Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٤)
غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا
غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا
مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه
خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه - قال : - ثم
كان مشيه إلى المسجد، وصلاته نافلة له)).
وهذا مرسل صحيح الإسناد، وقوله: ((عن عبد الله الصُّنَابحيّ)) الصواب -
كما قال ابن عبد البرّ - عن أبي عبد الله الصنابحيّ، واسمه عبد الرحمن بن
عُسيلة، وهو تابعيّ، وروايته هذه مرسلة، إلا أن حديث عمرو بن عبسة نظر اته
الذي سيأتي للمصنّف یشهد له، فیصحّ به.
قال القرطبيّ تَخْتُ: استدلّ بحديث الصنابحيّ بعض أصحابنا على صحّة
قول مالك: الأذنان من الرأس، ولم يُرد مالك بذلك أن الأذنين من الرأس،
بدليل أنه لم يُختلف عنه أنهما يُمسحان بماء جديد، وأن من تركهما حتى صلّى
لم تلزمه إعادة، وإنما أراد أن الأذنين يُمسحان كما يُمسح الرأس، لا أنهما
يُغسلان كما يُغسل الوجه؛ تحرّزاً مما يُحكى عن ابن شهاب أنه قال: إن ما
أقبل منهما على الوجه هو من الوجه، فيُغسل معه، وما يلي الرأس هو من
الرأس، فيُمسح معه. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كون الأذنين من الرأس هو المذهب الصحيح؛
لحديث الصُّنَابحيّ المذكور، وأما حديث: ((الأذنان من الرأس))، فضعيف، لا
يصلح للاحتجاج به، وإن صححه بعضهم لتعدد طرقه، وقد حقّقت المسألة في
(شرح النسائيّ)) (٢)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٨٤] (٢٤٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام
ء
(١) ((المفهم)) ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٢) ((ذخيرة العقبى)) ٣٧٨/٢ - ٣٨١.

٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُنْكَدِرِ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّنَّهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ،
فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ) هو: محمد بن معمر بن رِبْعِيّ
الْقَيْسيّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بالْبَحْرَانيّ - بالموحّدة، والمهملة -
صدوقٌ، من کبار [١١].
رَوَى عن رَوْحِ بن عُبَادة، وأبي هشام المخزوميّ، ومحمد بن بَكْر
الْبُرْسانيّ، وأبي عامر الْعَقَديّ، وأبي عاصم، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ،
ومحمد بن كثير العبديّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، وأحمد بن منصور الرَّمَاديّ، وابن أبي عاصم، وأبو
حاتم، والبزار، وابن ناجية، وإبراهيم بن أبي طالب، وابن خزيمة، وزكرياء
الساجيّ، وابن أبي داود، وابن صاعد، وآخرون.
قال أبو داود: ليس به بأسٌ، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرّةً: لا
بأس به، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال البزار: ثنا محمد بن معمر، وكان من
خيار عباد الله، وقال الخطيب: ثقةٌ، وقال مسلمة: لا بأس به، وقال أبو
عروبة: كبيرٌ من أهل الصناعة، ذكره ابن عديّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: مات بعد سنة خمسين ومائتين.
روى عنه الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم
(٢٤٥) و(٥٧٩) و(١٢١٦) و(٢٣٥٩)(١).
(١) هذا هو الذي سُجّل في برنامج الحديث (صخر)، وكذا سجّل أن البخاريّ روى
عنه ثلاثة أحاديث فقط، وهذا مخالف لما نقله في ((تهذيب التهذيب)) (٧٠٦/٣)
عن ((الزهرة)) من أن البخاريّ روى عنه أربعة أحاديث، ومسلماً روى عنه ثمانية،
والذي يترجح عندي أن ما في البرنامج هو الصواب؛ لأنه لا يلتبس بغيره حتى
نظنّ ذلك؛ لأنه لا يوجد في (الصحيحين)) من يسمّى بمحمد بن معمر غيره، فتفطّن
لهذا، فإنه دقيق، والله تعالى أعلم.

(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٤)
٣٠٣
٢ - (أَبُو هِشَام الْمَخْزُومِيُّ) هو: المغيرة بن سلمة المخزوميّ، أبو
هشام القرشيّ البصرَّيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن مَهْديّ بن ميمون، ووهيب، وأبان العطار، وسليمان بن
المغيرة، وسعيد بن زيد، والربيع بن مسلم الْجُمَحيّ، وعبد الواحد بن زياد،
وأبي عوانة، وغيرهم.
وروى عنه علي بن المدينيّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو موسى، وبُندار،
وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وعباس العنبريّ، ومحمد بن عبد الله بن المبارك
الْمُخَرِّميّ، ومحمد بن معمر البحرانيّ.
قال علي بن المدينيّ: كان ثقةً، وقال أيضاً: ما رأيت قرشيّاً أفضل منه،
ولا أشدّ تواضعاً، وأخبرني بعض جيرانه أنه كان يصلي طول الليل، وقال
يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتاً، وقال عليّ بن الحسين بن الجنيد، والنسائيّ:
ثقةٌ، وقال ابن قانع: ثقةٌ مأمونٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال البخاريّ، وابن قانع: مات سنة مائتين.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن
ماجه، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثاً.
[تنبيه]: قوله: (أبو هشام) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في جميع
الأصول التي ببلادنا، ((أبو هشام))، وهو الصواب، وكذا حكاه القاضي
عياض تَخْتُ عن بعض رواتهم، قال: ووقع لأكثر الرواة: ((أبو هاشم))، قال:
والصواب الأول. انتهى(١).
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبديّ مولاهم، أبو بِشْر، وقيل: أبو عبيدة
البصريّ، أحد الأعلام، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن أبي إسحاق الشيبانيّ، وعاصم الأحول، والأعمش، وأبي
مالك الأشجعيّ، ويزيد بن أبي بردة، وأيوب بن عائذ، وإسماعيل بن سُمَيع،
والحسن بن عبيد الله، وحبيب بن أبي عمرة، والْجُرَيريّ، وصالح بن صالح بن
حيّ، وغيرهم.
(١) (شرح النوويّ)) ١٣٣/٣، و((إكمال المعلم)) ٤٢/٢.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ورَوَى عنه ابن مهديّ، وعفّان، وعارم، ويونس بن محمد، وموسى بن
إسماعيل، وقيس بن حفص، وأبو بكر بن أبي الأسود، ويحيى بن يحيى
النيسابوريّ، وأبو كامل، فضيل بن حسين الْجَحْدريّ، وقتيبة بن سعيد،
وغيرهم.
قال معاوية بن صالح، عن محمد بن عبد الملك: قلت لابن معين: من
أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: بعد شعبة، وسفيان، أبو معاوية، وبعده
عبد الواحد، وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى: عبد الواحد أحبّ إليك، أو
أبو عوانة؟ قال: أبو عوانة أحبّ إليّ، وعبد الواحد ثقةٌ، وقال صالح بن
أحمد، عن عليّ بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت
عبد الواحد بن زياد يطلب حديثاً قط بالبصرة، ولا بالكوفة، وكنا نجلس على
بابه يوم الجمعة بعد الصلاة، أذاكره حديث الأعمش، فلا يعرف منه حرفاً .
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة، بل
ثبوته عن يحيى محلّ نظر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن سعد: كان يُعرَف بالثقفيّ، وهو مولى لعبد القيس، وكان ثقةً
كثير الحديث، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ،
وقال أبو داود: ثقةٌ عَمَدَ إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش، فوصلها، وقال
العجليّ: بصريّ ثقةٌ، حسن الحديث، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال ابن عبد البر: أجمعوا أنه لا خلاف بينهم أن
عبد الواحد بن زياد ثقةٌ، وقال ابن القطان الفاسيّ: ثقةٌ لم يُعْتَلّ عليه بقادح.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه النصوص من هؤلاء الأئمة في توثيق
عبد الواحد، تُبيّن أن ما تقدّم عن يحيى القطّان إما لا يصحّ عنه، أو فيه مبالغة
وتعنّتٌ، وكذلك قول أبي داود: ثقةٌ عَمَد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش،
فوصلها، قول متناقض، كيف يكون ثقة، وهو يتعمّد في وصل ما أرسله شيخه،
ألا يكون هذا كذباً على شيخه؟، إن هذا لشيء عُجاب، وبالجملة إن
عبد الواحد ثقة حجة، ولم يتكلّم عليه من تكلّم بشيء معتبر قادح، كما قال
الحافظ ابن القطّان الفاسيّ تَُّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تقلّد ذوي الاعتساف،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٣٠٥
(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٤)
قال عمرو بن عليّ، وغيره: مات سنة ست وسبعين ومائة، وقال أحمد:
مات سنة (١٧٧)، وقال البخاريّ، عن محمد بن محبوب: مات سنة (١٧٩).
وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثاً.
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عَبّاد بن حُنَيف - بالحاء المهملة، والنون،
مصغّراً - الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، الأَخْلافيّ(١)،
ثقةٌ [٥].
رَوَى عن عم أبيه، أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وجدته الرَّبَاب،
وعبد الله بن سَرْجِس، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ،
وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن
جبير، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، ومحمد بن
المنكدر، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، وعبد الواحد بن زياد، وعيسى بن يونس، وهشیم،
وزهير بن معاوية، وشريك، ومروان بن معاوية، وعليّ بن مُسهِر، ويحيى بن
سعيد الأمويّ، وغيرهم.
قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو عشرين حديثاً، وقال أبو طالب، عن
أحمد: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ،
وقال أبو زرعة: صالحٌ، وقال أبو سعيد الأشجّ، عن أبي خالد الأحمر:
سمعت أوثق أهل الكوفة، وأعبدهم، عثمانَ بنَ حكيم، ووثقه العجليّ، وابن
نمير، ويعقوب بن شيبة، وابن سعد، وغيرهم، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وأَرّخ ابن قانع وفاته سنة (١٣٨)، وقال خليفة في الطبقة الخامسة من
أهل الكوفة: مات قبل الأربعين ومائة.
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب
(١٠) أحاديث.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرٍ) بن عبد الله بن الْهُدَير - مصغّراً - ابن
(١) ((الأَحْلافيّ)) بفتح الهمزة، بعدها حاء مهملة، آخره فاء بوزن الأوزاعيّ: نسبة إلى
الأحلاف بطنٌ من كلب. انتهى ((لب اللباب)) ٤٠/١.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
عبد الْعُزّى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تَيْم بن مُرّة التيميّ
المدنيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر، ثقة فاضل [٣].
رَوَى عن أبيه، وعمه ربيعة وله صحبة، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي
أيوب، وربيعة بن عباد، وسفينة، وأبي قتادة، وأنس، وجابر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: يوسف، والمنكدر، وابن أخيه إبراهيم بن أبي بكر بن
المنكدر، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، والزهري، وَهُمْ من أقرانه،
وشعبة، والثوريّ، وأبو عوانة، وابن عيينة، وآخرون.
قال إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع
إليه الصالحون، ولم نُذْرِك أحداً أجدر أن يَقْبَل الناسُ منه إذا قال: قال
رسول الله وَ﴿ منه. وقال ابن عيينة أيضاً: ما رأيت أحداً أجدر أن يقول: قال
رسول الله وَ﴾، ولا يُسأل عمن هو من ابن المنكدر، يعني لتحريه. وقال
الحميديّ: ابن المنكدر حافظ. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال
الترمذي: سألت محمداً: سمع محمد بن المنكدر من عائشة؟ قال: نعم.
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من سادات القراء. قال الواقدي
وغيره: مات سنة ثلاثين، وقال البخاري عن هارون بن محمد الْفَرْوِيّ: مات
سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقال ابن المديني عن أبيه: بلغ ستاً وسبعين سنة.
قال الحافظ: فيكون مولده على هذا قبل سنة ستين بيسير، فتكون روايته
عن عائشة، وأبي هريرة، وعن أبي أيوب الأنصاري، وأبي قتادة، وسفينة،
ونحوهم مرسلة. وقد قال ابن معين، وأبو بكر البزار: لم يَسْمَع من أبي
هريرة. وقال أبو زرعة: لم يلقه، وإذا كان كذلك فلم يَلْقَ عائشة؛ لأنها ماتت
قبله. وأخرج ابن سعد من طريق أبي معشر قال: دخل المنكدر على
عائشة حيّا، فقال: إني قد أصابتني جائحة، فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء،
لو كان عندي عشرة آلاف لبعثت بها إليك، فلما خرج من عندها جاءتها عشرة
آلاف من عند خالد بن أسد، فقالت: ما أوشك ما ابتُليتُ ثم أرسلت في إثره،
فدفعتها إليه، فدخل السوق فاشترى جارية بألف درهم، فولدت له ثلاثة،
فكانوا عُبّاد أهل المدينة: محمد، وأبو بكر، وعمر، وإذا كان كذلك فلم يَلْقَ
عائشة؛ لأنها ماتت قبله. وقال الواقديّ: كان ثقة، وَرِعاً عابداً، قليل

٣٠٧
(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٤)
الحديث، يُكثر الإسناد عن جابر. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال
الشافعي في مناظرته مع عشرة: فقلت: ومحمد بن المنكدر عندكم غاية في
الثقة؟ قال: أجل وفي الفضل. وقال يعقوب بن شيبة: صحيح الحديث جدّاً.
وقال إبراهيم بن المنذر: غاية في الحفظ والإتقان والزهد، حجة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثاً.
٦ - (حُمْرَانَ) بن أبان، مولى عثمان بن عفّان، اشتراه زمن أبي بكر
الصدّيق ◌َّته، ثقةٌ [٢] (ت٧٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٤/١٠.
٧ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ
الخليفة الراشد رظه، استُشهِد في ذي الحجة سنة (٣٥) ومدة خلافته
مضرعنه
(١٢) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عثمان بن
حكيم، والباقون بصريّون، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة،
وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
بعض: عثمان، عن ابن المنكدر، عن حمران.
وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم من شرح الأحاديث السابقة
وقوله: (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) تقدّم أن معنى إحسان الوضوء هو تكميله
بمراعاة واجباته، ومستحبّاته.
وقوله: (خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ) هذا يدلّ أن الوضوء يكفّر ذنوب
جميع الجسد، ولا يختصّ بأعضاء الوضوء فقط، وقد تقدّم توجيه ذلك في
الحديث الماضي، فلا تكن من الغافلين.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ظُبه هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٨٤/١١] (٢٤٥)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٦٦/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦١٥ و٦١٦)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٥٧٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٨٥] (٢٤٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ
زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ، قَالَ:
رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوَءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى
أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ (١)، ثُمَّ
غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ
فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا (٢) رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ
اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور قبل بابين.
٢ - (الْقَاسِمُ بَّنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ) الْقُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
وربّما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد،
ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٤ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ،
صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
(١) وفي نسخة: («ثم مسح برأسه)).
-
(٢) وفي نسخة: ((ثم قال لي: هكذا)).

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٥)
٣٠٩
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٦٠/١٤.
٦ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ) هو: عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ - بفتح الغين
المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانيّة ثقيلة - ابن الحارث بن عمرو بن غَزِيّة بن
عمرو بن ثعلبة بن خَنْساء بن مَبْذُول بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ
المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦].
رَوَى عن أنس بن مالك، وأبيه غَزِيّة بن الحارث، وعباس بن سهل بن
سعد، وأبي الزبير، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وحبيب بن عبد الرحمن،
وشُرَحبيل بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ونُعيم المجمر، ويحيى بن
عُمَارة بن أبي حسن، وغيرهم.
وروى عنه سليمان بن بلال، وعمرو بن الحارث، ووُهيب بن خالد،
ويحيى بن أيوب المصريّ، ويونس بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي الرجال،
وبكر بن مضر، وسعيد بن أبي هلال، وزهير بن معاوية، والدَّرَاوَرْديّ،
وعبيدة بن حُمَيد، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفَضَّل، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال يحيى بن معين: صالحٌ، وقال أبو
حاتم: ما بحديثه بأسٌ، كان صدوقاً، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال
الْبَرْقانيّ، عن الدار قطنيّ: لم يَلْحَق عُمارةُ بنُ غَزِيّة أنساً، وهو ثقةٌ، وكذا قال
الترمذيّ: لم يَلْقَ أنساً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في أتباع التابعين، وقال
العجليّ: أنصاريّ ثقةٌ، وذكره العقيليّ في ((الضعفاء))، فلم يورد شيئاً يدلّ على
وَهْنه، وقال ابن حزم: ضعيفٌ، قال الحافظ: وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ
فيما قرأتُ بخطّه: ما علمت أحداً ضعّفه غيره، ولهذا قال عبد الحقّ: ضعّفه
المتأخرون، ولم يقل العقيليّ فيه شيئاً، سوى قول ابن عيينة: جالسته كم من
مرة، فلم نحفظ عنه شيئاً، فهذا تَغَفُّلٌ من العقيليّ؛ إذ ظنّ أن هذه العبارة
تَلْبِينٌ، لا والله. انتهى(١).
وقال محمد بن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، توفي سنة أربعين ومائة.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢١٢/٣ - ٢١٣.

٣١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب
(١٢) حديثاً .
٧ - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) المدنيّ، مولى آل عمر، ثقةٌ [٣] (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٥.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) بَظ ◌ُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخْتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
قَرَنَ بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، والباقون كوفيّون، سوى
عبد بن حميد، فكسّيّ، نسبة إلى ((كِسّ)) بكسر الكاف، وتشديد السين المهملة،
وينطق بها الناس: بالفتح، والشين المعجمة: مدينة بما وراء النهر(١).
٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء أحد مشايخ الستّة دون واسطة،
كما مرّ قريباً.
٤ - (ومنها): أن نعيم بن عبد الله يقال له: ((الْمُجْمِر)) - بضم الميم
الأولى، وإسكان الجيم، وكسر الميم الثانية - ويقال: ((الْمُجَمِّر)) - بفتح الجيم،
وتشديد الميم الثانية المكسورة - وقيل له ذلك؛ لأنه كان يُجَمِّر مسجد
رسول الله وَل ◌ُ أي يُبَخِّره كأبيه، فهو صفة لهما معاً على الصحيح، وذكر النوويّ
في ((شرحه))(٢) أن وصف عبد الله بذلك حقيقةٌ، ووصف ابنه نعيم به مجازٌ،
فتعقّبه في ((الفتح)) بأنه قد جزم الحربيّ بأن نُعيماً كان يُباشر ذلك(٣)، والله أعلم.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة تظله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نُعَيْمِ) بضم النون، مصغّراً (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) تقدّم آنفاً أنه
(١) راجع (لُبّ اللباب)) ٢٠٨/٢.
(٣) راجع ((الفتح)) ٢٨٤/١.
(٢) راجع ((شرح النوويّ)) ١٣٤/٣.

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٥)
٣١١
بصيغة اسم الفاعل من الإجمار، أو من التجمير، وأنه يوصف به نعيم وأبوه
على الحقيقة (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ) جملة في محلّ نصب على الحال
من المفعول، وفي رواية البخاريّ من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم
المجمِر قال: ((رَقِيتُ(١) مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ)) (فَغَسَلَ
وَجْهَهُ) هذا تفسير وتفصيل لـ((توضّأ)) (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أي أكمل غسل وجهه
باستيعاب محلّ الفرض، ومجاوزته، وأنقاه بإبلاغ الماء (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى،
حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ) أي أدخل الغسل فيه، وهو: ما بين المرفق والكتف،
قال الفيّوميّ كَُّ: فيه خمس لغات: بفتح، فضمّ، وِزانُ رَجُلٍ، ويضمّتين في
لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن، في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ
عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، ومثالُ كَبِد، في لغة بني أسد، ومثالُ فَلْسٍ، في لغة بني
تميم، وبَكْرٍ، والخامسةُ وزانُ قُفْلٍ، قال أبو زيد: أهل تِهَامة يُؤنّثون الْعَصُدَ،
وبنو تميم يُذكِّرونه، والجمع أَعْضُدَ، وأَعضَاد، مثلُ أَفْلُس وأَقْفَال. انتهى(٢).
قال الإمام ابن دقيق العيد كَّتُهُ: قوله: أشرع)» قال بعضهم: المعروف
شَرَع، وقد حُكِي فيه: شَرَع، وأشرع.
ووقع في ((مستخرج أبي نعيم)) بلفظ ((أسبغ)) في المواضع الثلاثة(٣).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((حتى أشرع)) رباعيّ: أي مدّ يده بالغسل إلى
العضد، وكذلك قوله: ((حتى أشرع في الساق)): أي مدّ يده إليه، من قولهم:
(١) بكسر القاف: أي صَعِدت.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤١٥/٢.
(٣) نصّ ((المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم)) ٣٠٧/١ :
(٥٧٧) حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو الأحمسيّ، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا
يحيى بن عبد الحميد، ثنا سليمان بن بلال، وعبد العزيز، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن
نعيم بن عبد الله المجمر، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، وأسبغ
وضوءه، ثم غسل يده اليمنى حتى أسبغ كذا في العضد، ويده اليسرى حتى أسبغ
كذا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أسبغ في الساق، ثم اليسرى
كذلك، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَ له يتوضأ، ثم قال: قال رسول الله وَل:
((أنتم الغر المحجلون يوم القيامة، فمن استطاع منكم، فليطل بغرّته وتحجيله)).
انتھی.

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
أشرعت الرُّمْحَ قِبَلَهُ: أي مددته إليه، وسدَّدته نحوَهُ، وأشرعَ باباً إلى الطريق:
أي فتحه مُسَدِّداً إليه، وليس هذا مِن شَرَعتُ في هذا الأمر، ولا مِن شَرَعَتِ
الدوابُّ في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثيّ، وذاك رباعيّ.
قال: وكان أبو هريرة ◌َّه يبلُغ بالوضوء إِبطيه، وساقيه، وهذا الفعل منه
مذهبٌ له، ومما انفرد به، ولم يَحْكه عن النبيّ ◌َّ فعلاً، وإنما استنبطه من
قوله وَله: ((أنتم الْغُرّ الْمُحَجَّلون))، ومن قوله بَله: «تبلُغُ حِلْية المؤمن حيثُ يبلغ
منه الوضوء))، قال أبو الفضل عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وأن
لا يُتَعدَّى بالوضوء حدوده؛ لقوله ◌َّ: ((فمن زاد، فقد تعدّى وظلم)).
قال: والإشراع المرويّ عن النبيّ وَّر من حديث أبي هريرة محمول على
استيعاب المرفقين، والكعبين بالغسل، وعَبَّر عنه بالإشراع في العضد والساق؛
لأنهما مباديهما، وتطويل الغرّة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكلّ صلاة
وإدامته، فتطول غرّته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نور أعضائه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه القرطبيّ من نفيه رفع
الحديث إلى النبيّ وَّ﴾، وأنه من مذهب أبي هريرة، ولم يحكه عن النبيّ وَلـ
عجيبٌ منه، فما الذي حمله على هذا، وقد ثبت في نفس الحديث هذا ما
يُبطل زعمه، حيث قال أبو هريرة ظُبه: ((هكذا رأيت رسول الله وَ ل﴾ يتوضّأ))،
فقد نصّ وصرّح بكونه نقله عنه ◌َالهند .
وأما قول عياض: والناس مجمعون على خلافه، فدعوى عاطلة من
الصحّة؛ إذ سيأتي ما يردّه عن ابن عمر، وبعض السلف.
ومن غريب صنيع القرطبيّ بعد أن نفى نقل أبي هريرة له عن النبيّ تَّ،
قوله: ((والإشراع المرويّ عن أبي هريرة، عن النبيّ وَله .. إلخ))، أليس هذا من
التناقض؟، ثم الأعجب بعد هذا التناقض تأويله الإشراع في العضد والساق بأن
المراد استيعاب المرفق والكعب، يعني أنه ليس هناك إشراع حقيقي في العضد،
والساق، وإنما هو من باب المبالغة، وأنه وَّ لم يُجاوز المرفق والكعب،
وهذا كلّه عجيب غريبٌ من مثل القرطبيّ.
(١) ((المفهم)) ١ /٤٩٨ - ٤٩٩.

٣١٣
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٥)
والحقّ أن أبا هريرة ظُه نقل الإشراع المذكور عن النبيّ وَّر، كما هو
صريح هذا الحديث، وأن الإشراع في العضد والساق مما يُستحبّ في
الوضوء، وسيأتي مزيد تحقيق لهذا قريباً - إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ) غسل (يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وفي
نسخة: ((برأسه)) (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ) هو: ما بين
الركبة والقدم، وهي مؤنّثة، وتصغيرها: سُوَيقة(١). (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى،
حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ:) وفي نسخة: ((ثمّ قال لي)) (هَكَذَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِ يَتَوَضَّأُ) هذا صريحٌ في كون أبي هريرة ◌َظُه نقل هذه الكيفيّة في
الوضوء من النبيّ وَ ل*، قال الحافظ كَُّ: وفيه ردٌّ على من زعم أن ذلك من
رأي أبي هريرة ◌َظُه، بل من روايته ورأيه معاً. انتهى(٢). (وَقَالَ) أبو هريرة
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ) قال أهل اللغة: ((الْغُرَّة)) - بضمّ
الغين المعجمة، وتشديد الراء -: بياضٌ في جبهة الفرس، و((التحجيلُ)): بياض
في يديها ورجليها، قال العلماء: سُمِّ النور الذي يكون على مواضع الوضوء
يوم القيامة غُرَّةً وتَحْجيلاً؛ تشبيهاً بِغُرَّة الفرس(٣)؛ قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: أصل ((الْغُرّة)): لُمْعَةٌ بيضاء تكون في جبهة الفرس،
على قدر الدرهم، يقال منه: فرسٌ أغرّ، ثم استُعملت في الجمال والشهرة،
وطيب الذكر، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ(٤)
والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد دَلته .
قال: والتحجيل: وهو بياض يكون في ثلاث قوائم، من قوائم الفرس،
وأصله من الْحِجْل - بكسر المهملة - وهو الْخَلْخال، والقيد، ولا بدّ أن يُجاوز
التحجيل الأرساغ، ولا يُجاوز الركبتين والْعُرْقُوبين، وهو في الحديث مستعارٌ
(١) ((المصباح المنير)) ٢٩٦/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٤/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/٣.
(٤) وقع في ((المفهم)): ((غُرَارُ)) براءين، والذي في ((اللسان)) آخره نون، وهو الصواب؛
وهو جمع أغرّ، كغُرّ.

٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
عبارةٌ عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة. انتهى(١).
وقال العينيّ: في الكلام تشبيه بليغٌ، حيث شبّه النور الذي يكون على
موضع الوضوء يوم القيامة بغرّة الفرس، وتحجيله، ويجوز أن يكون كنايةً، بأن
یکون کنی بالغرّة عن نور الوجه. انتهى.
وقال الأبيّ: إن الغرّة والتحجيل كناية عن إنارة كلّ الذات، لا أنه
مقصور على أعضاء الوضوء. انتهى.
وفيه نظر لا يخفى؛ إذ الترغيب في إطالة الغرّة والتحجيل ليزداد النور،
ولو كان كما قال الأبيّ لما كان للإطالة فائدة (٢)، والله تعالى أعلم.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف تنازعه كلّ من ((الغرّ))، و((المحجّلون))، أو متعلّق بخبر
متبدأ محذوف، أي ذلك كائن يوم القيامة.
قال ابن الملقّن رَّتُهُ: ((يوم)) من الأسماء الشّاذّة؛ لوقوع الفاء والعين فيه
حرفي علّة، فهو من باب ((ويل))، و((ويح))، و((القيامة)): فِعَالة، مِن قام يقوم،
أصله القِوَامة، فقُلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها. انتهى(٣).
(مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ) متعلّق بخبر مبتدأ محذوف أيضاً، أي ذلك كائن من
أجل إسباغ الوضوء، وهو: بضمّ الواو؛ لأن المراد الفعل، ويجوز فتحه أيضاً،
وفي الرواية الآتية: ((من آثار الوضوء))، قال ابن دقيق العيد كَّتُهُ: ((الوضوء))
بالضمّ، ويجوز أن يقال بالفتح: أي من آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن
الغُرّة والتحجيل نشآً عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسَبَ إلى كلّ منهما.
انتھی (٤).
وحاصل ما أشار إليه تَخُّْ أن الضمّ والفتح صحيحان؛ لأن الغرّة
والتحجيل نشآً من الفعل، ومن الماء أيضاً، فجاز نسبتهما إليهما، والله تعالى
أعلم.
(فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ) مفعول ((استطاع)) محذوف، أي من استطاع إطالة
(١) راجع ((المفهم)) ٤٩٩/١ - ٥٠٠.
(٢) راجع ((فتح المنعم)) ١٤٦/٢.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٠٤/١.
(٤) (إحكام الأحكام)) ٢١٨/١ بنسخة الحاشية.

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٥)
٣١٥
غرّته، وتحجيله، فليُطل، والمراد بإطالة التحجيل إطالة سبب التحجيل، وذلك
بإطالة الغسل بالشروع في العضد والساق، وكذا إطالة الغرّة تتحقّق بالتوسّع في
الغسل طولاً بالشروع في منابت الشعر، وصفحة العنق، وعرضاً بشحمة
الأذنين، ولما كان الكلّ غالباً يستطيع ذلك كان الغرض من التعبير الحثّ على
الإطالة، أي فاطلبوا الغرّة والتحجيل، وليس المقصود التعليق على الاستطاعة،
أفاده بعض المحقّقين(١).
(فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ) هكذا صرّح في رواية المصنّف بذكر التحجيل مع
الغرّة، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((فمن استطاع منكم أن يُطِيل غُرَّته
فليفعل))، ولذا قال في ((الفتح)): أي فليُطِل الغرة والتحجيل، واقتصر على
إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾، واقتصر على
ذكر الغُرّة، وهي مؤنثة، دون التحجيل، وهو مذكر؛ لأن مَحَلّ الغرة أشرف
أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلم
من طريق عُمَارة بن غَزِيّة ذكر الأمرين، ولفظه: ((فليطل غرته وتحجيله)).
وقال ابن بطال كَّتُهُ: كَنَى أبو هريرة ◌َّهِ بالغُرّة عن التحجيل؛ لأن
الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله.
وتعقّبه الحافظ، فقال: فيما قال نظر؛ لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه
ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلاً، ونقل
الرافعيّ عن بعضهم أن الغرة تُطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل.
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن قوله: ((فمن استطاع .. إلخ)) بقية الحديث،
وهو ظاهر مذهب الشيخين، حيث ساقاه مساقاً واحداً، دون إشارة إلى
الإدراج، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نصُّّه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((فتح المنعم)) ١٤٦/٢.

٣١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٨٥/١٢ و٥٨٦] (٢٤٦)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٢ و٤٠٠
و٥٢٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٠٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٧٧
و٥٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/
٥٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما))، كما
بيّنّاه آنفاً، وهو ظاهر في أن قوله: ((فمن استطاع منكم، فليُطل غرّته)) مرفوع من
جملة الحديث، ومن الغريب أن بعض العلماء(١) ادّعَى كونه مُدرجاً من كلام
أبي هريرة، ولم يأتوا بيّنة واضحة يُرَدّ بها صنيعُ الشيخين.
ومن الغريب استدلالهم بما رواه أحمد من طريق فُلَيح، عن نعيم بن
عبد الله، وفي آخره: قال نعيم: لا أدري قوله: ((من استطاع .. إلخ)) من قول
النبيّ وَّل، أو من قول أبي هريرة نظره. قال الحافظ تَخُّْهُ: ولم أَرَ هذه
الجملة في رواية أحد ممن رَوَى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة (٢)،
ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله تعالى أعلم.
انتھی(٣).
والغريب كيف يستدلّون برواية فُلَيح بن سليمان - وهو وإن أخرج له
الشيخان، إلا أن الأكثرين على تضعيفه ــ على ردّ رواية عُمارة بن غزيّة،
وسعيد بن أبي هلال، وهما أوثق منه بكثير، وكلاهما روياه من دون تردد
وشكّ، فروايتهما مقدّمة من دون شكّ، كما هو صنيع الشيخين.
وأغرب من ذلك أن بعضهم ذكر تقويةً لرواية فُليح هذه رواية ليث بن أبي
(١) ومنهم ابن القيّم تَّتُهُ، والشيخ الألبانيّ.
(٢) لم يُبيّن الحافظ أسماءهم، وسيأتي بيانها في التنبيه، ولكنهم تسعة؛ لأن العاشر
وهو أبو ذرّ ◌َّه إنما ذُكر في حديث ابن لَهِيعة بالشك بينه وبين أبي الدرداء، ولعله
هو العاشر عند الحافظ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٣) ((الفتح)) ٢٨٥/١.

٣١٧
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٥)
سُليم، عن كعب، عن أبي هريرة(١)، وفيه هذه الجملة، ومعلوم أن ليثاً متروك
الحديث، لا يصلح في المتابعة، ولا في الشواهد، فكيف يردّ رواية الثقات
بمثله؟! هيهات هيهات.
والحاصل أن اتّفاق صنيع الشيخين مقدّم على كلّ من أعلّ الحديث، فهو
مرفوعٌ كلّه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن منده تَّتُهُ في ((مستخرجه)): حديث ((أمتي الغرّ
المحجّلون من آثار الوضوء)) رواه مع أبي هريرة من الصحابة ابنُ مسعود،
وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وأبو ذرّ
الغفاريّ، وعبد الله بن بُسْر المازنيّ، وحُذيفة بن اليمان ◌َ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: فجملتهم ثمانية، ويزاد فيهم أبو الدرداء
ـه،
أو أبو ذرّ بالشكّ، كما أخرج الإمام أحمد حديثه في («مسنده))(٣)، بإسناد فيه
ابن لَهِيعة، والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) برقم (٨٥٢٤).
(٢) راجع ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) للإمام ابن الملقّن رَّتُهُ ١/ ٤١٢.
(٣) قال الإمام أحمد تَخْذَتهُ (٢٠٧٤٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن
أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَله:
((أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه،
فأنظر إلى بين يديّ، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن
يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك))، فقال له رجل: يا رسول الله كيف تعرف
أمتك من بين الأمم، فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: ((هم غُرِّ محجلون، من أثر
الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤْتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم
یسعی بین أیدیھم ذریتهم)).
حدثنا يحيى بن إسحاق شكّ فيه، قال: سمعت أبا ذرّ أو أبا الدرداء، قال يحيى:
فيقول: ((فأعرفهم أن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم)).
حدثنا يعمر، حدثنا عبد الله بن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن
عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه سمع أبا ذرّ، أو أبا الدرداء، قالا: قال
رسول الله : ((أنا أول من يؤذن له في السجود ... )) فذكر معناه. انتهى.

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إطالة الْغُرّة والتحجيل في الوضوء، وسيأتي
اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه المشروعة فيه،
وإسباغه.
٣ - (ومنها): بيان فضل الوضوء؛ لأن الفضل الحاصل بالْغُرّة والتحجيل
من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظنّ بالواجب، وقد وردت فيه أحاديث
صحيحة صريحة، أخرجها المصنّف وغيره، وقد سبق بيانها .
٤ - (ومنها): بيان ما أعدّ الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء
يوم القيامة.
٥ - (ومنها): بيان أن الواجب في الرجلين الغسل، لا المسح.
٦ - (ومنها): بيان جواز الوضوء على ظهر المسجد؛ لقول نعيم في رواية
البخاريّ: ((رَقِيتُ مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ))، وهذا مشروط بما
إذا لم يحصل منه أذى للمسجد، أو لمن فيه، وإلا لا يجوز؛ لحديث: ((لا
ضرر، ولا ضِرَار))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تطويل الغرّة والتحجيل:
(اعلم): أنهم اختلفوا في القدر المستحب من التطويل في التحجيل،
فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُبه روايةً ورأياً، وعن
ابن عمر من فعله، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد بإسناد حسن.
وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق.
وقيل: إلى فوق ذلك.
وقال ابن بطال، وطائفة من المالكية: لا تُستحب الزيادة على الكعب
والمرفق؛ لقوله وَلي: ((من زاد على هذا، فقد أساء وظلم)).
قال الحافظ تَّتُهُ: وكلامهم مُعْتَرَضٌ من وجوه، ورواية مسلم صريحة في
الاستحباب، فلا تُعارض بالاحتمال.
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) ٢/ ٧٨٤.

٣١٩
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٥)
وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك، فهي
مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرَّح باستحبابه جماعة من السلف، وأكثر
الشافعية والحنفية، وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء،
فمعترَضٌ بأن الراوي أدرى بمعنى ما رَوَى، كيف وقد صَرَّح برفعه إلى
الشارع ◌َّ. انتهى(١).
وقال النوويّ كَُّهُ في ((شرحه)): (اعلم): أن هذه الأحاديث مُصَرِّحة
باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغُرَّة فقال أصحابنا - يعني
الشافعيّة -: هو غَسْل شيء من مُقَدَّم الرأس، وما يجاوز الوجه زائداً على
الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيقان كمال الوجه، وأما تطويل التحجيل، فهو
غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحبّ بلا خلاف بين أصحابنا،
واختلفوا في قدر المستحبّ على أوجه:
[أحدها]: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت.
[والثاني]: يستحب إلى نصف العضد والساق.
[والثالث]: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا
كله، وأما دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكيّ، والقاضي عياض، اتفاق
العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصحّ
دعواهما، وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله وَلّه، وأبي هريرة ◌َظُه؟ وهو
مذهبنا، لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه، ولو خالف فيه مخالفٌ كان محجوجاً
بهذه السنن الصحيحة الصريحة، وأما احتجاجهما بقوله وَله: ((من زاد على
هذا، أو نقص فقد أساء وظلم))، فلا يصحّ؛ لأن المراد مَن زاد في عدد
المرات، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَذَهُمُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ استحباب إطالة
الغرّة والتحجيل بمجاوزة محل الفرض، فيغسل شيئاً من مقدّم رأسه، وما
يجاوز الوجه زائداً على الجزء الذي يجب غسله، وفي التحجيل يغسل ما فوق
المرفقين والكعبين، وهذا هو الذي عليه ظاهر النصّ، وبيّنه الراوي أبو
(١) ((الفتح)) ٢٨٥/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٤/٣.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
هريرة نظّ بفعله، فمن خالف هذا، وقال بعدم مشروعيّة مجاوزة محلّ
الفرض، فقد أساء وظلم، أساء في فهم المراد، وظلم السنّة حيث أوّلها على
خلاف ما تقتضيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه استَدَلَّ الْحَلِيميّ تَخْتُهُ بهذا الحديث على أن
الوضوء من خصائص هذه الأمة، جزم به في ((منهاجه)).
وتعقّبه الحافظ تَّتُهُ في ((الفتح)) بأنه ثبت في ((صحيح البخاريّ)) في قصة
سارة ظه مع الملك الذي أعطاها هاجر، أنّ سارة لَمّا هَمّ الْمَلِك بالدنوّ منها
قامت تتوضأ وتصلي(١)، وفي قصة جُريج الراهب عند البخاريّ أيضاً أنه قام،
فتوضأ، وصلَّى، ثم كَلَّم الغلام (٢)، فالظاهر أن الذي اختَصَّت به هذه الأمة هو
(١) هو ما أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) من حديث أبي هريرة نص به قال: قال
النبيّ ◌َّه: ((هاجر إبراهيم؛ بسارة، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار
من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة، هي من أحسن النساء، فأرسل إليه أن يا
إبراهيم من هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها، فقال: لا تُگذّبي حديثي،
فإني أخبرتهم أنكِ أختي، والله إنْ على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها
إليه، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنتُ آمنت بك
وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تُسَلِّط عليّ الكافر، فَغُّ حتى
رَكَضَ برجله، قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال:
قالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته، فأُرْسِل، ثم قام إليها، فقامت توضأ
وتصلي، وتقول: اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على
زوجي، فلا تُسَلِّط عليّ هذا الكافر، فَغُطَّ حتى رَكَض برجله، قال عبد الرحمن:
قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت: اللهم إن يمت، فيقال: هي قتلته، فأُرسِل
في الثانية، أو في الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إليّ إلا شيطاناً، أرجعوها إلى
إبراهيم، وأعطوها آجر، فرجعت إلى إبراهيم علّ*، فقالت: أَشَعَرتَ أن الله كَبَت
الكافر، وأخدم وليدة؟))، أخرجه البخاريّ في ((البيوع)) برقم (٢٢١٧) ومسلم في
((الفضائل) برقم (٢٣٧١).
(٢) هو ما أخرجه الشيخان أيضاً في ((صحيحيهما)) من حديث أبي هريرة ظبه قال: قال
رسول الله : ((كان رجل في بني إسرائيل، يقال له: جُرَيج يصلي، فجاءته أمه،
فدعته، فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي؟ ثم أتته، فقالت: اللهم لا تمته
حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتننّ =