Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ (٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّاِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٠٢) الأقوال: أن الأرض لا تخلو عن قائم الله بحجة، انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظها هذا تفرّد به المصنّف نَخْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٤٠٢/٧٧] (١٥٦)، و(أحمد) في (مسنده)) (٣٨٤/٣ - ٣٨٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١٧)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤١٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠٧٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٨١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نزول عيسىلعلّها، وحكمه بشريعة نبيّنا محمد وَله. ٢ - (ومنها): بيان قيام هذه الأمة على شريعة نبيّها وَّيجر إلى قيام الساعة. ٣ - (ومنها): بيان فضل اتّباع سنّة رسول الله وَله، ووجه ذلك أن هؤلاء الطائفة ما حصل لهم ذلك النصر، والثبات على مقاومة العدوّ، وإبادته إلا بسبب اتّباعهم سنته ێ . ٤ - (ومنها): أن فيه بيان فضل هذه الأمّة، حيث إن الله رحمك أجارها عن الاتّفاق على الضلال، فلا تزال جماعة مؤمنة بربّها أيَّ إيمان، متّبعة لسنة نبيّها وَّة، لا يغيّرها حوادث الزمان، ولا مضايقة أهل المكان، ولا يبدّل أحوالها تعاقب الملوين، واختلاف الجديدين، بل تبقى صابرةً صامدة على الحقّ، لا تبالي بتآمر جميع الخلق، فسبحان من اصطفى خيار عباده لنيل صَفْوِ وداده . ٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً على صحّة الإجماع؛ لأن الأمة إذا أجمعت على شيء، فقد دخلت فيهم هذه الطائفة المختصّة بهذا الفخر العظيم، فكلّ (١) ((الفتح)) ٥٦٩/٦ - ٥٧٠ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٩). ٣٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الأمّة مُحِقّ، فإجماعهم حقّ، ويفيد هذا المعنى قوله ومات: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ ﴿4﴾ [الأعراف: ١٨١]، قاله القرطبيّ تَخُّْهُ(١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهو أصح ما استُدِلَّ به من الحديث على كون الإجماع حجةً، وأما حديث: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))، فضعيف(٢). انتھی (٣). ٦ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ وَِّ، فإنّ هذا الوصف ما زال - بحمد الله تعالى - من زمن النبيّ ◌َّ إلى الآن، ولا يزال - بفضل الله تعالى - حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث(٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بهذه الطائفة: قال أبو العبّاس القرطبيّ كَخَّلهُ: قد اختلف العلماء في من هذه الطائفة؟، وأين هم؟، فقال عليّ ابن المدينيّ: هم العرب، واستدلّ برواية من روى: (وهم أهل الغرب))، وفسّر ((الغرب)) بالدلو العظيمة. وقيل: أراد بالغرب أهل القوّة، والشدّة، والحدّ، وغرب كلّ شيء حدّه. وقيل: أراد به غرب الأرض، وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َُّه وقال فيه: ((لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ في المغرب حتى تقوم الساعة))، ورواه عبد بن حميد، وقال فيه: ((لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم الساعة، أو يأتي (١) ((المفهم)) ٧٦٤/٣ ((كتاب الجهاد)). (٢) هذا الحديث ضعيف، رواه ابن ماجه في ((سننه)) برقم (٣٩٥٠)، وابن أبي عاصم في ((السنّة)) رقم (٨٤)، وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) ١٣٣، واللالكائيّ في ((أصول أهل السنة)) ١٠٥/١ - ٦٥٣ عن معان بن رفاعة السلاميّ، عن أبي خلف الأعمى، عن أنس مرفوعاً، وهو إسناد واهٍ بمرّة، إذ أبو خلف الأعمى متروك، ورماه ابن معين بالكذب. وقال الدارقطنيّ في ((الأفراد)): تفرّد بهذا الحديث. ومعان بن رفاعة ليّن الحديث. وأخرجه أبو نُعيم في ((أخبار أصبهان)) ٢/ ٢٠٨ وهو ضعيف أيضاً فيه عللٌ، قد أجاد الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في ((السلسلة الضعيفة)) ٤٣٦/٦ رقم (٢٨٩٦)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (٣) ((شرح مسلم)) ١٣/ ٦٧. (٤) ((شرح مسلم)) ١٣ / ٦٧. ٣٠٣ (٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَنْهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٠٢) أمر الله)). ورواه بقيّ بن مَخْلَد في ((مُسنده)) كذلك: ((لا يزال أهل المغرب كذلك)». قال القرطبيّ: وهذه الروايات تدلّ على بطلان التأويلات المتقدّمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة مدينة النبيّ ◌َ﴿ إنما هو الشام، وآخره حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى، وما بينهما، كلّ ذلك يُقال عليه: مغرب، فهل أراد المغرب كلّه، أو أوّله؟ كلُّ ذلك محتملٌ، لا جَرَم قال معاذٌ رَظُبه في الحديث الآخر: ((هم أهل الشام))، ورواه الطبريّ، وقال: هم ببيت المقدس. وقال أبو بكر الطرطوشيّ في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب بعد أن أورد حديثاً في هذا المعنى قال: - والله تعالى أعلم - هل أرادكم رسول الله وَلّ أو أراد بذلك جملةَ أهل المغرب لما هم عليه من التمسّك بالسنّة والجماعة، وطهارتهم من البِدَع والإحداث في الدين، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح؟. والله تعالى أعلم. انتهى ما ذكره القرطبيّ(١). وقال في ((الفتح)): قال صاحب ((المشارق)) في قوله: ((لا يزال أهل الغرب)) يعني الرواية التي في بعض طرق مسلم، وهي - بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء -: ذكر يعقوب بن شيبة عن علي ابن المديني قال: المراد بالغرب الدلو؛ أي: العَرَب - بفتح المهملتين - لأنهم أصحابها، لا يستقي بها أحد غيرهم، لكن في حديث معاذ: ((وهم أهل الشام))، فالظاهر أن المراد بالغرب البلد؛ لأن الشام غربي الحجاز، كذا قال، وليس بواضح. ووقع في بعض طرق الحديث ((المغرب)) - بفتح الميم، وسكون المعجمة - وهذا يَرُدّ تأويل الغرب بالعرب، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه، أن المراد الإقليم، لا صفة بعض أهله. وقيل: المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد في الجهاد، يقال: في لسانه غَرْب - بفتح، ثم سكون - أي: حِدّة. ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد: ((أنهم ببيت المقدس))، وأضاف ((بيت)) إلى ((المقدس)). وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في (١) ((المفهم)) ٧٦٣/٣ - ٧٦٤. ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((الأوسط)) للطبراني: ((يقاتلون على أبواب دمشق، وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين إلى يوم القيامة)). ويمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو، وحِدَّة وجِدٌّ. (١) انتھی(١). وقال النوويّ كَُّهُ: وأما هذه الطائفة فقال البخاريّ: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث(٢). وقال في ((الفتح)): قال النووي: يجوز أن تكون هذه الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أَوّلاً فأوّلاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى ملخصاً مع زيادة فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب في المراد بالطائفة المذكورة هم الجماعة الذين يقومون بنصرة الدين، والذبّ عن حريمه، واتّباع السنّة، وقمع البدعة، فيشمل كلّ من كان متّصفاً بما ذُكر من علماء الحديث، والمفسّرين، والفقهاء، والأمراء، والسلاطين، والشجعان، القائمين بما ذكر، والله تعالى أعلم. قال(٣): ونظير ما نَّهَ عليه - يعني: النووي في كلامه السابق - ما حَمَل (١) ((الفتح)) ٢٢٩/١٥ ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)). (٢) ((شرح مسلم)) ٦٦/١٣ - ٦٧ ((كتاب الجهاد)). (٣) أي صاحب ((الفتح)). ٣٠٥ (٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٤٠٢) عليه بعضُ الأئمة حديث: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها))، أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحدٌ فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو مُتَّجِهٌ، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعيّ، وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كُلُّ من كان متصفاً بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهو بحثٌ نفيسٌ جِدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين قوله ◌َّ في هذا الحديث: ((حتى تقوم الساعة))، وحديث مسلم: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)). قال ابن بطال رحمه الله تعالى: هذا الحديث وما أشبهه، ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض، حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف، ويعود غريباً كما بدأ، ثم ذكر حديث: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ... )) الحديث، قال: فتبيّن في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحق، تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة، قال: فبهذا تأتلف الأخبار. وتعقّبه الحافظ رحمه الله تعالى، قائلاً: ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة، وإنما فيه حتى يأتي أمر الله، فيحتمل أن يكون المراد بأمر الله، ما ذُكر من قبض مَن بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى ◌ِلَّلا، ثم إذا (١) ((الفتح)) ٢٢٩/١٥ - ٢٣٠. ٣٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بعث الله الريح الطيبة، فقبضت روح كل مؤمن لم يبقَ إلا شرار الناس. وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود تظنه رفعه: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس))، وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع تناثر الخَرَز بسرعة، وهو عند أحمد، وفي مرسل أبي العالية: ((الآيات كلها في ستة أشهر)). وعن أبي هريرة ◌َظُبه: ((في ثمانية أشهر))، وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة رظُه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك، ولفظه: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعزى))، وفيه: ((يبعث الله ريحاً طيبة، فتوقَّى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم)). وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه: ((يخرج الدجال في أمتي ... )) الحديث، وفيه: ((فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد، في قلبه مثقال حبة من خير))، أو ((إيمان، إلا قبضته))، وفيه: ((فيبقى شرار الناس في خِفَّة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور)). فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث: ((لا تزال طائفة)) وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئاً يسيراً، ويؤيده حديث عمران بن حصين طيًّا، رفعه: ((لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال))، أخرجه أبو داود، والحاكم، قال: ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال، يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يُرسَل عليهم الريح الطيبة، فلا يبقى بعدهم إلا الشرار، كما تقدم (١) . وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر ما خلاصته: إن المراد بأمر الله هبوب تلك الريح، وبقيام الساعة ساعتهم، والمراد بالذين يكونون ببيت (١) (الفتح)) ٥٨٣/١٤ - ٥٨٥ ((كتاب الفتن)). ٣٠٧ (٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٣) المقدس هم الذين يحصرهم الدجال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم، فيقتل الدجال، ويَظهر الدين في زمن عيسى، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة، فهذا هو المعتمد في الجمع - والعلم عند الله تعالى -. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في المراد بقوله وَل: ((حتى تقوم الساعة))، وبقوله: ((حتى يأتي أمر اللهُ))، علامة الساعة التي هي هبوب الريح المذكورة، فلا يوجد بعده نفس مؤمنة، بل يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٧٨) - (بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٤٠٣] (١٥٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِذٍ: ﴿لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَّ إِيَنِهَا خَيْرٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. (١) ((الفتح)) ٢٢٨/١٥ («كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)). ٣٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحُرَقِيّ، أبو شِبْلِ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٥ - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الجُهنيّ الحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (م٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّثُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه الثلاثة، كما مرّ آنفاً. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: (يعنون ابن جعفر))، وقوله: ((وهو ابن عبد الرحمن))، وقد تقدّم البحث عنه غير مرّة، وخلاصته أن مشايخه لم ينسبوا إسماعيل، والعلاء إلى أبويهما، فأراد أن يوضّح ذلك لطلابه، فزاد كلمة ((يعنون))، وكلمة ((وهو)) فصلاً بين ما نقله، وبين ما زاده من عنده، فتبصّر. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ) بضمّ اللام مضارع طَلَع بفتحها، يقال: طَلَعَ يَطْلُعُ طُلُوعاً، من باب قَعَدَ يَقْعُدُ قُعُوداً، ومَظْلَعاً بفتح اللام، وكسرها، وكلُّ ما بدا لك من عُلوّ، فقد طَلَعَ عليك، وطَلَعتُ الجبلَ طُلُوعاً يتعدَّى بنفسه؛ أي: عَلَوته، وطَلَعْتُ فيه: رَقِيته، ٣٠٩ (٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٣) قاله الفيّوميّ(١)، وقال المجد: طَلَعَ الكوكب، والشمس طُلُوعاً وَمَظْلَعاً ومَطْلِعاً: ظَهَرَ، كَاظَّلَعَ. انتهى(٢). (الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) - بفتح الميم، وكسر الراء -: أي: محلّ غروبها، وقد وقع تفسير كيفيّة طلوعها في حديث أبي ذرّ رَّبه الآتي في قوله: ((أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ ... )) الحديث. [تنبيه]: هذا الحديث مختصر من الحديث الذي ساقه الإمام البخاريّ تَخْذّتُهُ في أواخر ((كتاب الفتن)) بطوله، فقال: (٧١٢١) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ له قال: ((لا تقوم الساعة، حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مَقْتَلَةٌ عظيمةٌ، دعوتهما واحدة، وحتى يُبْعَث دجالون، كذابون، قريب من ثلاثين، كلَّهم يَزْعُمُ أنه رسول الله، وحتى يُقْبَض العلم، وتَكثُر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفِتَن، ويَكْثُر الهَرْج - وهو القتل - وحتى يكثر فيكم المال، فيَفِيضَ حتى يُهِمَّ ربُّ المال من يَقْبَل صدقته، وحتى يَعْرِضه عليه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أَرَبَ لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يَمُرَّ الرجلُ بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تَطلُع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس، يعني: آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيمَنِهَا خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ولَتَقُومنّ الساعةُ، وقد نَشَرَ الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يَطوِيانه، ولتقومنَّ الساعةُ، وقد انصرف الرجل بلبن لِقْحَته، فلا يَطْعمه، ولتقومن الساعة، وهو يَلِيط حوضه، فلا يَسْقِي فيه، ولتقومنّ الساعةُ، وقد رَفَع أُكْلته إلى فيه، فلا يَظْعمها)). وقال الطيبيّ نَّتُهُ: الآيات أماراتٌ للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها، فمن الأول الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس، وحديث الباب يُؤذِن بذلك؛ لأنه جَعَل في طلوعها من المغرب (١) ((المصباح المنير)) ٣٧٥/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٦٩. ٣١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان غايةً؛ لعدم قيام الساعة، فيقتضي أنها إذا طَلَعَت كذلك انتفى عدم القيام، فثبت القيام، قاله في ((الفتح))(١) . (فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلَّهُمْ أَجْمَعُونَ) وفي رواية أبي زرعة، عن أبي هريرة ظله عند البخاريّ في ((التفسير)): ((فإذا رآها الناس آمَنَ مَن عليها))، أي: على الأرض من الناس (فَيَوْمَئِذٍ) وفي رواية للبخاريّ: ((فذاك حين)) (﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَّتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَنِهَا خَيْرٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]) قال الإمام ابن جرير الطبريّ كَّتُهُ: معنى الآية: لا ينفع كافراً لم يكن آمن قبل الطلوع إيمانٌ بعد الطلوع، ولا ينفع مؤمناً لم يكن عَمِل صالحاً قبل الطلوع عَمَلٌ صالحٌ بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان، والعمل الصالح حينئذ حكمُ مَن آمن، أو عَمِل عند الغَرْغَرَة، وذلك لا يفيد شيئاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَّ﴾ الآية [غافر: ٨٥]، وكما ثبت في الحديث الصحيح: ((تُقبَل توبةُ العبد ما لم يبلغ الغرغرة))(٢). وقال ابن عطية وغيره ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب، وكذلك العاصي لا تنفعه توبته، ومن لم يعمل صالحاً من قبلُ، ولو كان مؤمناً لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب. وقال القاضي عياض كَُّ: المعنى لا تنفع توبةٌ بعد ذلك، بل يُختم على عمل كلِّ أحد بالحالة التي هو عليها . والحكمة في ذلك أن هذا أولُ ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلويّ، فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروريّ بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله . وقال القرطبيّ في ((التذكرة)) بعد أن ذكر هذا: فعلى هذا، فتوبة من شاهد (١) ((الفتح)) ١١/ ٣٦٠ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٠٦). (٢) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد (٥٨٨٥)، والترمذيّ (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٤٢٤٣)، عن ابن عمر ﴿ه مرفوعاً بلفظ: ((إن الله يقبل توبة العبد، ما لم يُغَرْغِر))، وقال الترمذيّ: حديث حسنٌ غريب. (٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٣) ٣١١ ذلك، أو كان كالمشاهد له مردودةٌ، فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر، أو ينقطع تواتره، ويصير الخبر عنه آحاداً، فمن أسلم حينئذ، أو تاب قُبِل منه، وأَيَّد ذلك بأنه رُوي أن الشمس والقمر يُكْسَيان الضوء بعد ذلك، ويطلعان، ويغربان من المشرق، كما كانا قبل ذلك. قال: وذكر أبو الليث السمرقنديّ في ((تفسيره)) عن عمران بن حُصين قال: إنما لا يُقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع؛ لأنه يكون حينئذ صيحة، فيهلك بها كثير من الناس، فمن أسلم، أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل في ((الفتح))(١) هذا القول عن القرطبيّ، وسكت عليه، وعندي أنه محلّ نظر، فأين الدليل على قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها؟، وما ذكره من طلوعهما وغروبهما بعد ذلك كعادتهما ليس فيه دلالة على القبول المزعوم، وما ذكره أبو الليث عن عمران بن حصين ◌ّ يحتاج إلى ثبوته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطية تَخْذُ: في هذا الحديث دليلٌ على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] طلوعُ الشمس من المغرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وأسند الطبريّ عن ابن مسعود، أن المراد بالبعض إحدى ثلاث: هذه، أو خروج الدابة، أو الدجال، قال: وفيه نظرٌ؛ لأن نزول عيسى ابن مريم، يَعْقُبُ خروج الدجال، وعيسى لا يَقْبَل إلا الإيمان، فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يُقْبَل الإيمان ولا التوبة. انتهى. لكن يأتي عند المصنّف في الحديث التالي من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((ثلاثٌ إذا خَرَجن لم ينفع نفساً إيمانها، لم تكن آمنت من قبل: طلوعُ الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض)). قيل: فلعل حصول ذلك يكون متتابعاً، بحيث تَبْقى النسبة إلى الأول منها مجازية، وهذا بعيدٌ؛ لان مُدّة لَبث الدجال إلى أن يقتله عيسى، ثم لبث عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من (١) راجع: ((الفتح)) ٣٦١/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٠٦). ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان المغرب، فالأرجح أن خروج الدجال أولُ الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلويّ، وينتهي ذلك بقيام الساعة، قاله الحافظ تَُّهُ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: نظُّه هذا متّفقٌ عليه. أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٤٠٣/٧٨ و٤٠٤] (١٥٧)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٦٣٥ و٤٦٣٦)، و((الرقاق)) (٦٥٠٦)، و((الفتن)) (٧١٢١)، و(أبو داود) في ((الملاحم)) (٤٣١٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١١١٧٧)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٦٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٢٣١ - ٣١٣ - ٣٥٠ - ٣٩٨ - ٥٣٠)، و(ابن جرير الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٤٢٠٤ و١٤٢٠٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١٨ و٣١٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٩٦ و٤٠١ و٤٠٢ و٤٠٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٢٤٣ و٤٢٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الزمن الذي لا يُقبَلُ فيه الإيمان، وهذا هو وجه مطابقة ذكره في ((كتاب الإيمان)). ٢ - (ومنها): إثبات قيام الساعة، وأنه شيء لا بدّ من وقوعه. ٣ - (ومنها): إثبات علامات وأمارات لوقوع الساعة. ٤ - (ومنها): إثبات طلوع الشمس من مغربها، مخالفة لعادتها، قال القاضي عياضٌ تَخّْلهُ: وهو على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلّمين من ٣١٣ (٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٣) أهل السنّة، خلافاً لمن تأوله من المبتدعة والباطنيّة، وهو أحد أشراط الساعة المنتظرة. انتهى(١). ٥ - (ومنها): أن ذلك طلوعها علامة غلق باب التوبة، فبعد ذلك لا ينفع الكافر أن يؤمن، ولا العاصي أن يتوب. ٦ - (ومنها): بيان أن توبة العبد مقبولة قبل ذلك، وإن عمل ما عمل من كبائر الذنوب. ٧ - (ومنها): بيان سعة رحمة الله إن، حيث أمهل العصاة أمداً طويلاً، فمن أراد منهم أن يرجع إليه قبله، فلا ينبغي للعبد أن يستعظم ذنوبه، ويقع في ﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَ اليأس، فإن الله تعالى لا يعظُم عليه شيء، أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: ٥٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أول علامات الساعة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك؛ لاختلاف الآثار الواردة فيه، قال القاضي عياضٌ تَخْتُهُ: اختلف في أول الآيات، فقيل: أولها طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابّة، من رواية عبد الله بن عمرو ﴿يًا، عن النبيّ ◌َّ قال: ((إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحَّى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريباً»، وفي حديث أنس ظُه: ((أولُ أشراط الساعة نارٌ تحشُر الناس، تخرُج من اليمن))، وفي حديث حذيفة بن أَسِيد ◌َظُه: ((آخر ذلك النار)). انتهى(٢). وقد لخّص الحافظ تَخُّْ في ((الفتح)) تلك الآثار، وجمع بين أشتاتها، فأجاد وأفاد دخلتُ، ودونك خلاصته: قال رَُّهُ: الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أولُ الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلويّ، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج (١) ((إكمال المعلم)) ٦١٥/١. (٢) المصدر السابق ٦١٦/١ - ٦١٧. ٣١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب، وقد أخرج مسلم أيضاً من طريق أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ًّا، رفعه: ((أولُ الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحَّى، فأيُّهُما خرجت قبل الأخرى، فالأخرى منها قريب))(١). وفي الحديث قصة لمروان بن الحكم، وأنه كان يقول: أولُ الآيات خروج الدجال، فأنكر عليه عبد الله بن عمرو. قال الحافظ: ولكلام مروان مَحْمِلٌ يُعْرَف مما ذكرته. وقال الحاكم أبو عبد الله تَّتُهُ: الذي يظهر أن طلوع الشمس يَسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه. قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يُغْلَق بابُ التوبة، فتخرج الدابة تُمَيِّز المؤمن من الكافر؛ تكميلاً للمقصود من إغلاق باب التوبة . وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تَحْشُر الناس كما ثبت في حديث أنس ربه في مسائل عبد الله بن سلام، ففيه: ((وأما أوّلُ أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب))(٢). (١) سيأتي في ((كتاب الفتن، وأشراط الساعة)) برقم (٢٩٤١). (٢) هو: ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: (٤٤٨٠) حدثنا عبد الله بن منير، سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حميد، عن أنس، قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله ◌َ﴾، وهو في أرض يَختَرِف، فأتى النبي ◌َِّ، فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهنّ إلا نبيٌّ، فما أوّل أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما يَنزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: ((أخبرني بهنّ جبريل آنفاً))، قال: جبريل؟ قال: ((نعم))، قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ((﴿قُلُ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيِلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، وإذا سَبَقَ ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت))، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله؛ يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتُ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت = ٣١٥ (٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٣) وذكر الميانشيّ عن عبد الله بن عمرو رفعه، قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة. قال الحافظ: رفع هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حميد في ((تفسيره)) بسند جيّد عن عبد الله بن عمرو موقوفاً، وقد ورد عنه ما يعارضه، فأخرج أحمد، ونعيم بن حماد من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو، رفعه: ((الآيات خَرَزَات منظومات في سلك، إذا انقطع السلك تَبِعَ بعضها بعضاً))، وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو، رفعه: ((إذا طلع الشمس من مغربها خَرَّ إبليس ساجداً، ينادي: إلهي مُرْني أن أسجد لمن شئت ... )) الحديث، وأخرج نعيم نحوه، عن أبي هريرة، والحسن، وقتادة، بأسانيد مختلفة . وعند ابن عساكر، من حديث حُذيفةَ بنِ أَسِيد الغفاريّ، رفعه: ((بين يدي الساعة عشر آيات، كالنّظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة توالت))، وعن أبي العالية: ((بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر، يتتابعن كتتابع الخَرَزات في النظام)) . ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بأن المدّة، ولو كانت كما قال: عشرين ومائة سنة، لكنها تَمُرّ مروراً سريعاً كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك، أو دون ذلك، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر ... )) الحديث، وفيه: ((واليوم كاحتراق السَّعَفَة)). وأما حديث عمران، فلا أصل له، وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقيّ في ((البعث والنشور))، فقال في ((باب خروج يأجوج ومأجوج)): (فصل) ذَكَرَ الحَلِيميّ أن أول الآيات الدجال، ثم نزول عيسى؛ لأن طلوع الشمس من اليهود، فقال النبي ◌ّله: ((أيُّ رجل عبد الله فيكم؟» قالوا: خيرنا، وابن خيرنا، = وسيدنا، وابن سيدنا، قال: ((أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟)) فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فقالوا: شرُّنا، وابن شرِّنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنتُ أخاف يا رسول الله. ٣١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان المغرب، لو كان قبل نزول عيسى لم ينفع الكفار إيمانهم في زمانه، ولكنه ينفعهم؛ إذ لو لم ينفعهم لَمَا صار الدين واحداً بإسلام من أسلم منهم. قال البيهقيّ: وهو كلام صحيح، لو لم يعارض الحديث الصحيح المذكور: ((إن أول الآيات طلوع الشمس من المغرب))، وفي حديث عبد الله بن عمرو: ((طلوع الشمس، أو خروج الدابة))، وفي حديث أبي حازم، عن أبي هريرة الجزم بهما، وبالدجال في عدم نفع الإيمان. قال البيهقيّ: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابقٌ احتَمَل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا، وتطاول الزمان، وعاد بعضهم إلى الكفر، عاد تكليفه الإيمان بالغيب، وكذا في قصة الدجال، لا ينفع إيمانُ من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال، وینفعه بعد انقراضه، وإن كان في علم الله طلوع الشمس بعد نزول عيسى، احتَمَلَ أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عمرو آيات أخرى غير الدجال، ونزول عيسى؛ إذ ليس في الخبر نَصّ على أنه يتقدم عيسى. قال الحافظ: وهذا الثاني هو المعتمد، والأخبار الصحيحة تخالفه، ففي (صحيح مسلم)) من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، رفعه: ((مَن تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه))، فمفهومه أن من تاب بعد ذلك، لم تقبل، ولأبي داود، والنسائيّ من حديث معاوية، رفعه: ((لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها))، وسنده جيّد، وللطبراني عن عبد الله بن سلام نحوه، وأخرج أحمد، والطبريّ، والطبرانيّ، من طريق مالك ابن يُخَامِر - بضم التحتانية، بعدها خاء معجمة، وبكسر الميم - وعن معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو، رفعوه: ((لا تزال التوبة مقبولةً، حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طَبَعَ الله على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ الناس العملَ))، وأخرج أحمد، والدارميّ، وعبد بن حميد في ((تفسيره)) كلهم من طريق أبي هند، عن معاوية، رفعه: ((لا تنقطع التوبة، حتى تطلع الشمس من مغربها))، وأخرج الطبريّ بسند جيِّد من طريق أبي الشَّعْثاء، عن ابن مسعود ظه موقوفاً: التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها. وفي حديث صفوان بن عَسّال: سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((إن بالمغرب باباً ٣١٧ (٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٣) مفتوحاً للتوبة، مسيرة سبعين سنةً، لا يُغْلَق حتى تطلع الشمس من نحوه))، أخرجه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضاً النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه، وفيه: ((فإذا طلعت الشمس من مغربها، رُدّ المصراعان، فيلتئم ما بينهما، فإذا أُغلق ذلك الباب، لم تُقْبَل بعد ذلك توبةٌ، ولا تنفع حسنةٌ، إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك، فإنه يُجرَى لهم ما كان قبل ذلك))، وفيه: فقال أُبي بن كعب: ((فكيف بالشمس، والناس بعد ذلك؟ قال: تُكسَى الشمس الضوءَ، وتطلع كما كانت تطلع، وتقبل الناس على الدنيا، فلو نُتِج رجلٌ مُهْراً لم يركبه حتى تقوم الساعة)). وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند نعيم بن حماد، في ((كتاب الفتن))، وعبد الرزاق في ((تفسيره))، عن وهب بن جابر الخَيْوَانيّ - بالخاء المعجمة - قال: كنا عند عبد الله بن عمرو، فذكر قصّةً، قال: ثم أنشأ يحدثنا، قال: ((إن الشمس إذا غَرَبت سَلَّمَت وسجدت، واستأذنت في الطلوع، فيؤذن لها، حتى إذا كان ذات ليلة، فلا يؤذن لها، وتُحْبَس ما شاء الله تعالى، ثم يقال لها: اطلُعي من حيث غربت، قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ))، وأخرجه عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن عبد الرزاق كذلك، ومن طريق أخرى، وزاد فيها قصة المتهجدين، وأنهم هم الذين يستنكرون بطء طلوع الشمس، وأخرج أيضاً من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: ((تأتي ليلة قدرُ ثلاث ليالٍ، لا يعرفها إلا المتهجدون، يقوم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ، ثم ينام، ثم يقوم، فعندها يموج الناس بعضهم في بعض، حتى إذا صَلَّوُا الفجر، وجلسوا، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فَيَضِجُّ الناس ضجّة واحدةً، حتى إذا توسطت السماء رجعت))، وعند البيهقي في ((البعث والنشور)) من حديث ابن مسعود نحوه: ((فينادي الرجل جاره: يا فلان ما شأن الليلة؟ لقد نِمْتُ حتى شَبِعتُ وصليت حتى أعييت))، وعند نعيم بن حماد، من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو، قال: ((لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج، إلا قليلاً حتى تطلع الشمس من مغربها، فيناديهم منادٍ: يا أيها الذين آمنوا قد قُبِل منكم، ويا أيها الذين كفروا قد أُغلق عنكم باب ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان التوبة، وجَفَّت الأقلام، وطُويت الصُّحُف))، ومن طريق يزيد بن شُريح، وكثير بن مُرّة: ((إذا طَلَعت الشمس من المغرب، يطبع على القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملاً))، وأخرج عبد بن حميد، والطبريّ بسند صحيح، من طريق عامر الشعبيّ، عن عائشة: ((إذا خرجت أول الآيات طُرِحت الأقلام، وطُويت الصحف، وخَلَصت الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال))، وهو وإن كان موقوفاً، فحكمه الرفع، ومن طريق العَوْفيّ، عن ابن عباس نحوه، ومن طريق ابن مسعود قالا: ((الآية التي يُختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها». فهذه آثار يشُدُّ بعضها بعضاً متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة، ولم يُفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة، ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها، أوَّلُ الإنذار بقيام الساعة. وفي ذلك رَدٌّ على أصحاب الهيئة، ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفَلَكيّات بسيطة، لا يختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه، قال الكرمانيّ: وقواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، وعلى تقدير تسليمها، فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي مُعَدَّل النهار، بحيث يصير المشرق مغرباً وبالعكس . واستَدَلّ صاحب ((الكشاف)) بهذه الآية للمعتزلة، فقال: قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] صفة لقوله: ﴿نَفْسًا﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقوله: ﴿أَوْ كَبَتْ فِى إِيمَنِهَا خَيْرً﴾ [الأنعام: ١٥٨] عطف على ﴿أَمَّنَةً﴾ [الأنفال: ١١]، والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت، وهي آيات مُلجِئة للإيمان، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ من غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها تقديم عمل صالح، فلم يُفَرِّق كما ترى بين النفس الكافرة، وبين النفس التي آمنت في وقته، ولم تكتسب خيراً لِيُعْلَم أن قوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [يونس: ٤] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبها ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. قال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا أتى ٣١٩ (٧٨) - بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ - حديث رقم (٤٠٣) بعض الآيات، لا ينفع نفساً كافرةً إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفساً سبق إيمانها، ولم تكسب فيه خيراً، فقد عَلَّق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده، وكذا السابق ومعه الخير، ومفهوم الصفة قويّ، فيُسْتَدَلُّ بالآية لمذهب أهل السنة، ويكون فيه قلبُ دليل المعتزلة دليلاً عليهم. وأجاب ابن المُنَيِّر في ((الانتصاف))، فقال: هذا الكلام من البلاغة يُلَقَّبُ اللَّفّ، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً، لم تكن مؤمنة قبلُ إيمانُها بعدُ، ولا نفساً لم تكسب خيراً قبلُ ما تكتسبه من الخير بعدُ؛ فَلَفَّ الكلامين، فجعلهما كلاماً واحداً؛ إيجازاً، وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحقّ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود، فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدُلّ له. وقال ابن الحاجب في ((أماليه)): الإيمان قبل مجيء الآية نافع، ولو لم يكن عملٌ صالحٌ غيره، ومعنى الآية: لا ينفع نفساً إيمانها، ولا كسبها العمل الصالح، لم يكن الإيمان قبل الآية، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها، فاختُصِرَ للعلم. ونَقَلَ الطيبيّ كلام الأئمة في ذلك، ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنير، وابن الحاجب، وبَسْطُهُ: أن الله تعالى لَمّا خاطب المعاندين بقوله تعالى: [الأنعام: ١٥٥] علّل ١٥٥ ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الإنزال بقوله: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ (٤)﴾ [الأنعام: ١٥٦]؛ إزالةً للعذر، وإلزاماً للحجة، وعَقّبه دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ بقوله: ﴿فَقَدْ جَآَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّنْ زَيِّكُمْ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٧]؛ تبكيتاً لهم، وتقريراً لما سبق من طلب الاتباع، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَنْ كَذَّبَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنَهًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٧]، أي: أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفاً لكل رَيْبٍ، وهادياً إلى الطريق المستقيم، ورحمةً من الله للخلق؛ ليجعلوه زاداً لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان، والعمل الصالح، فجَعَلُوا شكرَ النعمة أن كَذَّبوا بها، ومُنِعُوا من الانتفاع بها، ثم قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية، أي ما ينتظر هؤلاء المكذَّبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا ٣٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بنزول الملائكة بالعقاب الذي يَستأصل شأفتهم، كما جَرَى لمن مَضَى من الأمم قبلهم، أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها، فحينئذ تفوت تلك الفُرْصة السابقة، فلا ينفعهم شيءٌ، مما كان ينفعهم من قبلُ من الإيمان، وكذا العمل الصالح مع الإيمان، فكأنه قيل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها، ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ، إذا لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً من قبلُ، ففي الآية لَفِّ، لكن حُذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر. ونظيرُهُ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]، قال: فهذا الذي عناه ابن المُنَيِّر بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له: اللَّفّ، والمعنى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً، لم تكن مؤمنة من قبل ذلك إيمانُها من بعد ذلك، ولا ينفع نفساً كانت مؤمنةً، لكن لم تعمل في إيمانها عملاً صالحاً قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك، قال: وبهذا التقرير يَظْهَر مذهب أهل السنة، فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتسابُ الخير؛ أي: لإغلاق باب التوبة، ورفع الصُّحُف والحفظة، وإن كان ما سَبَقَ قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة. ثم قال الطيبيّ: وقد ظَفِرتُ بفضل الله بعد هذا التقرير على آية أخرى تُشبه هذه الآية، وتُناسب هذا التقرير معنىّ ولفظاً من غير إفراط ولا تفريط، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ يَكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدَى وَرَحْمَةُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِ تَأْوِيلُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَشْفَعُواْ لَنَّا أَوْ نُرَّدُّ فَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ قَدْ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]، فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع، وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع، وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلاً والله تعالى أعلم. انتهى كلام الطيبيّ تَظَّتُهُ مُلَخّصاً (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((الفتح)) ٣٦٠/١١ - ٣٦٤ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٠٦).