Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٧)
قال الطيبيّ كََّثُهُ: قوله: ((فلا تُعطه)) جواب للسؤال، وجزاء الشرط
محذوفٌ، يدلّ عليه السؤال، كما أن السؤال شرط جزائه محذوف، يعني: إن
جاء رجلٌ بهذه الصفة، فأعطيه أم لا؟، قال: ((فلا تعطه))، يعني: إن كان كما
وصفته، وعلى هذا قوله: ((فأنت شهيد))، وأما ما جاء بلا فاء من قوله:
((قاتله))، ((هو في النار))، فعلى الاستئناف، بعد تقدير جواب الشرط، كأن قائلاً
سأل، قال: فماذا قال رسول الله و18َ في جوابه؟ فأجيب: قال: كذا. انتهى
كلام الطيبيّ ◌َذُّهُ(١).
قال النوويّ تَخْدَّثُ: ((قوله وَله: ((فلا تُعْطِه))، فمعناه: لا يلزمك أن تعطيه،
وليس المراد تحريم الإعطاء)). انتهى(٢).
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟) أي: فماذا أفعل؟ (قَالَ) ◌ِِّ («قَاتِلْهُ)))
هذا دليل جواب الشرط المقدّر، وليس جواباً، وإلا لاقترن بالفاء؛ أي: إن
قاتلك، فقاتله.
ثم إن هذه المقاتلة تكون بعد المناشدة بالله، والاستعانة بالمسلمين،
وولاة الأمور، فقد أخرج النسائيّ هذا الحديث في ((المجتبى)) (٤٠١٤) من
طريق عمرو بن قُهَيد الغفاريّ، عن أبي هريرة ◌َظُه قال: جاء رجل إلى
رسول الله وَّله، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن عُدِي على مالي؟ قال: ((فانشُدْ
بالله))، قال: فإن أَبَوا عليّ، قال: ((فانشد بالله))، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال:
((فانشد بالله))، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: ((فقاتل، فإن قُتلتَ ففي الجنة، وإن
قَتَلْتَ ففي النار))؛ أي: إن قتلتَ هؤلاء المعتدين، فهم في النار.
وأخرج (٤٠١٣) من طريق سماك بن حرب، عن قابوس بن مخارق، عن
أبيه، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَلّه، فقال: الرجلُ يأتيني، فيريد مالي؟ قال:
(ذَكِّره بالله))، قال: فإن لم يَذَّثَّرْ؟ قال: ((فاستعن عليه مَنْ حَوْلَك من
المسلمين))، قال: فإن لم يكن حولي أحدٌ من المسلمين؟ قال: ((فاستعن عليه
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٤٨٧/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/٢.
٠
٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بالسلطان))، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: ((قاتل دون مالك، حتى تكون
من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك))(١) .
فقد دلّ هذان الحديثان على أن القتال يكون بعد الدفع بالأسهل
فالأسهل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟) أي: فماذا حكم الله تعالى في أمري؟
(قَالَ) وَ ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ))) قال القاضي عياضٌ تَخْتُ: أصل الشهادة التبيين،
ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨]؛ أي:
بيّن، وسُمّي الشاهد؛ لأن بشهادته تبيينَ الحكم. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير كَّتُهُ: ((الشهيد)) في الأصل: من قُتل مجاهداً في
سبيل الله، ويُجمع على شُهداء، وسُمي شهيداً؛ لأن الله تعالى وملائكته شهودٌ
له بالجنّة، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهد غسله، أو تشهد نقل روحه إلى
الجنّة، أو لأن الله تعالى شهد له بالجنّة، وقيل: لقيامه بشهادة الحقّ في أمر الله
تعالى حتى قُتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ الله له من الكرامة بالقتل، وقيل غير
ذلك، فهو فعيلٌ بمعنى فاعل، أو مفعول على حسب اختلاف التأويل.
(٣)
انتھی
وقال النضر بن شُميل: سُمِّي الشهيد شهيداً؛ لأنه حيّ؛ لأن أرواحهم
شَهِدَت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها إلا يوم القيامة، وهو مأخوذ من
قوله رَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَقًاْ بَلْ أَحْيَآءُ عِندَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ
١٦٩
[آل عمران: ١٦٩].
وقال ابن الأنباريّ؛ لأن الله تعالى، وملائكته يشهدون له بالجنة، فمعنى
شهِید مشهود له.
وقيل: سُمّي شهيداً؛ لأنه شَهِدَ عند خروج روحه ما له من عند الله تعالى
(١) حديث في سنده انقطاع، لكنه صحيح بشواهده، كما حقّقته في ((شرح النسائيّ))
٦١/٣٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٥٥٦/١.
(٣) ((النهاية)) ٥١٣/٣، و((المصباح المنير)) ٣٢٤/١.
٦٣
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٧)
من النجاة، والثواب والبشرى، والكرامة، وحَقَّقَ ذلك، كما قال تعالى:
﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ
[آل عمران: ١٧٠].
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾﴾
وقيل: لأن ملائكة الرحمة يَشْهَدون، فيأخذون روحه، وقيل: لأنه شُهِدَ
له بالإيمان، وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل: لأن عليه شاهداً يَشْهَد بكونه
شهيداً، وهو دَمُهُ، فإنه يُبْعَثُ، وجُرْحُهُ يَثْعَب (١) دَماً.
وحَكَى الأزهريّ وغيره قولاً آخر، أنه سُمّي شَهِيداً؛ لكونه ممن يَشْهَد يوم
القيامة على الأمم(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول فيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا لا يخصّ
الشهيد، بل يَعُمّ جميع المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا
لِكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟) أي: فماذا عليّ؟ (قَالَ) ◌ِ (هُوَ فِي النَّارِ)))
أي: لكونه قُتل ظالِماً، ولا شيء عليك؛ لكونك مظلوماً مدافعاً عن حقّك.
والمراد أنه يستحقّ النار، وقد يُجَازَى، وقد يُعْفَى عنه، إلا أن يكون
مستحلّاً لذلك بغير تأويل، فإنه يَكْفُر، ولا يُعْفَى عنه(٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ظوبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٦٧/٦٥] (١٤٠)، و(النسائيّ) في
((كتاب المحاربة)) (٤٠٨٤ و٤٠٨٥)، وفي ((الكبرى)) (٣٥٤٥ و٣٥٤٦)،
(١) (يَثْعَبُ)) من باب منع: أي يسيل، ويتفجّر.
(٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥٥٦/١ - ٥٥٨، و((شرح النوويّ)) ١٦٣/٢ - ١٦٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/٢.
٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٦ و١٢٧)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٦١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٥/٣ -٢٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم مال المسلم بغير رضاه، وأنه ينافي كمال
الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا .
٢ - (ومنها): أن من قصد مال مسلم بغير حقّ يكون هَدَر الدم، وإن قُتل
بذلك كان من أهل النار.
٣ - (ومنها): أن من تعرّض له ظالم ليأخذ ماله له منعه، ومدافعته، ولو
أدّى إلى قتله.
٤ - (ومنها): أن الدفاع يكون بالأسهل، فالأسهل؛ لِمَا سبق من
قوله { ل: ((فانشده بالله))، وفي رواية: ((ذكّره بالله))، ثم أمر بالاستعانة
بالمسلمين، ثم برفع أمره إلى ولاة الأمور، فإن لم يتمكنّ من ذلك كلّه جاز له
قتله .
٥ - (ومنها): أن فيه بيان انقسام الشهداء إلى شُهداء الدنيا، وشُهداء
الآخرة. قال النوويّ تَخْذَثُهُ: (واعلم): أن الشهيد ثلاثة أقسام:
[أحدها]: المقتول في حرب الكفار بسببٍ من أسباب القتال، فهذا له
حكم الشهداء في ثواب الآخرة، وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يُغْسَلُ، ولا
يُصَلی علیه.
[والثاني]: شَهِيدٌ في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون
والمطعون، وصاحب الهَدْم، ومن قُتِل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت
الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يُغْسَلُ ويُصَلَّى عليه، وله في الآخرة
ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
[والثالث]: مَنْ غَلَّ في الغنيمة، وشِبْهُهُ، ممن وَرَدَت الآثار بنفي تسميته
شهيداً، إذا قُتِلَ في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يُغْسَلُ،
ولا يُصَلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/٢.
٦٥
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٧)
٥ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أنه لا دية في قتل المحاربين، ولا قَوَدَ؛
لأنه إذا كان مقتوله شهيداً، وأُمر بقتاله، وأخبر النبيّ وَّر أنه إن قُتل في النار،
فما يأمر الشرع به لا تَعَقّبَ على فاعله، ولا تَبِعَةَ عليه في الدنيا والآخرة، قاله
القاضي عياض تَذَتُهُ(١).
٦ - (ومنها): جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حَقّ، سواء كان المال
قليلاً أو كثيراً؛ لعموم الحديث، وهذا قول الجماهير من العلماء، وقال بعض
أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً يسيراً، كالثوب، والطعام، وهذا
ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير.
وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل
خلاف بين العلماء، والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير واجبة، قاله النوويّ تَقْذَّتُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: ((والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير
واجبة)) هذا مذهبه، والأرجح أنه واجب؛ لظاهر قوله وَلجر: ((لا تعطه))، وقوله:
«قاتله)).
قال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((لا تعطه))، و((قاتله)) دليلٌ على أن المحارب لا
يجوز أن يُعطَى شيئاً له بالٌ من المال إذا طلبه على وجه الحرابة ما أمكن، لا
قليلاً، ولا كثيراً، وأن المحارب يجب قتاله، ولذلك قال مالك تَخّْتُهُ: قتال
المحاربين جهاد، وقال ابن المنذر تَّلهُ: عوامّ العلماء على قتال المحارب
على كلّ وجه، ومدافعته عن المال، والأهل، والنفس.
قال القاضي عياض تَخْتُ: اختلف المذهب - يعني: مذهب المالكية - إذا
طلب الشيء الخفيف، كالثوب، والطعام، هل يُعطاه، أو يقاتل دونه؟ وهو
مبنيّ على الخلاف في أصل المسألة، هل قتالهم مأمور به؛ لأنه تغيير منكر؛
لقوله وَله: ((قاتله))، أو هو مباحٌ، غير مأمور به.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أنه من باب تغيير المنكر، فيجب
قتالهم؛ لظاهر قوله وَله: ((لا تعطه))، وقوله: ((قاتله))، من دون أن يستفصل بين
القليل والكثير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((إكمال المعلم)) ١/ ٥٦٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/٢.
٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دعوة المحاربين قبل
القتال :
اختلفوا، هل يُدعون قبل القتال، أم لا؟، والمراد بالدعوة دعوة الإمام،
أو نائبه قبل مقاتلتهم، وهذا في حال اعتصامهم، وتعذّر إقامة الحقّ عليهم دون
قتال، فهم حينئذ كالبغاة الذين يجب على الإمام أن يُبيّن لهم، ويدعوهم إلى
ترك ما هم عليه قبل مباشرة قتالهم، وهو رأي الجمهور، وذهب بعض أهل
العلم من الحنفيّة وغيرهم إلى أنه يبدأ بقتالهم؛ لعلمهم بما سيدعوهم إليه.
وقد فصّل ابن رُشد ◌ََّتُهُ القول في هذه المسألة لدى المالكيّة، فنقل عن
مالك كَُّ أنهم يُدْعَون، وعن سَحْنُون ◌َذَتُهُ أنهم لا يُدعون، ثم قال: تكلّم
سحنون على ما يُعْرَف من غالب أمرهم، وتكلّم مالك على قدر ما يُرجَى في
النادر منهم، وذلك يَرْجِع إلى أنه إن رُجي إن دُعُوا، أو نُشِدوا أن يَكُفُوا
استُحِبَّ دعاؤهم، وترك معاجلتهم بالقتال، وإن تُيُقِّنَ ذلك وجب أن يُدْعَوا،
وإن خيف إن دُعُوا أن يستأسِدُوا، ويعاجلوا المسلمين وجب أن لا يُدْعَوا، كما
قال سحنون رَّتُهُ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن رُشد نظُه من التفصيل
حسنٌ جدّاً.
وحاصله أن دعوتهم يُنظر فيها إلى ما يترتّب من المصالح، فإن يُرجى
رجوعهم عن غيّهم تُستحبّ دعوتهم، وإن غلب ذلك تجب، وإن كان يُخشى
إلحاق الضرر بالمسلمين بتأخيرهم لأجل الدعوة وجب تركها، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٦٨] (١٤١) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
(١) راجع: ((البيان والتحصيل)) ٨٣/٣ - ٨٤، و٣٧٦/١٦ - ٣٨٥ - ٤١٧، انظر ما كتبه
محقّق: ((إكمال المعلم)) ٥٥٩/١.
٦٧
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٨)
الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ،
أَنَّ ثَابِتَاً مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،
وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ، تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ))؟).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام -
أبو عليّ الخَلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د
ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ
[١١] (ت٢٤٥) (خ م د تَّ س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ مشهور، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]
(ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٥ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، منسوب إلى
جدّه، الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ،
يُدلّس، ويرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٦ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكيّ الأحول، خالُ
ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقةٌ [٥] (ع).
رَوَى عن طارق بن شهاب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وأبي
سلمة بن عبد الرحمن، وطاووس، وغيرهم.
وروى عنه ابن جُريج، وحُسين المعلّم، وشعبة، وابن عيينة، وإبراهيم بن
نافع المكيّ، وغيرهم.
قال الحميديّ، عن سفيان: ثنا سليمان الأحول، وكان ثقةً، وقال
٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد: هو ثقةٌ ثقةٌ، وقال
العجليّ: ثقةٌ، ونَقَلَ ابن خَلْفُون، عن ابن وَضّاح توثيقه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا (١٤١)،
و(٧٦٩): ((اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ... ))، و(١٣٢٧):
((لا يَنْفِرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت))، و(١٦٣٧): ((ائتوني أَكْتُبْ لكم
كتاباً ... ))، و(٢٠٠٠): ((نهى رسول الله وَ لقر عن النبيذ في الأوعية ... ))،
و(٢٠٧٧): ((أأمُّك أمرتك بهذا؟ ... )).
٧ - (ثَابِتٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: ثابت بن عياض، الأحنف
الأعرج العَدَويّ مولاهم، وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقال
ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عُمَر، وابن عَمْرٍو، وابن الزبير، وأنس، وأبي هريرة
وروى عنه زياد بن سعد، وسليمان الأحول، وعمرو بن دينار، وفُليح بن
سليمان، ومالك بن أنس، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال زياد بن سعد: قيل
الثابت الأعرج: أين سمعت من أبي هريرة؟ فقال: كان مواليَّ يبعثوني يوم
الجمعة، آخذُ مكاناً، فكان أبو هريرة يجيء يحدث الناس قبل الصلاة، وقال
ابن المدينيّ: معروف، ووثقه أحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
في موضعين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١٤١)، و(٢٧٨): ((إذا استيقظ أحدكم،
فليُفرغ على يده ... ))، و(١٤٣٢): ((شرّ الطعام طعام الوليمة ... ))، و(٢١٦٠):
((يسلّم الراكب على الماشي ... )).
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن
سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن، الصحابيّ ابن
الصحابيّ ثًا، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤، والله تعالى أعلم.
٦٩
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٨)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة، وثابت، كما
أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سليمان الأحول، عن
ثابت .
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) أي: ألفاظ حديث الشيوخ
الثلاثة متقاربة، وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) أي: ابن منصور (أَخْبَرَنَا) مقول ((قال))،
وقوله: (وَقَالَ الْآخَرَانِ) أي: قال الحسن الحُلْوانيّ، ومحمد بن رافع، وقوله:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) مقول ((قالا))، يعني: أنهم اختلفوا في صيغ الأداء عن
شيخهم عبد الرزاق، فقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزّاق؛ لكونه أخذه عنه سماعاً
بقراءة غيره عليه، وقال الحسن، ومحمد بن رافع: حدّثنا عبد الرزّاق؛ لكونهما
سمعاه من لفظه، فقوله: ((عبد الرزاق)) تنازعه الفعلان قبله، أي: ((أخبرنا))،
و((حدّثنا))، وإعمال الثاني أولى عند البصريين؛ لقربه، والأول أولى عند
الكوفيين؛ لسبقه، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخُّ في ((الخلاصة)) حيث قال:
قَبْلُ فَلِلْوَاحِدٍ مِنْهُمَا العَمَلْ
إِنْ عَامِلَان اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ
وَاخْتَارَ عَكْساً غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأوّل من رمى بسهم في
سبيل الله، وأحد فقهاء الصحابة، والمشهورين بالفتوى، والرواية ظه، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ثَابِتٍ (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن زيد بن الخطّاب أنه (أَخْبَرَهُ)
أي: أخبر سليمانَ الأحولَ (أَنَّهُ) الضمير للشأن، والضمير الذي تفسّره الجملة
بعده، وهي قوله: (لَمَّا كَانَ ... إلخ) ((لَمّا)) بفتح اللام، وتشديد الميم: حرف
وجود لوجود، وسيبويه يقول: حرف وجوب لوجوب، تدخل على الماضي،
٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فتقتضي جملتين، وُجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما، نحو لَمّا جاءني أكرمته،
وزعم ابن السرّاج، وتبعه الفارسيّ، وابن جني، وجماعة أنها ظرف بمعنى
((حين))، وابن مالك يقول: بمعنى ((إذ))(١).
وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط المناسيّ دَّثُ في ((نظم المغني)):
لِمَاضِيَيْنِ رَبَطَتْ بَيْنَهُمَا
وَالثَّانِ مِنْ أَوْجُهِهَا أَنْ تَلْزَمَا
حَرْفُ وَجُوبٍ لِوُجُوبٍ فَكَمُلْ
حَرْفُ وَجُودٍ لِوُجُودٍ أَوْ فَقُلْ
كَذَا ابْنُ جِنِّي مِثْلُ ((حِينٍ)) قَدْ حَكَمْ
وَالفَارِسِيُّ كَوْنَهَا ظَرْفاً زَعَمْ
وَابْنُ خَرُوفٍ سَدَّ كُلَّ مَسْلَكِ(٢)
وَمِثْلَ ((إِذْ)) جَعَلَهَا ابْنُ مَالِكِ
و((كان)) هنا تامّة، أي: حصل ووقع، ((وما)) فاعلها، و((كان)) الثانية أيضاً
تامّة، وفاعلها ضمير يعود على ((ما))، أي: لما وقع بينهما ما وقع من المعاداة.
(وَبَيْنَ عَنْبَسَةً) بفتح العين
(بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو) بن العاص .
المهملة، وسكون النون، وفتح الموحّدة (ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ) هو: عنبسة بن أبي
سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، ويقال: أبو عثمان،
ويقال: أبو عامر المدنيّ.
رَوَى عن أخته أم حبيبة، وشداد بن أوس، وغيرهما، وروى عنه أبو
أمامة الباهليّ، ويعلى بن أمية التميميّ، وعمرو بن أوس الثقفيّ، والقاسم أبو
عبد الرحمن، والمسيب بن رافع، ومكحول الشاميّ، وعطاء بن أبي رَبَاح،
وحسان بن عطية، وغيرهم.
قال أبو نعيم الأصبهانيّ: أدرك النبيّ وَلّ، ولا تصح له صحبة، ولا
رؤية، واتفق متقدمو أئمتنا على أنه من التابعين، وذكره أبو زرعة الدمشقيّ في
الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في ((ثقات التابعين))، وذكر الليث
وغيره أنه حَجَّ بالناس سنة (٤٦) وسنة (٤٧)، وكذا ذكر خليفة، وزاد أن معاوية
ولَّاه مكة، فكان إذا شَخَصَ إلى الطائف استَخْلَف طارق بن المُرَقّع، وقال
الواقديّ: استعمله أخوه على الصائفة سنة (٤٢).
(١) راجع: ((مغني اللبيب)) ٢٨٠/١.
(٢) يعني: أنه أنكر كونها اسماً أصلاً، لا بمعنى ((حين))، ولا بمعنى ((إذ)).
٧١
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٨)
أخرج له المصنّف في هذا الكتاب حديثاً واحداً فقط، عن أخته أم حبيبة
بنت أبي سفيان ﴾ (١)، والأربعة.
(مَا كَانَ) أي: الذي حصل، ووقع من العداوة.
وسبب ذلك أن عنبسة بن أبي سفيان كان عاملاً على الطائف من قِبَل
أخيه معاوية بن أبي سفيان، وكان لآل عمرو بن العاص بستان، وحائط في
الطائف، فأجرى عنبسة عيناً من ماء ليسقي بها أرضاً، فدنا من حائط آل
عمرو، فأراد أن يَخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو،
ومواليه بالسلاح، يُدافعون عن مالهم، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا
يبقى منّا أحدٌ، وتأهبّ الفريقان للقتال(٢)، وهذا معنى قوله: (تَيَسَّرُوا) أي تهيّأ
كلّ من عنبسة، وأتباعه، وعبد الله بن عمرو ومواليه، وتأهبوا، واستعدّوا
(لِلْقِتَالِ) أي: لمقاتلة بعضهم بعضاً (فَرَكِبَ) قال النوويّ كَّتُهُ: ضبطناه ((فركب))
بالفاء، وفي بعض الأصول: ((وركب بالواو))، وفي بعضها (رَكِبَ)) من غير فاء،
ولا واو، وكلّه صحيح. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: وجه صحة الأوجه، أنه إذا كان بالفاء، والواو
فإنه معطوف على ((تيسّروا))، وأما بدونهما، فيكون بدلاً من (تيسّرُوا)) بدلَ فِعْلٍ
من فعلٍ، كما قال في ((الخلاصة)):
وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ«مَنْ
يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ))
(خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ) بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، قُتل أبوه يوم بدر،
قال ابن سعد، وابن حبّان: أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، قال في ((الإصابة)):
يقال: إن عمر ظلاله استعمل خالد بن العاص هذا على مكة بعد نافع بن
عبد الحارث الخُزاعيّ، وكذلك استعمله عليها عثمان بن عفّان رَُّه، ثم أورد
(١) سيأتي للمصنّف في ((كتاب الصلاة)) (٧٢٨) عن أم حبيبة يؤيّا سمعت رسول الله وَليه
يقول: ((من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة ... ))
الحدیث.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٤٧/٥ (كتاب المظالم)) رقم (٢٤٨٠).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/٢.
٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
حديث مسلم هذا، ثم قال: وهذا يدلّ على أن خالد بن العاص تأخّر إلى
خلافة معاوية نظر اته. انتهى(١).
[تنبيه]: خالد بن العاص هذا ليس عمّاً لعبد الله بن عمرو بن العاص،
وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحاً من نسبه؛ لئلا يقع الاشتباه بسبب اتفاق
اسم الأب على من غَفَلَ عن الجدّ، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قد سبق أن الأفصح في ((العاصي)) إثبات الياء كتابةً، ويوقف
عليها، ويجوز حذفها على قلّة، وهو الذي يستعمله معظم المحدّثين، أو كلّهم،
قال ابن مالك كَثُ في ((باب الوقف)) من ((الخلاصة)) مشيراً إلى هذه القاعدة:
لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ تُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَحَذْفُ يَا المَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا
نَحْوِ (مُرٍ)) لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
وَغَيْرُ ذِي الثَّنْوِینِ بِالعَكْسِ وَفِي
(فَوَعَظَهُ خَالِدٌ) أي: وَعَظ خالدُ بنُ العاص
(إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ◌ِ
عبدَ الله بن عمرو ﴿ه، يقال: وَعَظَه يعِظه وَعْظاً، وعِظَةً، من باب وَعَدَ يَعِدُ
عِدَةً ووَعْداً: إذا أمره بالطاعة،، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا
أَعِطُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]: أي أوصيكم، وآمركم، فاتَّعَظ؛ أي: ائتمر، وكفَّ
نفسه، قاله الفيّوميّ(٢).
والمعنى هنا: أمر خالد بن العاص عبدَ الله بنَ عمرو بأن يُطيع الأمير، ولا
يخالفه فيما طلب منه (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) ظَهَا (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف
الميم: أداة استفتاح للتنبيه على الاهتمام بما بعدها، كـ((ألا)) (عَلِمْتَ) بفتح التاء
للمخاطب (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَنْ) شرطيّة (قُتِلَ) بالبناء للمفعول (دُونَ مَالِهِ)
أي: عنده، أو من أجله، وقال القرطبيّ تَّقُ: ((دُون)) في أصلها ظرف مكان
بمعنى أسفل وتحتُ، وهو نقيض ((فوق))، وقد استُعْمِلَت في هذا الحديث لأجل
السببيّة، وهو مجاز، وتوسّعٌ، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه،
أو تحته، ثم يقاتل عليه. انتهى (٣). (فَهُوَ شَهِيدٌ))) جواب الشرط.
قال في ((الفتح)): قوله: ((من قُتِل دون ماله فهو شهيد))، قال الإسماعيليّ:
(١) ((الإصابة)) ٢٠٥/٢ - ٢٠٦.
(٣) ((المفهم)) ٣٥٢/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٦٥/٢.
٧٣
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٨)
وكذا أخرجه البخاريّ، وكأنه كتبه من حفظه، أو حدث به المقرئ من حفظه،
فجاء به على اللفظ المشهور، وإلا فقد رواه الجماعة عن المقرئ بلفظ: ((مَن
قُتِلَ دون ماله مظلوماً، فله الجنة))، قال: ومن أتى به على غير اللفظ الذي
اعتيد فهو أولى بالحفظ، ولا سيما وفيهم مثل دُحَيم، وكذلك ما زادوه من
قوله: ((مظلوماً))، فإنه لا بُدّ من هذا القيد، وساقه من طريق دُحَيم، وابن أبي
عمر، وعبد العزيز بن سلام.
قال الحافظ: وكذلك أخرجه النسائيّ، عن عبيد الله بن فَضَالة، عن المقرئ،
وكذلك رواه حَيْوَة بن شُرَيحٍ، عن أبي الأسود بهذا اللفظ، أخرجه الطبريّ.
نعم للحديث طريق أُخرى عن عكرمة، أخرجها النسائيّ باللفظ المشهور،
وأخرجه مسلم كذلك، من طريق ثابت بن عياض، عن عبد الله بن عمرو، وفي روايته
قِصّةٌ، قال: لَمّا كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان ... إلخ.
قال: وأشار بقوله: ((ما كان)) إلى ما بَيَّنه حيوة في روايته المشار إليها،
فإن أولها أن عاملاً لمعاوية أجرى عيناً من ماء؛ ليسقي بها أرضاً، فدنا من
حائط لآل عمرو بن العاص، فأراد أن يخرقه؛ ليجري العين منه إلى الأرض،
فأقبل عبد الله بن عمرو، ومواليه بالسلاح، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا،
حتى لا يبقى منّا أحد ... فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي
سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملاً لأخيه على مكة والطائف،
والأرض المذكورة كانت بالطائف.
قال: وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك؛ لِمَا يدخل عليه من الضرر، فلا
حجة فيه لمن عارض به حديث أبي هريرة رؤيته فيمن أراد أن يَضَعَ جِذْعَه على
جدار جاره، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أن ظاهر هذا الحديث
يعارض ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة عنه أن رسول الله وَله قال:
((لا يَمْنَعْ جارٌ جارَه أن يَغْرِز خشبة في جداره)»، ثم يقول أبو هريرة: ما لي
أراكم عنها مُعْرِضين؟ والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم. لفظ البخاريّ.
فهذا يوجب أن يأذن الجار لجاره في وضع الخشبة، وحديث ابن
عمرو ما يبيح المنع، بل القتال عليه.
٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والجواب أن حديث أبي هريرة بظلاله مشروط بعدم تضرّر صاحب الجدار،
فأما إذا تضرّر، فلا يجب عليه؛ لحديث: ((لا ضرر، ولا ضِرَار))(١)، والضرر
.. هنا موجود؛ لأنه إذا ثُقب الجدار لمرور الماء لا يسدّ ذلك الثقب شيء،
فيتضرّر صاحبه بدخول الحيوانات، ونحوها فيه، بخلاف وضع الخشبة؛ لأنه لو
تُقب شيء منه لسدّته الخشبة.
وأيضاً حديث أبي هريرة ربه خاصّ بالجار، وليس عنبسة جاراً
لعبد الله بن عمرو ﴿ها، والله تعالى أعلم.
وأخرجه النسائيّ من وجهين آخرين، وأبو داود، والترمذيّ، من وجه آخر
كلهم عن عبد الله بن عمرو باللفظ المشهور، وفي رواية لأبي داود، والترمذيّ:
((من أريد ماله بغير حقّ، فقاتل، فقُتِل فهو شهيد))، ولابن ماجه من حديث ابن
عمر نحوه، ورَوَى الترمذيّ وبقية أصحاب السنن، من حديث سعيد بن زيد
نحوه، وفيه ذكر الأهل، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجه: ((من أريد ماله
ظلماً، فقُتِل فهو شهيد)) .
قال النوويّ تَخُّْهُ: فيه جواز قتل من قَصَدَ أخذ المال بغير حقّ، سواء
كان المال قليلاً أو كثيراً، وهو قول الجمهور، وشَذّ من أوجبه.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالشذوذ فيه نظر، كيف وظاهر النصّ يدلّ
له، حيث قال وَ له: ((لا تُعطه))، وقال أيضاً: ((قاتله))، فإذا لم يدلّ هذا النصّ
على الوجوب، فما الذي يدلّ عليه؟ إن هذا لشيء عجيب !!!.
وَحَكى ابن المنذر تَخْتُ عن الشافعيّ تَخْتُ قال: من أريد ماله، أو نفسه،
أو حريمه، فله الاختيار أن يكلمه، أو يستغيث، فإن مُنِعَ، أو امتَنَعَ لم يكن له
قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقلٌ، ولا
ديةٌ، ولا كفارةٌ، لكن ليس له تعَمُّد قتله.
قال ابن المنذر تَخُّْ: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذُكِر، إذا
أريد ظلماً بغير تفصيل، إلا أنّ كلَّ من يُحفَظُ عنه من علماء الحديث، كالمجمعين
على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جَوْره، وترك القيام عليه.
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) برقم (٢٣٣١ و٢٣٣٢).
٧٥
(٦٥) - بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ - حديث رقم (٣٦٨)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تَّتُهُ تحقيقٌ نفيسٌ،
والله تعالى أعلم.
وفَرّقَ الأوزاعي تَخْذُ بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام، فحَمَلَ
الحديث عليها، وأما في حال الاختلاف والفُرْقة، فليستسلم، ولا يقاتل أحداً.
قال الجامع عفا الله عنه: ويرد على ما قاله الأوزاعيّ كَّتُهُ - كما قال
الحافظ - حديث أبي هريرة له الذي تقدّم قبل هذا بلفظ: ((أرأيت إن جاء
رجل، يريد أخذ مالي)) قال: ((فلا تعطه))، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال:
((فاقتله))، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد))، قال: أرأيت إن قتلته؟
قال: ((فهو في النار)).
فإنه ◌َّ في نصّه هذا لم يخصّ حالةً دون حالة، بل أطلق المقاتلة،
وأمره أن يقاتل كلَّ من بغى عليه، فلو كانت الحال التي فيها الجماعة والإمام
لا يحل المقاتلة فيها، لبيّنها ◌َّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٦٨/٦٥] (١٤١)، و(البخاريّ) في
(«المظالم والغصب)) (٢٤٨٠)، و(أبو داود) في ((السنّة)) (٤٧٧١)، و(الترمذيّ)
في ((الديات)) (١٤١٩)، و(النسائيّ) في ((المحاربة)) (٤٠٨٦ و٤٠٨٧ و٤٠٨٨
و٤٩٨٩ و٤٠٩٠ و٤٠٩١)، وفي ((الكبرى)) (٣٥٤٧ و٣٥٤٨ و٣٥٤٩ و٣٥٥٠
و٣٥٥١ و٣٥٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٣/٢ - ٢٠٦ - ٢١٧٩٩)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٢٨ و١٢٩)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٦٠).
وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
٧٦
مے
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[٣٦٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمَّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا
الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المروزيّ، بغداديّ الأصل تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرً) بن عثمان الْبُرْسَانِيُّ - بضم الموحّدة، وسكون الراء،
ثم مهملة - أبو عبد الله، ويقال: أبو عثمان البصريّ، صدوق [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، وهشام بن حسان، وابن جريج، وشعبة،
وحماد بن سلمة، وعبد الله بن زياد، وابن أبي عروبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، وابن معين، وأبو بكر بن
أبي شيبة، وهارون الحمّال، وإسحاق الكَوْسَجُ وغيرهم.
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: صالح الحديث، وقال الدُّوريّ عن
ابن معين: ثقة، وقال أبو داود، والعجليّ: ثقة، وقال ابن عمار الْمَوْصِلِيُّ: لم
يكن صاحب حديث، تركناه ولم نسمع منه، وقال أبو حاتم: شيخ محله
الصدق، وقال النسائي في ((كتاب المحاربة)) من ((سننه)): ليس بالقويّ، وقال
ابن قانع: كان ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال هو وابن سعد
وآخرون: مات سنة (٢٠٣)، زاد ابن سعد: بالبصرة في ذي الحجة، وكان ثقة،
وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة (٢٠٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٦) حديثاً.
٣ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩]
(ت٢١٢) (ع) تقدم فيَّ ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) هو: أحمد بن عثمان بن أبي عثمان عبد النور بن
عبد الله بن سِنَان النوفليّ، أبو عثمان البصريّ المعروف بأبي الجوزاء، ثقةٌ [١١].
رَوَى عن أبي داود الطيالسيّ، وأبي عاصم، وأزهر بن سَعْد، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال:
ثقةٌ رَضِيّ، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وابن أبي عاصم، وابن جرير، وغيرهم.
٧٧
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِ الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧٠)
قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٦)، قال: وكان من نُسّاك أهل
البصرة، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال البزار: بصريّ ثقةٌ مأمون، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً.
وابن جريج تقدّم في السند الماضي.
قوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بسند ابن جريج الماضي، وهو: عن سليمان
الأحول، عن ثابت، عن عبد الله بن عمرو پتا.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل المتن الماضي، وقد سبق ما قيل في الفرق بينه
وبين ((نحوه))، وما فيه من الاعتراض، فلا تنسَ.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج التي أحالها المصنّف رَظّتُهُ
أخرجها الإمام أحمد نَّهُ في ((مسنده))، فقال:
.
(٦٦٢٨) حدثنا محمد بن بكر، وعبد الرزاق، قالا: أخبرنا ابن جريج،
أخبرني سليمان الأحول، أن ثابتاً، مولى عمر بن عبد الرحمن، أخبره أنه لَمّا
كان بين عبد الله بن عمرو، وعنبسة بن أبي سفيان ما كان، وتيسروا للقتال،
فركب خالد بن العاصي إلى عبد الله بن عمرو، فوعظه، فقال عبد الله بن
عمرو: أما علمت أن رسول الله وَّ قال: ((من قُتِل دون ماله فهو شهيد))؟.
وقال عبد الرزاق: ((مَن قُتِل على ماله فهو شهيد)).
وأما رواية أبي عاصم، فلم أجدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ [هود: ٨٨].
٦٦ - (بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٧٠] (١٤٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنِ
الْحَسَنِ، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ، مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزنِيَّ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ
٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فِيهِ، قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي
حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً،
يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) أبو محمد الأُبُليّ (١)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر،
من صغار [٩] (ت٢٣٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السّعْديّ العُطارديّ البصريّ
الخَزّاز الأعمى، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبي رجاء العطارديّ، وأبي الجوزاء الرَّبَعيّ، والحسن البصريّ،
وأبي نَضْرة، وخُليد العصريّ، وجماعة.
وروى عنه ابن المبارك، والقطان، ويزيد بن هارون، وابن عُلية، وأبو
نعيم، وأبو الوليد، وعلي بن الجعد، وشيبان بن فَرُّوخ، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صدوق، وقال أبو حاتم، عن أحمد: من
الثقات، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائيّ: ليس به
بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة،
عن ابن المدينيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من سلام بن مسكين،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا موسى بن إسماعيل،
قال: كان حماد بن زيد يقول: لم يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله حماد بن زيد: من أن أبا
الأشهب لم يسمع من أبي الجوزاء يُشكل عليه ما وقع في ((صحيح البخاري))
في ((تفسير سورة النجم)) من التصريح بسماعه منه، ونصّه: حدثنا مسلم، ثنا أبو
الأشهب، ثنا أبو الجوزاء ... ، فذَكَرَ حديثاً.
ويحتمل أن يكون نفي حماد سماع أحاديث معيّنة، فلا ينافي سماعه
لغيرها، فالله تعالى أعلم.
(١) نسبة إلى موضع بالبصرة.
٧٩
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧٠)
وذكر أبو عمرو الدانيّ في ((طبقات القراء)) أنه قرأ على أبي رجاء العطارديّ.
قال الأصمعيّ، عن أبي الأشهب: وُلدتُ عام الجُفْرَة سنة (٧٠)، أو (٧١)،
وقال البخاريّ، عن محمد بن محبوب: مات في آخر يوم من شعبان سنة (١٦٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا (١٤٢)
وأعاده في (كتاب الإمارة))، و(٤٣٨): ((تقدّموا، فأتمّوا بي، وليأتمّ بكم من
بعدكم ... ))، و(٩٩٢): ((بشّر الكانزين بكيّ في ظهورهم ... ))، و(١٧٢٨):
((من كان معه فضل ظهر، فليعد به ... ))، و(٢٧٣٧): ((اطّلعتُ في الجنّة،
فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء ... )).
[تنبيه]: ((الجُفْرَة)) بضمّ الجيم، وسكون الفاء، قال في ((القاموس)):
موضع بالبصرة، كان بها حَرْبٌ شديدٌ عامَ سبعين، وقيل لجعفر بن حيّان
العُطَارديّ: الجُفْريّ؛ لأنه وُلد عام الجُفْرة. انتهى(١).
٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل كثيراً، ويدلّس، رأس الطبقة [٣]
(ت ١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٤ - (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارِ الْمُزنِيُّ) هو: معقل بن يسار بن عبد الله بن مُعَبّر،
ويقال: ابن مِعْيَر، ويقال: ابن مُغيرة بن حُرّاقٍ بن لاي بن كعب بن عبد بن
ثَوْر بن هُذْمة بن لاطم بن عثمان بن عَمْرو بن أُد بن طابخة، واسمه عَمْرو بن
إلياس بن مُضَر بن نِزَار، المزنيّ، أبو عليّ، ويقال: أبو يسار، ويقال: أبو
عبد الله البصريّ، ومُزَينة هي والدة عثمان بن عمرو، ونُسِبُوا إليها، وهي مُزَينة
بنت كلب بن وَبْرَة بن تَغلب بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة(٢).
أسلم قبل الحُديبية، وكان ممن بايع تحت الشجرة.
رَوَى عن النبيّ وَّةِ، وعن النعمان بن مُقَرِّن المزنيّ، ورَوَى عنه
عمران بن حصين، ومعاوية بن قُرّة، وعلقمة بن عبد الله، والحكم بن
الأعرج، وعمرو بن ميمون، والحسن البصريّ، ونافع بن أبي نافع، وأبو
(١) ((القاموس المحيط)) ص٣٣١.
(٢) ((الإصابة)) ١٤٦/٦، و((تهذيب الكمال)) ٢٧٩/٢٨ - ٢٨١.
٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المليح بن أسامة، ومسلم بن مِخْرَاق، وعِيَاض أبو خالد، وغيرهم.
قال البغويّ: هو الذي حفَر نهر معقِل بالبصرة بأمر عمر ﴿ته، فنُسب
إليه، ونزل البصرة، وبنى بها داراً، ومات بها في خلافة معاوية بنظُته، وأسند
من طريق يونس بن عُبيد قال: ما كان ها هنا - يعني: بالبصرة - أحدٌ من
أصحاب النبيّ ◌َ ل﴿ أهنأ من معقل بن يسار، وأخرج أحمد من طريق معاوية بن
قُرّة، عن معقل بن يسار: حُرِّمت الخمر، ونحن نشرب الفَضِيخ، فجعلتُ
أشرب، وأقول: هذا آخر العهد بالخمر.
قال العجلي: يُكنى أبا عليّ، ولا نَعْلَم في الصحابة مَن يُكنى أبا عليّ غيره.
قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال العجليّ: ((ولا نعلم ... إلخ))، وتُعُقّب
بأن قيس بن عاصم المِنْقريّ، وطلق بن عليّ الحنفيّ كلاهما من الصحابة،
وكلاهما يُكنى أبا عليّ (١).
قيل: إنه مات بالبصرة في آخر خلافة معاوية ربه، وقيل: في ولاية
يزيد، وذكره البخاري في ((الأوسط)) في فصل من مات ما بين الستين إلى
السبعين، وهو الذي فَجَّرَ نَهْرَ مَعْقِل بالبصرة(٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٤٢)
وكرّره خمس مرّات، و(١٨٥٨): ((يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من
أغصانها ... ))، و(٢٩٤٨): ((العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ))(٣)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف ◌َظُّهُ، وهو أعلى ما وقع له من
الأسانيد، وهو (١٣) من رباعيات الكتاب، والإسناد التالي خماسيّ، أنزل منه
بدرجة، والذي يليه سُداسيّ، أنزل منه بدرجة، وكذا الأخير.
(١) راجع: ((الإصابة)) ١٤٧/٦، و((تهذيب التهذيب)) ١٢١/٤.
(٢) ((الإصابة)) ١٤٦/٦ - ١٤٧، و(تهذيب الكمال)) ٢٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠، و((تهذيب
التهذيب)) ١٢١/٤.
(٣) وفي ((قرّة العين)) ص٤٤٠: له (٣٤) حديثاً، اتّفقا على حديث، وانفرد البخاريّ
بحديث، ومسلم بحدیثین.