Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ - حديث رقم (٤١٠)
بشرته أبْشُرُهُ بَشْراً، من باب قتل في لغة تِهَامة، وما والاها، والاسم منه بُشْرٌ
بضم الباء، والتعدية بالتثقيل لغة عامّة العرب، وقرأ السبعة باللغتين. انتهى(١).
فقد ثبت بما قاله المجد تَخْتُ أن أبشر هنا يجوز فيه ثلاثة أوجه: (أبشر)
بقطع الهمزة رباعيّاً، و(ابْشِرْ) بوصل الهمزة مع كسر الشين وفتحها، والله تعالى
أعلم.
بيج
[تنبيه]: قول خديجة ﴿ثا هنا: ((أبشر)) لم يقع في حديث عائشة
ضي
تعيين المبشر به، ووقع في مرسل عبيد بن عمير: ((فقالت: أبشر يا ابن عمّ،
واثْبُت، فوالذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة))، وفي ((دلائل
النبوّة)) للبيهقيّ، من طريق أبي مَيْسَرة مرسلاً أنه نَّهِ قَصّ على خديجة ما رأى
في المنام، فقالت له: أبشر، فإن الله لن يَصْنَعَ بك إلا خيراً، ثم أخبرها بما
وقع له من شَقِّ البطن وإعادته، فقالت له: أبشر إن هذا والله خير، ثم استَعْلَنَ
له جبريل ... فذكر القِصَّة، فقال لها: ((أرأيتكِ الذي كنتُ رأيت في المنام،
فإنه جبريل، استَعْلَن لي بأن ربي أرسله إليّ))، وأخبرها بما جاء به، فقالت:
أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيراً، فاقْبَل الذي جاءك من الله، فإنه حَقٌّ،
وأبشر فإنك رسول الله حقّاً .
وهذا أصرح ما ورد في أنها ﴿ّا أوّلُ الآدميين آمن برسول الله وَّل، والله
تعالى أعلم(٢).
(فَوَاللهِ لَا يُخْزِيَ اللهُ أَبَداً) بضم الياء، وبالخاء المعجمة، والزاي
المكسورة، ثم الياء الساكنة، كذا هو في رواية يونس وعقيل، والخِزْيُ:
الفضيحة، والهوان، وقال معمر في روايته: ((يَحْزُنُك)) بفتح أوله، وبالحاء
المهملة، والزاي المضمومة، والنون، من حَزَنه، ويجوز ضمّ الياء في أوله،
وكسر الزاي، من أحزنه، وكلاهما صحيح(٣).
قال القاضي عياض رَّتُهُ: معنى ((يُخزيك)) يَفْضحك، ويُهينك، بل يُثَبِّتُك
(١) ((المصباح المنير)) ٤٩/١.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٥/١٢ ((كتاب التعبير)) رقم (٦٩٨٢).
(٣) راجع: ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٢، و((الفتح)) ٣٣/١.

٣٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
حتى لا يُنسب إليك كَذِبٌ فيما قُلتَهُ، ولا يُسلّط عليك شيطانٌ بتخبيطه الذي
حَذِرْتَهُ.
ومعنى ((يَحْزُنُكَ)) أي: يوقع ما تخافه من ذلك.
وهذا تأنيسٌ منها للنبيّ وَّ﴿ إن كان هذا لأوّل ما رأى من المقدّمات
والتباشير، وقبل تحقّقه الرسالة، ولقاء الملك، أو يكون بعده لِمَا خَشِي من
ضعف جسمه عن حمل ذلك. انتهى كلام القاضي (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول بعيد، يُبعده أن هذا القول
صدر منه له بعد تلقّيه الآيات الخمس من جبريل ظلَّلا، ورجوعه بها إلى
خديجة فيّا، فالأولى أن تأنيسها له وَلّ إنما من أجل ما خافه من موتٍ، أو
مرض، أو نحو ذلك بسبب شدّة ملاقاة الملك، والله تعالى أعلم.
ووقع عند ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي حكيم، مرسلاً: ((أن خديجة
قالت: أي ابن عم، أتستطيع أن تُخبرني بصاحبك إذا جاء؟ قال: ((نعم))،
فجاءه جبريل، فقال: (يا خديجة هذا جبريل))، قالت: قُمْ، فاجلس على فخذي
اليسرى، ثم قالت: هل تراه؟ قال: ((نعم))، قالت: فتحوَّلْ إلى اليمنى كذلك،
ثم قالت: فتحوّل، فاجلس في حجري كذلك، ثم ألقت خمارها وتحسرت،
وهو في حجرها، وقالت: هل تراه؟ قال: ((لا))، قالت: اثْبُت، فوالله إنه
لملك، وما هو بشيطان))، وفي رواية مرسلة عند البيهقي في ((الدلائل)): أنها
ذهبت إلى عَدّاس، وكان نصرانيّاً، فذكرت له خبر جبريل، فقال: هو أمين الله،
بينه وبين النبيين، ثم ذهبت إلى ورقة(٢).
(وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ) معنى صِلَة الرحم: هو الإحسان إلى الأقارب،
على حسب حال الواصل والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارة بالخدمة،
وتارة بالزيارة والسلام، وغير ذلك، قاله النوويّ كَُّهُ.
وقال في ((الفتح)): ثم استدَلّت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبداً
بأمر استقرائيّ، وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى
الأقارب، أو إلى الأجانب، وإما بالبدن، أو بالمال، وإما على مَن يستقل
(١) ((إكمال المعلم)) ١/ ٦٣٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٩١/٨.

٣٨٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ - حديث رقم (٤١٠)
بأمره، أو مَن لا يستقلّ، وذلك كله مجموع فيما وصفته به. انتهى.
(وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ) بضمّ الدال، من صَدَقَ من باب نصر، قال
المجد رَّتُهُ: الصَّدْقُ بالكسر والفتح: ضدّ الْكَذِب، كالمصدوقة، أو بالفتح
مصدرٌ، وبالكسر اسمٌ، صَدَقَ في الحديث، وصَدَقَ فُلانٌ الحَديثَ، والقتالَ.
(١)
انتهى (١) .
فقوله: ((الحديث)) منصوب على المفعوليّة، وفي رواية هشام بن عروة،
عن أبيه في هذه القصّة زيادة: ((وتؤدّي الأمانة))(٢).
(وَتَحْمِلُ الْكَلَّ) بفتح الكاف، هو مَن لا يَسْتَقِلّ بأمره، وأصله الثّقَل، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ﴾ الآية [النحل: ٧٦]، ويدخل في حَمْلِ الكَلِّ
الإنفاق على الضعيف، واليتيم، والعيال، وغير ذلك، وهو من الكَلال، وهو
الإعياء .
(وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح التاء، هذا هو الصحيح المشهور، قال القاضي
عياض كَّهُ: وروايتنا في هذا عن أكثر شيوخنا ((تَكْسِب)) بفتح التاء، وعند
بعضهم ((تُكْسِبُ)) بضمها، وبالوجهين قرأنا الحرف على الحافظ أبي الحسين في
غير هذا الكتاب، وقال أبو العباس ثعلب، وأبو سليمان الخطابيّ، وجماعات
من أهل اللغة: يقال: كسبتُ الرجلَ مالاً، وأكسبته مالاً لغتان، وأنشدوا :
فَأَكْسَبَنِي مَالاً وَأَكْسَبْتُهُ حَمْداً
وأفصحهما باتفاقهم كسبته بحذف الألف.
ومعنى ((تُكسِب المعدومَ)) - عند من رواه بالضم -: تَكسب غيرَك المالَ
المعدوم؛ أي: تعطيه إياه تبرُّعاً، فحُذِف أحد المفعولين، وقيل: معناه تُعطي
الناسَ ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد، ومكارم الأخلاق، قال
القاضي: وهذا أبلغ في المدح، وأشهر في خُلُق نبيّنا وَ لَه قبل النبوّة وبعدها .
وأما رواية الفتح، فقيل: معناها كمعنى الضم، وقيل: معناها تُكسب
المال المعدومَ، وتُصِيب منه ما يَعْجِز غيرُك عن تحصيله، وكانت العرب تتمادَحُ
بكسب المال المعدوم، لا سيَّما قريش، وقد عُرفوا بـ((قُريش التجّار))، وسُمُّوا
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٨١٠.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٣٤/١.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بذلك من التقرّش، وهو التجارة على أحد الأقوال، وكان النبيّ وَّ محظوظاً
في تجارته، وخبره بذلك مشهور(١).
قال النوويّ كَّلُهُ: وهذا القول حكاه القاضي عن ثابت(٢)، صاحب
(الدلائل))، وهو ضعيفٌ، أو غَلَطً، وأيّ معنى لهذا القول في هذا الموطن، إلا
أنه يُمكن تصحيحه بأن يُضَمّ إليه زيادة، فيكون معناه تَكْسِب المال العظيم الذي
يَعْجِز عنه غيرك، ثم تَجود به في وجوه الخير، وأبواب المكارم، كما ذَكَرَتْ
مِن حَمْلِ الكَلّ، وصِلَة الرَّحِم، وقِرَى الضيف، والإعانة على نوائب الحقّ،
فهذا هو الصواب في هذا الحرف.
وأما صاحب ((التحرير)): فجعل ((المعدوم)) عبارة عن الرجل المحتاج
المُعْدِم العاجز عن الكسب، وسمَّاه معدوماً؛ لكونه كالمعدوم الميت، حيث لم
يتصرف في المعيشة كتصرف غيره، قال: وذكر الخطابيّ أن صوابه المُعْدِم
بحذف الواو، قال: وليس كما قال الخطابيّ، بل ما رواه الرُّواة صواب، قال:
وقيل: معنى ((تَكْسِب المعدومَ))؛ أي: تسعى في طلب عاجز تُنْعِشه، والكسب
هو الاستفادة، وهذا الذي قاله صاحب ((التحرير))، وإن كان له بعض الاتجاه
كما حررت لفظه، فالصحيح المختار ما قدمته. انتهى كلام النوويّ كَُّ(٣).
(وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح التاء، قال أهل اللغة: يقال: قَرَيت الضيفَ أَقْرِيه،
من باب رَمَى قِرَى، بكسر القاف مقصوراً، وقَراءً بفتح القاف ممدوداً، ويقال
للطعام الذي يُضِيفه به: قِرَى، بكسر القاف مقصوراً، ويقال لفاعله: قَارٍ، مثلُ
قَضَی، فهو قَاضٍ.
وقال ابن سِيده: قَرَى الضّيْفَ قِرَى، وقَرَاءً: أضافه، واستقراني،
(١) ((إكمال المعلم)) ٦٣٦/١ - ٦٣٩.
(٢) هو ثابت بن حزم بن عبد الرحمن السَّرَقُسْطيّ من أهل الأندلس العالم المتفنّن
البصير بالحديث والفقه والنحو والغريب، تُوفي سنة (٣١٣هـ)، وكتابه ((الدلائل)) هو
في شرح ما أغفله أبو عبيد، وابن قتيبة، من غريب الحديث. انظر: ((بغية الوعاة))
٤٨٠/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٢، و((الفتح)) ٣٣/١ - ٣٤.

٣٨٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌ّه - حديث رقم (٤١٠)
واقتراني، وأقراني: طَلَبَ منّي القِرَى، وإنه لَقَرِيٌّ للضيف، والأنثى قَرِيَّةٌ، ويقال
أيضاً: إنه لَمِقْرَى للضيف، ومِقْرَاءٌ، والأُنثَى مِقْراةٌ، ومِقْرَاءٌ. انتهى(١).
(وَتُعِينُ) بضم أوله، من الإعانة، (عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) جمع نائبة، وهي
الحادثة والنازلة خيراً أو شرّاً، والإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أي:
الحقّ ينزل على الشخص، يقال: ناب الأمرُ نَوْبَةً: نَزَلَ، وهي النوائب،
والنُّوَبُ.
وإنما قالت: ((نوائب الحق))؛ لأن النائبة قد تكون في الخير، وقد تكون
في الشر، قال لبيد [من الطويل]:
نَوَائِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرِّ كِلَاهُمَا فَلَا الخَيْرُ مَمْدُودٌ وَلَا الشَّرُّ لَازِبُ
قال في ((الفتح)): قولها: ((وتعين على نوائب الحقّ)) كلمةٌ جامعةٌ لأفراد ما
تقدّم ولما لم يتقدم. انتهى.
(فَانْطَلَقَتْ بِهِ) أي: مَضَت مع النبيّ ◌َّهِ، فالباء للمصاحبة (خَدِيجَةُ) ضَّا،
وفي مرسل عُبيد بن عُمير: أنها أمرت أبا بكر أن يتوجه معه، فيحتمل أن يكون
عند توجيهها، أو مرّة أخرى(٢).
(حَتَّى أَتَتْ بِهِ) وَِّ (وَرَقَةَ) بفتح الراء (بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى،
وَهُوَ ابْنُ عُمِّ خَدِيجَةَ) ووقع عند البخاريّ: بلفظ: ((ابن عمّ خديجة))، بدون لفظ
(وهو))، قال في ((الفتح)): هو بنصب ((ابن))، ويكتب بالألف، وهو بدل من
((ورقة))، أو صفةٌ، أو بيانٌ، ولا يجوز جرُّهُ، فإنه يصير صفة لعبد العُزّى، وليس
كذلك، ولا كَتْبُهُ بغير ألف؛ لأنه لم يقع بين علمين. انتهى(٣).
وقوله: (أَخِي أَبِيهَا) بالجرّ بدل من ((عمّ))، وأبوها هو: خُوَيلد بن أسد بن
عبد العُزّى.
(وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ) أي: صار نصرانيّاً، وكان قد خرج هو وزيد بن
عمرو بن نُفَيل لَمّا كَرِها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها، يسألون عن الدين،
فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصّر، وكان لَقِيَ مَن بَقِي من الرُّهبان على دين
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٩٦/١.
(٣) ((الفتح)) ٣٤/١.
(٢) ((الفتح)) ٥٩١/٨.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عيسى فعلّله، ولم يُبَدِّل، ولهذا أخبر بشأن النبيّ وَّل والبشارة به، إلى غير ذلك
مما أفسده أهل التبديل.
وأما زيد بن عمرو، فقد أخرج البخاريّ تَظُْ قصّته في ((كتاب
المناقب))(١).
[تنبيه]: قال في ((الإصابة)) (٤٧٤/٦ - ٤٧٧): ورقة بن نوفل بن أسد بن
عبد العزى بن قُصَي القرشيّ الأسديّ ابن عمّ خديجة، زوج النبيّ وَّ ذكره
الطبريّ، والبغويّ، وابن قانع، وابن السكن، وغيرهم في الصحابة، وأوردوا
كلهم من طريق رَوْح بن مُسافر، أحدِ الضعفاء، عن الأعمش، عن عبد الله بن
عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن ورقة بن نوفل، قال: قلت:
(١) (٣٨٢٨) قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن
عمر، أن زيد بن عمرو بن نُفيل خرج إلى الشأم، يسأل عن الدين، ويَتّبعه، فلقي
عالِماً من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم، فأخبرني،
فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أَفِرّ إلا
من غضب الله، ولا أَحْمِل من غضب الله شيئاً أبداً، وأَنَّى أستطيعه؟، فهل تدلني
على غيره؟، قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين
إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد، فلقي عالِماً
من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من
لعنة الله، قال: ما أَفِرّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه
شيئاً أبداً، وأَنَّى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون
حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا
يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم؛ خرج، فلما بَرَزَ رفع يديه، فقال:
اللهم إني أَشْهَد أني على دين إبراهيم.
وموسى هو ابن عقبة.
وقال الليث: كتب إليَّ هشام عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ظه قالت: رأيت
زيد بن عمرو بن نُفيل قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله
ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يُحيِي المَوْؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن
يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن
شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها .

٣٨٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ - حديث رقم (٤١٠)
يا محمد، كيف يأتيك الذي يأتيك؟ قال: ((يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ،
وباطن قدميه أخضر))، قال ابن عساكر: لم يسمع ابن عباس من ورقة، ولا
أعرف أحداً قال: إنه أسلم، وقد غاير الطبريّ بين صاحب هذا الحديث، وبين
ورقة بن نوفل الأسديّ، لكن القصة مغايرة لقصة ورقة التي في ((الصحيحين))؛
يعني حديث الباب، وفي آخره: ((ولم يَنشَب ورقة أن تُوفّي))، فهذا ظاهره أنه
أقرّ بنبوته، ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله وَ ل الناس إلى الإسلام، فيكون
مثل بَحِيرا .
وفي إثبات الصحبة له نظر، لكن في زيادات المغازي من رواية يونس بن
بكير عن ابن إسحاق، قال يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو - وهو ابن أبي
إسحاق السبيعيّ - عن أبيه، عن جدّه، عن أبي مَيْسَرة، واسمه عمرو بن
شُرَحبيل، وهو من كبار التابعين: أن رسول الله وَّ قال لخديجة: ((إني إذا
خلوت وحدي سمعت نداءً، فقد والله خشيت على نفسي، فقالت: معاذ الله،
ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة ... )) الحديث، فقال له ورقة:
((أبشر، ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بَشَّر به ابن مريم، وأنك على مثل
ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا،
وإن يدركني ذلك لأجاهدنّ معك))، فلما تُوُفّي، قال رسول الله وَّ: ((لقد رأيت
القُسّ في الجنة، عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي، وصدقني)).
وقد أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) من هذا الوجه، وقال: هذا منقطع.
قال الحافظ: يَعْضِده ما أخرجه الزبير بن بكار، حدثنا عثمان، عن
الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، قال:
كان بلال الجارية من بَنِي جُمَح، وكانوا يعذِّبونه برمضاء مكة، يُلْصِقون ظهره
بالرمضاء؛ لكي يُشْرِك، فيقول: أَحَدٌ أَحَدٌ، فيمر به ورقة، وهو على تلك
الحال، فيقول: أحد أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه، لأتخذنه حناناً. وهذا
مرسلٌ جَيِّدٌ، يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبيّ وَّ إلى الإسلام، حتى
أسلم بلال.
والجمع بين هذا وبين حديث عائشة أن يُحْمَل قولها: ((ولم يَنْشَب ورقة
أن تُؤُقّي)) أي: قبل أن يشتهر الإسلام، ويؤمر النبيّ ◌َّ بالجهاد.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لكن يَعْكُر على ذلك ما أخرجه محمد بن عائذ في ((المغازي)) من طريق
عثمان بن عطاء الخراسانيّ، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة
ابتداء الوحي، وفيها قصة خديجة مع ورقة بنحو حديث عائشة، وفي آخرها:
لئن كان هو، ثم أظهر دعاءه، وأنا حيّ لأَبلينّ اللهَ من نفسي في طاعة رسوله،
وحسن مؤازرته، فمات ورقة على نصرانيته. كذا قال، لكن هذا لا يُعارض ما
سبق؛ لأن عثمان ضعيف.
قال الزبير: كان ورقة قد كَرِه عبادة الأوثان، وطلب الدين في الآفاق،
وقرأ الكتب، وكانت خديجة تسأله عن أمر النبيّ وَ لغيره، فيقول لها: ما أراه إلا
نبيّ هذه الأمة، الذي بَشَر به موسى وعيسى.
وفي ((المغازي)) الكبير لابن إسحاق، وساقه الحاكم من طريقه، قال:
حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة الثقفيّ، وكان
راعيه، قال: قال ورقة بن نوفل فيما كانت خديجة ذَكَرت له من أمر
رسول الله القد:
يَا لِلرِّجَالِ وَصَرْفِ الدَّهْرِ وَالقَدَرِ
الأبیات، وفيها:
وَمَا لَنَا بِخَفِيِّ الغَيْبِ مِنْ خَبَرٍ
هَذِي خَدِيجَةُ تَأْتِينِي لأُخْبِرَهَا
جِبْرِيلُ أَنَّكَ مَبْعُوثٌ إِلَى البَشَرِ
بِأَنَّ أَحْمَدَ يَأْتِيهِ فَيُخْبِرُهُ
لَهُ الإِلَهُ فَرَجِّي الخَيْرَ وَانْتَظِرِي
فَقُلْتُ عَلَّ الَّذِي تَرْجِينَ يُنْجِزُهُ
وأخرج ابن عديّ في ((الكامل)) من طريق إسماعيل بن مجالد، عن أبيه،
عن الشعبيّ، عن جابر، عن النبيّ وَّ﴾: ((رأيت ورقة في بُطنان الجنة، عليه
السندس)).
قال ابن عديّ: تفرد به إسماعيل، عن أبيه.
وأخرجه ابن السكن من طريق يحيى بن سعيد الأمويّ، عن مجالد، لكن
لفظه: ((رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة، لأنه كان يقول: ديني دين زيد،
وإلهي إله زید)).
وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، في ((تاريخه)) من هذا الوجه.
وأخرج البزَّار من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن

٣٨٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِوَلَه ــ حديث رقم (٤١٠)
عائشة، قالت: ((إن النبيّ وَّلَهَ نَهَى عن سبّ ورقة))، وهو في زيادات المغازي
ليونس بن بكير، أخرجه عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سابّ أخٌ لورقة
رجلاً، فتناول الرجل ورقة، فسبّه، فبلغ النبيّ وَّة، فقال: ((هل علمتَ أني
رأيت لورقة جنة أو جنتين؟))، فنَهَى عن سبّه.
وأخرجه البزَّار من طريق أبي أسامة، عن هشام مرسلاً.
وأخرج أحمد من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن
عائشة: أن خديجة سألت النبيّ وَله عن ورقة بن نوفل، فقال: ((قد رأيته،
فرأيت عليه ثياباً بيضاً، فأحسبه لو كان من أهل النار، لم يكن عليه ثياب))،
انتهى ما في ((الإصابة))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الآثار، وإن كان في معظمها مقال،
لكن مجموعها يدلّ على كون ورقة بن نوفل ممن آمن بالنبيّ وَ ﴿، فالحقّ أنه
أول من آمن به من الرجال، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هو الوقت قبل رسالة النبيّ وَّه سُمُّوا بذلك لِمَا كانوا
عليه من فاحش الجهالة، وقد تُطلق الجاهليّة، ويراد بها ما قبل دخول المحكيّ
عنه في الإسلام، وله أمثلة كثيرة (٢).
(وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ
يَكْتُبَ) هكذا هو في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((الكتاب العربيّ، ويكتب بالعربية))،
ووقع في أول ((صحيح البخاريّ: ((يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل
بالعبرانية))، وكلاهما صحيح، وحاصلهما أنه تَمَكَّن من معرفة دين النصارى،
بحيث إنه صار يتصرف في الإنجيل، فيكتب أيّ موضع شاء منه بالعبرانية إن
شاء، وبالعربية إن شاء، قاله النوويّ(٣).
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((فكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من
الإنجيل بالعبرانية)) ما نصّه: وفي رواية يونس، ومعمر: ((ويكتب من الإنجيل
بالعربية))، ولمسلم: ((فكان يكتب الكتاب العربيّ))، والجميع صحيح؛ لأن ورقة
١
:
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٦/١٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/٢ - ٢٠٣.

٣٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تَعَلَّم اللسان العبرانيّ، والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني، كما
كان يكتب الكتاب العربيّ؛ لتمكّنه من الكتابين واللسانين، ووقع لبعض الشُّرّاح
هنا خَبْطٌ، فلا يُعَرَّج علیه.
وإنما وَصَفَتْهُ بكتابة الإنجيل، دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم
يكن متيسراً كتيسّر حفظ القرآن الذي خُصَّت به هذه الأمة، فلهذا جاء في
صفتها: ((أَناجِيلها صدورها)).
(وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً، قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) مُنَا (أَنْ) حرف نداء،
كما مرّ البحث عنه قريباً (عَمِّ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية: ((أي
ابن عم))، قال النوويّ كَُّهُ: هكذا هو في الأصول، في الأول ((عَمّ))، وفي
الثاني: ((ابن عم))، وكلاهما صحيح، أما الثاني فلأنه ابن عمِّها حقيقةً كما ذكره
أوّلاً في الحديث، فإنه ورقة بن نوفل بن أسد، وهي خديجة بنت خُويلد بن
أسد، وأما الأول فسمّته عَمّاً مجازاً؛ للاحترام، وهذه عادة العرب في آداب
خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بـ((يا عمّ))؛ احتراماً له، ورفعاً لمرتبته، ولا
يَحصُّل هذا الغرض بقولها: (يا ابن عمّ))، انتهى كلام النوويّ(١).
وتعقّب الحافظ كلام النوويّ هذا، وأن قوله: ((أي عمّ)) وَهَمّ؛ لأنه وإن
كان صحيحاً؛ لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها مُتّحِدٌ، فلا
يُحْمَل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعيّن الحمل على الحقيقة، وإنما جَوَّزنا
ذلك فيما مضى في العبرانيّ والعربيّ؛ لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة،
واختلفت المخارج، فأمكن التعداد، وهذا الحكم يطّردُ في جميع ما أشبهه.
(٢)
انتھی(٢) .
تعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا باحتمال أنها تلفّظت باللفظين، وأن كون
القصّة متّحدةً لا ينافي التكلّم باللفظين(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله العينيّ هو الصواب، والله
تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٣/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ١/ ١٠١.
(٢) ((الفتح)) ٣٤/١.

٣٩١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرِ - حديث رقم (٤١٠)
(اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) ذلك لأن والده ﴿ ﴿ عبدَ الله بنَ عبد المطلب،
وورقةَ في عدد النسب إلى قُصي بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من
هذه الحيثية في درجة إخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسِنِّه.
(قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟) قال في ((الفتح)): فيه حذفٌ
يدُلُّ عليه سياق الكلام، وقد صُرِّح به في ((دلائل النبوة)) لأبي نعيم بسند حسن
إلى عبد الله بن شَدّاد في هذه القصة، قال: ((فأتت به ورقة ابنَ عمها، فأخبرته
بالذي رأی».
وفي رواية ابن منده في ((الصحابة)) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، عن ورقة بن نوفل، قال: قلت: يا محمد، أخبرني عن هذا الذي
يأتيك، قال: ((يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ، وباطن قدميه أخضر)).
(فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ خَبَرَ مَا رَآه) وفي نسخة: ((خبر ما رآى))، بحذف
العائد؛ لكونه فضلةً، وهو كثير في استعمالهم، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَـامَنْ نَرْجُو يَهَبْ))
والمعنى: أخبر النبيّ ◌َّه ورقة القصّة التي جرت بينه وبين جبريل
كما سبق بيانه.
(فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) بالنون: صاحب السرّ، كما جزم به
البخاريّ في ((أحاديث الأنبياء))، وزعم ابن ظفر أن ((الناموس)): صاحب سر
الخير، و((الجاسوس)): صاحب سر الشر، قال في ((الفتح)): والأول هو
الصحيح الذي عليه الجمهور، وقد سَوّى بينهما رؤبة بن العجاج أحدُ فصحاء
العرب، والمراد بالناموس هنا جبريل ظلَّلا. انتهى.
وقال القاضي عياض تَّتُهُ: قال أبو عبيد في ((مصنّفه)): الناموس
جبريل ظلّل، وقال المُطَرِّز: قال ابن الأعرابيّ: لم يأتِ في الكلام فاعول، لام
فعله سين إلا الناموس، والجاسوس، والجاروس، والفاعوس، والبابوس،
والداموس، والقاموس، والقابوس، والغاطوس، والفانوس، والجاموس.
فالناموس: صاحب سرّ الخير، والجاسوس: صاحب سرّ الشرّ،
والجاروس: الكثير الأكل، والفاعوس: الحيّة، والبابوس: الصبيّ الرضيع.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال غيره: وجاء في شعر ابن الأحمر يذكر ولد الناقة [من البسيط]:
حَنَّتْ قَلُوصِي إِلَى بَابُوسِهَا جَزَعاً وَمَا حَنِينُكِ أَمْ مَا أَنْتِ وَالذِّكَرُ (١)
قال الهرويّ: لم يُعرف في شعر غيره، والحرف غير مهموز، قال: ومنه
حديث كعب: ((أن عابد بني إسرائيل مَسَحَ رأس الصبيّ، فقال: يا
بابوس .. . ))(٢) .
والداموس: القبر، والقاموس: وَسَطُ البحر، والقابوس: الجميل الوجهِ،
والغاطوس: دابّةٌ يُتشاءم بها، والفانوس: النّمّام، والجاموس: ضربٌ من
البقر .
قال ابن دُريد في ((الجمهرة)): جاموس أعجميّ، وقد تكلّمت به العرب،
قال رؤبة يصف نفسه بالشدّة [من الرجز]:
لَيْثُ يَدُقُّ الأَسَدَ الهَمُوسَا وَالأَقْهَبَيْنِ(٣) الفِيلَ وَالجَامُوسَا
والجاسوس كلمة عربيّة فاعولٌ من تجسّس، وقال غيره: والحاسوس
بالحاء غير معجمة، من تحسّس، وهو بمعنى الجاسوس، وفي ((صحيح مسلم)):
((إن هؤلاء الكلمات بلغن قاعوس البحر))(٤).
وقال ابن دُريد في ((الجمهرة)): الكابوس: هو الذي يقع على الإنسان في
نومه، والناموس: موضع الصائد، وناموس الرجل: صاحب سرّه.
قال القاضي: وحكى الحربيّ عن ابن الأعرابيّ: الناموس: الخدّاعة.
انتهى كلام القاضي تَظُّهُ(٥).
(١) وفي ((اللسان)):
حَثَّتْ قَلُوصِي إِلَى بَابُوسِهَا طَرَباً فَمَا حَنِينُكَ أَمْ مَا أَنْتِ وَالذِّكَرُ
(٢) أخرجه الشيخان بنحوه.
(٣) الأقهب: الذي في لونه غُبْرة إلى سواد، وقيل: حمرة فيها غُبرة، وقيل: هو
الأبيض الأكدر.
(٤) قال النوويّ: ضبطناه بوجهين: أشهرهما ناعوس بالنون والعين، والثاني: قاموس
بالقاف والميم، وذكر عياض أن أكثر نسخ مسلم عندهم فيها: قاعوس بالقاف
والعين، وروي تاعوس بالتاء والعين. انتهى.
(٥) ((إكمال المعلم)) ٦٣٩/١ - ٦٤٣.

٣٩٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ لِ ـ حديث رقم (٤١٠)
قال الجامع عفا الله عنه: نظمت هذه الألفاظ بقولي:
لَمْ يَأْتِ فِي الكَلَام فَاعُولٌ إِذَا يَكُونُ لَامُ فِعْلِهِ سِيناً خُذَا
جَاسُوسَهُمْ أَلْحِقْهُ بِالحَاسُوسِ
إِلَّا الَّذِي سُمِعَ كَالنَّامُوسِ
قَامُوسُهُمْ قَابُوسُهُمْ غَاطُوسُ
فَاعُوسُهُمْ بَابُوسُهُمْ دَامُوسُ
قَاعُوسُهُمْ كَذَلِكَ الكَابُوسُ
فَانُوسُهُمْ جَارُوسُهُمْ جَامُوسُ
مَوْزُونٌ فَخُذْ بِلَا ذُهُولٍ
فَهَذِهِ الأَلْفَاظُ بِالفَاعُولِ
وقال النوويّ كَّتُهُ: ((الناموس)) - بالنون، والسين المهملة - هو
جبريل ◌ُلَّ*، قال أهل اللغة، وغريب الحديث: الناموس في اللغة: صاحب
سر الخير، والجاسوس: صاحب سرّ الشر، ويقال: نَمَستُ السِّرّ - بفتح النون
والميم - أَنْمِسه - بكسر الميم - نَمْساً؛ أي: كتمته، ونَمَسْتُ الرجل، ونامسته:
ساررته، واتفقوا على أن جبريل نعَلَّه يُسَمَّى الناموس، واتفقوا على أنه المراد
هنا، وقال الهرويّ: وسُمّي جبريلنعَلَّهُ ناموساً؛ لأن الله تعالى خصّه بالوحي
والغيب. انتهى(١).
(الَّذِي أُنْزِلَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية للبخاريّ: ((نَزَّل الله))، وفي
لفظ: ((أَنزَلَ الله)) (عَلَى مُوسَى وَ﴾) أشار بقوله: ((هذا إلى الملك الذي ذكره
النبيّ وَّ في خبره، ونَزَّله مَنْزِلة القريب؛ لقرب ذكره.
قال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((الذي أنزل على موسى (وَّ)) كذا هو في
((الصحيحين)) وغيرهما، وهو المشهور، ورَوَيناه في غير الصحيح: ((نزل على
عیسی ێ)، وكلاهما صحیح. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((على موسى))، ولم يقل: على عيسى، مع كونه
نصرانيّاً؛ لأن كتاب موسى ظلّلا مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى،
وكذلك النبيّ وَّر، أو لأن موسى بُعِثَ بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف
عيسى، كذلك وقعت النقمة على يد النبيّ وَ ◌ّ بفرعون هذه الأمة، وهو أبو جهل بن
هشام، ومن معه ببدر، أو قاله تحقيقاً للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق
عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى، فإن كثيراً من اليهود ينكرون نبوّته.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٣/٢.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأما ما تَمَخَّل له السهيليّ، من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في
عدم نبوة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم، فهو محالٌ لا يُعَرَّج عليه في حقّ
ورقة وأشباهه، ممن لم يدخل في التبديل، ولم يأخذ عمن بَدَّل.
على أنه قد وَرَدَ عند الزبير بن بكّار من طريق عبد الله بن معاذ الزهريّ
في هذه القصة أن ورقة قال: ناموس عيسى، والأصح ما تقدم، وعبد الله بن
معاذ ضعيف.
نعم في ((دلائل النبوة)) لأبي نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة، عن
أبيه في هذه القصة، أن خديجة أوّلاً أتت ابن عمها ورقة، فأخبرته الخبر،
فقال: لئن كنتِ صَدَقْتِني إنه ليأتيه ناموس عيسى، الذي لا يُعَلِّمه بنو إسرائيل
أبناءهم، فعلى هذا فكان ورقة يقول تارةً: ناموس عيسى، وتارةً ناموس
موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو
فيه من النصرانية، وعند إخبار النبيّ ◌َّ له قال له: ناموس موسى؛ للمناسبة
التي قدمناها، وكل صحيح، والله ◌ََّ أعلم. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً.
(يَا لَيْتَنِي) قال أبو البقاء العكبريّ: المنادى هنا محذوف، تقديره: يا
محمد ليتني كنت حيّاً، نحو قوله تعالى: ﴿يَلَيْتَنِىِ كُنتُ مَعَهُمْ﴾ الآية [النساء:
٧٣]، تقديره: يا قوم ليتني، والأصل أن ((يا)) إذا وليها ما لا يصلح للنداء،
كالفعل في نحو: (ألا يا اسجدوا)، والحرف في نحو: ((يا ليتني))، والجملة
الاسميّة، في نحو قوله [من البسيط]:
وَالصَّالِحِينَ عَلَى سَمْعَانَ مِنْ جَارِ
يَا لَعْنَةَ الله وَالأَقْوَامِ كُلُّهِمٍ
فقيل: هي للنداء، والمنادى محذوف، وقيل: هي لمجرّد التنبيه؛ لئلا
يلزم الإجحاف بحذف الجملة كلها .
وقال ابن مالك في ((الشواهد)): ظنّ أكثر الناس أن ((يا)) التي تليها (ليت))
حرف نداء، والمنادى محذوف، وهو عندي ضعيفٌ؛ لأن قائل ((ليتني)) قد
يكون وحده، فلا يكون معه منادى، كقول مريم: ﴿يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:
٢٣]، وكأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادُّعي فيه حذفه
مستعملاً فيه ثبوته، كحذف المنادى قبل أمر، أو دعاء، فإنه يجوز حذفه؛ لكثرة
ثبوته ثمّ، فمن ثبوته قبل الأمر قوله تعالى: ﴿يَيَحْىَ خُذِ الْكِتَبَ﴾ [مريم: ١٢]،

٣٩٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرِ - حديث رقم (٤١٠)
وقبل الدعاء: ﴿يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، ومن حذفه قبل الأمر:
((ألا يا اسجدوا)) في قراءة الكسائيّ؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا، وقبل الدعاء قول
الشاعر [من الطويل]:
أَلَا يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ عَلَى الِلَى وَلَا زَالَ مُنْهَلاً بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ
أي: يا دارُ اسلمي، فحسّن حذف المنادى قبلها اعتياد ثبوته، بخلاف
(ليت))، فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتاً، فادّعاء حذفه باطلٌ، فتعيّن
كون ((يا)» هذه لمجرّد التنبيه، مثلُ ((ألا)) في نحو قوله [من الطويل]:
بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ(١)
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
(فِيهَا) الضمير يعود إلى أيام النبوة ومدتها، أو في أيام الدعوة، وقوله:
(جَذَعاً) يعني: شابّاً قويّاً حتى أبالغ في نصرتك، والأصل في الجذّع للدواب،
وهو هنا استعارة.
وقوله: ((جَذَعاً)) هذه هي الرواية المشهورة في ((الصحيحين)) وغيرهما
بالنصب، قال القاضي عياض: ووقع في رواية ابن ماهان: ((جَذَعٌ)) بالرفع،
وكذلك هو في رواية الأصيلي في البخاريّ، وهذه الرواية ظاهرة، وأما النصب
فاختَلَفَ العلماء في وجهه، فقال الخطابيّ، والمازريّ وغيرهما: نُصِب على أنه
خبر ((كان)) المحذوفة، تقديره: ليتني أكونُ فيها جَذَعَاً، وهذا يجيء على مذهب
النحويين الكوفيين، وقال القاضي: الظاهر عندي أنه منصوبٌ على الحال،
وخبر ((ليت)) قوله: ((فيها)).
قال النوويّ: وهذا الذي اختاره القاضي، هو الصحيح الذي اختاره أهلُ
التحقيق والمعرفة من شيوخنا وغيرهم، ممن یعتمد عليه. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يا ليتني فيها جذعٌ)) كذا في رواية الأصيليّ،
وعند الباقين: ((يا ليتني فيها جذعاً)) بالنصب على أنه خبر ((كان)) المقدرة، قاله
الخطابيّ، وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ﴾ الآية
[النساء: ١٧١]، وقال ابن بَرِّيّ: التقدير: يا ليتني جُعِلتُ فيه جَذَعاً، وقيل:
النصب على الحال، إذا جُعِلَت ((فيها)) خبر ((ليت))، والعامل في الحال ما يَتَعَلَّق
(١) وللعينيّ اعتراض على كلام ابن مالك هذا تركته لعدم جدواه. انظر: ((عمدته)) ١٠٦/١.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
به الخبر، من معنى الاستقرار، قاله السهيليّ، وضمير ((فيها)) يعود على أيام
الدعوة.
و((الجَذَعُ)) - بفتح الجيم والذال المعجمة -: هو الصغير من البهائم، كأنه
تَمَنَّى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابّاً، ليكون أمكن لنصره، وبهذا
یتبین سِرُّ وصفه بكونه كان كبيراً أعمى.
(يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيّاً حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) وفي رواية البخاريّ: ((إذ
يُخرجك قومك))، بـ((إذ))، قال ابن مالك تَخَّتُهُ: فيه استعمال ((إذ)) في المستقبل
كـ((إذا))، وهو صحيح، وغَفَلَ عنه أكثر النحاة(١)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَذِرُهُمْ
يَوْمَ الْخَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرَّ﴾ الآية [مريم: ٣٩].
قال الحافظ: هكذا ذكره ابن مالك، وأقرّه غير واحد، وتعقّبه شيخنا
شيخ الإسلام - يعني: البلقينيّ - بأن النحاة لم يُغْفِلُوه، بل منعوا وروده، وأوّلوا
ما ظاهره ذلك، وقالوا في مثل هذا: استَعْمَلَ الصيغة الدالة على المضيّ؛
لتحقق وقوعه، فأنزلوه منزلته، ويُقَوِّي ذلك هنا أن في رواية البخاريّ في
((التعبير)): ((حين يخرجك قومك))، وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب
مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى؛ لِمَا ينبني عليه من
أن إيقاع المستقبل في صورة المضيّ؛ تحقيقاً لوقوعه، أو استحضاراً للصورة
الآتية في هذه دون تلك، مع وجوده في أفصح الكلام، وكأنه أراد بمنع الورود
وروداً محمولاً على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال(٢).
وفيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير؛ لأن ورقة
تمنى أن يعود شابّاً، وهو مستحيل عادةً، ويظهر لي أن التمني ليس مقصوداً
(١) تعقّب الطيبيّ قوله: ((غفل عنه أكثر النحاة))، فقال: ليس التنبيه عليه من وظيفتهم،
بل من وظيفة أهل المعانيّ، إما وضعاً للآتي موضع الماضي قطعاً بوقوعه،
كإخبار الله تعالى عن المستقبل، أو استحضاراً للصورة الآتية في مشاهدة السامعِ
تعجّباً وتعجيباً، ولذلك قال رَ له: ((أوَ مخرجيّ هم؟))؛ استبعاداً للإخراج، وتعجّباً
منه. راجع: ((الكاشف)) ٣٧٢١/١٢.
(٢) وللعينيّ تعقّب على كلام الحافظ هذا، فانظره في: ((عمدة القاري)) ١/ ١٠٧.

٣٩٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ - حديث رقم (٤١٠)
على بابه، بل المراد من هذا التنبيهُ على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة
تصديقه فيما يجيء به. انتهى كلام الحافظ دَّثُهُ(١).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟))) - بفتح الواو، وتشديد الياء
المفتوحة - هكذا الرواية، ويجوز تخفيف الياء على وجه، والصحيح المشهور
تشديدها، وهو مثل قوله تعالى: ﴿بِمُصْرِخِىٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وهو جمع مُخْرج،
فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم، وفتحت للتخفيف؛ لئلا
يجتمع الكسرة، والياءان بعد كسرتين، قاله النوويّ.
فـ((هم)) مبتدأ مؤخرٌ، و((مُخْرِجِيَّ)) خبر مقدم، ولا يجوز العكس؛ لأن
مخرجيّ نكرة؛ لأنه اسم فاعل، وإضافته لفظيّة، لا تفيد تعريفاً، ولا تخصيصاً،
كما قال في «الخلاصة)):
وَإِنْ يُشَابِهِ المُضَافُ ((يَفْعَلُ)) وَصْفاً فَعَنْ تَنْكِيرِهِ لَا يُعْزَلُ
ولو رُوي ((مخرجي)) مخفّف الياء على أنه مفرد لجاز جعله مبتدأ، وما
بعده فاعلٌ سَدَّ مسدّ الخبر؛ لأن مخرجي معتمد على الاستفهام مسند إلى ما
بعده؛ لأنه وإن كان ضميراً، إلا أنه منفصلٌ، والضمير المنفصل يجري مجرى
الاسم الظاهر، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أَمُنْجِزْ أَنْتُمُ وَعْداً وَثِقْتُ بِهِ أَم اقْتَفَيْتُمْ جَمِيعاً نَهْجَ عُرْقُوبٍ (٢)
وإنما استبعد النبيّ ◌َ ﴿ أن يخرجوه؛ لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي
الإخراج؛ لما اشتَمَلَ عليه من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها،
وقد استَدَلَّ ابنُ الدَّغِنَةِ بمثل تلك الأوصاف على أن أبا بكر لا يُخْرَجُ.
قال السهيليّ تَخْذَلُهُ: يؤخذ منه شدّةُ مفارقة الوطن على النفس، فإنه وَّ
سمع قول ورقة: إنهم يؤذونه، ويكذّبونه، فلم يَظْهَر منه انزعاج لذلك، فلمّا
ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك؛ لحب الوطن وإِلْفِه، فقال: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ
(١) ((الفتح)) ٣٥/١ - ٣٦.
(٢) راجع: ((الكاشف)) ٣٧٢٢/١٢، وذكر في ((القاموس)) أن عرقوب هذا هو ابن
صخر، أو ابن معبد بن أسد من العمالقة، أكذب أهل زمانه، وذكر له قصّة،
فلتراجع: في مادة عرقب ص١٠٦.

٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
هُمْ؟))، قال: ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام، مع اختصاص
الإخراج بالسؤال عنه، فَأَشْعَر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار أو التفجع،
ويؤكد ذلك أن الوطن المشار إليه حرم الله، وجوار بيته، وبلدة الآباء من عهد
إسماعيل ظلِّ *. انتهى ملخصاً.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون انزعاجه كان من جهة خشية فوات ما
أَمَّله من إيمان قومه بالله، وإنقاذهم به من وَضَرِ الشرك، وأدناس الجاهلية،
ومن عذاب الآخرة، ولِيَتِمَّ له المراد من إرساله إليهم، ويحتمل أن يكون انزَعَجَ
من الأمرين معاً. انتهى(١).
[تنبيه]: قال ابن مالك رَّتُهُ: الأصل في قوله: ((أو مخرجيّ هم؟)) وفي
أمثاله تقديم حرف العطف على الهمزة كما تُقدّم على غيرها من أدوات
الاستفهام، نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران:
١٠١]، ونحو: ﴿أَمَّ هَلْ نَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ﴾ الآية [الرعد: ١٦]، ونحو: ﴿فَأَتَّنَ
تَذْهَبُونَ (®)﴾ [التكوير: ٢٦]، فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كما جيء
بعده في أخواتها، فيقال في ﴿أَفَظَمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، وفي ﴿أَوَكُلَّمَا﴾
[البقرة: ١٠٠]: فأتطمعون، وأكلّما؛ لأن أداة الاستفهام جزء من جملة
الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجُمَل، والعاطف لا يتقدّم عليه
جزء مما عُطف، ولكن خُصّت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهاً على أنها
أصل أدوات الاستفهام؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، وقد خولف هذا
الأصل في غير الهمزة، وأرادوا التنبيه عليه، فكانت الهمزة بذاك أولى؛
لأصالتها في الاستفهام، وقد غفل الزمخشريّ في معظم كلامه في ((الكشّاف))
عن هذا المعنى، فادّعى أن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوف معطوفاً
عليها بالعاطف ما بعده، وفي هذا تكلّف، وحذفٌ في موقع لم يثبت فيه الثبوت
على ما سبق في ((يا ليتني)). انتهى.
وتعقّب الطيبيّ كلام ابن مالك هذا، فقال: والجواب أنه لا يجوز فيما
نحن فيه أن يُقدّر تقديم حرف العطف على الهمزة؛ لأن قوله وَالر: ((أو مخرجيّ
(١) ((الفتح)) ٣٧٦/١٢.

٣٩٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌َِّهِ - حديث رقم (٤١٠)
هم؟)) جواب ورد على قوله: ((إذ يُخرجك قومك)) على سبيل الاستبعاد،
والتعجّب، فكيف يستقيم العطف؟ ولأن هذه جملة إنشائيّة، وتلك خبريّة،
والحقّ أن الأصل: أمخرجيّ هم؟، فأريدَ مزيد استبعاد وتعجّب، فجيء بحرف
العطف على تقدير: أمعاديّ هم، ومخرجيّ هم؟.
وأما إنكار الحذف في مثل هذه المواضع فمستبعد؛ لأن مثل هذا الحذف
من حلية البلاغة، لا سيّما وقد شُحن التنزيل بمثله، على أن الحذف المردود
هو ما لا دليل عليه، ولا أمارة قائمة عليه، والدليل هنا وجود العاطف، ولا
يجوز العطف على المذكور، فيجب أن يقدّر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف؛
تقريراً للاستبعاد، وشدّاً لعضده. انتهى(١).
(قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ بَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ) وفي رواية
للبخاريّ: ((إلا أوذي))، فذكر ورقةُ أن العلة في ذلك مجيئه له بالانتقال عن
مألوفهم، ولأنه عَلِمَ من الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك، وأنه يلزمه لذلك
منابذتهم ومعاندتهم، فتنشأ العداوة من ثَمّ، وفيه دليل على أن المجيب يُقِيم
الدليل على ما يُجيب به إذا اقتضاه.
(وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك) أي: وقت إخراجك، أو وقت إظهار الدعوة، أو
وقت الجهاد.
فـ((إن)) شرطية، والفعل بعدها مجزوم، زاد في رواية للبخاريّ: ((حَيّاً))،
ولابن إسحاق: ((إن أدركت ذلك اليوم))، يعني: يوم الإخراج.
قال الطيبيّ: يريد الزمان الذي أظهر فيه الدعوة، وعاداه قومه فيه،
وقصدوا إيذاءه، وإخراجه. انتهى.
(أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً) - بفتح الزاي، وبهمزة قبلها -؛ أي: قويّاً بالغاً،
مأخوذ من التأزير، بمعنى التقوية، وأصله من الأَزْر، وهو القوّة، وأنكر القزّاز
أن يكون في اللغة مُؤَزَّر، من الأزر، وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من
الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته، كما قال الأخطل [من البسيط]:
عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَظْهَارِ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧٢٢/١٢.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال القاضي عياض ◌َُّهُ: كذا جاءت الرواية ((مؤزّراً)) قال بعضهم(١):
أصله ((مُوَازَراً))؛ لأنه من وازرتُ؛ أي: عاونتُ، ويقال فيه: آزرتُ، قال: ويحتمل
أن الألف سقطت أمام الواو على التأويل؛ إذ لا أصل لـ((مؤزّر)) في الكلام.
قال القاضي: وقد ظهر لي أنه صحيحٌ على ما جاءت به الرواية، وأنه
أولى، وأليق بالمعنى، والمراد نصراً قويّاً، مأخوذ من الأَزْر، وهو القوّة، ومنه
﴾ [طه: ٣١]،
٣١
تأزّر النبتُ: إذا اشتدّ وطال، قال الله تعالى: ﴿أَشْدُدْ رِهِ، أَزْرِى
قيل: قوّتي، وقيل: ظهري، ولو كان على ما ذهب إليه هذا القائل لكان
صواب الكلام ((مُوَازِراً)) بكسر الزاي، وبعد أن ظهر لي هذا وجدت معناه مُعلّقاً
عن بعض المشايخ، ووجدته للخطابيّ، وهو كلام صحيح. انتهى (٢).
[تنبيهات]:
[الأول]: زاد في رواية البخاريّ: ((ثُمَّ لم يَنْشَبْ ورقةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُّ)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((لم يَنْشَب)) - بفتح الشين المعجمة - أي: لم
يَلْبَث، وأصل النُّشُوب: التعلَّق؛ أي: لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات،
وهذا بخلاف ما في ((السيرة)) لابن إسحاق أنّ ورقة كان يَمُرُّ ببلال، وهو
يُعَذَّب، وذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في
الإسلام، فإن تمسكنا بالترجيح، فما في الصحيح أصحّ، وإن لحظنا الجمع
أمكن أن يقال: الواو في قوله: ((وفَتَرَ الوحيُّ)) ليست للترتيب، فلعلّ الراوي لم
يَحْفَظ لورقة ذكراً بعد ذلك في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاءَ أمره
بالنسبة إلى علمه، لا إلى ما هو الواقع، وفتورُ الوحي عبارة عن تأخره مُدَّةً من
الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان ◌َ له وَجَدَهُ من الرَّوْع، وليحصل له التّشَوُّف
إلى العَوْد، فقد روى البخاريّ من طريق معمر، عن الزهريّ ما يدُلّ على ذلك.
[الثاني]: ردّ العلامة ابن القيم تَخْتُ بهذه الزيادة - أعني قوله: ((ثم لم
ينشب ورقة أن توفي)) - ما وقع في ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق: أن ورقة كان
يَمُرّ ببلال، والمشركون يعذبونه، وهو يقول: أحدٌ أحدٌ، فيقول: أحدٌ والله يا
(١) هو القزّاز القيروانيّ.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦٤٦/١ - ٦٤٧.