Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِنْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٦٧) ((ناولني))، فلما ألقى الروثة دلّ على أن الاستنجاء بالحجرين يُجزئ؛ إذ لو لم يكن كذلك لقال: ابغني ثالثاً. وتعقّبه الحافظ، فقال: قد روى أحمد هذه الزيادة بإسناد رجاله ثقات، قال في آخره: ((فألقى الروثة، وقال: إنها ركس، ائتني بحجر))، قال: مع أنه ليس فيما ذكر استدلال؛ لأنه مجرّد احتمال، وحديث سلمان ظُه نصّ في عدم الاقتصار على ما دونها، وأيضاً في سائر الأحاديث الناصّة على وجوب الثلاث زيادة يجب المصير إليها، مع عدم منافاتها بالاتّفاق، فالأخذ بها متحتّم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ هو ما ذهب إليه المشترطون للثلاث في الاستجمار بالأحجار؛ لقوّة دليله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ (٢)، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَاً مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ لِيَتْبِرْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في اَالمقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام) الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عَمي، فتَّغَيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. (١) راجع ((نيل الأوطار)) ١٤٩/١. (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا معمر)). ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. [تنبيه]: قوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وََّ) قد تقدّم البحث في هذا الكلام غير مرّة، وأن هذا الحديث مما أخذه المصنّف من صحيفة همّام بن منبّه، وهي صحيفة مشهورة مطبوعة متداولة، والله تعالى أعلم. وقوله: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ لِيَنْتَئِرْ))) قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رَّتُهُ: هذا أبين حديث في الاستنشاق والاستنثار، وأصحها إسناداً، وأجمع المسلمون طرّاً أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة ومسح الأذنين. انتهى(١). وقوله: (بِمَنْخِرَيْهِ) بفتح الميم، وكسر الخاء، وبكسرهما جميعاً، لغتان معروفتان؛ قاله النوويّ ◌َخَّتُهُ(٢). وقال الفيّوميّ كَُّهُ: ((الْمَنْخِرُ))، مثالُ مَسْجِد: خَرْقُ الأنف، وأصلُهُ موضع النَّخِير، وهو الصوت من الأنف، يقال: نَخَرَ يَنْخَرُ، من باب قَتَلَ: إذا مدّ النَّفَسَ في الْخَيَاشيم، و((الْمِنْخِرُ)) - بكسر الميم للإتباع - لغةٌ، ومثلُهُ مِنْتِزٌ، قالوا: ولا ثالث لهما، و((الْمُنْخُورُ))، مثلُ عُصْفُور لغة طَيِّىءٍ، والجمعُ مَنَاخِرُ، ومَنَاخیرُ. انتهى(٣). وقد تقدّم تمام شرح الحديث، ومسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٥٦٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ))). (١) ((التمهيد)) ٢٢٥/١٨. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٦/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/٣. ٢٤٣ (٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٦٩) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، تقدّم قريباً . ٤ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) هو: عائذ الله بن عبد الله، تقدّم قبل باب. وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١. ٢ - (حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الله الْكِرْمانيّ، أبو هشام الْعَنَزِيّ - بفتح النون، بعدها زاي - قاضي كِرْمان، صدوقٌ يُخطئ [٨]. رَوَى عن سعيد بن مسروق، وابنه سفيان بن سعيد الثوريّ، وعاصم الأحول، وليث بن أبي سُليم، وابن عجلان، وزُفَر بن الْهُذيل، وعبيد الله بن عمر، ويوسف بن أبي إسحاق، ويونس بن يزيد الأيليّ، وغيرهم. ورَوَى عنه حميد بن مسعدة، وعَفّان، وعبيد الله العيشيّ، وأحمد بن عبدة، وداود بن عمرو الضبيّ، وسعيد بن منصور، وعلي بن المدينيّ، وعلي بن حُجْر، ومحمد بن أبي يعقوب الكِرْمانيّ، وغيرهم. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال حرب الكرمانيّ: سمعت أحمد يُوَثِّق حسان بن إبراهيم، ويقول: حديثه حديث أهل الصدق، وقال عثمان الدارميّ وغيره، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: قد حَدّث بإفرادات كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق، إلا أنه يَغْلَط في الشيء، ولا يتعمد. وجاء أن أحمد أنكر عليه بعض حديثه، وقال الْعُقيليّ: في حديثه وَهَمٌ، وقال ابن المدينيّ: كان ثقةً، وأشدّ الناس في القدر، وقال ابن حبان في (الثقات)): ربما أخطأ، وذَكَرَ ابن عديّ أنه سمع من أبي سفيان، طَرِيفٍ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ حديثَ: ((مفتاحُ الصلاة الوضوء))، فحدَّث به مرةً عن أبي سفيان، ولم يسمه، ومرةً ظَنّ أنه أبو سفيان الثوريّ، فقال: ثنا سعيد بن مسروق، قال ابن صاعد: هذا وَهَمٌّ من أبي عُمَر الْحَوْضيّ على حسّان، وقال ابن عديّ: الوهم فيه من حسّان، فإن حَبّان بن هلال حدَّث به عن حسّان مثل الْحَوضيّ، وحدَّث به الْعَيْشيّ، عن حسّان، فقال: عن أبي سفيان على الصواب. انتهى. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت شيخاً من أهل كرمان يذكر أنه وُلد سنة ست وثمانين، ومات سنة (١٨٦) وذكر أنه مات، وله مائة سنة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٣٧) و(٧٤٥) و٢٤٠٨). ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م س ق) تقدم في ((المقدمة) ١٤/٣. ٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب المذكور في الباب الماضي. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني رواية يونس هذه مثل رواية مالك الماضية. [تنبيه]: رواية يونس هذه التي أحالها المصنّف على رواية مالك أخرجها الإمام ابن حبّان في (صحيحه))، (٢٨٦/٤)، فقال: (١٤٣٨) أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثنا حرملة بن يحيى، ٢٤٥ (٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٧٠) حدثنا ابن وهب، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو إدريس الْخَوْلانيّ، أنه سمع أبا هريرة، وأبا سعيد الْخُذْريّ، يقولان: قال رسول الله وَّرَ: (مَن توضأ، فليستنثر، ومن استَجْمَر فليوتر)). قال أبو حاتم تَخْتُهُ: ((الاستنثار)): هو إخراج الماء من الأنف، والاستنشاق: إدخاله فيه، فقوله ◌َليقول: ((من توضأ، فليستنثر))، أراد: فليستنشق، فأوقع اسم البداية الذي هو الاستنشاق على النهاية الذي هو الاستئثار؛ لأنه لا يوجد الاستنثار إلا بتقدم الاستنشاق له، و((الاستجمار)): هو الاستطابة، وهو إزالة النجاسة عن المخرجين. انتهى كلام ابن حبّان تَكْثُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٥٧٠] (٢٣٨) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ◌ِّ قَالَ: ((إِذَا اسْتَبْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ (١)، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاَثَ مَزَّاتٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ) هو: بشر بن الْحَكَم بن حَبِيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٧/٦. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الدَّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم، المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. (١) وفي نسخة: ((من نومه)). ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد القرشيّ التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، كان جدُّه الحارثُ من المهاجرين الأولين، ثقة له أفراد [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو محمد المدنيّ، وأمه سعدى بنت عوف الْمُرّيّة، ثقة فاضلٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة، ومعاوية، وعُمَير بن سَلَمَة الضَّمْريّ، وحُمْران بن أبان، وغيرهم. وروى عنه ابنا أخيه: طلحة وإسحاق ابنا يحيى بن طلحة، والزهريّ، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وخالد بن سلمة المخزومي، ومحمد بن عبد الرحمن، مولى آل طلحة، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: كان ثقةً كثير الحديث. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائيّ، والعجليّ. قال خليفة وغيره: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال ابن منجويه: مات سنة مائة، وهو قول ابن حبان في ((الثقات))، قال: وكان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٣٨) و(٣٨٧) و(١٣٠٦) وكرّره خمس مرّات و(٢٩٨٨) وكرّره مرتين. والباقون تقدّموا . وقوله: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ)(١). وقوله: (فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ◌َُّهُ: ((الاستنثار)) مأخوذ من النَّثْرة، وهي طرف الأنف، عند جمهور أهل اللغة، وقال الخطّابيّ: هي الأنف، واختلف في حقيقة الاستنثار، فقال جمهور أهل اللغة: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو قول الفقهاء، وأهل الحديث، وقال ابن الأعرابيّ، وابن قتيبة: إن الاستنثار هو الاستنشاق، والصواب (١) وفي نسخة: ((من نومه)). ٢٤٧ (٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٧٠) الأول، وهو الذي يدلّ عليه قوله وَله: ((ثم لينتثر)) بعد قوله: ((فليستنشق)). (١) انتهى(١). وقوله: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ) قال العلماء رحمهم الله تعالى: الْخَيشوم أعلى الأنف، وقيل: هو الأنف كلُّه، وقيل: هي عظام رِقَاقٌ لَيِّنةٌ في أقصى الأنف، بينه وبين الدماغ، وقيل: غير ذلك، وهو اختلاف متقارب المعنى . قال القاضي عياض ◌َخُّْهُ: يحتمل أن يكون قوله وَله: ((فإن الشيطان يبيت على خياشيمه)) على حقيقته، فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يُتَوَصَّل إلى القلب منها، لا سيما وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غَلَقٌ سواه، وسوى الأذنين، وفي الحديث: ((إن الشيطان لا يَفْتَح باباً مُغْلَقاً)) رواه مسلم، وجاء في التثاؤب الأمر بكظمه، من أجل دخول الشيطان حينئذ في الفم. قال: ويحتمل أن يكون على الاستعارة، فإن ما ينعقد من الغُبَار، ورطوبة الخياشيم قَذارة تُوافق الشيطان، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((فإن الشيطان يبيت على خيشومه)): ((الخيشوم)) - بفتح الخاء المعجمة، وبسكون الياء المعجمة، وسكون الواو - هو الأنف، وقيل المنخر. وقوله: ((فليستنثر)) أكثر فائدةً من قوله: ((فليستنشق))؛ لأن الاستنثار يقع على الاستنشاق، بغير عكس، فقد يستنشق، ولا يستنثر، والاستنثار من تمام فائدة الاستنشاق؛ لأن حقيقة الاستنشاق جذب الماء بريح الأنف إلى أقصاه، والاستنثار إخراج ذلك الماء، والمقصود من الاستنشاق تنظيف داخل الأنف، والاستنثار يُخرِج ذلك الوسخ مع الماء، فهو من تمام الاستنشاق. وقيل: إن الاستئثار مأخوذ من النَّثْرَة، وهي طرف الأنف، وقيل: الأنف نفسه، فعلى هذا فمن استنشق، فقد استنثر؛ لأنه يَصْدُق أنه تناول الماء بأنفه، أو بطرف أنفه، وفيه نظر. ثم إن ظاهر الحديث أن هذا يقع لكل نائم، ويَحْتَمِل أن يكون مخصوصاً (١) ((طرح التثريب)) ٢٠٦/١ - ٢٠٧. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣١/٢ - ٣٢. ٢٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة بمن لم يَحْتَرِس من الشيطان بشيء من الذكر؛ لحديث أبي هريرة نظُّته: أن رسول الله وَلو قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، في يوم مائة مرّةٍ، كانت له عَدْل عشر رقاب، وكتبت له مائةُ حسنة، ومُحِيت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرْزاً من الشيطان، يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك))، متّفقٌ عليه. وكذلك من قرأ آية الكرسي، فقد أخرج البخاريّ، عن أبي هريرة ( رضوعيه قال: وكّلني رسول الله وَله بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله بَّله، فذكر الحديث، فقال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيّ، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يَقْرَبُك شيطان حتى تصبح، فقال النبيّ وَلّ: (صَدَقَك، وهو كَذُوبٌ، ذاك شيطان)). ويَحْتَمِل أن يكون المراد هنا أنه لا يَقْرَب من المكان الذي يوسوس فيه، وهو القلب، فيكون مبيته على الأنف ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ، فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة فحينئذ فالحديث متناول لكل مستيقظ . ثم إن الاستنشاق من سنن الوضوء اتّفاقاً لكل من استيقظ، أو كان مستيقظاً، وقالت طائفة بوجوبه في الغسل، وطائفة بوجوبه في الوضوء أيضاً، وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار، أم لا؟ خلافٌ، وهو محلُّ بحث وتَأَمُّل، والذي يظهر أنها لا تتم إلا به؛ لما تقدم، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُ: ويَحْتَمل البقاء على ظاهره، كما جاء أن الشيطان يدخل إذا لم يَكْظِم المتثائب فاه (٢)، ويَحْتَمل أن يكون ذلك عبارةً عمّا ينعقد من رطوبة الأنف، وقَذَره الموافقة للشيطان، وهذا على عادة العرب في نسبتهم المستخبث، والمستشنع إلى الشيطان، كما قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ (١) ((الفتح)) ٣٩٥/٦. (٢) أخرجه المصنّف، وسيأتي في ((الرقاق)) (٢٩٩٥) عن أبي سعيد الخدريّ ظ ◌ُله أن رسول الله صل* قال: ((إذا تثاوب أحدكم، فليُمسك بيده، فإن الشيطان يدخل)). ٢٤٩ (٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٧١) رُؤُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وكما قال الشاعر [من الطويل]: أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي وَمَسْئُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابٍ أَغْوَالٍ وهي الشياطين، ويَحْتَمِلُ أن يكون ذلك عبارةً عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة، كما قال ◌َله: ((يَعْقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَد ... )) الحديث، متّفقٌ عليه، ويكون أمره بالاستنثار أمراً بالوضوء، كما قد جاء مفسَّراً في غير كتاب مسلم: ((فليتوضّأ، وليستنثر، فإن الشيطان يبيتُ على خياشيمه)). انتهى كلام القرطبيّ ◌َخْذُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل حديث أبي هريرة نظراته: ((لا يقربك شيطان .. إلخ)) على القرب من محلّ الوسوسة، وهو القلب أولى، فلا ينافي مبيته في الخيشوم، فينبغي له أن يستنثر حتى لا يتوصّل إلى القلب بعد الاستيقاظ، وبهذا يُجمَع بين الأحاديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال : [٥٧١] (٢٣٩) - (حَدَّثَنَا(٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّةً سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُوتِرْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الْحَنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقةٌ ثبت إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضَّلٌ، يدلّس [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. (١) ((المفهم)) ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)) بالواو. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًَّا، مات بعد سنة (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. والباقيان تقدّما قبل ثلاثة أحاديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، فلا يُخشى فيه تدليس ابن جريج، وأبي الزبير، وأنه مسلسلٌ بالمكيين من ابن جريج، وجابر رَظُبه، وإن كان مدنيّاً، إلا أنه سكن مكة أيضاً. وأما شرح الحديث، وفوائده، فتُعلم من شرح الأحاديث الماضية، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله نظراته هذا من أفراد المصنّف رَخَذَتْهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في («الطهارة)) [٥٧١/٨] (٢٣٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٤/٣ و٣٣٦ و٤٠٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٦٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٩) - (بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُقَّيْنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٢] (٢٤٠) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَالِمِ مَوْلَى شَدَّادٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ يَوْمَ تُوُنِّيَ سَعْدُ بْنُ (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٢٥١ (٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُقَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٢) أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَِّ يَقُولُ: ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (وَأَبُو الطَّاهِرِ) هو أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدم قريباً. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلِّم فيه بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل حديثين. ٥ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) أبو الْمِسْور المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت١٥٩) (بخ م د س) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. ٦ - (أَبُوهُ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. ٧ - (سَالِمٌ مَوْلَى شَدَّادٍ) هو: سالم بن عبد الله النَّصْريّ - بالنون، والصاد المهملة - أبو عبد الله المدنيّ، وهو سالم مولى شداد بن الهاد، وهو سالم مولى النَّصْريين، وهو سالم سَبَلان - بفتح السين المهملة، والباء الموحّدة - وهو سالم مولى مالك بن أوس بن الْحَدَثَان، وهو سالم مولى دوس، وهو سالم أبو عبد الله الدَّوْسيّ، وهو سالم مولى الْمَهْريّ، وهو أبو عبد الله الذي رَوَى عنه بُكير بن الأشجّ، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن عثمان، وأبي هريرة، وعائشة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي سعيد الخدريّ څّ. ورَوَى عنه بكير بن الأشجّ، وسعيد المقبريّ، وأبو الأسود يتيم عروة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ونعيم المجمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن أبي كثير، وعمران بن بشر بن مُحْرِز، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال أبو حاتم أيضاً: كان سالِمٌ من خيار ٢٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة المسلمين، وقال عطاء بن السائب: حدثني سالم البرّاد، وكان أوثق عندي من نفسي(١)، وأخرج النسائي في ((الطهارة)) من طريق عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذُباب قال: أخبرني أبو عبد الله سالم سَبَلان، وكانت عائشة تستعجب بأمانته، وتستأجره، قال: فأرتني كيف كان رسول الله وَله يتوضأ ... الحديث، وقال عبد الغني بن سعيد في ((إيضاح الإشكال)): وهو الذي رَوَى عنه أبو سلمة، فقال: ثنا أبو سالم، أو سالم مولى المْهَرْيّ، وقال العجليّ: سالم مولى الْمَهْريّ تابعيٍّ ثقةٌ، وسالم مولى النَّصْريين تابعيّ ثقةٌ، وسالم سَبَلان تابعيّ ثقة، هكذا فَرّق بينهم، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في موضعين، فقال: سالمٌ أبو عبد الله مولى دَوْس، ثم قال: سالم بن عبد الله سَبَلان، مولى مالك بن أوس، وذكر الحاكم أبو أحمد أن مسلماً، والحسين الْقَبّانيّ وَهِمَا، حيث أَخْرجا سالم سَبَلان، وسالم مولى شداد كلّ واحد في ترجمة على الانفراد، وذكر ابن أبي عاصم أنه مات سنة عشر ومائة. أخرح المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٠) و(٥٦٨) و(٢٦٠١). ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ظنّا تقدّمت ترجمتها في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَخْلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم . ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مخرمة، والباقون مصريّون. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: مخرمة، عن بُكير، وتابعيّ، عن تابعيّ: بُكير، عن سالم. ٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ظنا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. (١) راجع ((شرح النوويّ)) ١٢٩/٣. ٢٥٣ (٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٢) شرح الحديث: (عَنْ سَالِم مَوْلَى شَدَّادٍ) وفي الرواية الثانية: ((أن أبا عبد الله، مولى شدّاد بن الهاد)»، وفي الثَّالثة: ((سالم، مولى الْمَهْريّ))، هذه كلها صفاتٌ له، وهو شخصٌ واحدٌ، كما تقدّم في ترجمته، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِ) بالجرّ صفة، أو بدل، أو عطف بيان لـ((عائشة)) (يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، والسابقين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة، تُوُفّي ◌َظُه بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، ونُقل إلى المدينة، ودُفن بها، تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ٧١/٦. فقوله: ((يومَ)) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ«دَخَلَ))، وهو مضاف إلى (تُؤُفّي))، ويجوز إعرابه وبناؤه؛ لإضافته إلى جملة مضارعيّة، كما قال في «الخلاصة)» : وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوَّ فِعْلِ بُنِيَا وَابْنِ أَوَ اغْرِبْ مَا كَـ((إِذْ)) قَدْ أُجْرِيَا أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا و (تُوُفّي فلانٌ)) بمعنى مات مبنيّ للمفعول، وقد يقال على قلّة: تَوَفَّى فلانٌ بالبناء للفاعل بمعنى استوفى أجله. [تنبيه]: هذه الرواية فيها بيان أن هذه القصّة وقعت يوم مات سعد بن أبي وقّاص رَظُه، ووقع عند الإمام أحمد في ((مسنده)) من طريق عمران بن بشير، عن سالم سَبَلان، قال: خرجنا مع عائشة إلى مكة، فكانت تَخرُج بأبي يحيى التيميّ يصلي لها، فأدركنا عبد الرحمن بن أبي بكر، فأساء الوضوء، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((ويل للأعقاب من النار)). انتهى. والظاهر أنه إن صحّت هذه الرواية أنها في وقت آخر، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيقِ ﴿يا وقد سبق تمام نسبه في ترجمة أبيه ربه في ((الإيمان)) ١٣٣/٨، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عثمان، ابن أبي بكر بن أبي قحافة القُرَشيّ التيميّ، وأمه أم رُومان والدة عائشة، فهو شقيق عائشة ﴿ه، أسلم قبل الفتح، وحسن إسلامه، وقيل: إنه كان أسنّ ولد أبي بكر ظُه، وشَهِد مع خالد اليمامة، فقَتَل سبعة من ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة أكابرهم، ويقال: إنه كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، أو عبد العُزَّى، فسماه النبيّ ◌َّ عبد الرحمن، ورَوَى عن النبيّ وَّ، وعن أبيه، وعنه ابناه: عبد الله، وحفصة، وابن أخيه: القاسم بن محمد، وعمرو بن أوس الثقفيّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وموسى بن وَرْدان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن أبي مليكة، وغيرهم. قال الزبير: كان امرءاً صالحاً، وكانت فيه دُعَابةٌ، وقال عروة بن الزبير: نَفّله عمر بن الخطاب ليلى بنت الجوديّ بنت ملك دمشق، قال ابن عبد البر: وكان أبوها عربيّاً من غَسّان، أمير دمشق، وكان عبد الرحمن نزلها قبل فتح دمشق، فأحبّها، وهام بها، وعَمِل فيها الأشعار، والقصة أسندها الزبير بن بكّار من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قَدِمَ عبد الرحمن الشامَ في تجارة، فرأى ابنة الجوديّ، وحولها ولائدُ، فأعجبته، وعَمِلَ فيها [من الطويل]: فَمَا لابْنَةِ الْجُودِيِّ لَيْلَى وَمَا لِيَا تَذَكَّرْتُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ دُونَنَا تَدَمَّنُ بُصْرَى أَوْ تَحُلُّ الْجَوَابِيَا وَأَنَّى تُعَاطِي قَلْبَهُ حَارِثِيَّةٌ إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلاً أَنْ تُوَافِيَا وَأَنَّى تُلَاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا فلما سمع عمر رُّه الشعر قال الأمير الجيش: إن ظَفِرت بها عَنْوَةً، فادفعها لعبد الرحمن، ففعل، فأُعْجِب بها، وآثرها على نسائه، فشكونه إلى عائشة، فقالت له: لقد أفرطت، فقال: والله إني لأرشف من ثناياها حَبّ الرُّمّان، فأصابها وجعٌ، فسقطت أسنانها، فجافاها، حتى شَكَته إلى عائشة، قالت: أفرطت في الأمرين، فجهّزها إلى أهلها (١). وروى عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر، لم يُجَرَّب عليه كذبةٌ قطّ، وقال ابن عبد البرّ: كان شُجَاعاً رامياً، حَسَنَ الرمي، وشَهِد اليمامة، فقَتَل سبعةً من أكابرهم، منهم مُحكّم اليمامة، وكان في ثَلْمَة من الحِصْن، فرماه عبد الرحمن بسهم، فأصاب نحره فقتله، ودخل المسلمون من تلك الثَّلْمة، وشَهِد وقعة (١) راجع ((سير أعلام النبلاء)) ٤٧١/٢ - ٤٧٣. ٢٥٥ (٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٢) الْجَمَل مع عائشة، وأخوه محمد مع عليّ. وأخرج البخاريّ من طريق يوسف بن ماهَك: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فَخَطَب، فذَكَر يزيد بن معاوية لكي يُبَايَعَ له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]، فأنكرت عائشة ذلك من وراء الحجاب. وأخرجه النسائيّ، والإسماعيليّ، من وجه آخر مطولاً، فقال مروان: سنةُ أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هِرَقْل وقَيْصَر، وفيه: فقالت عائشة: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته. وأخرج الزبير، عن عبد الله بن نافع، قال: خَطَب معاوية، فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلَّمه الحسين بن عليّ، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهرقليةٌ؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه، لا نفعل والله أبداً، وخَرَج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فَجْأَةً، من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة، فحُمِل إلى مكة، ودُفِن بها، ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجةً، فوقفت على قبره، فبكت، وأنشدت أبيات مُتَمِّم بن نُوَيرة في أخيه مالك، ثم قالت: لو حضرتك دفنتك حيث مِتّ، ولَمَا بكيتك(١). وقال ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة: تُوُفِّي عبد الرحمن بِحُبْشيّ(٢)، وهو على اثني عشر ميلاً من مكة، فحُمِل إلى مكة، فدُفِن بها، وقال ابن سعد، وغير واحد: كان ذلك سنة ثلاث وخمسين، وقال يحيى بن بكير: سنة (٥٤)، وقال أبو نعيم: مات في نَوْمَةٍ نامها سنة (٣) وقيل: (٥) وقيل: سنة ست وخمسين، وقال أبو زرعة الدِّمَشقيّ: تُوُفّي بعد مُنْصَرَف معاوية من المدينة في قَدْمَته التي قَدِمَ فيها لأخذ البيعة ليزيد، وتُوُفِّيت عائشة بعد ذلك بيسير سنة (٥٩). وقال العسكريّ: هو أول مَن مات من أهل الإسلام فَجْأَةً، وأَرَّخ ابنُ حبّان وفاته تبعاً للبخاريّ سنة (٥٨). وقال أبو الفرج الأصبهانيّ: لم يُهاجر عبد الرحمن مع أبيه؛ لصغره، وخَرَج قبل الفتح مع فِتْية من قريش، وقيل: بل (١) راجع ((الإصابة)) ٢٧٥/٤ - ٢٧٦. (٢) بضم الحاء المهملة، وسكون الموحّدة: جبل بأسفل مكة على ستة أميال منها. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة كان إسلامه يوم الفتح، وإسلام معاوية في وقت واحد. له أحاديث، نحو الثمانية، اتّفق الشيخان على ثلاثة منها(١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٢١٢) و(٢٠٥٦) و(٢٠٥٧) وأعاده بعده. (فَتَوَضَّأَ) أي عبد الرحمن ◌َظُه (عِنْدَهَا) أي عند عائشة رضيّا (فَقَالَتْ) عائشة ◌ِّا (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَسْبغ الْوُضُوءَ) أي أكمله، ولعلّها رأت منه تقصيراً، أو خشيت عليه (فَإِنِّي) الفاء للتَعليل، أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: (وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ))) قال القرطبيّ ◌َخْذُهُ: ((ويلٌ)) كلمة عذاب، وقُبُوح، وهلاك، مثلُ ((وَيْح))، وعن أبي سعيد الخدريّ، وعطاء بن يسار: هو وادٍ في جهنّم، لو أُرسلت فيه الجبال لَمَاعت من حرّه، وقال ابن مسعود: صديد أهل النار، ويقال: ويلٌ لزيد، وويْلاً له، بالرفع على الابتداء، والنصب على إضمار الفعل، فإن أضفته لم یکن إلا النصب؛ لأنك لو رفعته لم یکن له خبرٌ. و((الأعقاب)) - بفتح الهمزة -: جمع عَقِبٍ - بفتح، فكسر - وعَقِبُ كلّ شيء آخره، و((الْعَرَاقيب)) - بالفتح - جمع عُرقوب - بضمّ، فسكون - وهو الْعَصَبُ الغليظ الموتّر فوق عقب الإنسان، وعُرْقوب الدابّة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، قال الأصمعيّ: وكلّ ذي أربعٍ فِعُرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه، ومعنى ذلك أن الأعقاب، والعراقيب تُعَذَّب إن لم تُعَمَّم بالغسل. انتهى كلام القرطبيّ كَذَتُهُ(٢). وقال في ((الفتح)): ((وَيْلٌ)) جاز الابتداء بالنكرة؛ لأنه دعاءٌ، واختُلِف في معناه على أقوال: أظهرها ما رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي سعيد ظُه مرفوعاً: ((ويلٌ وَادٍ في جهنم)). وقوله: (للأعقاب)): أي المرئية إذ ذاك، فاللام للعهد، ويَلتحِق بها ما يُشاركها في ذلك، و((العَقِب)): مؤخر القدم، قال البغويّ: معناه ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، وقيل: أراد أن العقب مُختَصُّ بالعقاب إذا قُصِّر في غسله. انتهى (٣). (١) ((سير أعلام النبلاء)) ٢/ ٤٧٢. (٣) ((الفتح)) ٣٢٠/١. (٢) ((المفهم)) ١ /٤٩٥ - ٤٩٦. ٢٥٧ (٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٢) وقال الطيبيّ نَّتُهُ: ((ويلٌ للأعقاب)) مبتدأ وخبر، كقولك: ((سلام عليك))، قال أبو البقاء: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ﴾ [البقرة: ٧٩] ابتداء وخبره، ولو نُصِب لكان له وجهٌ، على أن يكون التقدير: ألزمهم الله تعالى ويلاً، واللام للتبيين؛ لأن الاسم لم يُذكَر قبل المصدر، والويل مصدر لم يُستَعمَل منه فعلٌ؛ لأن فاءه وعينه معتلّتان. و((الْعَقِب)): ما أصاب الأرض من مؤخّر الرجل إلى موضع الشراك. وخَصّ العقب بالعذاب؛ لأنه العضو الذي يُغسل، فالتعريف للعهد، وقيل: أراد صاحب العقب، فحذف المضاف، وإنما قال ذلك؛ لأنهم كانوا لا يستقصون على أرجلهم في الوضوء. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ّها هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٩/ ٥٧٢ و٥٧٣ و٥٧٤ و٥٧٥] (٢٤٠)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٤٥١ و٤٥٢)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (١/ ١٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٥٥٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٦٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٠/٦ و٨١ و٨٤ و٩٩ و١٩١ و٢٥٨)، و(الطبريّ) في «تفسيره)) (١١٥٠٥ و١١٥٠٦ و١١٥٠٧ و١١٥٠٨ و١١٥٠٩)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٣٨/١)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (١٠٥٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٨٣ و٦٨٤ و٦٨٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٧٢ و ٥٧٣ و٥٧٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٩/١)، و((المعرفة)) (٢١٥/١)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَّتُهُ: هذا الحديث يُروى متّصلاً مسنداً عن النبيّ وَل﴿ من وجوه شَتَّى، من حديث عائشة، ومن حديث (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٩٥/٣. ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة أبي هريرة، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيديّ، وقد ذكرتها كلّها في ((التمهيد))، والحمد لله. انتھی(١). (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن واجب الرجلين غسلهما، لا مسحهما، إلا لمن لبس الخفّين . ٢ - (ومنها): بيان وجوب تعميم الرجلين بالغسل، فلو بقي شيء منهما لما سقط الوجوب. ٣ - (ومنها): أن العالم يستدلّ على ما يُفتي به؛ ليكون أوقع في نفس سامعه . ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَخّْتُهُ: ومراد مسلم تَخْتُهُ بإيراده هنا الاستدلالُ به على وجوب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزئ، وهذه مسألة اختَلَف الناس فيها على مذاهب: فذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما، ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يُعْتَدّ به في الإجماع. وقالت الشيعة: الواجب مسحهما. وقال محمد بن جرير، والجبائيّ، رأس المعتزلة: يتخير بين المسح والغسل . وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل. وتعلق هؤلاء المخالفون للجماهير بما لا تظهر فيه دلالةٌ، قال: ومن أخصر ما نذكره أن جميع مَن وصفِ وضوء رسول الله وَّر في مواطن مختلفة، وعلى صفات متعددة، متفقون على غسل الرجلين، وقوله وَله: ((ويلٌ للأعقاب من النار))، فتواعدها بالنار؛ لعدم طهارتها، ولو كان المسح كافياً لَمَا تواعد مَن رضى عنه ترك غسل عقبيه، وقد صَحَّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه (١) ((الاستذكار)) ٢/ ٤٧. ٢٥٩ (٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ بَلْبَسِ الْخُقَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٣) أن رجلاً قال: يارسول الله، كيف الظُهُور؟ فدعا بماء، فغَسَل كفيه ثلاثاً إلى أن قال: ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: ((هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، أو نقص، فقد أساء وظلم))، هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أبو داود وغيره بأسانيدهم الصحيحة، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال ابن خزيمة: لو كان الماسح مُؤدّياً للفروض لَمَا تُؤُعِّد بالنار، وأشار بذلك إلى ما في كتب الخلاف عن الشيعة أن الواجب المسح أخذاً بظاهر قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض، وقد تواترت الأخبار عن النبيّ وَّ﴾ في صفة وضوئه أنه غَسَلَ رجليه، وهو الْمُبَيِّن لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عَبَسَة الذي رواه ابن خزيمة وغيره مُطَوَّلاً في فضل الوضوء: ((ثم يَغسِل قدميه كما أمره الله))، ولم يَثْبُت عن أحد من الصحابة خلافُ ذلك، إلا عن عليّ، وابن عباس، وأنس، ظه، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله وم على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور، واذَّعَى الطحاويّ، وابنُ حزم أن المسح منسوخ، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيتُ البحث في اختلاف العلماء في غسل الرجلين في المسألة الخامسة عشرة المذكورة في شرح حديث عثمان بن عفّان رَظُبه، وذكرت أن الحقّ والصواب هو مذهب الجمهور القائلين بوجوب الغسل، وأن المسح لا يُجزئ؛ لقوّة حججهم، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٥٧٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ(٣)، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَِّيِّ ◌َِّ بِمِثْلِهِ). (١) (شرح النوويّ)) ١٢٩/٣. (٣) وفى نسخة: ((حدّثنا عبد الله بن وهب)). (٢) ((الفتح)) ٣٢٠/١. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (حَيْوَةُ) بن شُرَيح بن صَفْوان التُّجيبيّ، أبو زُرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد الْعُزَّى الأسدي أبو الأسود المدني يتيم عروة؛ لأن أباه كان أوصى إليه، وكان جده الأسود من مهاجرة الحبشة، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عروة، وعليّ بن الحسين، وسليمان بن يسار، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وسالم مولى شدّاد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والأعرج، وعكرمة، والنعمان بن أبي عياش، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهريّ، وهو من أقرانه، ويزيد بن قُسيط، ومات قبله، وابن إسحاق، ومالك، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب، وعبيد الله بن أبي جعفر، وحيوة بن شُريح، وأبو شريح عبد الرحمن بن شُريح الإسكندرانيّ، والليث، وابن لَهِيعة، وشعبة، وأبو ضَمْرة، أنس بن عِیَاض الليثيّ، وغيرهم. قال ابن لَهِيعة: قدم مصر سنة ست وثلاثين، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: ثقةٌ، قيل له: يقوم مقام الزهريّ، وهشام بن عروة؟ فقال: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الواقديّ: مات في آخر سلطان بني أمية، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وزعم أنه تُوُفّي سنة سبع عشرة ومائة، قال الحافظ: وهذا وَهَمٌ، لا مرية فيه، والأشبه أن يكون من سُقْم النسخة، وكأنها كانت سنة سبع وثلاثين، وقال القَرّاب: مات سنة إحدى وثلاثين، وقال ابن سعد بعد أن ذكر وفاته عن الواقديّ: ليس له عقب، وكان كثير الحديث، ثقةً، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن صالح: هو ثبتٌ، له شأنٌ، وذِكْرٌ، وقال ابن الْبَرْقيّ: لا يُعْلَم له رواية عن أحد من الصحابة، مع أن سِنّه يحتمل ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً. والباقون تقدّموا في السند الماضي، غير حرملة، فتقدّم في الباب الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ عَنْهَا) أي فذكر أبو عبد الله مولى شدّاد، عن عائشة