Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
قال العلامة ابن الْمُلقّن في (البدر المنير)): هذا الحديث ضعيف بمرّة،
وهو مرويّ من طرق :
[أحدها]: من حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، رفعه: ((الختان سنّة
للرجال، مَكْرَمة للنساء))، رواه أحمد في ((مسنده))(١)، والبيهقيّ في ((سنته))(٢) من
حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي المليح، به، وضعْفه لائحُ بسبب الحجاج
هذا، قال البيهقيّ في ((سننه)): لا يُحتجّ به، وقال ابن الجوزيّ في ((تحقيقه)):
ضعيف .
[ثانيها]: من حديث أبي أيوب، مرفوعاً، به، رواه البيهقيّ في ((سننه)) (٣)
من حديث الحجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب، به، وهو ضعيفٌ منقطع،
كما قاله البيهقيّ، وقال ابن أبي حاتم في ((علله))(٤): سألت أبي عنه، فقال:
الذي أتوهّم أنه خطأ، إنما أراد حديث حجاج ما قد رواه مكحول، عن أبي
الشمال، عن أبي أيوب، مرفوعاً: ((خمس من سنن المرسلين: التعطّر،
والحنّاء، والسواك ... )) الحديث، فترك أبا الشمال، فلا أدري هذا من
الحجاج، أو من عبد الواحد بن زياد الراوي عنه؟، قال: وقد رواه النعمان بن
المنذر، عن مکحول مرسلاً.
[ثالثها]: من حديث ابن عباس، مرفوعاً، به، رواه الطبرانيّ في أكبر
معاجمه(٥) والبيهقيّ في ((سننه)) (٦) من حديث الوليد بن الوليد، عن ابن ثوبان،
عن محمد بن عجلان، عن عكرمة، عنه، به، قال البيهقيّ: هذا إسناد ضعيف،
والمحفوظ أنه موقوف عليه، وكذا قال ابن الرفعة: لا يصحّ، وقال في
((المعرفة))(٧): إنه لا يثبتُ رفعه.
[رابعها]: من حديث شدّاد بن أوس، مرفوعاً، به، رواه ابن أبي
(١) ٥/ ٧٥.
(٣) ٣٢٥/٨.
(٥) (المعجم الكبير)) ٢٣٣/١١ رقم (١١٥٩٠).
(٦) ٣٢٤/٨ - ٣٢٥.
(٧) ٦ / ٤٦٦.
(٢) ٨/ ٣٢٥.
(٤) ٢٤٧/٢ رقم (٢٢٣١).

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
شيبة(١)، وابن أبي حاتم في ((علله)) (٢)، والطبرانيّ في ((الكبير))(٣) من حديث
حجاج بن أرطاة، عن أبي المليح، عن أبيه، عن شدّاد، به. قال ابن عبد البرّ
في ((تمهيد)) (٤) بعد أن رواه: هذا الحديث يدور على حجاج بن أرطاة، وليس
ممن يُحتجّ به، وقال ابن القطّان في كتاب ((أحكام النظر)): هذا حديث منقطع
الإسناد. انتهى كلام ابن الملقّن تَظُّهُ(٥).
قال العراقيّ رَّتُهُ: وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنّة خلاف
الواجب، بل المراد به الطريقة.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الحديث لا يصلح للاحتجاج به؛
لضعفه، فلا حاجة إلى تأويله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
واحتجّوا على وجوبه بقوله تعالى: ﴿أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية
[النحل: ١٢٣]، وثبت في ((الصحيح)) من حديث أبي هريرة نظريته قال: قال
رسول الله وَله: ((اختتن إبراهيم النبيّ ◌َّ، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم))(٦).
واستَدَلَّ ابنُ سُريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة،
فلولا أن الختان فرضٌ لَمَا أُبيح النظر إليها من المختون.
(١) ((المصنّف)) ٢٣٣/٦.
(٢) ((العلل)) ٢٤٧/٢.
(٣) ((المعجم الكبير)) ٢٧٣/٧ - ٢٧٤ رقم (٧١١٢ و٧١١٣).
(٤) ((التمهيد)) ٥٩/٢١.
(٥) راجع ((البدر المنير)) ٧٤٣/٦ - ٧٤٥.
(٦) قال الماورديّ تَخّْلهُ: ((القدوم)) بفتح القاف، وتخفيف الدال، وتشديدها: هو
الفأس الذي اختتن به إبراهيم لعلّ*، وذهب غيره إلى أن المراد به مكانٌ يُسمّى
القدوم، قال أبو عبيد الهرويّ في ((الغريبين)): يقال: هو مكان مقيله، وقيل: اسم
قرية بالشام، وقال أبو شامة: هو موضع بالقرب من القرية التي فيها قبره، وقيل:
بقرب جبل حَلَب، وجزم غير واحد أن الآلة بالتخفيف، وصرّح ابن السكّيت بأنه
لا يُشدَّد، وأثبت بعضهم الوجهين في كلّ منهما.
ووقع عند أبي الشيخ من طريق أخرى أن إبراهيم؛ لَمّا اختتن كان ابن مائة وعشرين
سنة، وأنه عاش بعد ذلك إلى أن أكمل مائتي سنة، والأشهر أنه اختتن وهو ابن
ثمانين سنة، وعاش بعدها أربعين سنة، ذكره في ((الفتح)) ٣٥٥/١٠.

٤٤٣
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
ونقضه ابن عبد البرّ بجواز نظر الطبيب، وليس الطبّ واجباً إجماعاً.
واحتجّ القفّال لوجوبه بأن بقاء الْقُلْفَة تَحبس النجاسة، وتَمنع صحّة
الصلاة، فتجب إزالتها، وشبّهه بالنجاسة في باطن الفم.
وقاسه بعض الشافعيّة على وجوب القطع في السرقة، فقال: هو قطع جزء
من البدن، لا يستخلف؛ تعبّداً، فوجب كالقطع في السرقة، واحترز بعدم
الاستخلاف عن الشعر، والظفر، وبالتعبّد عن القطع للآكلة، فإنه لا يجب.
انتهى كلام الحافظ العراقيّ تَظّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس
المذكورة في الباب: الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاءٌ، حتى
قال: لو أسلم الكبير لم يَتِمّ إسلامه حتى يَختتن، وعن أحمد، وبعض المالكيّة:
يجب، وعن أبي حنيفة: واجبٌ، وليس بفرض، وعنه سنّة يأثم بتركه، وفي وجه
للشافعيّة: لا يجب في حقّ النساء، وهو الذي أورده صاحب ((المغني)) عن أحمد.
وذهب أكثر العلماء، وبعض الشافعيّة إلى أنه ليس بواجب.
ومن حجتهم حديث شدّاد بن أوس ظبه(٢) رفعه: ((الختان سنّة للرجال،
مكرمة للنساء))، وهذا لا حجة فيه؛ لما تقرّر أن لفظ السنّة إذا ورد في الحديث
لا يُراد به التي تقابل الواجب، لكن لَمّا وقعت التفرقة بين الرجال والنساء في
ذلك دلّ على أن المراد افتراق الحكم.
وتُعُقّب بأنه لم ينحصر في الوجوب، فقد يكون في حقّ النساء للإباحة،
على أنْ الحديث لا يَثبتُ؛ لأنه من رواية حجاج بن أرطاة، ولا يُحتجّ به،
أخرجه أحمد، والبيهقيّ، لكن له شاهد، أخرجه الطبرانيّ في ((مسند الشاميين))
من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس، وسعيد
مختلف فيه، وأخرجه أبو الشيخ، والبيهقيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس،
وأخرجه البيهقيّ أيضاً من حديث أبي أيوب.
(١) راجع ((طرح التثريب)) ٢٣٨/١ - ٢٣٩.
(٢) هذا فيه نظر؛ لأنه تقدّم أنه من رواية أبي المليح، عن أبيه، لا من رواية شدّاد بن
أوس، كما هو عند الإمام أحمد في ((مسنده))، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن هذه الروايات كلّها ضعاف، لا
تصلح للاحتجاج بها، فلا تغفل، والله تعالى أعلم.
واحتجّوا أيضاً بأن الخصال المنتظمة مع الختان ليست بواجبة، إلا عند
بعض من شذّ، فلا يكون الختان واجباً.
وأجيب بأنه لا مانع أن يراد بالفطرة، وبالسنّة في الحديث القدرُ المشترك
الذي يَجمع الوجوب والندب، والطلب المؤكّد، فلا يدلّ ذلك على عدم
الوجوب، ولا ثبوته، فيُطلب الدليل من غيره.
وأيضاً فلا مانع من جمع مختلفي الحكم بلفظ واحد كما في قوله تعالى:
﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإيتاء
الحقّ واجبٌ، والأكل مباح.
هكذا تمسّك به جماعة، وتعقّبه الفاكهانيّ في ((شرح العمدة))، فقال:
الفرق بين الآية والحديث أن الحديث تضمّن لفظة واحدة، استُعمِلت في
الجميع، فتعيّن أن يُحمَل على أحد الأمرين: الوجوب، أو الندب، بخلاف
الآية، فإن صيغة الأمر تكرّرت فيها، والظاهر الوجوب، فصُرِف في أحد
الأمرين بدليلٍ، وفي الآخر على الأصل.
وهذا التعقّب إنما يتمّ على طريقة من يمنع استعمال اللفظ الواحد في
معنيين، وأما من يُجيزه كالشافعيّة، فلا يَرِد عليهم.
ثم ذكر أدلّة من أوجب الاختتان، وهي التي تقدّمت في كلام العراقيّ.
ثم قال بعد أن ناقش الاستدلال على الوجوب بفعل إبراهيم الشّلا ما
حاصله: إن الاستدلال بذلك متوقّف على أنه كان في حقّ إبراهيم علِّلا واجباً،
فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال به، وإلا فالنظر باقٍ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ - كما قال العلامة الشوكانيّ كَُّهُ - أنه لم
يقم دليلٌ صحيحٌ يدلّ على وجوب الختان، والمتيقّن الندب، كما في حديث:
((خمسٌ من الفطرة))، ونحوه، والواجب الوقوف على المتيقّن إلى أن يقوم ما
يوجب الانتقال منه.
(١) ((الفتح)) ٣٥٢/١٠ - ٣٥٤.

٤٤٥
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
والحاصل أن الأرجح هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أن الختان
مستحبّ، لا واجبٌ؛ لعدم دليل الوجوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
[تنبيه]: في كيفية الختان:
قال الماورديّ كَّتُهُ: ختان الذكر: قطعُ الجلدة التي تُغطّي الحشفة،
والمستحبّ أن تُستَوعَب من أصلها عند أول الحشفة، وأقلُّ ما يُجزىء أن لا
يبقى منها ما يُغْشَى به شيء من الْحَشَفة.
وقال إمام الحرمين: المستحبّ في الرجال قطع الْقُلْفَةُ (١)، وهي الجلدة
التي تُغطّي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء مُتَدَلِّ، وقال ابن الصبّاغ:
حتى تنكشف جميع الحشفة، وقال ابن كجّ فيما نقله الرافعيّ: يتأدّى الواجب
بقطع شيء مما فوق الحشفة، وإن قلّ، بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها،
قال النوويّ: وهو شاذّ، والأول هو المعتمد. قال الإمام: والمستحقّ من ختان
المرأة ما يُطلق عليه الاسم، قال الماورديّ: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى
فرجها فوق مدخل الذكر، كالنواة، أو كَعُرْف الديك، والواجب قطع الجلدة
المستعلية منه دون استئصاله.
وقد أخرج أبو داود في ((سننه)) من حديث أم عطيّة ◌َّا: أن امرأةً كانت
تختن بالمدينة، فقال لها النبيّ وَله: ((لا تُنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة))،
وقال: إنه ليس بقويّ.
قال الحافظ: وله شاهد من حديث أنس، ومن حديث أم أيمن عند أبي
الشيخ في ((كتاب العقيقة))، وآخر عن الضحّاك بن قيس عند البيهقيّ.
وقد استحبّ العلماء من الشافعيّة فيمن يولد مختوناً أن يُمرّ الموسَى على
موضع الختان من غير قطع، قال أبو شامة: وغالب من يولد كذلك لا يكون
ختانه تامّاً، بل يظهر طرف الحشفة، فإن كان كذلك وجب تكميله.
وأفاد الشيخ أبو عبد الله ابن الحاجّ في كتابه ((المدخل)) أنه اختُلف في
النساء، هل يُخفضن عموماً، أو يفرّق بين نساء المشرق، فيُخفضن، ونساء
(١) بوزن غُرْفَةٍ، وقَصَبَة، كما أسلفناه.

٤٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
المغرب، فلا يُخفضن؛ لعدم الفضلة المشروع قطعها منهنّ، بخلاف نساء
المشرق؟ قال: فمن قال: إن من وُلد مختوناً استُحبّ إمرار الموسى على
الموضع؛ امتثالاً، قال في حقّ النساء كذلك، ومن لا فلا، ذكره في
((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في بيان الخلاف في الوقت الذي يُشرَع فيه الختان:
نقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع؛ لأنه فعل
اليهود(٢)، وقال مالك: يَحسُن إذا أثغر: أي ألقى ثَغْره، وهو مقدّم أسنانه،
وذلك يكون في سبع سنين وما حولها، وعن الليث: يُستحبّ ما بين سبع سنين
إلى عشر سنين، وعن أحمد: لم أسمع فيه شيئاً.
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) عن ابن عبّاس ◌ِّ قال: ((سبع من السنّة
في الصبيّ: يُسمَّى في السابع، ويُختن ... )) الحديث، وهو ضعيفٌ.
وأخرج أبو الشيخ من طريق الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن
ابن المنكدر، أو غيره، عن جابر ت ◌ُله: ((أن النبيّ وَّ ختن حسناً وحُسيناً
لسبعة أيام))، قال الوليد: فسألت مالكاً عنه، فقال: لا أدري، ولكن الختان
طهرةٌ، فكلّما قدّمها كان أحبّ إليّ.
وأخرج البيهقيّ من طريق موسى بن عليّ، عن أبيه، أن إبراهيم؛ خَتَنَ
إسحاق، وهو ابن سبعة أيام، ذكر ذلك كله في ((الفتح)) (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما تقدّم عن مالك تَُّهُ، حيث قال:
الختان طهرة، فكلما قُدّم كان أحبّ، فالأحسن تقديمه قبل سنّ البلوغ، وكلما تقدّم
كان أفضل، ولا يتقيّد ذلك بوقت مخصوص؛ لعدم صحّة الدليل على ذلك،
والآثار المذكورة كلها ضعيفة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستحداد، وهو
حلق العانة :
(١) ٣٥٣/١٠.
(٢) هكذا قالوا، ويحتاج إلى ثبوت ذلك، والله أعلم.
(٣) ٣٥٣/١٠.

٤٤٧
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
قال النوويّ رَّلهُ: المراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل، وحواليه،
وكذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة، ونُقل عن أبي العبّاس بن سُريج أنه
الشعر النابت حول حَلَق الدبر، فتحصّل من مجموع هذا استحبابُ حلق جميع
ما على القبل والدبر، وحولهما، قال: وذكر الحلق لكونه هو الأغلب، وإلا
فيجوز الإزالة بالنورة، والنتف، وغيرهما .
وقال أبو شامة: العانة الشعر النابت على الرَّكَب - بفتح الراء، والكاف -
وهو ما انحدر من البطن، فكان تحت الثنيّة، وفوق الفرج، وقيل: لكلّ فخذ
رَكَبِّ، وقيل: ظاهر الفرج، وقيل: الفرج بنفسه، سواء كان من رجل أو امرأة،
قال: ويُستحبّ إماطة الشعر عن القبل والدبر، بل من الدبر أولى؛ خوفاً من أن
يعلق شيء من الغائط، فلا يُزيله المستنجي إلا بالماء، ولا يتمكّن من إزالته
بالاستجمار، قال: ويقوم التّنَوُّر مكان الحلق، وكذا النتف، والقصّ.
وسئل أحمد عن أخذ العانة بالمقراض؟ فقال: أرجو أن يُجزىء، قيل:
فالنتف؟ قال: وهل يقوى على هذا أحدٌ؟.
وقال ابن دقيق العيد: قال أهل اللغة: العانة الشعر النابت على الفرج،
وقيل: هو منبت الشعر، قال: وهو المراد في الخبر.
وقال أبو بكر ابن العربيّ: شعر العانة أولى الشعور بالإزالة؛ لأنه
يتكثّف، ويتلبّد فيه الوسخ، بخلاف شعر الإبط، قال: وأما حلق ما حول الدبر
فلا يُشرَع، وكذا قال الفاكهيّ في ((شرح العمدة)): إنه لا يجوز، كذا قال، ولم
يذكر للمنع مستنداً، والذي استند إليه أبو شامة قويّ، بل ربّما تُصُوِّر الوجوب
في حقّ من تعيّن ذلك عليه، كمن لم يجد من الماء إلا القليل، وأمكنه أن لو
حَلَقَ الشعر أن لا يعلق به شيء من الغائط يحتاج معه إلى غسله، وليس معه
ماء زائد على قدر الاستنجاء.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر المسألة في ((الفتح))، وفيه نظر لا
يخفى؛ إذ لا دليل على مشروعية حلق شعر الدبر، فضلاً عن وجوبه، وأما ما
ذكره في حقّ من لم يجد الماء، فليس كذلك؛ فإن الشارع شرع الاستنجاء
بالأحجار مطلقاً، سواء كان على دبره شعر أو لا، ولم يأمر أحداً بالغسل
بالماء زيادة على الأحجار إذا كان له شعر، ولقد أجاد الشوكانيّ ◌َُّ، حيث

٤٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال بعد نقل ما تقدّم ما نصّه: وأقول: الاستحداد إن كان في اللغة حلق العانة
كما ذكره النوويّ، فلا دليل على سنّة حلق الشعر النابت حول الدبر، وإن كان
الاحتلاق بالحديد كما في ((القاموس))، فلا شكّ أنه أعمّ من حلق العانة، ولكنّه
وقع في ((صحيح مسلم)) وغيره بدل الاستحداد في حديث: ((عشرٌ من الفطرة))
((حلق العانة))، فيكون مبيّناً لإطلاق الاستحداد في حديث: ((خمس من الفطرة))،
فلا يتمّ دعوى سنّة حلق شعر الدبر، أو استحبابه إلا بدليل، ولم نقف على
حلق شعر الدبر من فعله وَ لقر، ولا من فعل أحد من أصحابه ظه. انتهى كلام
الشوكانيّ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في كيفيّة إزالة شعر العانة:
قال الإمام ابن دقيق العيد تَخَّهُ: الأولى في إزالة الشعر هنا الحلق؛
اتّباعاً، ويجوز النتف بخلاف الإبط، فإنه بالعكس؛ لأنه تحتبس تحته الأبخرة
بخلاف العانة، والشعر من الإبط يَضْعُفُ بالنتف، ويقوى بالحلق، فجاء الحكم
في كلّ من الموضعين بالمناسب.
وقال النوويّ تَخْتُ: السنّة في إزالة شعر العانة الحلقُ بالموسَى في حقّ
الرجل والمرأة معاً، وقد ثبت الحديث في ((الصحيحين)) حديثُ جابر ◌َظُه في
النهي عن طَرْق النساء ليلاً حتى تمتشط الشَّعِثَة، وتَستَحِدَّ الْمُغِيبة، لكن يتأدّى
أصل السنّة بالإزالة بكلّ مزيل.
وقال أيضاً: والأولى في حقّ الرجل الحلق، وفي حقّ المرأة النتف،
واستُشكِل بأن فيه ضرراً على المرأة بالألم، وعلى الزوج باسترخاء المحلّ،
فإن النتف يُرخي المحلّ باتّفاق الأطبّاء، ومن ثَمَّ قال ابن دقيق العيد: إن
بعضهم مال إلى ترجيح الحلق في حقّ المرأة؛ لأن النتف يُرخي المحلّ، لكن
قال ابن العربيّ: إن كانت شابّةً فالنتف في حقّها أولى؛ لأنه يربو مكان النتف،
وإن كانت كهلة فالأولى في حقّها الحلق؛ لأن النتف يُرخي المحلّ، ولو قيل:
الأولى في حقّها التنور مطلقاً لما كان بعيداً.
(١) ((نيل الأوطار)) ١٦٧/١ - ١٦٨.

٤٤٩
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
وحكى النوويّ في وجوب الإزالة عليها إذا طلب ذلك الزوج منها
وجهين، أصحّهما الوجوب ذكره في ((الفتح) (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ في التفريق بين الرجل والمرأة،
وكذا ما قاله ابن العربيّ في الشابّة والكهلة، كلُّ ذلك مما لا دليل عليه، فالحقّ
أن الرجل والمرأة مطلقاً في ذلك سواء، فالسنّة في حقّ الكلّ الحلق، كما دلّت
عليه الأحاديث الصحيحة، لكن من شقّ عليه ذلك، فله الإزالة بغيره؛ دفعاً
للمشقّة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قال في ((الفتح)): يفترق الحكم في نتف الإبط وحلق
العانة بأن نتف الإبط وحلقه يجوز أن يتعاطاه الأجنبي، بخلاف حلق العانة،
فيحرم إلا في حقّ من يباح له المسّ والنظر، كالزوج والزوجة.
ونقل العراقيّ عن النوويّ أنه سوّى بين الإبط والعانة في أنه يتولّى ذلك
بنفسه، ولا يتخيّر بين ذلك، وبين مباشرة غيره؛ لما فيه من هتك المروءة
والحرمة، بخلاف قصّ الشارب(٢).
قال العراقيّ: وهو مسلّم فيما إذا أتى بالأفضل من النتف في الإبط، وأما
إذا أتى بالحلق فلا بأس بمباشرة غيره له؛ لعسر تمكنه، كما نُقل عن
الشافعيّ تَخْتُ أن المزیّن حلق له. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: المنع لا دليل عليه، وما ذُكر من هتك المروءة
غير صحيح، يردّه ما نُقل عن الشافعيّ تَخُّْهُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وأما التنَوُّر، فسئل عنه أحمد تَتُ فأجازه، وذكر أنه يفعله، وفيه حديث
أم سلمة ثنا، أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ، ورجاله ثقات، ولكنه أعلّه
بالإرسال، وأنكر أحمد صحّته، ولفظه: ((أن النبيّ وَلهم اطّلى، ووَلِيَ عانته
بيده))، وفي لفظ: ((كان إذا اطَّلَى بدأ بعورته، فطلاها بالنُّورة، وسائرَ جسده
أهلُهُ))(٣).
(١) ((الفتح)) ٣٥٥/١٠ - ٣٥٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٥٦/١٠.
(٣) حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) رقم (٣٧٥١ و٣٧٥٢).

٤٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ومقابله حديث أنس نظفيه: ((أن النبيّ وَّ كان لا يتنوّر، وكان إذا كثُر
شعره حلقه))، ولكن سنده ضعيف جدّاً؛ قاله في ((الفتح)) (١).
[تنبيه]: قال الحافظ العراقيّ تخّلهُ: الحكمة في اختصاص الإبط بالنتف،
والعانة بالحلق على وجه الأفضليّة أن الإبط محلّ الرائحة الكريهة، والنتفُ
يُضعف الشعر، فتخفّ الرائحة الكريهة، والحلق يكثّف الشعر، فتكثر فيه
الرائحة الكريهة. انتهى (٢).
[تنبيه آخر]: قال الحافظ العراقيّ تَخْذُ أيضاً: [فإن قيل]: قد قدّمتم الاتّفاق
على أن حلق العانة، وتقليم الأظفار سنّة، وليست بواجبة، فما وجه قوله وَلّ فيما
رواه أحمد في ((مسنده)) من حديث رجل من بني غفار: ((من لم يحلق عانته، ويقلّم
أظفاره، ويَجُزّ شاربه، فليس منّا))، وهذا يدلّ على وجوب هذه الأشياء؟ .
[أُجیب عنه]: بوجهین:
[أحدهما]: أن هذا لا يثبت؛ لأن في سنده ابن لَهِيعة، والكلام فيه
معروفٌ، وإنما يثبُت منه الأخذ من الشارب فقط، كما رواه الترمذيّ،
وصحّحه(٣)، والنسائيّ من حديث زيد بن أرقم، قال: سمعتُ رسول الله وعَظَل
يقول: ((من لم يأخذ من شاربه، فليس منّا)).
[والثاني]: أن المراد على تقدير ثبوته ليس على سنّتنا، وطريقتنا،
كقوله وَلّ: ((ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن))، فهذا هو المراد قطعاً. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: أما الحديث الأول، فهو ضعيف، لا يحتاج إلى
التأويل، وأما الحديث الثاني فهو صحيح، كما مرّ آنفاً، وهذا التأويل لا ينافي
الوجوب، فالقول بوجوب إحفاء الشوارب، كما هو مذهب ابن حزم، وبعض
طائفة هو الظاهر؛ لظاهر الأمر؛ إذ لا صارف له، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ٣٥٦/١٠.
(٢) ((طرح التثريب)) ٨٠/٢.
(٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذي في ((جامعه)) ٩٣/٥، والنسائيّ رقم (١٣)
و(٤٦٩١).
(٤) ((طرح التثريب)) ٨١/٢ - ٨٢.

٤٥١
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
(المسألة الحادية عشرة): في الكلام على تقليم الأظفار:
(اعلم): أن الحديث دلّ على العناية بإزالة ما طال من الظفر؛ لئلا يمنع
من تكميل الطهارة، وتحسيناً للهيئة؛ لأنه إذا طال ظفره يكون مشوّه الْخَلْق،
مشابهاً للحيوانات، وقد خَلَق الله رَ الإنسان في أحسن صورة، وأجمل
تركيب، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾ [التين: ٤]،
فينبغي المحافظة على هذه الصورة التي أحسن الله تعالى خلقها بإزالة ما أمر
الشارع بإزالته، وإبقاء ما أمر الله بإبقائه.
ولقد استحوذ الشيطان على بعض الناس، فزيّن لهم مخالفة أمر الله
تعالى، فيُطيلون أظفارهم، ويَحلقون لحاهم، ويوفّرون شواربهم، وهذا هو
طاعة الشيطان، ومخالفة هدي النبيّ وَّر، ومشابهة لأعداء الإسلام.
نسأل الله من أن يهدينا الصراط المستقيم، ويأخذ بأيدينا، وأيدي
إخواننا، ويردّنا إليه ردّاً جميلاً؛ بمنّه وكرمه آمين، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): في كيفيّة قصّ الأصابع:
قال في ((الفتح)): لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القصّ شيء من
الأحاديث، لكن جزم النوويّ في ((شرح مسلم)) بأنه يُستحبّ البداءة بمسبّحة
اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، وفي اليُسرى البداءة
بخنصرها إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي
اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مُستنداً، وقال في ((شرح
المهذّب)) بعد أن نَقَل عن الغزاليّ، وأن المازريّ اشتدّ إنكاره عليه فيه: لا بأس
بما قاله الغزاليّ إلا في تأخير إبهام اليمنى، فالأولى تقديم اليمنى بكمالها على
اليسرى، قال: وأما الحديث الذي ذكره الغزاليّ، فلا أصل له.
وقال ابن دقيق العيد تَخْلُهُ: يَحتاج من ادّعى استحباب تقديم اليد على
الرجل في القصّ إلى دليل، فإن الإطلاق يأبى ذلك.
قال الحافظ: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء، والجامع التنظيف،
وتوجيه البداء باليمنى؛ لحديث عائشة طيّا: ((كان يُعجبه التيمّن في طهوره
وترجّله، وفي شأنه كلّه))، والبداءة بالمسبّحة منها؛ لكونها أشرف الأصابع؛

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
لأنها آلة التشهّد، وأما إتباعها بالوسطى، فلأن غالب من يُقلّم أظفاره يقلمها من
قِبَل ظهر الكفّ، فتكون الوسطى جهةً يمينه، فيستمرّ إلى أن يَختِم بالخنصر، ثم
يكمّل اليد بقصّ الإبهام، وأما في اليسرى، فإذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمرّ
على جهة اليمين إلى الإبهام ... إلى آخر ما قاله الحافظ في ((الفتح))(١).
قال: وقد أنكر ابن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزاليّ، ومن تبعه،
وقال: كلُّ ذلك لا أصل له، وإحداث استحباب لا دليل عليه، وهو قبيح عندي
بالعالم، ولو تخيّل متخيّل أن البداءة بمسبّحة اليمنى من أجل شرفها، فبقيّة
الهيئة لا يُتخيّل فيه ذلك. نعم، البداءة بيمنى اليدين، ويُمنى الرجلين له أصل،
وهو (کان یُعجبه التیامن)).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن دقيق العيد تَخْذّتُهُ هو
التحقيق الذي لا يقتضي الدليل سواه؛ لأن الشارع لَمّا أمر بتقليم الأظفار أطلق
فيه، فتقييد إطلاقه بما لا يقتضيه نصّ آخر مما لا ينبغي؛ لأن للشارع في إطلاق
الأمر أحياناً حكمةً كما له في تقييدها في بعض الأحيان حكمةً، فالإنسان مخيّر
في فعل ما يسهل عليه، إلا أن اليمين له شرفٌ، كما دلّ عليه حديث عائشة ◌َّا
وغيره، فبداءته بيُمنى اليدين والرجلين مستحبّ، وما عدا ذلك من الكيفيّات التي
ذكرها الغزاليّ، وتبعه النوويّ، والعراقيّ، وأيّده صاحب ((الفتح))، فمما لا ينبغي
الالتفات إليه، حيث لا مستند لهم في ذلك من النصوص.
وكذلك ما ذكره الدمياطيّ أنه تلقَّى عن بعض المشايخ أن من قصّ أظفاره
مخالفاً لم يُصبه رَمَدٌ، وأنه جرّب ذلك مدّةً طويلةً، وأن أحمد نصّ على
استحباب قصّها مخالفاً، كما نقل ذلك كله في ((الفتح))، فمما لا يُلتفت إليه
أيضاً؛ لأنه لا أثارة عليه من النصوص، فالتجربة لا تكون مستنداً لتشريع
الأحكام، بل العمدة في ذلك كلّه هو النقل عمن لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ
﴾ [النجم: ٤]، نسأل الله تعالى أن يسلك بنا مسلك الاتّباع،
إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
ويُجنّبنا الابتداع، إنه وليّ ذلك آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) ((الفتح)) ٣٥٧/١٠ - ٣٥٨.

٤٥٣
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
[تنبيهات]:
(الأول): قال في ((الفتح)): لم يثبت في استحباب قصّ الظفر يوم
الخميس حديث، وقد أخرجه المستغفريّ بسند مجهول، ورويناه في ((مسلسلات
التيميّ)) من طريقه، قال: وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من
مرسل أبي جعفر الباقر، قال: ((كان رسول الله ◌َّ* يستحبّ أن يأخذ من
أظفاره، وشاربه يوم الجمعة))، وله شاهد موصول عن أبي هريرة بطولته، لكن
سنده ضعيف، أخرجه البيهقيّ أيضاً في ((الشعب)).
وسئل أحمد عنه، فقال: يُسنّ في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه يوم
الخميس، وعنه يتخيّر، وهذا هو المعتمد، فيستحبّ كيفما احتاج إليه.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اعتمده في ((الفتح)) من أن المستحبّ
كونه مخيّراً في ذلك هو الحقّ، فله أن يأخذ من أظفاره، وشاربه إذا احتاج إلى
ذلك؛ لعدم صحّة الدليل على تعيين وقت لذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(التنبيه الثاني): أنه استَحَبّ بعض أهل العلم دفن شعره وأظفاره؛ لكونها
أجزاء آدميّ، وفي سؤالات مُهّا عن أحمد: قلت له: يأخذ من شعره وأظفاره،
أيدفنه أم يُلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يَدفِنه،
ورُوي أن النبيّ ◌َ ل﴿ أمر بدفن الشعر والأظفار، وقال: لا يتلعب به سَحَرة بني
(٢)
آدم(٢).
وروى الخلّال عن أحمد أنه قال: يدفن الشعر والأظفار، وإن لم يفعل
لم نر به بأساً(٣) .
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث المذكور ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في
((الكبير)) (٤)، والبيهقيّ في ((الشعب))(٥)، قال البيهقيّ تَخْتُ بعد إخراجه بسنده:
(١) ((الفتح)) ٣٥٨/١٠.
(٣) ((الترجل)) ص١٩.
(٥) ((شعب الإيمان)) ٢٦٩/٢.
(٢) راجع ((الفتح)) ٣٥٨/١٠.
(٤) ((المعجم الكبير)) ٢٢/ ٧٣.

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
هذا إسناد ضعيف، وروي من أوجه كلّها ضعيفة. انتهى، وقد أجاد الشيخ
الألبانيّ تَخْذُ البحث فيه في ((الضعيفة))(١)، فراجعها تستفد.
والحاصل أنه لم يثبت في دفن الشعر والأظفار شيء، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(التنبيه الثالث): قال الحافظ العراقيّ تَخْتُهُ: يخيّر الذي يقلم أظفاره بين
أن يباشر ذلك بنفسه، وبين أن يقصّ له غيره، كقصّ الشارب سواءً؛ إذ لا
هتك حرمة في ذلك، ولا ترك مروءة، ولا سيّما من لا يُحسن قصّ أظفار يده
اليمنى، فإن كثيراً من الناس لا يتمكّن من قصّها؛ لعسر استعمال اليسار،
فالأولى في حقّه أن يتولّى له ذلك غيره؛ لئلا يجرح يده، أو يؤذيها. انتهى
كلام العراقيّ ◌َّتُهُ، وهو بحث جيّدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في نتف الإبط:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن نتف الإبط سنّة، وادّعى بعضهم الاتّفاق
عليه، لكن يَرِد عليه خلاف أبي بكر ابن العربيّ، فإنه أوجب الخصال الخمسة،
حيث قال في ((شرح الموطأ)): والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في
هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة
الآدميين، فكيف من جملة المسلمين!، واستغربه الحافظ في ((الفتح))، وقال:
وتعقّبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الْخَلْق، وهي
النظافة، لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها، اكتفاءً بدواعي الأنفس،
(٢)
فمجرّد الندب إليها كاف. انتهى
قال الحافظ العراقيّ كَّتُهُ: ويتأدّى أصل السنّة بإزالته بأيّ وجه كان من
الحلق، والقصّ، والنورة.
قال في ((الفتح)): ولا سيّما من يؤلمه النتف، وقد أخرج ابن أبي حاتم
في ((مناقب الشافعيّ)) تَُّ، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلتُ على
الشافعيّ، ورجلٌ يحلق إبطه، فقال: إني علمت أن السنّة النتف، ولكن لا
(١) ((السلسلة الضعيفة)) ٣٨٠/٥ - ٣٨٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٥٢/١٠.

٤٥٥
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
أقوى على الوجع، قال الغزاليّ: هو في الابتداء مُوجعٌ، ولكن يسهل على من
اعتاده، قال: والحلق كافٍ؛ لأن المقصود النظافة.
وتُعُقِّب بأن الحكمة في نتفه أنه محلّ للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك
من الوسخ يجتمع بالعرق فيه، فيتلبّد، ويهيج، فشُرع فيه النتف الذي يُضعفه،
فتخفّ الرائحة به، بخلاف الحلق، فإنه يقوّي الشعر، ويهيجه، فتكثر الرائحة
لذلك.
وقال ابن دقيق العيد كَّتُهُ: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر
إلى المعنى أجازه بكلّ مزيل، لكن بُيِّنَ أن النتف مقصود من جهة المعنى،
فذكر نحو ما تقدّم، قال: وهو معنى ظاهر، لا يُهْمَلُ؛ فإن مَوْرِد النصّ إذا
احتَمَل معنى مناسباً يحتمل أن يكون مقصوداً في الحكم لا يُترَكُ، والذي يقوم
مقام النتف في ذلك النورة، لكنه يُرِقّ الجلد، فقد يتأذّى صاحبه به، ولا سيّما
إن کان جلده رقيقاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مراعاة مورد النصّ هو الحقّ، كما
أشار إليه ابن دقيق العيد نَّثُهُ، فلا ينبغي استعمال غير النتف إلا عند الحاجة،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: يُستحبّ الابتداء بالإبط الأيمن؛ لحديث: ((كان يُعجبه التيمّن في
تنعّله، وترجّله، وطهوره، وفي شأنه كلّه))، متّفقٌ عليه، وكذلك يستحبّ أن يبدأ
في قصّ الشارب بالجانب الأيمن؛ للحديث المذكور(٢).
وقد ذكرت في ((شرح النسائيّ)» فوائد أُخر، فراجعه تستفد، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم قصّ الشارب:
(اعلم): أنه اختَلَف العلماء في الشارب هل يُحلق، أو يُقصّ؟، فذهب
كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه؛ لظاهر قوله: ((أحفوا، وأنهكوا))، وهو
قول الكوفيين.
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وإليه ذهب مالك، وكان
(١) راجع ((الفتح)) ٣٥٦/١٠ - ٣٥٧.
(٢) راجع ((نيل الأوطار)) ١/ ١٦٨.

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
يرى تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشارب مُثلة.
وقال في ((الفتح)): وأما القصّ فهو الذي في أكثر الأحاديث، قال: وورد
الخبر بلفظ الحلق، وهي رواية النسائيّ، عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن
سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، ورواه جمهور
أصحاب ابن عيينة بلفظ القصّ، وكذا سائر الروايات عن شيخه الزهريّ، ووقع
عند النسائيّ، من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة نظرته بلفظ تقصير
الشارب. نعم وقع الأمر بما يُشعِر بأن رواية الحلق محفوظة، كحديث العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ: ((جُزُّوا الشوارب))،
وحديث ابن عمر بلفظ: ((أحفوا الشوارب))، وبلفظ: ((أنهكوا الشوارب)).
فكلُّ هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الْجَزّ،
وهو بالجيم والزاي الثقيلة: قصّ الشعر، والصوف إلى أن يبلغ الجلد،
والإحفاء بالمهملة والفاء: الاستقصاء، ومنه: ((حتى أحفوه بالمسألة)).
قال أبو عبيد الهرويّ: معناه: أَلْزِقُوا الْجَزَّ بالبشرة.
وقال الخطابيّ: هو بمعنى الاستقصاء، والنهكُ بالنون والكاف: المبالغة
في الإزالة، ومنه قوله ◌َ﴿ للخافضة: ((أَشِمِّي، ولا تُنْهِكي)): أي لا تبالغي في
ختان المرأة، وجرى على ذلك أهل اللغة.
وقال ابن بطال: النهك التأثير في الشيء، وهو غير الاستئصال.
قال النوويّ: المختار في قصّ الشارب، أنه يقصه حتى يبدو طرف
الشفة، ولا يُخْفِه من أصله، وأما رواية: ((أحفوا))، فمعناها: أزيلوا ما طال
على الشفتين.
قال ابن دقيق العيد: ما أدري، هل نقله عن المذهب، أو قاله اختياراً
منه لمذهب مالك؟.
قال الحافظ: قلت: صَرَّح في ((شرح المهذَّب)) بأن هذا مذهبنا.
وقال الطحاويّ: لم أَرَ عن الشافعيّ في ذلك شيئاً منصوصاً، وأصحابه
الذين رأيناهم، كالْمُزَنيّ، والربيع، كانوا يُحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا
عنه .
وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير.

٤٥٧
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
وقال ابن القاسم عن مالك: إحفاء الشارب عندي مثلة، والمراد
بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين، وقال أشهب:
سألت مالكاً عمن يحفي شاربه؟ فقال: أرى أن يوجع ضرباً، وقال لمن يحلق
شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس. انتهى.
وأغرب ابن العربيّ، فنقل عن الشافعي أنه يَستَحِبّ حلق الشارب، وليس
ذلك معروفاً عند أصحابه.
قال الطحاويّ: الحلق هو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد.
انتھی .
وقال الأثرم: كان أحمد يُحفي شاربه إحفاء شديداً، ونصَّ على أنه أولى
من القصّ.
وقال القرطبيّ: وقصُّ الشارب أن يأخذ ما طال على الشفة، بحيث لا
يؤذي الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ، قال: والْجَزّ، والإحفاء هو القص
المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك، قال: وذهب الكوفيون إلى أنه
الاستئصال، وبعض العلماء إلى التخيير في ذلك.
قال الحافظ: هو الطبريّ، فإنه حَكَى قول مالك، وقول الكوفيين، ونقل
عن أهل اللغة أن الإحفاء الاستئصال، ثم قال: دلّت السنة على الأمرين، ولا
تعارض، فإن القصّ يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل،
وكلاهما ثابت، فيتخير فيما شاء.
وقال ابن عبد البرّ: الإحفاء مُحْتَمِلٌ لأخذ الكل، والقصّ مفسَّرُ المراد،
والمفسَّر مُقَدَّم على الَمُجْمَل. انتهى(١).
قال الحافظ: ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معاً في الأحاديث
المرفوعة، فأما الاقتصار على القصّ، ففي حديث المغيرة بن شعبة نظريته قال:
ضِفْتُ النبيّ وََّ، وكان شاربي وَفَى، فقصّه على سواك، أخرجه أبو داود.
(١) واعترضه الصنعانيّ في ((العدّة)) (٣٤٦/١) بأن هذا ترجيح لمذهب مالك، وأن
قوله: ((إن الإحفاء محتمل لأخذ الكلّ)) عبارة غير جيّدة؛ إذ هو ظاهر في أخذ
الكلّ. انتهى.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
واختُلِف في المراد بقوله: ((على سواك))، فالراجح أنه وَضَعَ سواكاً عند
الشفة تحت الشعر، وأخذ الشعر بالمقصّ، وقيل: المعنى قصَّه على أثر سواك،
أي بعدما تسوك، ويؤيد الأول ما أخرجه البيهقيّ في هذا الحديث، قال فيه:
فوضع السواك تحت الشارب، وقَصَّ عليه.
وأخرج البزار، من حديث عائشة غيّا أن النبيّ وَلّ أبصر رجلاً، فقال:
(ائتوني بِمِقَصّ وسواك)) فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوزه.
وأخرج الترمذيّ، من حديث ابن عباس رضيًّا، وحسّنه: ((كان النبيّ
یقُصّ شاربه)).
وأخرج البيهقيّ، والطبرانيّ من طريق شُرَحبيل بن مسلم الخولانيّ، قال:
رأيت خمسةً من أصحاب رسول الله وَ له يقُصّون شواربهم: أبو أمامة الباهليّ،
والمقدام بن معدي كرب الكِنْديّ، وعتبة بن عوف السّلَميّ، والحجاج بن عامر
الثُّمَاليّ، وعبد الله بن بُسْر.
وأما الإحفاء، ففي رواية ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عمر طها،
قال: ذَكَرَ رسول الله وَ ◌ّ المجوسَ، فقال: ((إنهم يُوفُون سِبَالهم، ويَحلِقون
لحاهم، فخالفوهم))، قال: فكان ابن عمر يستقرض سَبَلته، فيجزُّها كما يجز
الشاة، أو البعير، أخرجه الطبريّ، والبيهقيّ، وأخرجا من طريق عبد الله بن
أبي رافع، قال: رأيت أبا سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله، وابن عمر،
ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاريّ، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع: يُنهِكون
شواربهم، كالحلق، لفظ الطبريّ، وفي رواية البيهقيّ: يقصون شواربهم، مع
طرف الشفة، وأخرج الطبريّ من طرق، عن عروة، وسالم، والقاسم، وأبي
سلمة، أنهم كانوا يَحلِقون شواربهم. وعلّق البخاريّ أثر ابن عمر ظنّها أنه كان
يُحفي شاربه، حتى يُنظر إلى بياض الجلد، ويأخذ هذين - يعني بين الشارب
واللحية -. انتهى.
قال الحافظ: لكن كلُّ ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر
النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من
أعلاها، ولا يستوعب بقيتها، نظراً إلى المعنى في مشروعية ذلك، وهو مخالفة
المجوس، والأمن من التشويش على الآكل، وبقاء زُهومة المأكول فيه، وكل

٤٥٩
(١٦) - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ - حديث رقم (٦٠٣)
ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك،
وبذلك جزم الداوديّ في شرح أثر ابن عمر المذكور، وهو مقتضى تصرف
البخاريّ؛ لأنه أورد أثر ابن عمر، وأورد بعده حديثه، وحديث أبي هريرة، في
قص الشارب، فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث.
وعن الشعبي أنه كان يقصّ شاربه حتى يَظهر حرف الشفة العلياء، وما
قاربه من أعلاه، ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من
جانبي الفم، ولا يزيد على ذلك، وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار.
وقد أبدى ابن العربيّ لتخفيف شعر الشارب معنى لطيفاً، فقال: إن الماء
النازل من الأنف، يتلبد به الشعر؛ لما فيه من اللزوجة، ويعسر تنقيته عند
غسله، وهو بإزاء حاسّة شريفة، وهي الشمّ، فشُرِع تخفيفه؛ ليتم الجمال،
والمنفعة به .
قال الحافظ: وذلك يحصل بتخفيفه، ولا يستلزم إحفاءه، وإن كان أبلغ.
وقد رجّح الطحاويّ الحلق على القصّ بتفضيله وَّر الحلق على التقصير
في النسك، ووهَى ابن التين الحلق بقوله وَله: ((ليس منا من حَلَق))، وكلاهما
احتجاج بالخبر في غير ما ورد فيه، ولا سيما الثاني.
ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربيّ مشروعية تنظيف داخل الأنف، وأخذ
شعره إذا طال، والله أعلم.
وقد رَوَى مالك عن زيد بن أسلم، أن عمر ◌ُّه كان إذا غَضِب فَتَل
شاربه، فدل على أنه كان يوفِّره، وحَكَى ابن دقيق العيد عن بعض الحنفية أنه
قال: لا بأس بإبقاء الشوارب في الحرب إرهاباً للعدوّ، وزَيَّفَه. انتهى ما في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل من مجموع ما سبق من أقوال أهل
العلم، وعمل السلف، من الصحابة، والتابعين، واستعراض أدلتهم أن أرجح
الأقوال قول من قال بالتخيير؛ لثبوت الأحاديث في الأمرين، فيختار المكلّف
أيهما شاء، ولذا قال بعض المحقّقين: ينبغي لمن يريد المحافظة على السنن أن
(١) ((الفتح)) ٣٦٠/١٠.

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
يستعمل هذا مرّة، وهذا مرّةً، فيكون قد عمل بكلّ ما ورد، وهو تحقيقٌ حسنٌ
جدّاً .
وقد ذكرت في ((شرح النسائيّ)) فوائد، وتحقيقات، فراجعها تستفد، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٠٤] (.) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ(١)، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الإِخْتِتَانُ، وَالإِسْتِحْدَادُ،
وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ
[١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٠٥] (٢٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا أبو الطاهر)).