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) في الكلام محذوف، يُفهم من المقام، تقديره:
أي ونهانا عن أن يستقبل أحدنا القبلة عند قضاء الحاجة، وقد أوضحت هذا
المقدّر الرواية الماضية، حيث قال فيها: ((لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو
بول)».
وقوله: (وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ، وَالْعِظَام) فيه محذوف أيضاً، أي ونهانا أيضاً
عن استعمال الروث والعظام عند الاستجمار.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٧/٣.