Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٤٧) إغوائه، وتزيينه الكفر له، وعصمة المؤمن منه، فرجع إلى نوع من الكيد والمخاتلة بالإيذاء بحديث النفس بما يَكره المؤمن من خَفيّ الوساوس؛ إذ لا يطمع من موافقته له على كفر، وهذا لا يكون إلا من مؤمن صريح الإيمان، ثابت اليقين على محض الإخلاص، بخلاف غيره من كافر وشاكّ، وضعيف الإيمان، فإنه يأتيه من حيث شاء، ويتلاعب له كما أراد، والمؤمن معصوم منه، منافرٌ له، فلما لم یمکنه منه مراده رجع إلى شغل سرّه بتحديث نفسه، ودسّ كفره، بحيث يسمعه المؤمن، فيشوّش بذلك فكره، ويُكِّر نفسه، ويؤذيه باستماعه له، كما قال ◌َ: ((الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة))(١)، إذ حقيقة هذه اللفظة: الصوت الخفيّ، ومنه وَسواس الْحُليّ لخفيّ صوته عند حركته، وبناء هذه الكلمة على التضعيف يدلّ على تكرار مُقتضاها، فإذن سبب الوسوسة محض الإيمان، وصريحه، والوسوسة لمن وَجَدها علامةٌ على ذلك، كما قال ◌َله، وكأنه وَّ لَمّا سئل عن الوسوسة، وما يوجد في النفس منها أخبر أن مُوجبها، وسببها محض الإيمان، أو أنها علامةٌ على ذلك. ولا يبقى بعد هذا التقرير والتفسير إشكال في متون هذا الحديث على اختلاف ألفاظه، واطّردت على معنىّ سَوِيٍّ قَوِيم، وعلى هذا يُحمل ما جاء في الأحاديث الأخر. انتهى كلام القاضي عياض(٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) هو ما أخرجه أحمد في ((مسنده))، فقال: (١٩٩٣) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذرّ بن عبد الله الهمدانيّ، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّر، فقال: يا رسول الله، إني أُحَدِّث نفسي بالشيء، لأن أَخِرَّ من السماء أحب إليّ من أن أتكلم به، قال: فقال النبيّ وَّه: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رَدَّ كيده إلى الوسوسة)). وأخرجه أبو داود في ((سننه)) (٤٤٤٨) بلفظ: جاء رجل إلى النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه يَعْرِض بالشيء لأن يكون حُمَمَة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: ((الله أكبر ... )) الحديث. (٢) ((إكمال المعلم)) ٥٣٢/١ - ٥٣٣. ٦٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٤٧/٦٣ و٣٤٨] (١٣٢)، و(أبو داود) في ((كتاب الأدب)) (٥١١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٧/٢ و٤٤١)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٦٤)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١٢٨٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٧ و٢٢٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٠ و٣٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن استعظام الوسوسة، والنفرة منها من خالص الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. قال الإمام ابن حبّان: إذا وجد المسلم في قلبه، أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحلّ له النطق بها، من كيفيّة الباري جلّ وعلا، أو ما يُشبه هذه، فردّ ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان ردّه إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان، لا أن الخطرات مثلها من الإيمان. انتهى (١). ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ظه من شدّة اهتمام في الحذر من قلوبهم ما ينقص إيمانهم. ٣ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله رَبَّك عباده المؤمنين بتسليط الشيطان عليهم حتى يشكّكهم في ربّهم، إلا أنه تعالى يرحمهم برد كيده إلى الوسوسة التي لا تضرّ صاحبها . ٤ - (ومنها): الإعراض عن الوساوس، وعدم الالتفات إليها، والتوكّل على الله تعالى، والاستعاذة منها؛ لأنها من الشيطان؛ ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]. ٥ - (ومنها): مشروعيّة سؤال العالم في كلّ ما يُصيب الإنسان، وأنه لا (١) ((صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان)) ٣٦٠/١. ٦٢٣ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨) ينبغي له أن يسكت، وإن كان مما يُستحيى منه عادة؛ لأنه لا حياء في الحقّ، كما قالت أم سُليم ◌ّا للنبيّ وَّله: ((يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحقّ، فهل على المرأة من غسل؟ ... ))، متّفقٌ عليه، وأخرج المصنّف من حديث عائشة ﴿يّ، أنها قالت: ((نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعنهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُنْدار تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل بابين أيضاً . ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريباً. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) هو: محمد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد العتكيّ مولاهم، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١]. رَوَى عن محمد بن أبي عديّ، وغندر، وأبي عامر العَقَديّ، وأبي أحمد الزبيريّ، وحَرَميّ بن عُمَارة، وأبي قتُيَبة، وأمية بن خالد، وبشر بن عمر الزَّهْرانيّ، وأبي الْجَوَّاب، وجماعة. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، ورَوَى البخاري حديثاً عن محمد بن عمرو، عن مكيّ بن إبراهيم، فقيل: هو هذا، وقيل: الْبَلْخيّ، وأبو بكر (١) سيأتي للمصنّف في ((كتاب الحيض)) برقم (٣٣٢). ٦٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الأثرم، وابن أبي عاصم، وأبو زرعة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبدان بن أحمد الأهوازيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم. قال علي بن الحسين: ثنا محمد بن عمرو بن جَبَلَة، وكان صدوقاً، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُغْرِبُ، ويخالف، ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، نزیل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤. ٦ - (أَبُو الْجَوَّابِ) - بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره باء موحّدة ـ هو: أحوص بن جَوَّابِ الضّبِيُّ الكوفيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩]. رَوَى عن سفيان الثوريّ، وسُعَير بن الْخِمْسِ، وعمار بن رُزيق الضبيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن عبد الله بن نُمَير، وعليّ ابن المدينيّ، وابن أبي شيبة، وعباس بن عبد العظيم، وأبو خيثمة، وأبو بكر الصغانيّ، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال مَرَّةً: ليس بذاك القويّ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حبان في ((الثقات))، كان مُتقناً، رُبَّما وَهَم. وقال مُطَيَّن: مات سنة (٢١١). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (١٣٢)، وحديث (١٥٣٦): ((من كانت له أرض، فليَهَبها، أو ليُعرها))، و(٢٠٣٦): ((إن هذا اتّبعنا، فإن شئت أن تأذن له ... ))، و(٢٦٤١): ((المرء مع من أحبّ)). ٧ - (عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ) - بتقديم الراء، مصغّراً - الضَّيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ(١) [٨]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، والأعمش، ومنصور، وعبد الله بن (١) قال عنه في ((التقريب)): لا بأس به، والحقّ أنه ثقة، كما وصفه بذلك الأئمة، وليس فيه لأحد طعن، كما يظهر من ترجمته، فتبصّر. ٦٢٥ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨) عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمّه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن السائب، ومغيرة بن مِقْسَم، وفِظْر بن خليفة، وغيرهم. وروى عنه أبو الجوَّاب الأحوص بن جَوّاب، وأبو الأحوص سلام بن سليم الكوفيّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وزيد بن الحباب، وعَبْثَر بن القاسم، ویحیی بن آدم، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الإمام أحمد: كان من الأثبات، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال ابن المدينيّ: ثقة، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال لُوَين: هو ابن عم عبد الله بن شُبْرُمة من ولد ضِرَار الضبيّ، وكان أبو الأحوص يُعَظّمه، قال لُوَين: قال أبو أحمد: لو كنتَ اختلفتَ إلى عمار بن رُزيق لكفاك، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة تسع وخمسين ومائة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، هذا برقم (١٣٢)، وحديث (٧٤٠): ((يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر))، و(٨٠٦): ((بينما جبريل قاعد عند النبيّ ◌َّ ... ))، و(١٤٨٠): ((انتقلي إلى بيت ابن عمّك ... ))، وأعاده بعده، و(١٥٣٦): ((من كانت له أرض فليهبها ... ))، و(١٦١٨): ((إن آخر سورة أنزلت تامة سورة التوبة ... ))، و(٢٠٣٦): ((إن هذا اتّبعنا، فإن شئت أن تأذن له ... ))، و(٢٨١٤): ((ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه ... )). ٨ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريباً، والباقيان ذُكِرا في السند الماضي، والله تعالى أعلم. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لشعبة، وعمّار بن رُزيق، فإن كلّاً منهما يروي هذا الحديث عن الأعمش. وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بالحديث الماضي. [تنبيه]: رواية الأعمش التي أشار إليها المصنّف ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٧٨/٢)، فقال: (٢٢٨) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة (ح) ٦٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وحدثنا محمد بن الخليل المخرمي، أبو جعفر، وأبو بكر محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، قالا: ثنا أبو الجوَّاب، قال: ثنا عمار بن رُزَيق، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبيّ رَّـ، فقال: يا رسول الله، إني أَحَدِّث نفسي بالحديث، لأن أَخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أتكلم به، قال: ((ذاك صريح الإيمان))، هذا لفظ عمّار. ولفظ شعبة: أن النبيّ وَ﴿ سُئل عما يُحَدِّث به الرجل نفسه، فقال رسول الله وَالر: ((ذاك مَخْضُ الإيمان)). انتهى. وساقها أيضاً أبو نُعيم في ((مستخرجه)) (١/ ٢٠٠) رقم (٣٤١) وقال: ((الصريح)): الخالص في كلّ شيء. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٩] (١٣٣) - (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَهِ عَنِ الْوَسْوَسَةِ، قَالَ: (تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ) أبو يعقوب الكوفيّ، مولى بني هاشم، ويقال: مولى بني أمية، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن أبي بكر ابن عَيّاش، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وعليّ بن عَثّام العامريّ، ومَعْن بن عيسى القَزّاز، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو الأحوص، ويعقوب بن سفيان، وابن أبي الدنيا، وابن أبي عاصم، والحسن بن سفيان، وآخرون. قال أبو حاتم: ثقةٌ من أهل الخير، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ما سمعت إلا خيراً، وقال ابن حبّان في ((الثقات)): كان يُغْرِب، وقال ابن قانع: صالح. ٦٢٧ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٤٩) قال موسى بن هارون: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكذا نَقَل أبو داود. وليس له في البخاري سوى موضع واحد في الجهاد. تفرّد به الشيخان، وله عند البخاريّ حديث واحد، في الجهاد، وعند المصنّف هذا الحديث فقط. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ عَثَّم) - بفتح العين المهملة، وتشديد الثاء المثلّثة - بن عليّ العامريّ الكلابيّ، أبو الَّحسن الكوفيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ فاضلٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وسُعَير بن الْخِمْس، وفضيل بن عياض، ومالك، وحماد بن زيد، وداود الطائيّ، وابن المبارك، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وجماعة من أقرانه، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، ويوسف بن يعقوب الصفّار، والحسين بن جعفر بن منصور، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن عبد الوهاب الفَرّاء، وهو راويته، وأبو حاتم، والذهليّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وعلي بن الحسن الهلاليّ، وآخرون. قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال الحاكم: أديبٌ، فقيهٌ، حافظٌ، زاهدٌ، واحد عصره، وكان لا يحدث إلا بعد الجهد، وأكثر ما حُمِل عنه الحكايات، وأقاويله في الرجال، وقال محمد بن عبد الوهاب الفَرّاء: ما رأيت مثله في العسر في الحديث، وكان يقول: يجيء الرجل، فيسأل، فإذا أَخَذ غَلِط، ويجيء الرجل، فيأخذ، ثم يُصَحِّف، ويجيء الرجل، فيأخذ ليُمَاري، ويجيء الرجل، فيأخذ ليباهي به، وليس عليّ أن أعلم هؤلاء إلا رجل يجيء فيَهْتَمّ لأمر دينه، فحينئذ لا يسعني أن أمنعه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الحاكم: ورد نيسابور سنة (٢٠٥)، فسكنها، حتى خرج منه سنة (٢٥) إلى طَرَسُوس، فسكنها إلى أن مات بها سنة ثمان وعشرين ومائتين. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (سُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ) ((سُعير)) - آخره راء، مصغّراً - بن الْخِمْس - بكسر الخاء المعجمة، وسكون الميم، آخره سين مهملة - التميميّ، أبو مالك، ويقال: أبو الأحوص، صدوقٌ [٧]. ٦٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وسليمان التيميّ، وزيد بن أسلم، والأعمش، ومغيرة، وهشام بن عروة، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم. وروى عنه ابن عيينة، وأبو الْجَوّاب، وحسين الْجُعْفيّ، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وعليّ بن عَّام العامريّ، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ: عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو الفضل بن عَمّار الشهيد: أخطأ في غير ما حديث، مع قِلّة ما رَوَى، وقال الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الحديث، وقال ابن سعد: كان صاحب سنة، وعنده أحاديث، وقال الدار قطنيّ: ثقة. وقال عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ: شهدت سُعَير بن الْخِمْس، وقُرِّب إلى قبره ليُدْفَن، فتحرك عضو من أعضائه، فكُشِف الثوب عن وجهه، فإذا نَفَسُهُ، فَرُدّ إلى منزله، فؤُلِد له مالك بن سُعير بعد ذلك. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، رفعه هو، وأرسله غيره، كما سيأتي بيانه، والجواب عنه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه كان يدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت بعد الستين، أو بعد السبعين)، (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌ُّه المذكور قريباً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فالرواة كلهم كوفيّون. ٦٢٩ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّغْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٤٩) ٣ - (ومنها): أن عثّاماً، والد عليّ، وسُعيراً، وأباه الْخِمس لا يُعرف لهم نظير في الأسماء. ٤ - (ومنها): أن فيه - على ما قاله النوويّ - ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: مغيرة، وإبراهيم، وعلقمة، وفي كون مغيرة تابعيّاً نظر؛ لأنه لم يلق صحابيّاً، ولذا جعله في ((التقريب)) من الطبقة السادسة، وهي التي عاصرت، وليس لها لقاء، إلا على قول من يكتفي بالمعاصرة، فتأمل، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُله أنه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّ) لم يُعرف السائل، كما قاله صاحب ((التنبيه)) (عَنِ الْوَسْوَسَةِ) أي عن حكمها، فهل تضرّ بالإيمان أم لا؟ (قَالَ: ((تِلْكَ) أي الوسوسة (مَحْضُ الْإِيمَانِ))) أي استعظامكم لها، وشدّة خوفكم منها، ومن التكلّم بها خالص الإيمان؛ فإن استعظام مثل هذا، وشِدّة الخوف منه، ومن النطق به، فضلاً عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الرِّيبة والشكوك. وهذه الرواية، وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام، فهو مراد، وهي مختصرة من حديث أبي هريرة رظ ◌ُّه الماضي، ولهذا قَدَّم المصنّف ذاك، قاله النوويّ. وقال الخطابيّ: معناه: أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يُلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وذلك أنها إنما تتولّد من فعل الشيطان، وتسويله، فكيف يكون إيماناً صريحاً؟. انتهى. وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أَيِسَ من إغوائه، فيُنَكِّد عليه بالوسوسة؛ لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر، فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سببُ الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسةُ علامةُ محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض، وقد تقدّم تحقيقه مستوفَّى في شرح حديث أبي هريرة ٦٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [تنبيه]: في هذا الحديث قصّة ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٧٩/١)، فقال : (٢٢٩) حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال سمعت عليّ بن عَثّام يقول: أتيت سُعَير بن الْخِمْس، فسألته عن حديث الوسوسة، فلم يحدثني، فأدبرت أبكي، ثم لقيني، فقال لي: تَعَالَ، حدثنا مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله وَل﴿ عن الرجل يجد الشيءَ، لو خَرّ من السماء، فيخطفه الطير، كان أحب إليه من أن يتكلم به، قال: ((ذاك محض، أو صريح الإيمان)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظه هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٤٩/٦٣] (١٣٣)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٩)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣٤٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣٤٧)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٥١/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان الانتقاد لهذا الحديث: قد تقدّم في ((مقدّمة شرح المقدّمة)) أن هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد المتوفّى سنة (٣١٧هـ)، فقال في رسالته: وليس هذا الحديث عندنا بالصحيح؛ لأن جرير بن عبد الحميد، وسيلمان التيميّ روياه عن مغيرة، عن إبراهيم، ولم يذكرا علقمة، ولا ابن مسعود، وسُعَير ليس ممن يُحتَجّ به؛ لأنه أخطأ في غير حديث، مع قلّة ما أسنده من الأحاديث. انتهى (١). (١) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ١٤٣/١. ٦٣١ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٥٠) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما انتقد به أبو الفضل على المصنّف أنه رجّح إرسال هذا الحديث على إسناده؛ لمخالفة سُعير للأكثر، والأوثق منه، لكن يُجاب عن المصنّف بأنه إنما أورد الحديث شاهداً لحديث أبي هريرة ﴿به الذي أخرجه قبله، لا أصالةً، ومعلوم أن الشواهد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٠] (١٣٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُوَّنَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ)). رجال هذا الإسناد: ستةٌ : ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) أبو عليّ الْخَزّاز الضرير المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن الدَّرَاورديّ، وابن المبارك، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وابن عيينة، وابن وهب، وبِشْر بن السَّرِيّ، وحاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ومروان بن شُجاع، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن محمد بن عبد الرحيم البزاز، ومحمد بن عبد الله المخرِّميّ عنه، وحَدّث عنه أحمد بن حنبل، وهو حيّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذَّهْليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وجماعة. قال ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح بن محمد: ثقة، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي من حفظه ببغداد سنة خمس عشرة ومائتين بعدما عَمِي، وقال أبو داود: سمعت الثقة يقول: قال هارون بن ٦٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان معروف: رأيت في المنام قيل لي: من آثر الحديث على القرآن عُذِّب، قال: فظننت أن ذهاب بصري من ذلك، قال ابن أبي خيثمة: سمعته في شوال في سنة سبع وعشرين ومائتين يقول: أنا في سبعين سنة، ومات سنة إحدى وثلاثين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد أبو القاسم البغويّ: في رمضان. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثاً . ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريباً. ٤ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس [٥] (ت١٤٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَؤُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو، والبخاريّ، وأبو داود، والثاني ما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: هشام عن أبيه. ٤ - (منها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أبو هريرة نظُبه، وقد سبق الكلام عنه قريباً، والله تعالى أعلم . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أي يسأل بعضهم بعضاً عن العلوم والموجودات، والتساؤل جريان ٦٣٣ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّقْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٥٠) السؤال بين اثنين فصاعداً، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان، أو النفس، أو إنسان آخر: أي يجري بينهما السؤال في كلّ نوع، (حَتَّى) يبلغ السؤال إلى أن (يُقَالَ) بالبناء للمفعول، وقد بُيِّن الفاعل في الروايات الآتية بأنه الشيطان، أو أنهم القائلون، ففي الرواية الثانية، والثالثة، والرابعة: ((يأتي الشيطان أحدكم، فيقول))، وفي الرواية الخامسة، والسادسة: ((حتى يقولوا)): أي في أنفسهم، أو لغيرهم، (هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ) قال التوربشتيّ: لفظ ((هذا)) يحتمل وجھین : [أحدهما]: أن يكون مفعولاً، والمعنى: حتى يقال هذا القول. [والثاني]: أن يكون مبتدأ حُذف خبره: أي هذا القول، أو قولك هذا قد عُلم، أو عُرِف. قال: رواه مسلم في كتابه على هذا السياق عن أبي هريرة تظنه، ورواه أيضاً عن أنس ظُبه، وفي روايته: ((يقال: هذا الله خَلَقَ الخلقَ))، كذلك رواه البخاريّ في كتابه عن أبي هريرة ◌َظُه، والحديث على السياق محتمِلٌ لوجه آخر سوى الوجه الذي ذكرناه أوّلاً، وهو أن یکون ((هذا الله)) مبتدأ وخبراً، أو ((هذا)) مبتدأ، و((الله)) عطف بيان، و((خَلَقَ الله الخلقَ)) خبره، وأكثر رواة هذا الحديث يروونه على هذا السياق، وكلا السياقين صحيح. قال الطيبيّ بعد ذكره كلام التوربشتيّ: قوله: ((هذا)) مبتدأ حُذف خبره، أولى الوجوه، لكن تقديره على ما ذكره، وذلك أن يقال: هذا مقرَّرُ، أو مُسلَّمٌ، وهو أن الله تعالى ((خَلَقَ الخلقَ))، فما تقول في ((الله))؟، فإن الله تعالى شيء، لقوله رَّك: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبِرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٩]، وكلُّ شيء مخلوقٌ؛ لقوله وَل: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] فمن خلقه؟ فعلى هذا، الفاء رتّبت ما بعدها على ما قبلها، وقوله: ((خَلَقَ اللهُ الخلقَ)) بيانٌ لقوله: هذا مسلّمٌ، وبهذا المعنى لا يستقيم أن يقال: إن هذا مقول، وما بعده بيان له؛ لأن الفاء تدفعه. ووجه آخر، وهو أن يقدّر: هذا القول مقرَّرٌ، فوُضِعَ «خَلَقَ اللهُ الخلقَ)) موضع القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١١]، أي إذا قيل لهم هذا القول؛ لأن ﴿لَا نُفْسِدُوا﴾ فعل لا يقع مفعولاً إلا ٦٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان على التأويل، وهذا القول كُفْرٌ، فمن تكلّم به، فليتداركه بكلمة الإيمان، وليقل: آمنت بالله خالق كلّ شيء، وليس بمخلوق، ولا يُتصوَّر كُنْهَه وَهْمٌ ولا خَيَال، ولا يحضره فهم ولا مثال. انتهى كلام الطيبيّ بتصرّف(١). (فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟) الفاء فصيحيّة؛ سميّت بذلك لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدّر كما يأتي، و((من)) استفهاميّة مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة جواب الشرط المقدّر، أي إذا ثبت أن الله تعالى خلق كلّ الخلق، فمن خلق ... إلخ؟. (فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً) إشارة إلى القول المذكور، و((من ذلك)) حالٌ من ((شيئاً))، أي من صادف شيئاً من ذلك القول والسؤال، أو وجد في خاطره شيئاً من جنس ذلك المقال، قاله القاريّ(٢). (فَلْيَقُلْ) أي فوراً من حينه (آمَنْتُ بِاللهِ) زاد في الرواية التالية: ((ورُسُله))، ولأبي داود، والنسائيّ من الزيادة: ((فقولوا: الله أحد، الله الصمد، السورةَ، ثم لْيَتْفُل عن يساره، ثم ليستعذ))، ولأحمد من حديث عائشة: ((فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يَذْهَبُ عنه))(٣). قال القرطبيّ: قوله: ((قل: آمنت بالله)) أمرٌ بتذكّر الإيمان الشرعيّ، واشتغال القلب به؛ لتمحى تلك الشبهات، وتضمحلّ تلك التّهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تَعْرِضُ التّرّهاتُ لها، ولا تمكُّثُ فيها، فإذا استُعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به بقيت القلوب على صحّتها، وحُفِظت سلامتها . فأما القلوب التي تمكّنت أمراض الشُّبَه فيها، ولم تقدِر على دفع ما حلّ بها بتلك الأدوية المذكورة، فلا بدّ من مشافهتها بالدليل العقليّ، والبرهان القطعيّ، كما فَعَل النبيّ وَّر مع الذي خالطته شبهة الإبل الْجُرْبِ حين قال النبيّ ◌َّرَ: ((لا عَدْوَى))، فقال أعرابيّ: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥١٩/٢ - ٥٢٠. (٢) ((المرقاة)) ٢٤٣/١. (٣) راجع: ((الفتح)) ٢٨٧/١٣ ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) رقم (٧٢٩٦). ٦٣٥ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٥٠) الظباء، فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟، فقال النبيّ وَلـ: ((فمن أعدى الأول؟))، متّفقٌ عليه، فاستأصل الشبهة من أصلها . وتحرير ذلك على طريق البرهان العقليّ أن يقال: إن كان الداخل أجربها، فمن أجربه، فإن كان أجربه بعيرٌ آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل، أو يدور، وكلاهما محال، فلا بدّ أن نقف عند بعير أجربه الله من غير عَدْوَى، وإذا كان كذلك، فالله تعالى هو الذي أجربها كلّها : أي خَلَقَ الْجَرَبَ فيها. انتهى(١). وفي الرواية التالية: ((فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ)): أي ليَكُفّ عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، وليَعْلَمْ أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها . قال الخطابيّ: وجهُ هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك، فاستعاذ الشخص بالله منه، وكَفّ عن مطاولته في ذلك اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تَعَرَّض أحد من البشر بذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يَقَع منه الكلام بالسؤال والجواب، والحالُ معه محصور، فإذا راعى الطريقة، وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلّما أُلزم حجة زاغ إلى غيرها، إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك. قال: على أن قوله: ((فمَن خَلَق الله)) كلام متهافتٌ ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقاً، ثم لو كان السؤال مُتّجهاً لاستلزم التسلسل، وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى مُحْدِثٍ، فلو كان هو مفتقراً إلى مُحدِث لكان من المحدثات. انتهى. قال الحافظ: والذي نحا إليه الخطابيّ من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر؛ لأن في رواية المصنّف الآتية: ((لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وَجَدَ من ذلك (١) ((المفهم)) ٣٤٥/١ - ٣٤٦. : ٦٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان شيئاً، فليقل: آمنت بالله))، فسَوَّى في الكفّ عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك، من بشر وغيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب الحافظ لكلام الخطابي في تفرقته المذكورة حسنٌ جدّاً. وحاصله أن النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع، بل سوّى بينهم، فلا ينبغي التفريق، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم. وقال ابن بطّال: إن هذا السؤال: ((من خَلَقَ الله؟)) لا ينشأ إلا عن جهل مُفرِط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلُق الله تعالى نفسه؟، قيل له: هذا ينقض بعضه بعضاً؛ لأنك أثبتّ خالقاً، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلُقُ نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجوداً معدوماً فاسد؛ لتناقضه؛ لأن الفاعل یتقدّم وجوده على وجود فعله، فیستحیل کون نفسه فعلاً له. انتهى. وقال ابن التين: لو جاز لمخترع الشيء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلا بدّ من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدّمه شيء، ولا يصحّ عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله تبارك وتعالى. انتهى. وقال النوويّ قوله: ((فليستعذ بالله، ولينته)): معناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه. قال المازريّ: ظاهر الحديث أنه * أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرّدّ لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرّة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدفَع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحْمَل الحديث، وعلى مثلها يَنطلق اسم الوسوسة، فكأنه لَمّا كان أمراً طارئاً بغير أصل، دُفِع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له يُنظَر فيه، وأما الخواطر المستقِرَّة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال، والنظر في إبطالها. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فرّق المازريّ بين الخواطر المستقرّة (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/٢. ٦٣٧ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٥٠) وغير المستقرّة، وحمل الحديث على غير المستقرّة، وأما المستقرّة، فلا ينفعها ما ذكره النبيّ ◌َ﴿ من الداء، وهكذا نقل النوويّ وصاحب ((الفتح)) عنه، وأقرّوه عليه، وهذا من الغريب، فإن الرسول الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق أجمعين، وإزالة الشُّبَه بأنواعها يصف دواء لهذا الداء، هو من أدوى الأدواء حيث إنه يوسوس في الخالق ، فيقول: ((فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته))، وما فصّل وما فرّق بين ما استَحْكُم من هذا الداء، وبين ما لم يستحكم، بل أطلق إرشاده، وبيّن أن دواءه هو هذا، وهو في مقام البيان، يحتاج إلى أن يبيّن للأمة الأميّة أتمّ البيان، فلو كان الأمر يحتاج إلى ذلك، لما سكت عنه، فلا يسع العاقل إلا أن يستعمل النصّ العامّ على عمومه، ولا يحمله على الخصوص بدون حجة. ثم إن هذا الذي ذكره المازريّ من أن الخواطر المستقرّة لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر هو الذي فتح باب الشُّبه والأفكار الخاطئة على المتكلّمين، وأذنابهم، فتاهوا في فيافي الحيرة، ووقعوا في جُحر الشكّ والارتياب لدى بحثهم عن حقيقة ربّ الأرباب، فصار النتيجة أن خرجوا من الدنيا مرتابين معرضين عن ربّهم، متحيّرين هائمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبالجملة، فهذا الباب مرجعه الصحيح، ودواؤه المريح هو الذي جاء في كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّهِ وَله، كما أرشد إليه ربنا مُعَلَ، حيث يقول: ﴿وَمَن يَعْنَصِم بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُتِء وَيُمِثْ فَقَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَِّّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِثُ بِلَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَّدُونَ (88)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِنْ تَوَلَوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا ◌ُلَ وَعَلَيْهِكُمْ مَّا يُمْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ [النور: ٥٤]. اُلْمُبِيثُ وهذا هو منهج السلف الأسلم الأعلم الأحكم، وقد تقدّم ذكر ما نُقل عن الأئمة المعتبرين الذي سلكوا مسلك المتكلّمين، ثم هداهم الله إلى طريقة السلف، وتابوا عن طريق المتكلّمين، فحذّروا الناس من اتباع طريقة المتكلّمين، كالجوينيّ، والغزاليّ، والرازيّ، والشهرستانيّ مستوفّى في المسائل ٦٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان التي ذُكرت في شرح حديث جبريل؛ أولَ ((كتاب الإيمان))، فراجعه تزدد علماً، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: ذكر في ((الفتح)): أنه وقع نحوُ هذه المسألة في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند، وأنه كتب إليه: هل يقدر الخالق أن يخلق مثله؟ فسأل أهل العلم، فبَدَرَ شابٌ، فقال: هذا السؤال مُحالٌ؛ لأن المخلوق مُحْدَث، والمحدَث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله، أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدر أن يصير عاجزاً جاهلاً. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٥٠/٦٣ و٣٥١ و٣٥٢ و٣٥٣] (١٣٤) و[٣٥٤/٦٣ و٣٥٥ و٣٥٦ و٣٥٧] (١٣٥)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٧٦)، و(أبو داود) في ((السنّة)) (٤٧٢١)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٦١ و٦٦٢ و٦٦٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٢/٢ و٣١٧ و٣٣١ و٣٨٧ و٥٣٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٥٣)، و(الدارميّ) في ((الردّ على الجهميّة)) (ص٩ و١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (١٢٥٦ و١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٢٦٨)، و(ابن السّنّيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٢٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٣ و٢٣٤ و٢٣٦ و٢٣٧ و٢٣٨)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٣ و٣٤٤ و٣٤٥ و٣٤٦ ٣٤٧ و٣٤٨ و٣٤٩ و٣٥٠)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣٥٢ و٢٥٣ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٥٧ و ٣٥٨ و٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦١ و٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٤)، (وابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٧٢٢)، و(اللالكائيّ) في ((السنّة)) (٩٢٥ و٩٢٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦١ و٦٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٢٨٨/١٣ (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة)) رقم (٧٢٩٦). ٦٣٩ (٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٥٠) (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الوسوسة لا تضرّ بالإيمان؛ لأنها مجرّد تلبيس الشيطان، وهذا وجه المطابقة في إيراده هنا. ٢ - (ومنها): وجوب الإعراض عن هذه الوساوس، وعدم الإصغاء إليها، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع شرّه عنه، وأن يعلم العبد أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها . ٣ - (ومنها): وجوب تجديد الإيمان كلما وَجَد الإنسان في قلبه شيئاً من الوسواس، فيقول: آمنت بالله، ورسوله ◌َل﴾. ٤ - (ومنها): وجوب الاستعاذة بالله تعالى، والالتجاء إليه في دفع وساوس الشيطان؛ لأنه القادر عليه، قال الله ريات: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ( [الإسراء: ٦٥]. ٦٥ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنْ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ٥ - (ومنها): أن يجعل العبد عداوة الشيطان نُصبَ عينيه دائماً، ويتذكّرَ بالاستمرار قوله رَمَ: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ [الأعراف: ٢٧]، وقوله حق: W ﴾﴾ [فاطر: ٦]، عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ثُمَّ لَتَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ ١٦ وقوله رَى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيَمَ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. ١٧ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَائِلِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ فإذا علم العبد ذلك، وأنه عدوّ لدود، لا يمكن التغلّب عليه، فإن العدوّ إذا كان يُرَى أمكن مدافعته، وأما العدوّ الذي لا يُرى، فلا يمكن الحذر منه، فما بقي للعبد إلا أن يلجأ إلى الذي يراه، ويقدر على دفعه، وهو الله ثَالَ، فقد أمر باتخاذه عدوّاً، مع إعلامه بأنه يرانا من حيث لا نراه، ثم أخبرنا بأنه ليس له سبيل إلى التسلّط وإلحاق الضرر بعباده، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾، فبيّن أن الطريق الوحيد في دفعه الالتجاء إليه، والاستعاذة به، والتحصّن بالتوكّل عليه، ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٍ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾ ٦٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [الزمر: ٣٦]، فيا سعادة من توكّل عليه، ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ويا فوز من اتقاه، والتجأ في أموره إليه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، اللهم اجعلنا ممن توكّل عليك، فكفيته، واتقاك، فأنلته بُغيته، آمين. ٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ذَمّ كثرة السؤال عما لا يَعْنِي المرء، وعما هو مُسْتَغْنٍ عنه. ٧ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبيّ وَّ بوقوع ذلك، كما أخبر بذلك أبو هريرة ربه في حديثه الآتي، حيث قال: ((قد سألني اثنان، وهذا الثالث))، أو: ((سألني واحد، وهذا الثاني))، وذكر أيضاً أن ناساً من الأعراب سألوه، ولذا قال: ((صدق الله ورسوله بَّه))، ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَّ ٣ ) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحِىٌ يُوحَى (١)﴾ [النجم: ٣، ٤]. ٨ - (ومنها): بيان وسوسة الشيطان، وعلاجها، وهو الاستعاذة، فإنه یندفع بذلك. ٩ - (ومنها): الأمر بالكفّ عن التفكير عند خوف الزلل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَافِ قَالَ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: ((وَرُسُلِهِ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.