Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦٣)
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن
زید قاته .
وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث خالد بن عبد الله الطّحّان الماضي (وَلَمْ
يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ) أي لم يذكر سليمان بن بلال في حديثه قوله: ((إلى الكعبين)).
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال هذه التي أحالها المصنّف على رواية خالد
الطحّان، أخرجها الإمام البخاريّ تَخْتُ في ((صحيحه))، فقال:
(١٩٩) حدثنا خالد بن مَخْلَد، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، قال:
حدّثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يُكثر من الوضوء، قال
لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبيّ وَل﴿ يتوضأ، فدعا بتَوْر من ماء،
فكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في الثَّوْر، فمضمض،
واستنثر ثلاث مرّات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده، فاغترف بها، فغسل وجهه
ثلاث مرّات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده ماء،
فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبيّ وَّ
يتوضأ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٦٣] (.) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ
ثَلَاثاً))، وَلَمْ يَقُلْ: ((مِنْ كَفِّ وَاحِدَةٍ)(١)، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ،
بَدَأَ(٢) بِمُقَدَّم رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ
الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ)).
(١) وفي نسخة: ((واحد)).
(٢) وفي نسخة: ((وبدأ)).

٢٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن
موسى بن عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ الأنصاريّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي
نيسابور، ثقةٌ مُتْقِنٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٢ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعيّ مولاهم الْقَزّاز، أبو
يحيى المدنيّ، أحد أئمة الحديث، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن إبراهيم بن طَهْمان، ومعاوية بن صالح، ومالك بن أنس،
وخارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، وعبد العزيز بن المطلب،
وابن أبي ذئب، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وهشام بن سعد، وموسى بن
يعقوب الزَّمعيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، ويحيى بن معين، وعليّ بن
المدينيّ، والحميديّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر،
وإسحاق بن موسى الأنصاريّ، وأبو خيثمة، وقتيبة، ونصر بن عليّ، وهارون بن
عبد الله الحمّال، وغيرهم.
قال الميمونيّ، عن أحمد: ما كتبت عنه شيئاً، وقال إسحاق بن موسى:
سمعته يقول: كان مالك لا يجيب العراقيين في شيء من الحديث حتى أكون أنا
أسأله، وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، وأتقنهم: مَعْن بن عيسى، وهو
أحب إليّ من ابن وهب، وقال ابن سعد: كان يعالج القزّ ويشتريه، مات بالمدينة
في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان ثقةً كثير الحديث، ثبتاً مأموناً، وقال
إبراهيم بن الجنيد: قلت ليحيى بن معين: كان عند معن ((الموطأ)»؟ قال: قليل،
قال يحيى: وإنما قصدنا إليه في حديث مالك، قلت: فكيف هو في حديث
مالك؟ قال: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان هو الذي يتولى
القراءة على مالك، وقال الخليليّ: قديمٌ متفقٌ عليه، رضي الشافعي بروايته.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً.
٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَس) بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه،
إمام دار الهجرة، رأس الْمُتقنين، وكبير الْمُتَثَبِّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.

(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦٣)
٢٢٣
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عمرو بن يحيى السابق.
وقوله: (وَقَالَ: مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثاً) فاعل ((قال)) ضمير مالك بن
أنس ◌َّتُهُ؛ أي: قال مالك في روايته: ((مضمض، واستنثر)) بدل قول خالد
الطّحّان: ((فمضمض، واستنشق)).
وقوله: (بَدَأَ(١) بِمُقَدَّم رَأْسِهِ) قال في ((الفتح)): الظاهر أنه من الحديث،
وليس مُدْرجاً من كلام مالك، ففيه حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر
الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه؛ لظاهر قوله: ((أقبل، وأدبر))، ويَرُدّ عليه أن
الواو لا تقتضي الترتيب، وقد ثبت عند البخاريّ من رواية سليمان بن بلال،
عن عمرو بن يحيى بلفظ: ((فأدبر بيديه، وأقبل))، فلم يكن في ظاهره حجةٌ؛
لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يُعَيِّن ما أقبل إليه، ولا ما أدبر
عنه، ومخرج الطريقين مُتَّحِدٌ، فهما بمعنى واحد، وعَيَّنَت رواية مالك البداءة
بالمقدَّم، فَيُحْمَل قوله: ((أقبل)) على أنه من تسمية الفعل بابتدائه؛ أي بدأ بقُبُل
الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك.
والحكمةُ في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح، فعلى
هذا يختصّ ذلك بمن له شَعْرٌ، والمشهور عمن أوجب التعميم أن الأُولى
واجبة، والثانية سنة، ومن هنا يتبين ضعف الاستدلال بهذا الحديث على
وجوب التعميم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله في ((الفتح)) من ضعف الاستدلال
على وجوب التعميم فيه نظرٌ لا يخفى، فالحقّ أنه يفيد وجوب التعميم؛ لأنه
بيان لمجمل الآية كما بيّنه الإمام مالك كَّتُهُ، وكذا قوله: ((يختصّ بمن له
شعر)) فيه نظرٌ؛ لأن النصّ ما خصّ رأساً دون رأس، فتبصّر، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية مالك ◌ََّتُهُ التي أحالها المصنّف رَُّ هنا على رواية خالد
الطحّان ◌َّلُهُ، ساقها الإمام البخاريّ تَخُّْ أيضاً في ((صحيحه))، فقال:
(١٨٥) حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن عمرو بن
(١) وفي نسخة: ((وبدأ)).
(٢) ((الفتح)) ٣٥١/١.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
يحيى المازنيّ، عن أبيه، أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد - وهو جد عمرو بن
يحيى -: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله و * يتوضأ؟ فقال عبد الله بن
زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض، واستنثر
ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح
رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بِمُقَدَّم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم
ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
وقوله: ((ثم غسل يديه مرّتين)) هكذا في رواية مالك ((مرّتين))، وفي
رواية خالد الطحّان الماضية، وكذا في رواية وُهيب، وسليمان بن بلال عند
البخاريّ، والدَّرَاوَرْديّ عند أبي نعيم - كما قال في ((الفتح)) - أنه غسل
ثلاثاً، وقال الحافظ: وهؤلاء حفّاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدّمة على
الحافظ الواحد، يعني مالكاً، وقد ذكر مسلم في الحديث التالي أن وُهيباً
سمع هذا الحديث من عمرو بن يحيى مرّتين إملاءً، فتأكّد ترجيح روايته(١)،
فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ:
(فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ))، وَقَالَ أَيْضاً: ((فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ،
فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، مَرَّةً وَاحِدَةً))، قَالَ بَهْزٌ(٢): أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ، وقَالَ
وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْبَى هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من
صغار [١٠] (ت٢٦٠) وقيل: بعدها (خ م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٩.
(١) راجع ((الفتح)) ٣٤٩/١.
(٢) وفي نسخة: ((وقال بهزٌ)).

٢٢٥
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦٤)
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد
٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجلان الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
تغيّر قليلاً بآخره [٧] (ت١٦٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣.
وقوله: (بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ) أي بمثل إسناد خالد الطحّان، وسليمان بن
بلال، ومالك، يعني أن وُهيباً روى هذا الحديث بإسنادهم المتقدّم، وهو: عن
عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد ﴿به.
وقوله: (وَاقْتَصِنَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير وُهيب، أي ساق وُهيبُ الحديث
المذكور.
وقوله: (وَقَالَ فِيهِ) أي قال وُهيب في الحديث الذي ساقه: ((فَمَضْمَضَ،
وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ غَرَفَاتٍ)))، يعني أنه جمع بين الثلاثة: المضمضة،
والاستنشاق، والاستنثار، بخلافهم، فإن خالداً وسليمان ذكرا المضمضة،
والاستنشاق من كفّ واحدة، ومالكاً ذكر المضمضة، والاستنثار ثلاثاً.
وقوله: (وَقَالَ أَيْضاً: ((فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، مَرَّةً وَاحِدَةً) يعني أن
وُهيباً صرّح أيضاً في روايته أن مسح الرأس مرّةً واحدةً، وقد سبق أن السنة
كون مسح الرأس مرّة واحدةً، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، ولا
يُستحبّ تثليثه، كما يقول به الشافعيّ تَظْثُهُ؛ لعدم ثبوته عن النبيّ ◌َّ، وما ورد
من التثليث، وإن صححه بعضهم، فإنه شاذّ، لا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (قَالَ بَهْزٌ (١): أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبُ هَذَا الْحَدِيثَ، وقَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى
عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْنَى هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ) المعنى أن بهزاً أخذ هذا الحديث من
شيخه وُهيب بالإملاء، كما أنه أخذه من شيخه عمرو بن يحيى إملاء، أملاه
عليه مرّتين، وهذا يدلّ على قوّة حفظه له.
و ((الإملاء)) لغة في الإملال، يقال: أمللت الكتاب على الكاتب إملالاً:
ألقيته عليه، وأمليته إملاء بمعناه، والأولى لغة أهل الحجاز، وبني أسد،
(١) وفي نسخة: ((وقال بهزٌ)).

٢٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
والثانية لغة بني تميم وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، قال الله تعالى:
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِىِ عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥](١).
و((الإملاء)) أعلى أنواع التحمّل؛ لما فيه من تَحَرِّي الشيخ والطالب؛ إذ
الشيخ مشتغلٌ بالتحديث، والطالب مشتغلٌ بالكتابة عنه، فهما لذلك أبعد عن
الغفلة، وأقرب إلى التحقيق، وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده.
وهو أيضاً أغلب أحوال النبيّ وَّر في تبليغه للصحابة؛ لأن الغالب أنه وَّه
أخبر الناس ابتداءً، وأسمعهم ما جاءه من عند الله تعالى، وأما سؤال
الصحابة ﴿ له، وكذا تقريره لما جَرَى في حضرته، فمرتبة ثانية، وراجع في
تمام هذا البحث ما كتبته في (شرح)) ألفيّة السيوطيّ تَتُهُ في الحديث(٢).
[تنبيه]: رواية وُهيب هذه التي أحالها المصنّف على رواية الرواة الثلاثة
المتقدّمين، ساقها الإمام البخاريّ كَُّ أيضاً في ((صحيحه))، فقال:
(١٨٦) حدّثنا موسى(٣)، قال: حدّثنا وُهيب عن عمرو، عن أبيه: شهدت
عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبيّ وَّ، فدعا بِتَوْر من
ماء، فتوضأ لهم وضوء النبيّ وَلّ، فأكفأ على يده من التَّوْر، فغسل يديه ثلاثاً، ثم
أدخل يده في التور، فمضمض، واستنشق، واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل
يده، فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده، فمسح
رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرةً واحدةً، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. انتهى.
وقوله: ((ثم أدخل يده، فغسل وجهه)) بَيَّن في هذه الرواية تجديد
الاغتراف لكل عضو، وأنه اغترف بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الروايات
عند الشيخين وغيرهما، لكن وقع في رواية ابن عساكر، وأبي الوقت من طريق
سليمان بن بلال عند البخاريّ: ((ثم أدخل يديه بالتثنية))، وليس ذلك في رواية
أبي ذرّ، ولا الأصيليّ، ولا في شيء من الروايات خارج ((الصحيح))؛ قاله
النوويّ.
(١) راجع ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٠.
(٣) هو ابن إسماعيل التبوذكيّ ◌َّتُهُ.
(٢) ١ /٤٤٥ - ٤٤٧.

٢٢٧
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦٥)
قال الحافظ: وأظن أن الإناء كان صغيراً، فاغترف بإحدى يديه، ثم
أضافها إلى الأخرى، كما تقدم نظيره في حديث ابن عباس نظافته، وإلا
فالاغتراف باليدين جميعاً أسهل وأقرب تناولاً، كما قال الشافعي تَظُّهُ.
وقوله: ((ثم غسل يديه مرتين)) المراد غسل كل يد مرتين، كما تقدم في
طريق مالك: ((ثم غسل يديه مرتين مرتين))، وليس المراد توزيع المرتين على
اليدين كأن يكون لكل يد مرة واحدة، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٦٥] (٢٣٦) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ
الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ
حَبَّنَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ الْمَازِنِيَّ(٢)،
يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَىَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ، ثُمَّ اسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَّ وَجْهَهُ ثَلَاثاً،
وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثاً، وَالْأُخْرَى ثَلَاثاً، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، بِمَاءٍ غَيْرٍ فَضْلِ يَدِهِ(٣)، وَغَسَلَ
رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الْخَزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣.
٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السعديّ
مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د
س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
(١) ٣٥٢/١ - ٣٥٣.
(٢) وفي نسخة: ((المازنيّ، ثمّ الأنصاريّ)). (٣) وفي نسخة: (يديه)).

٢٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه،
ثقةٌ حافظٌ عابد [٩] (ت١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٦ - (حَبَّانُ بْنُ وَاسِع) هو: حَبّان - بفتح الحاء المهملة، وتشديد
الموحّدة، آخره نون - ابن وَّاسع بن حَبّان بن مُنقِذ بن عَمْرو الأنصاريّ المازنيّ
المدنيّ، ابن عَمّ محمد بن يحيى، صدوقٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وخلاد بن السائب، وعنه عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة،
ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، له عندهم هذا
الحديث في الوضوء فقط.
٧ - (أَبُوهُ) هو: واسع بن حبّان - بفتح المهملة، ثم موحّدة ثقيلة - ابن
منقذ بن عمرو بن مالك بن خَنْساء بن مَبْذُول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن
النجار الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن رافع بن خَدِيج، وعبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ،
وعبد الله بن عُمر، وسعد بن المنذر، وقيس بن صعصعة، وأبي سعيد،
ووهب بن حُذيفة، وجابر
ورَوَى عنه ابنه حَبّان، وابن أخيه محمد بن يحيى بن حَبّان، قال أبو
زرعة: مدنيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره البغوي في
((الصحابة))، وقال: في صحبته مقالٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وزَعَم
الْعَبْدَويّ أنه شَهِد بيعة الرضوان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٣٦)
وحديث رقم (٢٦٦) وأعاده بعده.
و ((عبد الله بن زيد)) رُه تقدّم.
وقوله: (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ)
قال النوويّ تَخْلَتُهُ: هذا من احتياط مسلم تَّتُهُ، ووفور علمه، وورعه، ففرّق
بين روايته عن شيخيه: الهارونين، فقال في الأول: ((حدّثنا))، وفي الثاني:

٢٢٩
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦٥)
((حدّثني))، فإن روايته عن الأول كانت سماعاً من لفظ الشيخ له ولغيره، وروايته
عن الثاني كانت له خاصةً من غير شريك له، وقد قدَّمنا أن المستحب في مثل
الأول أن يقول: ((حدّثنا))، وفي الثاني: ((حدثني))، وهذا مستحبّ بالاتفاق،
وليس بواجب، فاستعمله مسلم تَخَّثُهُ، وقد أكثر من التحرّي في مثل هذا، وقد
قدّمت له نظائر، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - التنبيه على نظائره الكثيرة، والله
تعالى أعلم. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) هذا
أيضاً من احتياط مسلم ◌َّتُهُ وورعه، فإنه رَوَى هذا الحديث أوّلاً عن شيوخه
الثلاثة: الهارونين، وأبي الطاهر، عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن
الحارث، ولم يكن في رواية أبي الطاهر ((أخبرني))، وإنما كان فيها: ((عن
عمرو بن الحارث))، وقد تقرَّر أن لفظة ((عن)) مختلَفٌ في حملها على الاتصال،
والقائلون أنها للاتصال وهم الجماهير يوافقون على أنها دون ((أخبرنا))، فاحتاط
مسلم تَظْتُهُ، وبَيَّنَ ذلك، وكم في كتابه من الدُّرَر والنفائس المشابهة لهذا،
رحمه الله تعالى، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته، والله تعالى أعلم؛ قاله
النوويّ ◌َُّهُ(٢).
وقوله: (وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثاً، وَالْأُخْرَى ثَلَاثاً) [إن قيل]: إن هذه الرواية
تعارض ما سبق من روايات حديث عبد الله بن زيد تظ له، حيث إن فيها أنه
غسل يديه مرتين مرّتين، وهذه فيها أنه غسلهما ثلاثاً، فكيف التوفيق؟.
[قلت]: يجاب بأنه لا تعارض بين الروايات؛ لأنه يمكن حملُ هذه
الرواية على أنها بيان لصفة أخرى، توضّأها عبد الله بن زيد نظُه في وقت
آخر، كما رأى النبيّ ◌َله يتوضّأ أيضاً كذلك، ومما يؤيّد هذا اختلاف الطريق،
فإن هذه من طريق واسع بن حبّان، عن عبد الله بن زيد، بخلاف الروايات
السابقة، كما مرّ إيضاحه، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (بِمَاءٍ غَيْرٍ فَضْلٍ يَدِهِ) وفي بعض النسخ: (يديه))، قال
النوويّ كَثْتُ: معناه أنه مسح الرأس بماء جديدٍ، لا ببقية ماء يديه، ولا يُسْتَدَلّ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٤/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٤/٣.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
بهذا على أن الماء المستعمل لا تصحّ الطهارة به؛ لأن هذا إخبار عن الإتيان
بماء جديدٍ للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَّتُ: فيه دليلٌ على مشروعيّة تجديد الماء لمسح الرأس،
وأنه سنّةٌ، خلافاً للأوزاعيّ والحسن وعروة في تجويزهم مسحه ابتداءً بما فضل
في يديه، ولم يجئ في هذا الحديث، ولا في حديث عثمان رصُه للأذنين ذكرٌ،
ويُمكن أن يكون ذلك لأن اسم الرأس تضمّنهما، وقد جاءت الأحاديث
الصحيحة في كتاب النسائيّ، وأبي داود، وغيرهما أن النبيّ ◌َ لّ مسح أذنيه،
ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صِمَاخيه، وسيأتي ذكرهما. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َُّهُ(٢) .
وقوله: (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا) فيه أن استحباب إنقاء الرجلين
بالغسل، ولا ينافي هذا ما تقدّم في حديث عثمان رَظُه أنه ◌ّ غسل رجليه
ثلاثاً؛ لأن التثليث لا ينافي الإنقاء، فالسنة التثليث مع الإنقاء، فتنبّه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ الإِيتَارِ فِ الاسْتِنْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٦٦] (٢٣٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُبَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َهِ، قَالَ: ((إِذَا اسْتَجْمَرَ
أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْراً، وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءَ، ثُمَّ لْيَنْتَِرْ(٣))).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٥/٣.
(٣) وفي نسخة: ((ثم لينُر)).
(٢) ((المفهم)) ٤٨٩/١.

(٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٦٦)
٢٣١
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) عن (٩٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير الناقد، أبو عثمان
البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في
((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عِمْران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمام حجة، من رؤوس [٨] (ت١٩٨) عن (٩١) سنة
(ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) هو: عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في (المقدمة)) ٣٠/٥.
٦ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، مولى ربيعة بن الحارث، أبو
داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ◌َظُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قَرَنَ بينهم .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عمرو الناقد، فما
أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين من أبي الزناد.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة نظُبه، وهو مرويّ
عن الإمام البخاريّ تَخْذَتُ(١).
(١) راجع ((شرحي على ألفيّة الحديث للسيوطيّ تَخْذَتُهُ)) ٣٥/١.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي الزناد، عن الأعرج.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: (جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ)، فـ((جميعاً)) منصوب
على الحال، أي حال كون الشيوخ الثلاثة مجتمعين(١) في أخذهم عن ابن عيينة.
٧ - (ومنها): أن فيه قوله: (قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) قد تقدّم أن هذا من
احتياط الإمام مسلم تَخْثُ، وشدّة عنايته بالتمييز بين ألفاظ الشيوخ المختلفة، وإن
كان اختلافها لا يضرّ، وذلك أن شيوخه الثلاثة مختلفون في كيفيّة الأداء، فعمرو
الناقد، وابن نُمير قالا: ((عن ابن عيينة))، وأما قتيبة، فصرّح بالتحديث، وذكر
شيخه باسمه، فقال: ((حدّثنا سفيان))، وهذا الصنيع هو الذي امتاز به المصنّف،
حتى على الإمام البخاريّ تَخْذَلُهُ، فتنبّه لذلك، فإنه دقيق، وبالله تعالى التوفيق.
٨ - (ومنها): أن فيه قوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ﴿) هذه الصيغة من جملة
صيغ الأداء التي يستعملها المحدّثون، ومعنى ((يبلغ به)) أي يَصِل به إلى
النبيّ ◌َّه، ومثل ذلك ((يرفعه))، و((يَنْمِيه))، و((روايةً))، و((يَرْويه))، وأمثال ذلك،
وهو في حكم المرفوع بلا خلاف بين أهل العلم، كما صرّح به النوويّ،
واقتضاه كلام ابن الصلاح، قال السخاويّ: ويدلّ لذلك مجيء بعض الْمَكنيّ به
بالتصريح، ففي بعض الروايات الحديث: ((الفِطْرة خمسٌ)): ((يبلغ به النبيّ ◌َِّ))،
وفي بعضها: ((قال رسول الله وَ لات)).
والسبب الحامل على عدول التابعيّ عن قول الصحابيّ: سمعت
رسول الله وصية، ونحوها إلى ((يبلغ به))، أو ((يرفعه))، أو («روايةً))، ونحوها مع
تحقّقه بأن الصحابيّ رفعه إلى النبيّ ◌َّ﴿ كونه يشكّ في صيغة الرفع بعينها، هل
هي ((سمعتُ))، أو ((قال رسول الله وَ لَ))، أو ((نبيّ الله))، أو نحوها؟ وهو ممن
لا يَرَى الإبدال، أو طلباً للتخفيف، أو شكّه في ثبوته، أو ورعه، حيث عَلِمَ
أن المرويّ بالمعنى(٢)، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن أبا هريرة به أحفظ من روى الحديث في دهره، كما
سبق غير مرّة. والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((المصباح المنير)) ١٠٩/١.
(٢) راجع شرحي المسمّى: ((إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفية الأثر)) ١١٠/١ - ١١١.

(٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٦٦).
٢٣٣
شرح الحديث:
(يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌ََّ﴾ تقدّم البحث عن هذه الجملة
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
آنفاً (قَالَ) أي النبيّ وَّهِ ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ) أي استعمل الجمارَ، وهي
الحجارة الصغيرة في الاستنجاء، وحمله بعضهم على استعمال البَخُور، فإنه
يقال فيه: تَجَمَّر، واستجمر، حكاه ابن حبیب، عن ابن عمر ◌ًا، ولا يصحّ
عنه، وابن عبد البر عن مالك، وروى ابن خزيمة في ((صحیحه)) عنه خلافه،
وقال عبد الرزاق، عن معمر أيضاً بموافقة الجمهور، واستَدَلّ بعض من نَفَى
وجوب الاستنجاء بهذا الحديث؛ للإتيان فيه بحرف الشرط، ولا دلالة فيه،
وإنما مقتضاه التخيير بين الاستنجاء بالماء، أو بالأحجار؛ قاله في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ تَّتُهُ: أما الاستجمار: فهو مسح محلّ البول والغائط
بالْجِمَار، وهي الأحجار الصغار، قال العلماء: يقال: الاستطابةُ،
والاستجمار، والاستنجاء لتطهير محلّ البول والغائط، فأما الاستجمار فمختص
بالمسح بالأحجار، وأما الاستطابة، والاستنجاء، فيكونان بالماء ويكونان
بالأحجار.
قال: هذا الذي ذكرناه من معنى الاستجمار هو الصحيح المشهور الذي
قاله الجماهير من طوائف العلماء من اللغويين، والمحدثين، والفقهاء.
وقال القاضي عياض تَخَّتُهُ: اختَلَف قولُ مالك وغيره في معنى الاستجمار
المذكور في هذا الحديث، فقيل: هذا، وقيل: المراد به في الْبَخُور، أن يأخذ
منه ثلاث قِطَع، أو يأخذ منه ثلاث مرات، يَسْتَعمل واحدة بعد أخرى، قال:
والأول أظهر، والله أعلم، والصحيح المعروف ما قدمناه. انتهى كلام
النوويّ كَّتُهُ(٢) .
وقال العينيّ ◌َُّ في ((شرحه)) بعد ذكره ما تقدّم: إنما سُمّي به التمسّح
بالجمار التي هي الأحجار الصغار؛ لأنه يُطيّب المحلّ كما يُطيّبه الاستجمار
بالْبَخُور، ومنه سُمّيت جمار الحج، وهي الحصيات التي يُرْمَى بها. انتهى (٣).
(١) ٣١٦/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٠٩/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٥/٣.

٢٣٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
(فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْراً) أي ليجعل الأحجار التي يستنجي بها وتراً ثلاثاً، لا
أقلّ؛ لما أخرجه المصنّف من حديث سلمان ظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((ولا
يستنج أحدكم بأقلّ من ثلاثة أحجار)).
وقال النوويّ كَُّهُ: المراد بالإيتار أن يكون عدد الْمَسَحَات ثلاثاً، أو
خمساً، أو فوق ذلك من الأوتار، ومذهب الشافعيّ أن الإيتار فيما زاد على
الثلاث مستحبّ، وحاصل مذهبه أن الإنقاء واجب، واستيفاء ثلاث مَسَحَات
واجبٌ، فإن حَصَل الإنقاء بثلاث فلا زيادة، وإن لم يحصل وجب الزيادة، ثم
إن حَصَل بوتر فلا زيادة، وإن حصل بشفع كأربع، أو ستّ استُحِبّ الإيتار.
وقال بعض أصحاب الشافعيّ: يجب الإيتار مطلقاً؛ لظاهر هذا الحديث،
وحجة الجمهور الحديث الصحيح في ((السنن)) أن رسول الله وَ لو قال: ((مَن
استَجْمَر فليُوتِرْ، مَن فَعَل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج))، ويَحْمِلون حديث
الباب على الثلاث، وعلى الندب فيما زاد. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): وبهذا أخذ الشافعيّ، وأحمد، وأصحاب الحديث،
فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاثة، مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها، فيزاد
حتى ينقى، لكن يُستحبّ مع ذلك الإيتار؛ لقوله ◌َّلتر: ((ومن استجمر فليوتر))،
وليس بواجب؛ لزيادةٍ في ((سنن أبي داود)) حسنة الإسناد: قال: ((ومن لا فلا
حرج))، وبهذا يحصل التوفيق بين الروايات في هذا الباب. انتهى، وهو بحثٌ
نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ) أي شرع في الوضوء (فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءَ، ثُمَّ لْيَتَْئِرْ)
وفي نسخة: ((فليَنْثُر)): أي لِيُخْرِج الماء الذي استنشقه، وذلك يكون بريح الأنف
بإعانة يده، أو بغيرها مع إخراج الأذى؛ لما يأتي من قوله: ((فإن الشيطان يبيت
على خياشيمه))؛ ولما فيه من المعونة على القراءة؛ لأن تنقية مجرى النفس
تصحّح مخارج الحروف.
و((الاستنثار)): استفعال، من النَّثْر - بالنون، والمثلَّثة - وهو طرح الماء
الذي يستنشقه المتوضئ، أي يجذبه بريح الأنف؛ لتنظيف ما في داخله، فيخرج
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/٣.

٢٣٥
(٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٦٦)
بريح الأنف سواءً كان بإعانة يده أم لا. وحُكِي عن مالك كراهية فعله بغير
اليد؛ لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، وإذا استنثر بيده،
فالمستحب أن يكون باليسرى، بَوَّبَ عليه النسائي، وأخرجه مقيداً بها من
حديث عليّ ر ◌ُبّه(١).
[تنبيه]: لم يَذكُر في هذه الرواية عدداً، وقد ورد في رواية سفيان، عن
أبي الزناد، ولفظه: ((وإذا استنثر، فليستنثر وتراً))، أخرجه الحميديّ في ((مسنده))
عنه، وأصله لمسلم، وفي رواية عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة تظ له الآتية
للمصنّف بعد ثلاثة أحاديث: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث
مرّات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه))، أفاده في ((الفتح))(٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: ففيه دلالةٌ ظاهرةٌ على أن الاستنثار غير الاستنشاق،
وأن الاستنثار هو إخراج الماء بعد الاستنشاق، مع ما في الأنف من مخاط
وشبهه، وقد تقدَّم ذكر هذا، وفيه دلالة لمذهب مَن يقول: الاستنشاق واجب؛
المطلق الأمر، ومن لم يوجبه حَمَل الأمر على الندب، بدليل أن المأمور به
حقيقةً، وهو الانتثار ليس بواجب بالاتفاق، فإن قالوا: ففي الرواية الأخرى:
((إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينثر))، فهذا فيه دلالة ظاهرة
للوجوب، لكن حَمْلُه على الندب مُحْتَمِلٌ؛ لِيُجْمَع بينه وبين الأدلة الدالة على
الاستحباب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأرجح وجوب الاستنشاق، والانتشار؛
لظاهر الأمر، ولأنه ◌َّ لم يُنقل عنه تركهما، وقد سبق أن الحقّ أن آية الوضوء
مجملة، بيّنها النبيّ وَّ بفعله وقوله، فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في
((المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٣١٥/١.
(٢) ((الفتح)) ٣١٥/١.

٢٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٨/ ٥٦٦ و٥٦٧ و٥٦٨ و٥٦٩]
(٢٣٧)، و[٨/ ٥٧٠] (٢٣٨)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٦٢)، و(أبو داود)
في ((الطهارة)) (١٤٠)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٨٨)، و(مالك) في ((الموطأ))
(١٩/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٥٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/٢
و ٢٧٨ و٣١٥ و٤٦٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٧١ و٦٧٢ و٦٧٣ و٦٧٤
و ٦٧٥ ٦٧٦ و ٦٧٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٦٠ و٥٦١ و٥٦٢ و ٥٦٣
و٥٦٤)، و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (١٤٣٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (١٢٠/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالاستنثار في الوضوء، والحقّ أنه واجبٌ،
كالمضمضة والاستنشاق، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَّتُهُ: في هذا الحديث الأمر
بالاستنثار بالماء عند الوضوء، وذلك دفع الماء بريح الأنف بعد الاستنشاق،
والاستنشاق أخذ الماء بريح الأنف من الكفّ، والاستنثار دفعه، ومحالٌ أن
يدفعه مَن لم يأخذه، ففي الأمر بالاستنثار أمر بالاستنشاق، فافهم، وعلى ما
وصفتُ لك في الاستنشاق والاستنثار جمهور العلماء، وأصل هذه اللفظة في
اللغة القَذْفُ يقال: نَثَرَ، واستنثر بمعنى واحد، وذلك إذا قَذَف من أنفه ما
استنشق، مثل الامتخاط، ويقال: الجراد نثرة حُوت، أي قَذَف به من أنفه.
وقد رَوَى ابن القاسم، وابن وهب عن مالك، قال: الاستنثار أن يَجعل
يده على أنفه، ويستنثر، قيل لمالك: أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه؟
فأنكر ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك الحمار، وسئل مالك عن المضمضة
والاستنثار مرّةً أم مرتين أم ثلاثاً؟ فقال: ما أبالي أيّ ذلك فعلت، وكل ذلك
جائزٌ عند مالك، وجميع أصحابه أن يتمضمض، ويستنثر من غرفة واحدة.
٢ - (ومنها): بيان الأمر بالاستجمار وتراً، وهو أيضاً للوجوب، كما
سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٢٣٧
(٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِي الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٦٦)
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنثار:
قال الحافظ أبو عمر تَخُّ: أجمع المسلمون طرّاً على أن الاستنشاق،
والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة، ومسح الأذنين، واختلفوا فيمن
ترك ذلك ناسياً أو عامداً، فكان أحمد بن حنبل يذهب إلى أن مَن ترك
الاستنثار في الوضوء ناسياً أو عامداً أعاد الوضوء والصلاة، وبه قال أبو ثور،
وأبو عبيد في الاستنثار خاصّةً، وهو قول داود في الاستنثار خاصةً أيضاً.
وكان أبو حنيفة، والثوريّ، وأصحابهما يذهبون إلى إيجاب المضمضة
والاستنشاق في الجنابة دون الوضوء.
وكانت طائفة توجبهما في الوضوء والجنابة.
وأما مالك، والشافعيّ، والأوزاعيّ، وأكثر أهل العلم، فإنهم ذهبوا إلى
أن لا فرض في الوضوء واجبٌ إلا ما ذكره الله رَ في القرآن، وذلك غسل
الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. انتهى كلامه
بالاختصار(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: (فليستنثر) ظاهر الأمر أنه للوجوب، فيلزم من
قال بوجوب الاستنشاق؛ لورود الأمر به، كأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي
ثور، وابن المنذر، أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب ((المغني))
يقتضي أنهم يقولون بذلك، وأن مشروعية الاستنشاق لا تحصل إلا بالاستنثار.
وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار.
وفيه تَعَقُّبٌ على من نقل الإجماع على عدم وجوبه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت آنفاً من كلام ابن عبد البرّ تَخَذَتُ أن هؤلاء
- أحمد، ومن ذكر معه - قائلون بوجوب الاستنثار، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: واستَدَلّ الجمهور على أن الأمر فيه للندب بما حَسّنه الترمذيّ،
وصححه الحاكم من قوله وَلتر للأعرابيّ: ((توضأ كما أمرك الله))، فأحاله على
الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق.
وأجيب بأنه يَحْتَمِل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البر ◌َخْذَتهُ ٢٢٦/١٨.

٢٣٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
أمر الله وَك باتباع نبيه وَّه، وهو الْمُبَيِّن عن الله أمره، ولم يَحْكِ أحدٌ ممن
وَصَف وضوءه بَّله على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة،
وهو يَرُدُّ على من لم يوجب المضمضة أيضاً، وقد ثبت الأمر بها أيضاً في
((سنن أبي داود)) بإسناد صحيح، وذكر ابن المنذر أن الشافعيّ لم يَحْتَجّ على
عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يَعْلَم خلافاً في أن تاركه
لا يُعيد، وهذا دليلٌ قويّ، فإنه لا يُحْفَظ ذلك عن أحد من الصحابة، ولا
التابعين، إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره كله ابن
المنذر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب الاستنثار هو الحقّ، وكذا
المضمضة، والاستنشاق، وأما دعوى الإجماع على عدم وجوبها، كما سبق
آنفاً عن ابن المنذر أنه لا يُحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين، غير
صحيحة، فقد ذكر ابن المنذر نفسه ذلك عن عطاء، وحماد بن أبي سليمان،
وابن أبي ليلى، والزهريّ، وإسحاق بن راهويه(٢)، وذكر ابن حزم أنه نُقل عن
مجاهد أنه قال: الاستنشاق شطر الوضوء، فأين الإجماع المزعوم؟ وقد تقدّم
تحقيق القول في هذا في المسألة السابعة من شرح حديث عثمان رظُته، فراجعه
تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستجمار وتراً:
(اعلم): أنه اختُلف في اشتراط الثلاث في الاستنجاء بالأحجار على
مذاهب :
(الأول): مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث،
فإنهم اشترطوا أن لا ينقص من الثلاث، مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصُل بها،
فيُزاد حتى ينقي، ويُستحبّ حينئذ الإيتار؛ لقوله ◌َّ: ((ومن استجمر فليوتر))،
وليس بواجب؛ لما أخرجه أبو داود في ((سننه)) بإسناد حسن، فزاد: ((ومن لا
فلا حرج))، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات.
(المذهب الثاني): مذهب مالك، وداود قالا: الواجب الإنقاء، فإن
(١) ((الفتح)) ٣١٥/١.
(٢) ((الأوسط)) ٣٧٧/١.

٢٣٩
(٨) - بَابُ الإِيتَارِ فِ الاسْتِْثَارِ، والاسْتِجْمَارِ - حديث رقم (٥٦٦)
حصل بحجر واحد أجزأ، وحكاه العبدريّ عن عمر بن الخطّاب رَظُه، وبه قال
أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء.
واحتجّ هؤلاء بحديث أبي هريرة ظُه مرفوعاً: ((من استجمر فليوتر، ومن
فَعَل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج))، قالوا: ولأن المقصود الإنقاء، ولأنه لو
استنجى بالماء لم يُشترط عدد، وكذلك الحجر.
واحتجّ أصحاب المذهب الأول بحديث سلمان نظراته الآتي: ((لا يستنجي
أحدكم بدون ثلاثة أحجار))(١)، فإنه صريح في وجوب الثلاث.
وبحديث أبي هريرة ظُه هذا، وحديث عائشة صَّا أن النبيّ وَّ قال:
((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار))، وهو حديث
صحيح .
وبحديث أبي هريرة رضيله أيضاً: ((كان رسول الله ◌َليل يأمرنا بثلاثة
أحجار، وينهى عن الروث والرّمّة))، أخرجه النسائيّ، وهو حديث صحيح،
وبحديث خزيمة بن ثابت رعايته قال: سئل النبيّ وَلّ عن الاستطابة؟ فقال:
(بثلاثة أحجار))، حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه،
والبيهقيّ.
وبحديث ابن مسعود رضيالله: أتى النبيّ وَلّ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة
أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثةً، فأتيته
بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس))، رواه البخاريّ،
وأحمد، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وفي رواياته زيادة: ((فألقى الروثة، وقال:
ائتني بحجر))، يعني ثالثاً، وفي بعضها: ((ائتني بغيرها)).
وبحديث جابر نظره الآتي آخر الباب أن النبيّ وَلّ قال: ((من استجمر
فليوتر)) .
وفي رواية لأحمد، والبيهقيّ: ((إذا استجمر أحدكم، فليستجمر ثلاثاً))،
قال البيهقيّ تَخْتُهُ: هذه الرواية تُبَيّن أن المراد بالإيتار في الرواية الأولى ما زاد
على الواحد.
(١) سيأتي - إن شاء الله تعالى - برقم (٢٦٢).

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال الخطابيّ تَُّ في حديث سلمان ربه: ((أمرنا أن نستنجي بثلاثة
أحجار)): في هذا البيان الواضح أن الاقتصار على أقلّ من ثلاثة أحجار لا
يجوز، وإن حصل الإنقاء بدونها، ولو كفى الإنقاء لم يكن لاشتراط العدد
معنّى، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى؛
لأنه يزيل العين والأثر، فدلالته قطعيّة، فلم يَحتَجْ إلى الاستظهار بالعدد، وأما
الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهراً لا قطعاً، فاشترط فيه العدد،
كالعدّة بالأقراء لَمّا كانت دلالتها ظّاً اشتُرط فيها العدد، وإن كان قد تحصل
براءة الرحم بقرء، ولهذا اكتُفي بقرء في استبراء الأمة، ولو كانت العدّة الولادة
لم يُشترط العدد؛ لأن دلالتها قطعيّة. انتهى كلام الخطابيّ ملخّصاً.
[فإن قيل]: التقييد بثلاثة أحجار إنما كان لأن الإنقاء لا يحصل بدونها
غالباً، فخرج مخرج الغالب.
[قلنا]: لا يجوز حمل الحديث على هذا؛ لأن الإنقاء شرط بالاتّفاق،
فكيف يُخلّ به، ويَذكُر ما ليس بشرط، مع كونه موهماً للاشتراط .
[فإن قيل]: فقد ترك ذكر الإنقاء.
[قلنا]: ذلك من المعلوم الذي يُستغنى بظهوره عن ذكره بخلاف العدد،
فإنه لا يُعرف إلا بتوقيف، فنصّ على ما يخفى، وترك ما لا يخفى، ولو حُمِلَ
على ما قالوه لكان إخلالاً بالشرطين معاً، وتعرُّضاً لما لا فائدة فيه، بل فيه
إیهام.
والجواب عن الحديث الذي احتجّوا به: أن الوتر الذي لا حرج في تركه
هو الزائد على ثلاثة؛ جمعاً بين الأحاديث، والجواب عن الدليلين الآخرين
سبق في كلامنا؛ قاله النوويّ كَّتُ في ((شرح المهذّب))(١).
وقال العلامة الشوكانيّ كَّلهُ: وقد عارضت الحنفيّة حديث سلمان ظپه
المذكور الذي هو نصّ في اشتراط الثلاث بحديث ابن مسعود رضيبه الذي فيه:
((فأخذ الحجرين، وألقى الروثة))، قال الطحاويّ: هو دليلٌ على أن عدد
الأحجار ليس بشرط؛ لأنه قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار؛ لقوله:
(١) ((المجموع)) ١٠٤/٢.