Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٧٠) - بَابُ ذَهَابِ الإِيمَانِ آخِرَ الزَّمَانِ - حديث رقم (٣٨٢) و((هدية)): هو ابن خالد، و((التبوذكيّ)): هو موسى بن إسماعيل، و((حجّاج)): هو منهال، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٥ - (ومنها): أن حماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت، وثابتٌ من ألزم الناس لأنس ظه، يقال: إنه لزمه أربعين سنة. ٦ - (ومنها): أن أنساً ظُبه ذو مناقبَ جمّة، أشهرها أنه خدم النبيّ عشر سنين، ودعا له بالبركة في المال والأهل. صَّى اللّه وَمَتَّلة فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه) أن النبيّ وَّر دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، قال: ((أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم))، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خُوَيِّصةً، قال: ((ما هي؟))، قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دنيا، إلا دعا لي به، قال: ((اللهم ارزقه مالاً وولداً، وبارك له فيه))، فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدثتني ابنتي أُمَينة أنه دُفِن لصلبي مَقْدَم حجَّاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة. وأخرج مسلم، عن أنس ظلُّه أن أمه قالت: يا رسول الله، خادمك أنس، ادعُ الله له، فقال: ((اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته))، وفي رواية: فقال: ((اللهم أكثر ماله وولده))، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي، لَيَتَعَادون على نحو المائة اليوم. وأخرج عنه أيضاً قال: مَرّ رسول الله وَّر، فسمعت أمي أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيسٌ، فدعا لي رسول الله وَخلال ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة. وهو من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﴿ه، ومن المعمّرين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ (عَنْ أَنَسٍ) فِي الْأَرْضِ: اللّهَ اللهُ)) بالرفع مكرّراً، وهو مبتدأ خبره محذوفٌ؛ أي: الله ربيّ، ١٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وفي الرواية التالية: ((لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله))، قال النوويّ تَخْتُهُ: هو برفع اسم الله تعالى، وقد يَغْلَطُ فيه بعض الناس، فلا یرفعه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا غلّط النوويّ من لم يرفع لفظ ((الله الله))، وقد عارضه القرطبيّ، حيث صوّب النصب، واستبعد الرفع، ودونك نصّه، قال: ((اللّهَ اللهَ)) كذا صوابه بالنصب، وكذلك قيّدناه عن محقّقي من لقيناه، ووجهه أن هذا مثلُ قول العرب: ((الأسدَ الأسدَ))، و((الجدارَ الجدارَ))، إذا حذّروا من الأسد المفترس، والجدار المائل، فهو منصوب بفعل مُضمر، كأنهم قالوا: احذر الأسد المفترس، لكنّهم التزموا إضماره هنا لتكرار الاسم، ونصبه، كما قال الشاعر [من الطويل]: أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَالَهُ كَسَاعِ إِلَى الھَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ فإن أفردوا ذَكَرُوا الفعل، فقالوا: اتّق الأَسدَ، واحذر الجدارَ، واحفظ أخاك. قال الجامع عفا الله عنه: وإلى ما ذُكر، وغيره من أحكام التحذير والإغراء أشار ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة))، فقال: مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ (إِيَّاكَ وَالشَّرَّ)) وَنَحْوَهُ نَصَبْ سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا وَدُونَ عَظْفٍ ذَا لِـ((إِنَّا)) انْسُبْ وَمَا كَـ«الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي)) إِلَّا مَعَ العَظْفِ أَوِ التَّكْرَارِ وَعَنْ سَبِيلِ القَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ وَشَذَّ ((إِيَّايَ)) وَ((إِيَّاهُ)) أَشَذْ مُغْرَى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا ((إِيًّا)) اجْعَلَا قال القرطبيّ: وقيّده بعضهم: ((اللهُ الله)) بالرفع على الابتداء، وحذف الخبر، وفيه بُعْدٌ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن العمدة في ذلك صحة الرواية، وظاهر كلام القرطبيّ ثبوت النصب رواية، وكلام النوويّ يفيد ثبوت الرفع كذلك، فإذا ثبتت الرواية بهما، فالوجهان صحيحان دون أيّ استبعاد لهما، فأما النصب فعلى الوجه الذي ذكره القرطبيّ، وهو النصب على التحذير؛ أي: (١) ((المفهم)) ٣٦٤/١ - ٣٦٥. ١٦٣ (٧٠) - بَابُ ذَهَابِ الإِيمَانِ آخِرَ الزَّمَانِ - حديث رقم (٣٨٢) اتّقوا اللهَ، وأما الرفع فعلى أنه خبر لمحذوف، أي: اللهُ ربّي، أو نحو ذلك، والتكرار للتأكيد. وأما ما ذكره بعض الشارحين من أن لفظ الجلالة الأولُ مبتدأ، والثاني خبره، فُبُعده مما لا يخفى على بصير. ومعنى الحديث: أن القيامة لا تقوم على من يقول: ((الله الله))، والمراد به: لا إله إلا الله، كما جاء مفسّراً في الرواية الأخرى، وأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق، وقد تقدّم حديث أبي هريرة ظ به قال: قال رسول الله وَ له : ((إن الله يبعث ريحاً من اليمن، ألين من الحرير، فلا تَدَعُ أحداً في قلبه مثقالُ حبة))، وفي رواية: ((مثقال ذَرّة من إيمان إلا قبضته))، وتقدّم الجمع بينه وبين حديث: ((لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله))، وفي رواية: ((حتى تقوم الساعة)) بأن المراد بإتيان الساعة إتيان علاماتها، ومقدماتها . والحاصل أن هذه الطائفة هي التي تقاتل الدجّال، وتجتمع بعيسى ظلَّلا، ثم لا تزال على هذه الصفة التي وصفها به النبي وَل﴾ إلى أن يَبعث الله تعالى تلك الريح، فيقبضهم، وذلك عند قُربِ الساعة بعد أن ظهرت أشراطها، ووقعت علاماتها . [تنبيه]: (اعلم): أن الروايات كلَّها متّفقةٌ على أن الحديث بلفظ: ((الله الله))، مكرّراً في الروايتين، قال النوويّ كَّلُهُ: وهكذا هو في جميع الأصول، وقال القاضي عياضٌ كَثُ: وفي رواية ابن أبي جعفر(١) يقول: ((لا إله إلا الله)). انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا اللفظ الذي عزاه القاضي عياض إلى ابن أبي جعفر في رواية مسلم وقع في رواية أحمد في ((مسنده)) (١٣٤٢١) قال رَّتُهُ: حدثنا عَفّان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابتٌ، عن أنس، قال: قال (١) هو: عبد الله بن أبي جعفر الخُشَنيّ، شيخ القاضي عياض، وقد قرأ عليه ((صحيح مسلم)). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/٢. ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رسول الله وَالله: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله)). ووقع أيضاً عند ابن حبّان في ((صحيحه)) (٦٨٤٨) من طريق معمر، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تقوم الساعة على أحد يقول: لا إله إلا الله))، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: جرت مناظرة بين عبد الله بن عمرو، وبين عقبة بن عامر في حديث: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق))، أخرجها المصنّف في ((كتاب الإمارة))، من طريق عبد الرحمن بن شِماسة المَهْريّ، قال: كنت عند مَسْلَمة بن مُخَلَّد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يَدْعُون الله بشيء إلا رَدَّه عليهم))، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأَمّا أنا فسمعت رسول الله وَله يقول: ((لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوّهم، لا يضرُّهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك))(١). فقال عبد الله: أَجَلْ، ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك، مَسُّها مَسُّ الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أخرجه الحاكم في ((مستدركه)) (٤/ ٤٥٦)، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهذا من غفلته تَخْدَثُ، فقد أخرجه المصنّف سنداً ومتناً، ومن الغريب أن الذهبيّ سكت عليه، بل قال بعدما ساقه موافقاً ما نصّه: صحيح؛ فتنبّه. ومن الغريب أيضاً أن الحافظ عزا هذا الحديث في ((الفتح))(٢) إلى ((المستدرك)) مع أن المصنّف أخرجه، فكان الأولى أن يعزوَه إليه؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) سيأتي للمصنّف تَخّْثهُ في ((كتاب الإمارة)) برقم (١٩٢٤). (٢) راجع: ((الفتح)) ١٤/ ٥٨٣ - ٥٨٥ ((كتاب الفتن)). ١٦٥ (٧٠) - بَابُ ذَهَابِ الإِيمَانِ آخِرَ الزَّمَانِ - حديث رقم (٣٨٢) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس به هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٨٢/٧٠ و٣٨٣] (١٤٨)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٠٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٨٤٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٧/٣ - ١٦٢ - ٢٦٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٢٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٨٤٨ و٦٨٤٩)، و(الحاكم) في (مستدركه)) (٤٩٤/٤ - ٤٩٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٣ و٢٩٤)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٧٣ و٣٧٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٢٨٤)، و(الخطيب البغداديّ) في ((تاريخه)) (٨٢/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ذهاب الإيمان عن أهل الأرض آخر الزمان، وذلك بعد وقوع طلوع الشمس من مغربها، حين لا ينفع نفساً إيمانُها، لم تكن آمنت من قبلُ، كما بيّنه الله رَ في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ مَايَتِ رَبِّكُ يَوْمَ بَأْنِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ٢ - (ومنها): بيان فضل المؤمنين، حيث إن الله نُعَلَ أكرمهم، ولم يُهنهم بإقامة الساعة عليهم، وهم أحياء، بل أكرمهم ببعث ريح ليّنة تقبض أرواحهم، فتريحهم من تعب الدنيا، وشدائدها، وأهوال القيامة، وفزعها، فأبعدهم عن ما يحزنهم، أو يُهمهم، كما وعدهم بذلك حيث قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣]. وَنَقَّئُهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ (َ)﴾ ٣ - (ومنها): بيان فضل ذكر الله تعالى، حيث لا تقوم الساعة وفي الأرض من يذكر الله تعالى. ٤ - (ومنها): أنه وردت أحاديث كثيرة بمعنى هذا الحديث في ((الصحيحين)) وفي غيرهما. (فمنها): الحديث الماضي في مناظرة عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر ضَّها عند المصنّف نَُّهُ . ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (ومنها): ما أخرجه المصنّف أيضاً في (كتاب الفتن)) من حديث النّاس بن سِمْعَان ◌َُّه الطويل، وفيه: ((إذ بَعَثَ الله ريحاً طيبةً، فتأخذهم تحت آباطهم، فتَقْبِض رُوح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تَهارُج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة))(١) . و(منها): ما أخرجه البخاريّ من طريق الزبير بن عَدِيّ، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نَلْقَى من الحجّاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شرّ منه، حتى تَلْقَوا ربكم، سمعته من نبيكم وَلِينَ(٢). (ومنها): ما أخرجه أيضاً من حديث مِرْدَاس الأسلميّ ◌َظُه قال: قال النبيّ وَّ: ((يذهب الصالحون، الأولَ فالأولَ، ويبقى حُفَالة كحَفَالة الشعير - أو التمر(٣) - لا يباليهم الله بَالَةً)). (ومنها): ما أخرجه أيضاً عن عبد الله بن مسعود ظُله قال: سمعت النبيّ وَّه يقول: ((مِن شِرَار الناس مَن تُدْركهم الساعة، وهم أحياء))(٤). (المسألة الرابعة): أنه مما ينبغي له التنبّه ما استنبطه بعض جَهَلَة الصوفيّة من هذا الحديث، وهو مشروعيّة الذكر بلفظ ((الله)) مفرداً، بل جعله أفضل من الذكر بـ((لا إله إلا الله))، بل أغرب من هذا أن بعضهم يرى الذكر بلفظ ((هو)) مفرداً أيضاً، وكلّ هذا خلاف ما شرعه الله تعالى على لسان نبيّهِ وَّه، فيكون من البدع المنكرة، فقد ثبت عنه وال﴿ أنّ ((لا إله إلا الله أفضل الذكر))، فقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن جابر نظُله، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله))، وهو حديث حسن(٥)، وثبت عنه ﴾ أيضاً غير هذا من أنواع الذكر، فينبغي التقيّد بما ثبت (١) سيأتي للمصنّف - إن شاء الله تعالى - في ((كتاب الفتن، وأشراط الساعة)) برقم (٢٩٣٧). (٢) أخرجه البخاريّ في ((كتاب الفتن)) برقم (٧٠٦٨). (٣) الحُفَالة: هو ما يتساقط من قشور الشعير، أو التمر. (٤) أخرجه البخاريّ في ((الفتن)) (٧٠٦٧). (٥) حديث حسن، أخرجه الترمذيّ برقم (٣٣٠٥)، وابن ماجه برقم (٣٧٩٠). ١٦٧ (٧٠) - بَابُ ذَهَابِ الإِيمَانِ آخِرَ الزَّمَانِ - حديث رقم (٣٨٣) عنه ◌َّه؛ إذ من المعلوم أن العبادة توقيفيّة، فما لم يَرِد الشرع به، فهو بدعة وضلالة، والذكر بلفظ ((الله)) مفرداً، أو بـ(هو)) كذلك مما لم يُشْرَع في الكتاب، ولا في السنّة، ولا هو مأثورٌ عن السلف، وأيضاً إن الذكر ثناء، وهو لا يكون إلا بجملة تامّة يحسُن السكوت عليها، مثل: ((لا إله إلا الله))، و((الله أكبر))، و(سبحان الله))، و((الحمد لله))، و((لا حول ولا قوّة إلا بالله))، وأما الاسم المفرد، فلا يحسن السكوت عليه؛ إذ ليس جملة تامّة، ولا كلاماً مفيداً، كما هو معلوم عن أهل العلم بالعربيّة. وبالجملة إن مثل هذا الذكر من محدثات الأمور التي حذّر النبيّ وَّ منها أمته، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه بسند صحيح من حديث العِرْباض بن سارية ربه الطويل، وفيه: ((فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)). وفي رواية عند النسائيّ بسند صحيح زيادة: ((وكلّ ضلالة في النار)). والحاصل أن من قال بمشروعيّة الذكر بالاسم المفرد، أو بـ((هو))، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله ◌ُعَلَ، وضلّ، وأضلّ، ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ ﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم جنّبنا هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ البدَع، وارزقنا التمسّك بالسنّة، أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتاً، آمين آمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٨٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ، يَقُولُ: اللهُ اللهُ)). ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. وشرحُ الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ . (٧١) - (بَابُ جَوَازِ الاسْتِسْرَارِ بِالإِيمَانِ لِلْخَائِفِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [٣٨٤] (١٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ خُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: «أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ؟»، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَخَافُ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِِّّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةٍ؟ قَالَ: (إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا)»، قَالَ: فَابْتُلِيْنَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرّاً). رجال هذا الإسناد: سبعة، كلّهم تقدّموا قريباً: و((أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و((أَبُو كُرَيْبٍ)) هو: محمد بن العلاء، أحد مشايخ السّة بلا واسطة، و(أَبُو مُعَاوِيَةَ)) هو: محمد بن خازم الضرير، و((الأَعْمَش)) هو: سليمان بن مِهْران، و((شَقِيق)): هو ابن سلمة أبو وائل التابعيّ المخضرم، والسند مسلسلٌ بالكوفيين، وسبق بقيّة لطائفه قريباً، والله تعالى أعلم. ١٦٩ (٧١) - بَابُ جَوَازِ الاسْتِسْرَارِ بِالإِيمَانِ لِلْخَائِفِ - حديث رقم (٣٨٤) شرح الحديث: (عَنْ خُذَيْفَةَ) بن اليمان الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًَّا، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((أَحْصُوا لِي) معناه: عُدّوا لي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجنّ: ٢٨]، قاله القرطبيّ تَّهُ (١)، وفي رواية البخاريّ: ((اكتبوا لي))، والإحصاء أعمّ من الكتابة، وقد يُفسّر («أحصوا)) بـ((اكتبوا))، قاله في ((الفتح))(٢)، (كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ؟») أي: كم شخصاً يتكلّم بكلمة الإسلام؟ قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: وأصل اللفظ: الرَّمْيُ، ومنه: لَفَظَه البحر، أي: رماه، وعدّاه بنفسه لما حذف الباء في رواية، وفي أخرى بثبوت الباء؛ لأنه محمول على تكلّم المتعدّي بحرف الجرّ، فكأنه قال: عُدّوا لي كم يتكلّم بالإسلام. انتهى(٣). وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((كم يَلْفِظِ الإسلام؟)) هو بفتح الياء المثنّاة من تحتُ، والإسلام منصوبٌ، مفعولُ ((يَلْفِظُ)) بإسقاط حرف الجرّ، أي: يَلْفِظ بالإسلام، ومعناه: كم عَدَدُ مَن يتلفظ بكلمة الإسلام؟، و((كم)) هنا استفهامية، ومُفَسِّرها محذوف، وتقديره: كم شخصاً يَلِفِظ بالإسلام؟. وفي بعض الأصول: (تَلَفَّظَ؟)) بتاء مثناة من فوقُ، وفتح اللام، والفاء المشددة، وفي بعض الروايات للبخاريّ وغيره: ((اكتُبُوا مَن يَلْفِظُ بالإسلام))، فكتبنا، وفي رواية النسائيّ وغيره: ((أَخْصُوا لي من كان يَلْفِظ بالإسلام؟»، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: ((أَحْصُوا كُلَّ مَن تَلَفَّظَ بالإسلام)). انتهى(٤). (قَالَ) حذيفة ◌َظُه (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا)، الهمزة للاستفهام التعجبيّ، وفي رواية البخاريّ: ((فقلنا: نخاف)) بالنون، وحذف أداة الاستفهام، وقوله: (وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّئِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ؟(٥)) جملةٌ اسميّةٌ في محلّ نصب على الحال من ضمير ((علينا)). ومرادهم بهذا تبشير النبيّ ◌َّ، فكأنهم قالوا له: أتخاف علينا ظهور العدوّ، (١) ((المفهم)) ٣٦٥/١. (٢) ((الفتح)) ٢٠٦/٦ ((كتاب الجهاد والسير)) رقم (٣٠٦٠). (٤) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/٢. (٣) ((المفهم)) ٣٦٥/١. (٥) سيأتي الكلام على تعريف الجزأين في قوله: ((ما بين الستمائة، والسبعمائة)) في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقد كثر عددنا، وقَوِيت شوكتنا، وقد نصرنا الله تعالى، ونحن في قلّة وضعف؟. ووقع في رواية البخاريّ من طريق الثوريّ، عن الأعمش: ((فكتبنا له ألفاً وخمسَمائة رجل، فقلنا: نَخَافُ، ونحن ألف وخمسمائة؟))، وفي رواية للبخاريّ أيضاً من طريق أبي حمزة السّكّريّ، عن الأعمش: ((فوجدناهم خمسمائة)). قال في ((الفتح)) ما حاصله: خالف الثوريَّ أبو حمزة، عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند، فقال: ((خمسمائة))، ولم يذكر الألف، وخالفه أيضاً أبو معاوية، فقال: ((ما بين ستمائة إلى سبعمائة)). قال: وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم، وأحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وكأن رواية الثوريّ رَجَحَت عند البخاريّ، فلذلك اعتمدَهَا؛ لكونه أحفظهم مطلقاً، وزاد عليهم، وزيادة الثقة الحافظ مقدَّمةٌ، وأبو معاوية وإن كان أحفظَ أصحاب الأعمش بخصوصه، ولذلك اقتصر مسلمٌ على روايته، لكنه لم يَجْزِم بالعدد - أي حيث عبّر بلفظ: ما بين ستمائة، إلى سبعمائة - فقَدَّم البخاري روايةَ الثوريّ؛ لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين، ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية. وأما ما ذكره الإسماعيليّ أن يحيى بن سعيد الأُمَويّ، وأبا بكر بن عَيّاش وافقا أبا حمزة في قوله: ((خمسمائة))، فتتعارض الأكثرية والأحفظية، فلا يخفى بُعْدُ ذلك الترجيح بالزيادة، وبهذا يَظْهَر رُجحان نظر البخاريّ على غيره. وسَلَك الداوديّ الشارعُ طريق الجمع، فقال: لعلهم كَتَبُوا مَرّات في مواطن، وجَمَعَ بعضهم بأن المراد بالألف وخمسمائة جميعُ مَن أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبيّ، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصّةً، وبالخمسمائة المقاتلة خاصّةً، وهو أحسن من الجمع الأَوّل، وإن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الأولى: ((ألفاً وخمسمائة رجل))؛ لإمكان أن يكون الراوي أراد بقوله: ((رجل)) نفس. وجَمَع بعضهم (١) بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل المدينة خاصّةً، (١) هذا البعض هو النووي ◌َّتُهُ. قال في شرحه (١٧٩/٢) بعد ذكر اختلاف الروايات ما نصّه : وقد يقال: وجه الجمع بين هذه الالفاظ أن يكون قولهم: ((ألف وخمسمائة)) المراد به النساء والصبيان والرجال، ويكون قولهم: ((ستمائة إلى سبعمائة)) الرجال خاصّةً، = ١٧١ (٧١) - بَابُ جَوَازِ الاسْتِسْرَارِ بِالإِيمَانِ لِلْخَائِفِ - حديث رقم (٣٨٤) وبما بين الستمائة إلى السبعمائة، هم ومَن ليس بمقاتل، وبالألف وخمسمائة، هم ومَن حولهم من أهل القرى والبوادي. قال الحافظ: ويخدُش في وجوه هذه الاحتمالات كلُّها اتّحاد مخرج الحديث، ومداره على الأعمش بسنده، واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور، والله تعالى أعلم. انتهى كلامه(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ تَخْتُهُ من خَدْشِ هذه الاحتمالات قويّ جدّاً، فإذاً يكون الجواب الصحيح أن يُسلَكَ مسلك الترجيح فقط، وهو أن رواية الثوريّ أولى بالاعتماد عليها، كما هو صنيع الإمام البخاريّ تَخْلُ، كما بيّن ذلك الحافظ تَُّ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ) وَ مُحذِّراً لهم من الزَّهْوِ والإعجاب بالكثرة؛ إذ النصر ليس بالكثرة، وإنما هو من عند الله تعالى، كما قال ◌َت: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ قُدْرِينَ (٥) : [التوبة: ٢٥]. ((إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ) ((لعلّ)» هنا للاستفهام، على مذهب الكوفيين، ولهذا عُلّق بها الفعل، أي ((تدرون))، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّّه [عبس: ٣](٢)، ومعناها هنا الإشفاق، وهي في كلام الله تعالى، ورسوله وَاليه ويكون ((خمسمائة)) المراد به المقاتلون، ولكن هذا الجواب باطل برواية البخاريّ = في أواخر ((كتاب السير)) في ((باب كتابة الإمام الناس)) قال فيها: ((فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل)). والجواب الصحيح - إن شاء الله تعالى - أن يقال: لعلهم أرادوا بقولهم: ((ما بين الستمائة إلى السبعمائة)) رجال المدينة خاصّةً، وبقولهم: ((فكتبنا له ألفاً وخمسمائة)). هم مع المسلمين حولهم. انتهى. (١) ((الفتح)) ٢٠٦/٦ - ٢٠٧ ((كتاب الجهاد)) رقم (٣٠٦٠). (٢) راجع: ((مغني اللبيب)) ٢٨٨/١ تحقيق محمد محيي الدين. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان للتحقيق (أَنْ تُبْتَلَوْا))) بضمّ أوله، وفتح ثالثه، ورابعه، أما فتح ثالثه، فلكونه مبنيّاً للمفعول، وفتح رابعه، وهو اللام، فلأجل وقوع الإعلال فيه؛ إذ أصله: ((أن تُبتَلَوُوا)) بضم الواو الأولى، فقُلبت ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين: وهما الواوان، فبقي ما قبلها مفتوحاً؛ لعدم كونه قبلها تقديراً. ولفظ أبي عوانة، وأبي نُعيم: ((لعلّكم تُبْتَلَون)) بحذف ((أن))، قال في ((الفتح)): وكأنّ ذلك وقع عند تَرَقُّب ما يُخاف منه، ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها، ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حَفْر الخندق، وحَكَى الداوديّ احتمالَ أنّ ذلك وقع لَمّا كانوا بالحديبية؛ لأنه قد اختُلِف في عددهم، هل كانوا ألفاً وخمسمائة، أو ألفاً وأربعمائة، أو غير ذلك؟ مما سيأتي في مكانه. انتهى(١). (قَالَ) حُذيفة ◌َُّّهَ (فَابْتُلِيْنَا) بالبناء للمفعول، ولفظ البخاريّ: ((فلقد رأيتُنَا ابتُلِينا)) (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرّاً) أي: فتحقّق ما أخبر به النبيّ ◌َّر، فحصل الابتلاء بالفتن التي تموج كموج البحر، وامتُحنوا حتى كان الرجل منهم يُخفي صلاته عن الآخرين، ويُصلّي سرّاً، خوفاً وفَرَقاً. قال النوويّ كَّثُ: لعله كان في بعض الفتن التي جَرَت بعد النبيّ وَّ، فكان بعضهم يُخفِي نفسه، ويصلي سرّاً؛ مخافةً من الظهور، والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): وأما قول حذيفة ته: ((فابتُلينا ... إلخ)) فيُشبِه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان رظُه من ولاية بعض أمراء الكوفة، كالوليد بن عقبة، حيث كان يؤخر الصلاةَ، أو لا يُقيمها على وجهها، وكان بعض الوَرِعِين يُصلي وحده سرّاً، ثم يصلي معه خشيةً من وقوع الفتنة، وقيل: كان ذلك حين أتمّ عثمانُ الصلاة في السفر، وكان بعضهم يَقْصُر سرّاً وحده؛ خشيةَ الإنكار عليه. ووَهِمَ مَن قال: إن ذلك كان أيامَ قتل عثمان؛ لأن حذيفة ظُ لم يحضر (١) ((الفتح)) ٢٠٦/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٩/٢ - ١٨٠. ١٧٣ (٧١) - بَابُ جَوَازِ الاسْتِسْرَارِ بِالإِيمَانِ لِلْخَائِفِ - حديث رقم (٣٨٤) ذلك، وفي ذلك عَلَمٌ من أعلام النبوة، من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وَقَع أشد من ذلك بعد حذيفة رَظُه في زمن الحجّاج وغيره. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((فابتُلينا ... إلخ)) يعني: بذلك - والله أعلم - ما جرى لهم في أوّل الإسلام بمكّة حين كان المشركون يؤذونهم، ويمنعونهم من إظهار صلاتهم حتى كانوا يُصلّون سرّاً. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ في توجيه معنى هذا الحديث مما لا يخفى بطلانه، يُبطله قوله: ((فابتُلينا))؛ إذ معناه: بعدما قال لهم النبيّ بَّ: ((لعلكم أن تُبْتَلَوْا))، ويُبطله أيضاً قوله: ((أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟))، وفي رواية الثوريّ: ((ونحن ألف وخمسمائة))، وهذا كلّه لا يكون قطعاً في أول الإسلام، وإنما هو بعد قوله ويلشير: («أحصوا لي ... إلخ)). والحاصل أن هذا الابتلاء إنما وقع بعد ذلك، والذي يظهر أن المراد ما وقع في خلافة عثمان رظبه من بعض ولاة أمراء بني أميّة، كما سبق في كلام الحافظ تَخْدَتُهُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٨٤/٧١] (١٤٩)، و(البخاريّ) في ((الجهاد والسير)) (٣٠٦٠)، و(ابن ماجه) في ((الفتن) (٤٠٢٩)، و(النسائيّ) في (السير)) من ((الكبرى)) (٨٨٧٥)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٦٩/١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٤/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٩ و٣٠٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٧٥)، و(ابن (١) ((الفتح)) ٢٠٦/٦ ((كتاب الجهاد)) رقم (٣٠٦٠). (٢) ((المفهم)) ٣٦٥/١. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان منده) في ((الإيمان)) (٤٥٢ و٤٥٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٣/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٧٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بين جواز الاستسرار بالإيمان للخائف على نفسه. ٢ - (ومنها): مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يَصْلَح للمقاتلة عمن لا يصلح. ٣ - (ومنها): أن فيه وقوعَ العقوبة على الإعجاب بالكثرة، فقد قالوا للنبيّ وَّ: ((أتخاف علينا))، ونحن بهذا العدد الكثير؟، فوقع الابتلاء، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم ◌ُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. ٤ - (ومنها): أن فيه علماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ وَّهُ بما سيقع بعده، فوقع كما أخبر به، فقد قال حذيفة ظُه: ((فابتُلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلّي إلا سرّاً)). ٥ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ وَّر، وشدّة رأفته بأصحابه خاصّةً، وبأمته عامّة، فكان يحذّرهم ويُخبرهم بما سيحصل لهم من الابتلاء والامتحان حتى يستعدّوا لذلك بالصبر، والتوكّل على الله وَلَ، فظهر بهذا مصداق قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٦ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ تْهُ ترجم في ((كتاب الجهاد)) من ((صحيحه))، فقال: ((باب كتابة الإمام الناس))، فقال ابن المُنَيِّر دَخْتُهُ: موضعُ الترجمة من الفقه أن لا يُتَخَيَّل أن كتابة الجيش، وإحصاء عدده، يكون ذريعةً لارتفاع البركة، بل الكتابةُ المأمورُ بها لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت في حنين، كانت من جهة الإعجاب. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان القاعدة النحويّة في تعريف العدد: (١) راجع: ((الفتح)) ٢٠٧/٦ ((كتاب الجهاد)). ١٧٥ (٧١) - بَابُ جَوَازِ الاسْتِسْرَارِ بِالإِيمَانِ لِلْخَائِفِ - حديث رقم (٣٨٤) (اعلم): أنه وقع في هذا الحديث قوله: ((مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ)»، فقال النوويّ تَخْتُهُ: كذا وقع في مسلم، وهو مشكل من جهة العربية، وله وجه، وهو أن يكون ((مائة)) في الموضعين منصوباً على التمييز، على قول بعض أهل العربية(١)، وقيل: إن ((مائة)) في الموضعين مجرورة، على أن تكون الألف واللام زائدتين، فلا اعتداد بدخولهما . قال: ووقع في ((صحيح البخاريّ)): ((ما بين ستمائة إلى سبعمائة))، وهذا ظاهرٌ، لا إشكال فيه من جهة العربية(٢). قال الجامع عفا الله عنه: وجه الإشكال الذي أشار إليه النوويّ تَخَُّ أن القاعدة النحويّة في العدد أنه إذا كان العدد مضافاً، وأردت تعريفه، عَرَّفتَ الآخرَ، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافاً إلى معرفة، فتقول: ثلاثة الأثوابِ، ومائة الدرهم، وألفُ الدينارِ، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَارِ مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ وقول الآخر (من الطويل]: وَهَلْ يَرْجِعُ التَّسْلِيمَ أَوْ يَكْشِفُ العَنَا ثَلَاثُ الأَثَافِي وَالدِّيَارُ البَلَاقِعُ. وأجاز الكوفيّون ((الثلاثة الأثوابٍ))؛ تشبيهاً بـ((الحسنِ الوجهِ))، قال الزمخشريّ: وذلك بمعزل عند أصحابنا - يعني: البصريين - عن القياس، واستعمال الفصحاء. وإذا كان العدد مركّباً ألحقتَ حرف التعريف بالأول، فتقول: الأحد عشر درهماً، والاثنتا عشرة جاريةً، ولم تُلحقه بالثاني؛ لأنه بمنزلة بعض الاسم، وأجاز ذلك الأخفش، والكوفيّون، فقالوا: الأحد العشر درهماً، والاثنتا العشرة جاريةً؛ لأنهما في الحقيقة اسمان، والعطف مرادٌ فيهما، ولذلك بُنيا، ويدلُّ عليه إجازتهم ثلاثة عشر، وأربعة عشر؛ إذ تاء التأنيث لا تقع حشواً، فلولا ملاحظة العطف لَمَا جاز ذلك. ولا يجوز الأحدَ العشرَ الدرهمَ؛ لأن التمييز واجب التنكير؛ نعم يجوز عند الكوفيين، وقد استعمل ذلك بعضُ الكُتّاب. (١) هو مذهب الكوفيين. (٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٧٩/٢. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وإذا كان معطوفاً عرّفتَ الاسمين معاً، فتقول: الأحد والعشرون درهماً؛ لأن حرف العطف فَصَلَ بينهما . (واعلم): أن في تعريف المضاف قد يكون المعرَّف إلى جانب الأول، كما تقدّم، وقد يكون بينهما اسم واحدٌ، نحو خمسمائة الألف، وقد يكون بينهما اسمان، نحو خمسمائة ألف الدينار، وقد يكون بينهما ثلاثة أسماء، نحو خمسمائة ألف دينار الرجل، وقد يكون بينهما أربعة أسماء، نحو خمسمائة ألف دينار غلام الرجل، وعلى هذا. ولو قلتَ: عشرون ألف رجل امتَنَعَ تعريف المضاف إليه؛ لأن المضاف منصوب على التمييز، فلو عرّفتَ المضاف إليه صار المضاف معرفةً بإضافته إليه، والتمييز واجب التنكير؛ نعم يجوز ذلك عند الكوفيين، ولو قلتَ: خمسة آلاف دينار جاز تعريف المضاف إليه، نحو خمسمائة آلاف الدينار، وكذلك حكم المائة؛ لأن مميِّزها يجوز تعريفه كما عَرَفتَ، ولا تعرّف الآلاف؛ لإضافتها إلى ما بعدها، سواء أُضيفت لمعرفة، أو نكرة؛ لأن ((أل)) لا تدخل على المضاف في مثل ذلك، وأما ما وقع في ((صحيح البخاريّ)) في ((باب الكفالة في القرض والديون)): ((ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار))، فأوّله الدمامينيّ بتقدير مضاف، مُبدَل من المُعَرَّف؛ أي بالألف ألف دينار، قال: ولا يقال: ((أل)) زائدة؛ لأن ذلك لا يَنقاس. وقد نظم العلامة الأجهوريّ تَخْذَلُ حاصل هذه المسألة، فقال: فَـ((أَنْ)) بِجُزْأَيْهِ صِلَنْ إِنْ عُطِفَا وَعَدَدْ تُرِيدُ أَنْ تُعَرِّفَا وَفِي المُضَافِ عَكْسُ هَذَا يُفْعَلُ وَإِنْ يَكُنْ مُرَكَّباً فَالأَوَّلُ فَفِيهِمَا قَدْ عَرَّفَ الجُزْأَيْنِ(١) وَخَالَفَ الكُوفِيُّ فِي هَذَيْنٍ (١) كان نصّ بيت الأجهوريّ هكذا: وَخَالَفَ الكُوفِيُّ فِي الأَخِيرِ فَعَرَّفَ الجُزْأَيْنِ يَا سَمِيرِي فغيّره الصبّان؛ لأن المراد بالأخير غيرُ الأول، فيشمل الثاني، وهو المركّب؛ لأن الكوفيّ خالف فيه أيضاً، فكان الأحسن أن يقول بدل الأخير: وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي هَذَيْنٍ ... إلخ. ١٧٧ (٧٢) - بَابُ تَأَلُّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٥) ذكر هذا التحقيق العلامة أبو الحسن الأشمونيّ في شرحه ((على خلاصة)) ابن مالك، ومحشّيه العلامة محمد بن عليّ الصبّان رحمهما الله تعالى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٧٢) - (بَابُ تَأَلَّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، وَالَّهْيِ عَنِ الْقَطْعِ بِالإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٣٨٥] (١٥٠) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَلِ قَسْماً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِ فُلَاناً، فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَوْ مُسْلِمٌ))، أَقُولُهَا ثَلَاثاً، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثاً: ((أَوْ مُسْلِمٌ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريباً . ٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتُ حجة، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٣ - (الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريباً. ٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. (١) (شرح الأشمونيّ على الخلاصة)) مع حاشية الصبّان عليه ١٨٦/١ - ١٨٨. ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٥ - (أَبُوهُ) هو: سعد بن أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات نظراته (٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مكيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﴿ه، وهو آخرهم موتاً، مات بالعقيق، ثم نُقل إلى المدينة، فدفن بها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قول المصنّف تَخْتُهُ: ((حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهريّ ... إلخ. قال أبو عليّ الغسانيّ: قال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ: هذا الحديث إنما يرويه سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ، قاله الحميديّ، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن الصبّاحِ الجَرْجَرائيّ، كلّهم عن سفيان، عن معمر، عن الزهريّ، بإسناده سواء. وهذا هو المحفوظ عن سفيان، حدّثناه حاتم بن محمد، قال: نا أحمد بن إبراهيم بن فِراس، قال: أنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدَّيْبُليّ، قال: نا سعيد بن عبد الرحمن، قال: نا سفيان، عن معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: ((قسم رسول الله وَّ قَسْماً ... )) الحديث. وكذلك قال عليّ بن عمر(١) في كتاب ((الاستدراكات)) في هذا الإسناد. انتھ (٢) (١) يعني الدار قطنيّ. (٢) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٧٨٢. (٧٢) - بَابُ تَأَلُّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٥) ١٧٩ قال النوويّ تَخّْثُ: وهذا الذي قاله هؤلاء في هذا الإسناد، قد يقال: لا ينبغي أن يوافقوا عليه؛ لأنه يَحْتَمِلُ أن سفيان سمعه من الزهريّ مرّةً، وسمعه من معمر، عن الزهريّ مرّةً، فرواه على الوجهين، فلا يقدح أحدهما في الآخر، ولكن انضمت أمورٌ اقتَضَت ما ذكروه، منها: أن سفيان مُدَلِّسٌ، وقد قال: ((عن)). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه مما لا يخفى ضعفه؛ لأنه وإن وُصف بالتدليس، لكنه لا يُدلّس إلا عن ثقة، حتى ادّعى ابن حبّان بأن ذلك خاصّ به، وإنما القدح الصحيح هو مخالفته جماهير الرواة، كما بيّنه بقوله: ومنها: أن أكثر أصحابه رووه عن معمر، وقد يجاب عن هذا بما قدمناه، من أن مسلماً تَّقُ لا يروي عن مُدَلِّسٍ قال: ((عن)) إلا أن يثبت أنه سمعه ممن عَنْعَنَ عنه، وكيف كان فهذا الكلام في الإسناد لا يُؤثّر في المتن، فإنه صحيح على كل تقدير مُتَّصِلٌ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخَُّهُ(١). وقال في ((الفتح)): ورواه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، ووقع فيه وَهَمٌ منه، أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في الجوامع، والمسانيد، عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ بزيادة معمر بينهما، وكذا حدّث به ابن أبي عمر، شيخُ مسلم في ((مسنده)) عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريقه. وزعم أبو مسعود في ((الأطراف)) أن الوَهَم من ابن أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لَمّا حَدّث به مسلماً، لكن لم يتعين الوهم في جهته. وحمله الشيخ محيي الدين على أن ابن عيينة حَدّث به مرّةً بإسقاط معمر، ومرّةً بإثباته، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط، كما قدمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتابي ((تغليق التعليق)). انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما عزاه إلى النوويّ من حمله على المرتين، فيه (١) ((شرح النوويّ)) ٢/ ١٨٢. (٢) ((الفتح)) ١٠٢/١ - ١٠٣. ٤ ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم يذكر هذا اعتماداً عليه، بل إنما ذكره في مَعْرِض الردّ والاستبعاد، كما سبقت عبارته قريباً، فتأملها بإمعان. وخلاصة القول أن سند المصنّف فيه سقطّ، والظاهر أن السهو منه، وأما كونه من شيخه ابن أبي عمر، وإن ذكروه احتمالاً، إلا أنه يُبْعِده ثبوته في ((مسنده)) على الصواب، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: ((أَوْ مُسْلِمٌ))) هكذا في هذه الرواية بالرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو مسلم، و((أو)) بسكون الواو بمعنى ((بل)). وقوله: (أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ) بفتح حرف المضارعة، مضارع كبّه، يقال: أكبّ الرجلُ، وكبّه الله، وهذا بناء غريب، جاء على خلاف العادة؛ إذ هي أن يكون الثلاثيّ لازماً، والرباعيّ متعدّياً، وهنا بالعكس، فالثلاثيّ متعدّ، والرباعيّ لازم. وتمام شرح الحديث، ومسائله ستأتي في الحديث التالي، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ سياقاً مما هنا، فكان الشرح أليق به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ أَعْطَى رَهْطاً، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرََ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ، إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَوْ مُسْلِماً))، قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَوْ مُسْلِماً))، قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَ اللهِ إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَوْ مُسْلِماً، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ))).