Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤١) قال رَّ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ الآية، وقد وردت أحاديث في النهي عن الغلول: (فمنها): ما أخرجه الإمام أحمد، والشيخان من حديث أبي حُميد الساعدي ◌ُّه قال: استَعْمَل رسول الله وَ له رجلاً من الأزد، يقال له: ابن اللُّتَبِيّة على الصدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي لي، فقام رسول الله ﴿ على المنبر، فقال: ((ما بال العامل نبعثه على عمل، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا جَلَس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا يأتي أحدكم منها بشيء، إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، وإن بعيراً، له رُغَاء، أو بقرةً لها خُوَار، أو شاةً تَيْعَر))، ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرة إبطيه، ثم قال: ((اللهم هل بلغت)) - ثلاثاً -. (ومنها): ((ما أخرجوه أيضاً من حديث أبي هريرة تظلُبه، قال: قام فينا رسول الله وَ﴾ يوماً، فذكر الغُلُول، فعظّمه، وعَظّم أمره، ثم قال: ((لا أَلْفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعير له رُغَاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلّغتك، لا أُلِفِيَنّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرسٌ لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك)). (ومنها): ما أخرجه الإمام أحمد رَّتُهُ بسند حسن، عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﴿ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث معهم، حتى يَنْحَدِر إلى المغرب، قال أبو رافع: فبينما رسول الله وَله مسرعاً إلى المغرب، إذ مر بالبقيع، فقال: ((أُفّ لك، أُفّ لك)) مرتين، فَكَبُر في ذَرْعِي، وتأخرت، وظننت أنه يُريدني، فقال: ((ما لك؟ امْشٍ)). قال: قلتُ: أحدثتُ حدثاً يا رسول الله؟، قال: ((وما ذاك؟)) قلت: أَفْفْتَ بي، قال: ((لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعياً على بني فلان، فَغَلَّ نَمِرَةَ، فَدُرِّعَ الآن مثلها من نار)). (ومنها): ما أخرج الإمام أحمد، ومسلم من حديث عمر بن ٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة الخطاب رَظُبه، قال: لما كان يومُ خيبر أقبل نفرٌ من أصحاب رسول الله وَه، فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى أَتَوْا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله وَيرٍ: ((كلا، إني رأيته في النار، في بُرْدَة غَلّها، أو عباءة))، ثم قال رسول الله وقال: ((اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون))، قال: فناديت: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في حكم الطهارة للصلاة: قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث نَصٌّ في وجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة. قال القاضي عياض: واختلفوا متى فُرضت الطهارة للصلاة، فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنةً، ثم نزل فرضه في آية التيمم، وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضاً. قال: واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة، أم على المحدث خاصة؟ فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]. وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان، ثم نُسِخ، وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب، وقيل: بل لم يُشرَع إلا لمن أَحدث، ولكن تجديده لكل صلاة مستحبّ، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يَبْقَ بينهم فيه خلاف. ومعنى الآية عندهم: إذا كنتم مُحدِثين. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالی. واختَلَفَ أصحابنا - يعني الشافعيّة - في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه : [أحدها]: أنه يجب بالحدث وجوباً موسعاً. [والثاني]: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة. (١) راجع ((تفسير ابن كثير ٤٢٢/١ - ٤٢٥ في تفسير هذه الآية، فقد أفاض هناك، وأجاد. ٦٣ (٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤١) [والثالث]: يجب بالأمرين، وهو الراجح عند أصحابنا. وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة، من ماء، أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة، والنافلة، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة الجنازة، إلا ما حُكِيَ عن الشعبي، ومحمد بن جرير الطبريّ، من قولهما: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بطلان هذا المذهب واضح؛ فإنه مخالف للنصوص الكثيرة، التي أوجبت الطهارة للصلاة، كحديث الباب، فإن صلاة الجنازة صلاة من غير شكّ، فقد سماها النبيّ وَل﴿ صلاةً في أحاديث كثيرة، كقوله وَله: ((من صلى على الجنازة))، متّفقٌ عليه، وقال: ((صَلُّوا على صاحبكم))، وقال: ((صَلَّوا على النجاشي))، وكلها في ((الصحيح))، وغير ذلك من الأحاديث، فقد سماها النبيّ وَّ﴿ صلاةً، فتشملها نصوص إيجاب الطهارة للصلاة . والحاصل أنه لا يجوز أن يصلي على الجنازة إلا على طهارة، والله تعالى أعلم. قال: ولو صَلَّى محدثاً متعمداً بلا عذر أَثِمَ، ولا يكفر عندنا، وعند الجماهير، وحُكِي عن أبي حنيفة كَّتُهُ أنه يَكْفُر؛ لتلاعبه، ودليلنا أن الكفر للاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيح. قال ابن الملقّن تَخْلُهُ: وأبدى بعضهم في هذا الاستدلال نظراً؛ للاتّفاق على تكفير من استهان بالمصحف استهانةً مخصوصة في الصورة المخصوصة. (١) انتهى(١). وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْشُهُ: هل غسل الجنابة فرض، أو لا؟ وهل يجوز لأحد أن يصلي جنباً، ولا يعيد؟. فأجاب بأن الطهارة من الجنابة فرض، وليس لأحد أن يصلي جنباً، ولا محدثاً حتى يتطهّر، ومن صلّى بغير طهارة شرعيّة مستحلّاً لذلك فهو كافر، ولو (١) ((الإعلام)) ٢٢٥/١. ٦٤ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة لم يستحلّ ذلك، فقد اختلف في كفره، وهو مستحقّ للعقوبة الغليظة، لكن إن كان قادراً على الاغتسال بالماء اغتسل، وإن كان عادماً للماء، أو يخاف الضرر باستعماله لمرض، أو خوف برد تيمّم وصلّى، وإن تعذّر الغسل والتيمم صلّى بلا غسل، ولا تيمّم في أظهر أقوال العلماء، ولا إعادة عليه. انتهى كلامه(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ بعد كلامه السابق: وهذا كله إذا لم يكن للمصلي محدثاً عذرٌ، أما المعذور، كمن لم يجد ماءً، ولا تراباً، ففيه أربعة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى، وهي مذاهب للعلماء، قال بكل واحدة منها قائلون، أصحها عند أصحابنا يجب عليه أن يصلي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكّن من الطهارة. والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء. والثالث: يستحبّ أن يصلي، ويجب القضاء، والرابع: يجب أن يصلي، ولا يجب القضاء، وهذا القول اختيار المزنيّ، وهو أقوى الأقوال دليلاً. فأما وجوب الصلاة، فلقوله وَله: ((وإذا أمرتكم بأمر، فافعلوا منه ما استطعتم))، متّفقٌ عليه. وأما الإعادة فإنما تجب بأمر مُجَدَّد، والأصل عدمه، وكذا يقول المزني: كُلُّ صلاةٍ أُمِرَ بفعلها في الوقت على نوع من الخلل، لا يجب قضاؤها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه المزنيّ، وقوّاه النوويّ رحمهما الله دليلاً من أن كلّ صلاة أُمر بها الشخص بفعلها في الوقت، فأدّاها بنوع من الخلل لعذر، فإنها مجزئة، لا يلزمه قضاؤها، هو الحقّ عندي؛ لأنه أدّى ما وجب عليه على قدر استطاعته، وقد قال الله رَات: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وللحديث المتّفق عليه المذكور آنفاً، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلف في موجب الوضوء ما هو؟ على ثلاثة أوجه: (١) راجع ((مجموع الفتاوى)) ٢٩٥/٢١. (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ١٠٢/١ - ١٠٣. ٦٥ (٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤٢) [أحدها]: أنه يجب بالحدث وجوباً موسّعاً. [الثاني]: أنه يجب بالقيام إلى الصلاة؛ لقوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا﴾ الآية [المائدة: ٦]. [الثالث]: أنه يجب بالأمرين جميعاً، وهذا هو الأرجح؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٥٤٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلَّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤. ٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْتِ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن جدّه، وزِيَاد بن عِلاقة، وزيد بن جُبَير، وعاصم بن بَهْدَلة، وعاصم الأحول، وسِمَاك بن حرب، والأعمش، وإسماعيل السُّدّيّ، ومَجْزأة بن زاهر الأسلميّ، وهشام بن عروة، ويوسف بن أبي بردة، وخلق كثير. ورَوَى عنه ابنه مهديّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، والنضر بن شُمَيل، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيّان، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ومحمد بن سابق، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وأبو نعيم، وعليّ بن الجعد، وجماعة. قال ابن مهديّ، عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة في القرآن، وقال عليّ ابن المديني، عن يحيى القطان: إسرائيل فوق أبي بكر بن عَيّاش، وقال حرب، عن أحمد بن حنبل: كان شيخاً ثقةً، وجَعَل يتعجب من حفظه، وقال صالح بن أحمد، عن ٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة أبيه: إسرائيل، عن أبي إسحاق فيه لِين، سمع منه بأَخَرةٍ، وقال أبو طالب: سئل أحمد: أَيُّما أثبت: شريك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك، قلت: مَن أحب إليك: يونس، أو إسرائيل، في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب، وقال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: إسرائيل إذا انفرد بحديث، يُحتَجّ به؟ قال: إسرائيل ثبت الحديث، كان يحيى - يعني القطان - يَحْمِل عليه في حال أبي يحيى القَّات، وقال: رَوَى عنه مناكير، قال أحمد: ما حدث عنه يحيى بشيء، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان القطان لا يُحدث عن إسرائيل، ولا عن شريك، وقال الدوريّ أيضاً: سئل يحيى بن معين عن إسرائيل، فقال: قال يحيى بن آدم: كُنّا نكتب عنده من حفظه، قال يحيى: كان إسرائيل لا يحفظ، ثم حَفِظَ بعدُ، وقال أيضاً: إسرائيل أثبت في أبي إسحاق من شيبان، وقال أيضاً: إسرائيل أثبت حديثاً من شريك، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، من أتقن أصحاب أبي إسحاق، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وفي حديثه لِينٌ، وقال في موضع آخر: ثقةٌ صدوقٌ، وليس في الحديث بالقويّ، ولا بالساقط، وقال عيسى بن يونس: كان أصحابنا سفيان، وشريكٌ - وعَدّ قوماً - إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيئون إلى أبي، فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل، فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، هو كان قائد جدّه، وقال شَبَابة بن سَوّار: قلت ليونس بن أبي إسحاق: أَمْلِ عليّ حديث أبيك، قال: اكتب عن ابني إسرائيل، فإن أبي أملاه عليه، وقال محمد بن الحسين بن أبي الْحُنَين: سمعت أبا نعيم، سئل: أَيُّهما أثبت: إسرائيل، أو أبو عوانة؟ فقال: إسرائيل، وقال أبو داود: إسرائيل أصحّ حديثاً من شريك، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وروى ابن البراء، عن عليّ ابن المديني: إسرائيل ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى - يعني ابن معين -: رَوَى عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة، وعن أبي يحيى القَتّات ثلاثمائة، فقال: لم يُؤْتَ منه، أُتِي منهما جميعاً. انتهى. قال الحافظ: فهذا رَدّ لتضعيف القطان له بذلك، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وحَدَّث عنه الناس حديثاً ٦٧ (٢) - بَابُ وُجُوب الطَّهارة لِلصَّلاة - حديث رقم (٥٤٢) كثيراً، ومنهم من يستضعفه، وقال ابن معين: زكريا، وزهير، وإسرائيل، حديثهم في أبي إسحاق قريب من السواء، إنما أصحاب أبي إسحاق سفيان، وشعبة، وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حَدِّثنا حديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنه أثبت فيها مني، وقال ابن مهديّ: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري، وقال أبو عيسى الترمذيّ: إسرائيل ثَبْتُ في أبي إسحاق، حَدَّثني محمد بن المثنى، سمعت ابن مهديّ يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوريّ، عن أبي إسحاق إلا لِمَا اتَّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ، وطَوَّل ابن عديّ ترجمته، وسرد له أحاديث أفراداً، وقال: هو ممن يُحْتَجّ به، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل، ورَدَّ به أحاديث من حديثه، فما صنع شيئاً (١). وقد تكلّم بعض أهل العلم في إسرائيل، منهم ابن المدينيّ، كما سبق بيانه، ومنهم ابن حزم، وغيرهما، قال الإمام الذهبيّ تَّتُهُ في ((الميزان)): إسرائيل اعتمده البخاريّ ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالأسطوانة، فلا يُلتفتُ إلى تضعيف من ضعّفه، وقد طوّل ابن عديّ ترجمته، وسَرَد له جملة أحاديث أفراد، لكنه قال: ولإسرائيل أخبارٌ كثيرة غير ما ذكرته، وأضعافها عن الشيوخ، يروي عنهم، وحديثه الغالب عليه الاستقامة، وهو ممن يُكتَب حديثه، ويُحتجّ به، وقال الذهبيّ في ((الميزان)) أيضاً: وكان إسرائيل مع حفظه وعلمه صالحاً خاشعاً لله، كبير القدر. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أن إسرائيل ثقة ثبتٌ، كما قال به جلّ الأئمة، ولا حجة لمن ضعّفه، فلا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم. وقال دُبَيس بن حُميد: وُلِد سنة مائة، ومات سنة (١٦١)، وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة (١٦٠)، وقال خليفة، وابن سعد: مات سنة (١٦٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً. والباقون تقدّموا قريباً . (١) (تهذيب التهذيب)) ١٣٣/١ - ١٣٤. (٢) راجع ((ميزان الاعتدال)) ٢٠٩/١. ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وقوله: (كُلُّهُمْ) أي كلٌّ من شعبةَ، وزائدةً، وإسرائيلَ. وقوله: (قال أبو بكر: وحدّثنا وكيع) هكذا في بعض النسخ، وقع في نسخة شرح النوويّ ما نصّه: ((قال أبو بكر: ووكيع حدّثنا))، فقال النوويّ: معناه: أن أبا بكر بن أبي شيبة رواه، عن حسين بن عليّ، عن زائدة، ورواه أبو بكر أيضاً عن وكيع، عن إسرائيل، فقال أبو بكر، ووكيعٌ: حَدَّثنا، وهو بمعنى قوله: حدّثنا وكيع، وسقط في بعض الأصول لفظة ((حدّثنا))، وبقي قوله: قال أبو بكر: ووكيع، عن إسرائيل، وهو صحيح أيضاً، ويكون معطوفاً على قول أبي بكر أوّلاً: ((حَدَّثنا حسين))؛ أي: وحدَّثنا وكيع، عن إسرائيل، ووقع في بعض الأصول هكذا: قال أبو بكر: وحدّثنا وكيعٌ، وكله صحيح. انتهى كلام النوويّ ◌َظَّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أن أبا بكر بن أبي شيبة سمع هذا الحديث عن حسين بن عليّ، عن زائدة، وسمعه أيضاً عن وكيع، عن إسرائيل . فعلى النسخة التي فيها: قال أبو بكر: ووكيع عن إسرائيل، يكون قوله: (ووكيع)) معطوفاً على (حُسينٌ))، وقوله: ((عن إسرائيل)) على قوله: ((عن زائدة)) عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وهو ((حدّثنا))، فـ((حسين)) فاعله، و((عن زائدة)) متعلّق به، وهذا العطف جائز بلا خلاف بين النحاة. وأما على نسخة شرح النوويّ، فيكون ((وكيع)) مبتدأً، وجملة قوله: ((حدّثنا)) خبره، فالجملة اسميّة، و((عن إسرائيل)) متعلّق به، وهو واضح. وعلى النسخة التي اعتمدت عليها؛ لوضوحها يكون قوله: ((وحدّثنا وكيعٌ))، فعلاً وفاعلاً في محلّ نصب مقول (قال أبو بكر))، فتنبّه لهذه الدقائق، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: يوجد في بعض النسخ (٢) كتابة (ح) قبل قوله: ((قال أبو بكر: ووكيع عن إسرائيل))، وهو غلطٌ، فليُتَنَبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/٣. (٢) هي النسخة التي اعتمد عليها أصحاب برنامج الكتب التسعة. ٦٩ (٢) - بَابُ وُجُوب الطَّهارة لِلصَّلاة - حديث رقم (٥٤٢) وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿) أي بالإسناد الماضي، وهو: عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر ظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن رواية هؤلاء الثلاثة: شعبة، وزائدة، وإسرائيل بمثل رواية أبي عوانة المذكورة. [تنبيه]: في ذكر هذه الروايات التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي عوانة : فأما رواية شعبة، فقد أخرجها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: (٤٨٧٧) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد، قال: مَرِضَ ابن عامر، فجعلوا يُثْنُون عليه، وابن عمر ساكتٌ، فقال: أما إني لستُ بأَغَشِّهم لك، ولكن رسول الله وَّه قال: ((إن الله لا يقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول)). وأما رواية زائدة، فقد أخرجها الإمام البيهقيّ تَخْتُ في ((سننه الكبرى)) (٤٢/١)، فقال: (١٨٧) أخبرنا أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفان العامريّ، ثنا حسين بن عليّ الجعفيّ، عن زائدة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يقبل الله صدقةً من غُلول، ولا صلاة بغير طهور)). انتهى. وأما رواية إسرائيل فقد أخرجها الإمام الترمذيّ، فقال: (١) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب (ح) و حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر، عن النبيّ وَ ل ﴿ قال: ((لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول))، قال هناد في حديثه: ((إلا بطهور))، قال أبو عيسى: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب، وأحسن. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة [٥٤٣] (٢٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِّي وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَّا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا تُقْبَلُ صَلَةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) بن سابور القُشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقة عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ) بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ) الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير بَله، مات سنة (٥٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن هذا الإسناد هو إسناد ((صحيفة همّام بن منبّه)) المشهورة التي أخرج الشيخان منها أحاديث كثيرة، اشتركا في بعضها، وانفرد كلّ منهما بأحادیث. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمانيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، إلا أنه دخل اليمن أيضاً للأخذ عن عبد الرزاق. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَؤُه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. ٧١ (٢) - بَابُ وُجُوب الطَّهارة لِلصَّلاة - حديث رقم (٥٤٣) شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) - بضمّ الميم، وفتح النون، وكسر الباء الموحّدة المشدّدة -، وقوله: (أَخِي وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهِ) بالجرّ صفة لـ((همّام))، أو بدل منه، أو عطف بيان (قَالَ) أي همّام (هَذَا) إشارة إلى ما جُمِع في الصحيفة المذكورة من الأحاديث، فاسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (مَا) موصولة، صلتها قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) فيه حذف عائد الصلة؛ لكونه فضلةً، كما أشار إليه في ((الخلاصة)) بقوله : وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي بِفِعْلِ اوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ)) في عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ (عَنْ مُحَمَّدٍ) متعلّق بـ((حدّثنا)) (رَسُولِ اللهِوَ ﴿) بالجرّ بدلاً عن ((محمد)) (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير أبي هريرة ◌َظُته، ويحتمل كونه لـ((همّام))، وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾) فهو محكيّ؛ لقصد لفظه ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ) ببناء الفعل للمفعول، وكذا وقع عند البخاريّ عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق في ((كتاب الوضوء))، ووقع عنده في ((كتاب ترك الْحِيَل)) عن إسحاق بن نصر، وعند أبي داود في ((سننه)) عن أحمد بن حنبل، كلاهما عن عبد الرزاق بلفظ: ((لا يَقْبَل الله)). والخطاب في قوله: ((أحدكم))، وإن كان موجهاً إلى الحاضرين، إلا أن المقصود به هم، والأمة جميعاً؛ أي لا تُقبل صلاة أحدكم يا معشر الأمة. قال في ((الفتح)): والمراد بالقبول هنا ما يُرادف الصحة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول وقوعُ الطاعه مجزئةً رافعةً لما في الذمّة، ولَمّا كان الإتيان بشروطها مظنةَ الإجزاء الذي القبولُ ثمرتُّهُ عَبَّر عنه بالقبول مجازاً، وأما القبول المنفي في مثل قوله وَ لجر: ((من أَتَى عَرّافاً لم تُقْبَل له صلاةٌ))، فهو الحقيقيّ؛ لأنه قد يَصِحّ العمل، ويتخلف القبول؛ لمانع، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تُقْبَل لي صلاةٌ واحدةٌ أحبّ إليّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر ظُهًا، قال: لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق لك أن القول بأن صلاة من أتى عرّافاً مقبولة، دون صلاة من صلّى بلا طهارة محلّ نظر، فأين الدليل الذي يدلّ على ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة الفرق بينهما؟ فالظاهر أن كلتيهما غير مجزئتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (إِذَا أَحْدَثَ) أي وُجِد منه الحدث، فهو من الحدوث، وهو وجود شيء لم يكن، يقال: أحدث: أي وُجد منه الحدث، أو قام به الحدث، والمراد به: الخارج من أحد السبيلين، ووقع في رواية البخاريّ تفسير أبي هريرة له، ولفظه: ((قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاءٌ، أو ضُرَاط))، وإنما فسره أبو هريرة رَظُه بأخص مما ذُكر؛ تنبيهاً بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، وأما باقي الأحداث المختَلَف فيها بين العلماء، كمس الذكر، ولمس المرأة، والقيء ملء الفم، والحجامة، فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها، وعليه مشى البخاريّ تَخْذَثُ حيث يقول: ((باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، من القبل والدبر))، ثم أورد آثاراً تدلّ على هذا. وقيل: إن أبا هريرة ◌ُه اقتصر في الجواب على ما ذُكِر لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك، وفيه بُعْدٌ. واستُدِلّ بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريّاً أم اضطراريّاً، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة؛ لأن القبول انْتَفَى إلى غاية الوضوء، وما بعدها مخالف لما قبلها، فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً، قاله في ((الفتح))(١). وقال الإمام ابن دقيق العيد تَّتُهُ: الحدث يُطلق بإزاء معانٍ ثلاثة: [أحدها]: الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في ((باب نواقض الوضوء))، ويقولون: الأحداث كذا وكذا. [الثاني]: نفس خروج ذلك الخارج. [الثالث]: المنع المرتَّب على ذلك الخروج، وبهذا المعنى يصحّ قولنا: رَفَعتُ الحدث، ونويتُ رفع الحدث، فإن كلّ واحد من الخارج والخروج قد وقع، وما وقع يستحيل رفعه، بمعنى أن لا يكون واقعاً، وأما المنع المرتَب على الخروج، فإن الشارع حَكَم به، ومَدَّ غايته إلى استعمال المكلَّف الطَّهُورَ (١) ٢٨٣/١ ((كتاب الوضوء)) رقم (١٣٥). ٧٣ (٢) - بَابُ وُجُوب الطَّهارة لِلصَّلاة - حديث رقم (٥٤٣) فباستعماله يرتفع المنع، فيصحّ قولنا: رَفَعتُ الحدثَ، وارتفع الحدث؛ أي ارتفع المنع الذي كان ممدوداً إلى استعمال المطهّر. وبهذا التحقيق يَقْوى قولُ من يرى أن التيمّم يرفع الحدث؛ لأنا لَمّا بيّنّا أن المرتفع هو المنع من الأمور المخصوصة، وذلك المنع مرتفعٌ بالتيمّم، فالتيمّم يرفع الحدث، غاية ما في الباب أن رفعه للحدث مخصوص بوقتٍ مّا، أو بحالةٍ مّا، وهي عدم الماء، وليس ذلك بِبِذْع، فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محالّها . قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن التيمّم رافع للحدث هو الأرجح، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -. قال: وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجباً لكلّ صلاة على ما حكوه، ولا شكّ أنه كان رافعاً للحدث في وقت مخصوص، وهو وقت الصلاة، ولم يلزم من انتهائه بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الزمن أن لا يكون رافعاً للحدث، ثم نُسخ ذلك الحكم عند الأكثرين، ونُقل عن بعضهم أنه مستمرّ، ولا شكّ أنه لا يقول: إن الوضوء لا يرفع الحدث. نعم هنا معنى رابعٌ يدّعيه كثير من الفقهاء، وهو أن الحدث وصفٌ حُكميّ، مقدَّرٌ قيامه بالأعضاء على مقتضى الأوصاف الحسّيّة، ويُنزلون ذلك الحكميّ منزلة الحسّيّ في قيامه بالأعضاء، فما نقول فيه: إنه يرفع الحدث، كالوضوء والغسل، يُزيل ذلك الأمر الحكميّ، فيزول المنع المرتّب على ذلك الأمر المقدَّر الحكميّ، وما نقول بأنه لا يرفع الحدث، فذلك المعنى المقدَّر القائم بالأعضاء حكماً باقٍ لم يزل، والمنع المرتَّب عليه زائلٌ، فبهذا الاعتبار نقول: إن التيمّم لا يرفع الحدث، بمعنى أنه لم يزل ذلك الوصف الحكميّ المقدَّر، وإن كان المنع زائلاً. وأقرب ما يُذكر فيه أن الماء المستعمل قد انتقل إليه المانع، كما يقال، والمسألة متنازع فيها، فقد قال جماعة بطهوريّة الماء المستعمل، ولو قيل: بعدم طهوريّته، أو بنجاسته لم يلزم منه انتقال مانع إليه، فلا يتمّ الدليل، والله أعلم(١). (١) ((إحكام الأحكام)) ٩٠/١ - ٩٥ بنسخة الحاشية ((العدّة)). ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال الجامع عفا الله عنه: قد اختُلف في حكم الماء المستعمل على أقوال : فذهب الحسن البصريّ، والزهريّ، والنخعيّ، وداود، ومالك إلى أنه طاهر مطهّر؛ لبقائه على أصله، وهو الطهوريّة الثابتة له بنصّ قوله ربك : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. وذهبت الشافعيّة، وغيرهم إلى أنه طاهر غير مطهّر. وذهبت بعض الحنفيّة إلى أنه نجس، والصحيح المذهب الأول؛ لوضوح حجته. وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -. وقال ابن دقيق العيد ◌َُّ أيضاً: استَعْمَلَ الفقهاء الحدث عامّاً فيما يوجب الطهارة، فإذا حُمل الحديثُ عليه - أعني قوله: ((إذا أحدث)) ــ جَمَع أنواع النواقض على مقتضى الاستعمال، لكنْ أبو هريرة رضيُّه راويه فَسَّرَ الحديث في بعض الروايات لَمّا سُئل عنه بأخصّ من هذا الاصطلاح، وهو الريح، إما بصوت، أو بغير صوت، فقيل له: ((ما الحدث يا أبا هريرة؟)) فقال: ((فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ))، ولعلّه قامت له قرائن حاليّة اقتضت هذا التخصيص. انتهى كلام ابن دقيق العيد كَُّ(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) غاية لنفي القبول، والمعنى: حتى يتوضّأ بالماء، أو ما يقوم مقامه، وقد رَوَى النسائي بإسناد قويّ، عن أبي ذرّ ◌َُّه مرفوعاً : ((الصعيد الطيب وَضُوء المسلم))، فأطلق الشارع على التيمم أنه وُضوءٌ؛ لكونه قام مقامه، ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة مَن كان محدثاً، فتوضأ؛ أي مع باقي شروط الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نصّ ◌ُله هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) المصدر المذكور. ٠ ٧٥ (٢) - بَابُ وُجُوب الطَّهارة لِلصَّلاة - حديث رقم (٥٤٣) أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٤٣/٢] (٢٢٥)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٣٥)، وفي ((ترك الْحِيَل)) (٦٩٥٤)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٦٠)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٧٦)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٥٣٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٣١٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٣٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه استدلّ به على أن الوضوء لا يجب لكلّ صلاة، ووجه الاستدلال به أنه وس نفى القبول ممتدّاً إلى غاية الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً، وتدخل تحته الصلاة قبل الوضوء لها ثانياً؛ قاله ابن دقيق العيد تَخَذَتُهُ . ٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به أيضاً على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريّاً، أو اضطراريّاً؛ لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث. ٣ - (ومنها): بيان أن الصلوات كلّها، فرضها ونفلها مفتقرة إلى الطهارة . ٤ - (ومنها): أن فيه الردّ على الحنفيّة القائلين: إذا سبقه الحدث في الصلاة يتوضّأ، ويبني على صلاته، ووجه ذلك أنه لا يخلو حال انصرافه أن يكون مصلّياً، أو غير مصلّ، فإن قيل: هو مصلّ، فالصلاة بطلت؛ لأنها لا تُقبل مع الحدث، وإن قيل: غير مصلّ، لم يجز أن يبني على ما سبق؛ لانقطاعه، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه الردّ أيضاً على الحنفيّة في قولهم: إن من أحدث في القعدة الأخيرة من غير تعمّد بعد التشهّد توضّأ، وسلّم، وإن تعمّده فصلاته صحيحةٌ، ويكون حدثه كسلامه، ووجه الرّدّ أن التحلّل من الصلاة ركنٌ من أركانها، فلا يصحّ مع الحدث؛ إذ الحديث صريحٌ في أن صلاة المحدث لا تُقبل، أحدث قبل الصلاة، أم في أثنائها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة (٣) - (بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ) [٥٤٤] (٢٢٦) - (حَدَّثَنِي(١) أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى التُّجِيِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ بَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ظَهِ دَعَا بِوَضُوءٍ (٢)، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى(٣) مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِِّ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْشِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت٥ أو ١٠٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٦. ٣ - (حُمْرَانُ مَوْلَى عُثْمَانَ) هو: حُمْران بن أبان، المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت٧٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأُمويّ، أمير المؤمنين، استُشهِدَ في ذي الحجة، بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وعمره (٨٠) (٢) وفي نسخة: ((دعاه بوضوئه)). (١) وفي نسخة: ((وحدثنا)). (٣) وفي نسخة: ((ثم غسل رجله اليسرى)). ٧٧ (٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤) وقيل: أكثر، وقيل: أَقلّ، ومدّة خلافته (١٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠ / ١٤٤. والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عطاء، عن حُمْرَان. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه ذو مزايا عظيمة، ومناقب جسيمة، فقد كان إسلامه في أول الإسلام على يد الصدّيقِ ظُه، وهاجر الهجرتين، وتزوّج بنتي رسول الله ◌َّة: رقيّة وأم كلثوم، زوّجه الله تعالى أم كلثوم بمثل صداق رُقيّة، وعلى مثل صحبتها، ولهذا لُقِّب بذي النورين، ولم يُعرف أحد من لدن آدم عليّ* تزوّج ابنتي نبيّ غيره، وهو أول من خرج إلى الحبشة، وهاجر إليها، وسائر من هاجر إليها تَبَعٌ له، وكان النبيّ وَّ يستحيي منه أكثر من غيره، وهو أكثر منه حياءً، وأخبر أن الملائكة تستحيي منه، وقد تقدم بعض مناقبه في ((الإيمان) ١٠ / ١٤٤، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْئِيَّ) ثم الْجُنْدَعِيّ، المدنيّ، ثم الشاميّ (أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ) - بضم المهملة، وسكون الميم - ابن أبان (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفّان ◌َظُه، كان من النَّمِر بن قاسط، سُبِيَ بعين التمر، فابتاعه عثمان ربه من الْمُسَيَّب بن نَجَبَةَ، فأعتقه (أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ رَبِهِ دَهَا بِوَضُوءٍ) وفي نسخة: ((دعا بوضوئه))، و((الوضوء)) هنا بفتح الواو على الأكثر: اسم للماء الْمُعَدّ للوضوء، وأما بالضم فهو الحدث الذي هو الفعل(١). (١) ((الفتح)) ٣١٢/١ ((كتاب الوضوء)) رقم (١٥٩). ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة (فَتَوَضَّأَ) وقوله: (فَفَسَلَ كَفَّيْهِ) بيان وتفصيل لمعنى (توضّأ))، ثم الظاهر أنه غسلهما معاً، ويَحْتَمل أنه غسل كلّ واحدة منهما على حِدَتها، وقال الإمام ابن دقيق العيد تَخُّْهُ: قوله: ((غَسَلهما)) قدرٌ مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو متفرّقتين، والفقهاء اختَلَفوا أيُّهما أفضل. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: الأولى غسلهما معاً، كما هو الظاهر من النصّ؛ لأنه أعون على إذهاب ما عساه يَعْلَقُ فيهما؛ لقوّة الدلك، وغسل كلّ واحدة على حدة فيه زيادة عَمَل بإفراد كلّ واحدة بطهارة، والله تعالى أعلم. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي غَسلاً ثلاث مرّات، وهذا التثليث مستحبّ بالإجماع (ثُمَّ مَضْمَضَ) المضمضة: تحريك الماء في الفم، قال في ((اللسان)): ومَضْمَضَ إناءه - بالضاد المعجمة - ومَصْمَصَه - بالصاد المهملة -: إذا حرّكه، وقيل: إذا غسله، والمضمضة: تحريك الماء في الفم، ومضمض الماء في فيه: حرّكه، وتمضمض به. انتهى. وقال في ((المصباح)): ومَضْمَضتُ الماء في فمي: حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمضتُ بالماء: فعلتُ ذلك، قال الفارابيّ: والمضمضة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. انتهى(٢). وقال ابن دقيق العيد تَخُّْهُ: أصل هذه اللفظة - يعني المضمضة - مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه، واستُعملت في هذه السنّة - أعني المضمضة في الوضوء - لتحريك الماء في الفم، وقال بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فيه، ثم يَمُجّه، هذا أو معناه، فأدخل المجّ في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلعه لم يكن مؤدّياً للسنّة، وهذا الذي يكثُر في أفعال المتوضّئين - أعني الجعل والمجّ - ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقّف تأدّي السنّة على مجّه، والله تعالى أعلم. (٣) . . انتھی وقال في («الفتح»: أصل المضمضة في اللغة: التحريك، ثم اشتهر (١) ((إحكام الأحكام)) ١٦٨/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٥. (٣) ((إحكام الأحكام)) ١٦٩/١ - ١٧١. ٧٩ (٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤) استعماله في وضع الماء في الفم، وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعيّ، فأكمله أن يضع الماء في الفم، ثم يُديره، ثم يمُجّه، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يُشترط تحريكه، ولا مَجّه، وهو عجيبٌ، ولعلّ المراد أنه لا يتعيّن المجّ، بل لو ابتلعه، أو تركه حتى يسيل أجزأ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن المضمضة لا تحصل إلا بجعل الماء في الفم، ثم تحريكه؛ لأن هذا هو الذي يقتضيه المعنى اللغويّ لها، وأما المجّ، فليس من معناها، فلا يلزم، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد تَخْلَتُهُ: قُدّمت المضمضة على الاستنشاق؛ لشرف منافع الفم على منافع الأنف؛ فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام الحياة، وهو محلّ الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى(٢). (وَاسْتَنْثَرَ) قال النوويّ تَظْلَتُهُ: قال جمهور أهل اللغة، والفقهاء، والمحدثون: الاستنثار: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وقال ابن الأعرابيّ، وابن قتيبة: الاستنثار الاستنشاق، والصواب الأوّل، وتدلّ عليه الرواية الأخرى بلفظ: ((استنشق، واستنثر))، فجمع بينهما، قال أهل اللغة هو مأخوذ من النَّثْرة، وهي طرف الأنف، وقال الخطابيّ وغيره: هي الأنف، والمشهور الأول، قال الأزهريّ: رَوَى سلمة عن الفراء، أنه يقال: نَثَرَ الرجلُ، وانتَثَرَ، واستنثر: إذا حَرَّك النَّثْرَة في الطهارة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(٣). وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ووقع عند البخاريّ في رواية الكشمهينيّ: ((واستنشق))، بدل ((واستنثر))، قال في ((الفتح)): والأول أعمّ، وثبتت الثلاثة في رواية البخاريّ من طريق شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ. قال الحافظ تَّتُهُ: ولم أر في شيء من طُرُق هذا الحديث تقييد ذلك بعدد، نعم ذكره ابن المنذر من طريق يونس، عن (١) ((الفتح)) ٣٢٠/١ رقم (١٦٤). (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/٣. (٢) راجع ((الإعلام)) ٣٢٩/١. ٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة الزهريّ، وكذا ذكره أبو داود، من وجهين آخرين، عن عثمان ظُه، واتفقت الروايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق. انتهى (١). (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وهذا التثليث أيضاً مستحبٌ، وفيه تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق، وقد ذَگرُوا أن حكمة ذلك باعتبار أوصاف الماء؛ لأن اللون يُدْرَك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدمت المضمضة والاستنشاق، وهما مسنونان قبل الوجه؛ لاختبار حال الماء قبل فعل الفرض به، أفاده القاضي عياض رَُّهُ . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وهما مسنونتان)) الراجح أن المضمضة والاستنشاق في الوضوء واجبتان؛ لأن النبيّ وَ * لم يترك واحداً منهما في وُضوئه، فكلّ من وصف وضوءه وَّهِ وصفه بهما، وفعلُهُ بيانٌ لِمُجْمَل الآية، والآية بصيغة الأمر ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وكذلك النبيّ وَّ﴿ أمر بهما. وسيأتي تمام البحث في ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ) تعبيره بـ((ثُمّ)) يدلّ على تقديم اليمنى على اليسرى، وكذا القول في الرجلين أيضاً (الْيُمْنَى) مؤنّث اليمين، ضدّ اليسار، وأنّثه؛ لأن اليد مؤنّئةٌ (إِلَى الْمِرْفَقِ) - بفتح الميم، وكسر الفاء، وعكسه، لغتان - وهو مَوْصِلُ الذراع بالعضد (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي غسلاً ثلاث مرّات (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى) تأنيث اليسار، أنّثه؛ لما مرّ (مِثْلَ ذَلِكَ) أي ثلاث مرّات، ولا خلاف في وجوب غسل اليدين؛ للنّصّ، والجمهور على وجوب غسل المرفقين، وخالف في ذلك زفر من الحنفيّة، وداود الظاهريّ. وسيأتي ترجيح مذهب الجمهور في وجوب دخولهما في الغسل - إن شاء الله تعالى - (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((برأسه))، قال القرطبيّ ◌َّلهُ: الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها، وقال في ((الفتح)): دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغةً لا يقتضي ممسوحاً به، فلو قال: ((وامسحوا رؤوسكم)) (١) المصدر السابق.