Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥)
الرابعة في شرح حديث أبي هريرة ظُه المذكور قبل باب، فراجعه تزدد علماً،
وبالله تعالى التوفيق.
(وَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالسيّئة (فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ) زاد البخاريّ: ((له)) (سَيِّئَةً
وَاحِدَةً))) وفي حديث أبي هريرة ◌َظُه المتقدّم: ((فاكتبوها له بمثلها))، وفي رواية
أبي ذرّ رَظُه: ((فجزاؤه بمثلها، أو أغفر)).
ويستفاد من التأكيد بقوله: ((واحدةً)) أنّ السيئة لا تُضاعَف كما تضاعف
الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
قال الشيخ ابن عبد السلام في ((أماليه)): فائدة التأكيد دَفْعُ توهم مَن يَظُنّ
أنه إذا عَمِل السيئة، كُتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهمّ، وليس
كذلك، إنما يكتب عليه سيئةٌ واحدةٌ.
وقد استَثْنَى بعض العلماء وقوعَ المعصية في الحرم المكيّ، قال
إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل وَرَد في شيء من الحديث أن السيئة
تُكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا، ما سمعت إلا بمكة؛ لتعظيم البلد،
والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد يتفاوت بالعِظَم، ولا يَرِد
على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
ضِعْفَيْنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لأن ذلك وَرَدَ تعظيماً لحقّ النبيّ منَّهِ؛ لأن وقوع ذلك
من نسائه يقتضي أمراً زائداً على الفاحشة، وهو أذى النبيّ وَّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس .
هذا متّفقٌ عليه .
عِنْهُ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٤٥/٦٢ و٣٤٦] (١٣١)،
و(البخاريّ) في ((الرِّقَاق)) (٦٤٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٧/١ و٢٧٩
و٣١٠ و٣٦٠)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٧١٦)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٧٨٩)، و(النسائيّ) في ((النعوت)) من ((الكبرى)) (٧٦٧٠)، و(أبو عوانة) في

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((مسنده)) (٢٤٢)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٣٨ و٣٣٩)، و(ابن منده) في
((الإيمان)) (٣٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات كتابة الله تعالى الحسنات والسيئات، ثم بيانه ذلك
لعباده حتى يعلموا ذلك، ويكونوا على بصيرة من أمرهم، فيمتثلوا أمره،
ويجتنبوا نهيه على هدى من ربّهم.
٢ - (ومنها): بيانُ فضل الله تعالى العظيم على هذه الأمة؛ لأنه لولا ذلك
كاد لا يدخل أحد الجنة؛ لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم للحسنات،
كما دلّ عليه حديث الباب، من الإثابة على الهمّ بالحسنة، وعدم المؤاخذة
على الهمّ بالسيئة، ودلّ عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا
أَكْتَسَبَتْ﴾؛ إذ ذَكَرَ في السوء الافتعال الذي يَدُلّ على المعالجة، والتكلف فيه،
بخلاف الحسنة.
٣ - (ومنها): بيان الفضل الذي يترتب للعبد على هِجران لذته، وترك
شهوته من أجل ربه رَك رغبةً في ثوابه، ورهبةً من عقابه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الحفظة لا تكتب المباح للتقييد
بالحسنات والسيئات.
وأجاب بعضهم بأن بعض الأئمة عَدّ المباح من الحسن.
وتُعُقِّب بأن الكلام فيما يترتب على فعله حسنةٌ، وليس المباحُ، ولو سُمِّي
حسناً كذلك.
نعم قد يُكتَب حسنةً بالنية، وليس البحث فيه.
٥ - (ومنها): بيان أن الله ◌ُعَلَ بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة،
والفضل في الحسنة، فضاعف الحسنة، ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها
إلى العدل الفضلَ، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله: ((كُتِبت له واحدةً، أو
يمحوها))، وبقوله في حديث أبي ذرّ ◌َظُه: ((فجزاؤه بمثلها، أو أَغْفِرِ)).
٦ - (ومنها): أن في هذا الحديث الردّ على الكعبيّ في زعمه أن ليس في
الشرع مباح، بل الفاعل إما عاصٍ، وإما مُثَابٌ، فمن اشتغل عن المعصية
بشيء، فهو مثاب.

٦٠٣
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِيَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥)
وتعقبوه بأن الذي يثاب على ترك المعصية، هو الذي يَقْصِد بتركها
رضا الله، كما تقدم في قوله: ((إنما تركها من جرّاي)).
وحَكَى ابنُ التين أنه يلزمه أن الزاني مثلاً مثاب؛ لاشتغاله بالزنا عن
معصية أخرى، ولا يخفى ما فيه، ذكره في ((الفتح))(١).
٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ بقوله: ((حسنة كاملة)) على أنها تُكْتَب حسنةً
مضاعفةً؛ لأن ذلك هو الكمال، لكنه مشكلٌ يلزم منه مساواة مَن نَوَى الخير
بمن فعله في أن كلاً منهما يُكتب له حسنةً.
وأُجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل؛ لقوله تعالى:
﴿مَنْ جَآءَ بِالْخَنَةِ﴾، والمجيء بها هو العمل، وأما الناوي، فإنما ورد أنه يُكتب
له حسنةٌ، ومعناه: يُكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدرٌ زائدٌ على أصل
الحسنة، والعلم عند الله تعالى، قاله في ((الفتح)) أيضاً (٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث،
وأفاد، أحببت إيراده، وإن كان تقدّم فيما ذكرته في شرح الحديث، إلا أنه
يكون فذلكةً وتلخيصاً لما مضى، قال بعد أن أورد أحاديث الباب وغيرها مما
في معناها، ما حاصله :
فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئات، والهم بالحسنة
والسيئة، فهذه أربعة أنواع:
[النوع الأول]: عمل الحسنات، فتضاعَفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل
الحسنات، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، وأما
زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له، فدَلَّ عليه قوله تعالى:
﴿َّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ
سُتْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٌ وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ ﴾﴾ [البقرة: ٢٦١]،
(١) ((الفتح)) ٣٣٦/١١ - ٣٣٧ ((كتاب الرقاق)) رقم الحديث (٦٤٩١).
(٢) المصدر السابق.

٦٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف، وفي
((صحيح مسلم)) عن ابن مسعود ربه قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا
رسول الله هذه في سبيل الله، فقال: ((لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة))(١).
وفي ((المسند)) بإسناد فيه نظر، عن أبي عبيدة بن الجراح نظر ته، عن
النبيّ وَلّ قال: ((من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على
نفسه وأهله وعياله، أو عاد مريضاً، أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها)).
وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه ظُه، عن النبيّ
قال: ((إن الصلاة والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف))(٢).
صُيعبّه،
ورَوَى ابن أبي حاتم بسنده، عن الحسن، عن عمران بن الحصين
عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((من أرسل نفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل
درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل درهم سبعمائة
ألف درهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١](٣).
وأخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع،
عن ابن عمر ظُه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] قال رسول الله وَين :
((رَبِّ زِدْ أمتي))، فأنزل الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ
لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، فقال: ((رب زد أمتي)) فأنزل الله تعالى:
﴿إِنََّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وأخرج الإمام أحمد، من حديث علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي
عثمان النَّهْديّ، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَِّ قال: ((إن الله ليضاعف
الحسنة ألفي حسنة)) ثم تلا أبو هريرة: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ
(١) أخرجه برقم (١٨٩٢)، وأخرجه النسائيّ (٤٩/٦)، وأحمد (١٢١/٤).
(٢) أخرجه أبو داود في ((سننه)) رقم (٢٤٩٨)، والبيهقيّ ١٧٢/٩، وفيه زبّان بن فائد،
وهو ضعيف، ومع ذلك صححه الحاكم ٧٨/٢، ووافقه الذهبيّ.
(٣) وفيه سنده الخليل بن عبد الله، مجهول، كما في ((التقريب))، وفي سماع الحسن
عن عمران خلاف، ولذا قال ابن كثير: حديث غريب.

٦٠٥
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥)
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: ((إذا قال الله: ﴿أَجْرًّاً عَظِيمًا﴾، فمن يقدر
قدره))، ورُوي عن أبي هريرة موقوفاً (١).
وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عمر ظ ◌ُبه موقوفاً: ((من دخل السوق،
فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت،
وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف
حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة))(٢).
ومن حديث تميم الداريّ به مرفوعاً: ((من قال: أشهد أن لا إله الله
وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً صمداً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ولم
يكن له كفواً أحد، عشر مرات، كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة))(٣)، وفي
كلا الإسنادین ضعف.
وأخرج الطبرانيّ بإسناد ضعيف أيضاً، عن ابن عمر مرفوعاً: ((من قال:
سبحان الله، كتب الله له مائة ألف حسنة)) (٤).
وقوله في حديث أبي هريرة به: ((إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي
به))، يدلّ على أن الصيام لا يَعلَم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله تعالى؛ لأنه أفضل
أنواع الصبر، ﴿إِنَّا يُؤَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقد رُوِي هذا
المعنى عن طائفة من السلف، منهم كعب وغيره.
ثم ذكر أن مضاعفة الحسنات زيادةً على العشر تكون بحسب حسن
الإسلام، كما جاء ذلك مُصَرَّحاً به في حديث أبي هريرة وغيره، ويكون
بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب
الحاجة إليه.
(١) رواه أحمد ٢٩٦/٢، وفي سنده علي بن زيد بن جُدعان، ضعيف.
(٢) أخرجه الترمذيّ برقم (٣٤٢٨)، وفي سنده أزهر بن سنان، ضعيف، وبرقم
(٣٤٢٩)، وفي سنده عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، ضعيف أيضاً.
(٣) أخرجه الترمذيّ برقم (٣٤٧٣)، وفيه خليل بن مرّة، ضعيف.
(٤) أخرجه الطبرانيّ في ((الكبير)) (١٣٥٩٧)، وفي سنده النضر بن عُبيد، قال الهيثميّ
في ((المجمع)) ٧٨/١٠: لم أعرفه.

٦٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[النوع الثاني]: عملُ السيئات، فتُكتب السيئة بمثلها، من غير مضاعفةٍ،
كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
[الأنعام: ١٦٠].
وقوله: ((كُتِبت له سيئةً واحدةً)) إشارةٌ إلى أنها غير مضاعفة، كما صَرّح به
في حديث آخر، لكن السيئة تَعْظُم أحياناً بشرف الزمان، أو المكان، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِ كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَ﴾ [التوبة:
رَُّه في هذه الآية: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ
٣٦]، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس
فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾: في كلهنّ، ثم اختصّ من ذلك أربعة أشهر، فجعلهنّ حُرُماً،
وعَظّم حرمتهنّ، وجَعَل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم
خطيئة ووزراً فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حالٍ غيرَ طائل، ولكن الله
تعالى يُعَظِّم من أمره ما يشاء، تعالى ربنا .
وقد رُوي في حديثين مرفوعين: أن السيئات تضاعف في رمضان، ولكن
إسنادهما لا يصح.
وقال الله تعالى: ﴿اَلْحَجُ أَشْهُرٌ مَعْلُومَتُ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا
◌ُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال ابن عمر: الفسوق ما أُصيب
من معاصي الله صيداً كان أو غيره، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في
الحرم.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وكان جماعة من الصحابة يتقون سُكْنَى الحرم خشيةً ارتكاب الذنوب فيه،
منهم ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن
عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم،
ورُوي عن عمر بن الخطاب نظُبه قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة - يعني بغير
مكة - أحب إليّ من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة، وعن مجاهد قال: تضاعف
السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات، وقال ابن جريح: بلغني أن الخطيئة
بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.

٦٠٧
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥)
وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: في شيء من الحديث أن السيئة
تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا ما سمعنا إلا بمكة؛ لتعظيم البلد، وقال
إسحاق بن راهويه، كما قال أحمد.
وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله، وقربه منه، فإن
من عَصَى السطان على بساطه أعظم جُرْماً ممن عصاه على بُعْدٍ، ولهذا توعد الله
خاصة عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء، وإن كان قد عصمهم منها؛ ليبيّن
لهم فضله عليهم بعصمتهم من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ نَبَّنْتَكَ لَقَدْ
كِدَتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا ﴿ إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾
[الإسراء: ٧٤ - ٧٥]، وقال تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ
يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿يَا وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَتَيْنِ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٠
- ٣٥]، وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبيّ وَلّ من بني هاشم مثل ذلك؛
لقربهم من النبيّ ◌َلۇ.
[النوع الثالث]: الهُمُّ بالحسنات، فتُكتب حسنةً كاملةً، وإن لم يعملها،
كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم
كما تقدم: ((إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنةً، فأنا أكتبها له حسنةً))، والظاهر
أن المراد بالتحدُّث: حديث النفس، وهو الهمّ، وفي حديث خُرَيم بن فاتك:
((مَنْ هَمّ بحسنة، فلم يعملها، فعلم الله منه أنه قد أشعر قلبه، وحَرَصَ عليها،
كتبت له حسنة))، وهذا يدلّ على أن المراد بالهمّ هنا هو العزم المصمّم الذي
يوجد معه الحرص على العمل، لا مجرد الْخَطْرة التي تخطُر، ثم تنفسخ من
غير عزم، ولا تصميم.
قال أبو الدرداء رضُله: ((من أتَى فراشه، وهو ينوي أن يصلي من الليل،
فغلبته عيناه حتى يصبح، كُتِب له ما نوى))، ورُوي عنه مرفوعاً، وأخرجه ابن
ماجه مرفوعاً، قال الدارقطنيّ: المحفوظ الموقوف، ورُوي معناه من حديث
عائشة ثنا، عن النبيّ ◌َلڑ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، ولا
سيّما وهو صحيح، مرفوعاً من حديث عائشة ◌ّا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٦٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورُوي عن سعيد بن المسيب قال: مَن همّ بصلاة، أو صيام، أو حج،
أو عمرة، أو غزوة، فحيل بينه وبين ذلك، بَلَّغه الله تعالى ما نَوَى.
وقال أبو عمران الجونيّ: ((يُنَادَى الملك، اكتب لفلان كذا وكذا،
فيقول: يا رب إنه لم يعمله، فيقول الله: إنه نواه)).
وقال زيد بن أسلم: كان رجل يطوف على العلماء، يقول: مَنْ يَدُلُّني
على عمل لا أزال منه لله عاملاً، فإني لا أحب أن يأتي عليّ ساعة من الليل
والنهار، إلا وإني عامل الله تعالى؟، فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل
الخير ما استطعت، فإذا فَتَرْتَ، أو تركت فَهُمَّ بعمله، فإن الهامَّ بفعل الخير
کفاعله .
ومتى اقتَرَن بالنية قولٌ أو سعيٍّ تأكد الجزاء، والتحق صاحبه بالعامل،
كما رَوَى أبو كبشة ◌َظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((إنما الدنيا لأربعة نفر:
عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم الله فيه حقّاً
فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية،
فيقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيّته، فأجرهما سواء، وعبد
رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً، فهو يتخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه
ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه الله حقّاً، فهذا بأخبث المنازل، وعبد
لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، وهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل
فلان، فهو بنيّته، فوزرهما سواء))، وأخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وهذا
لفظ ابن ماجه.
وقد حُمِل قوله: ((وهما في الأجر سواء)) على استوائهما في أصل أجر
العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها مَن عَمِل العمل دون من نواه ولم
يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه، لكُتِب لِمَنْ هَمّ بحسنة، ولم يعملها عشر
حسنات، وهو خلاف النصوص كلها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ
الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى
اُلْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٥ دَرَجَتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ -٩٦]، قال ابن عباس وغيره:
القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجةً هم القاعدون من أهل الأعذار،
والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار.

٦٠٩
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥)
[النوع الرابع]: الهُمُّ بالسيئات، من غير عَمَلٍ لها، ففي حديث ابن
عباس ◌َّه أنها تُكتَب حسنةً كاملةً، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس
وغيرهما أنها تكتب حسنةً كاملةً، وفي حديث أبي هريرة: ((إنما تركها من
جرائي)) - يعني من أجلي - وهذا يدلّ على أن المراد مَنْ قَدَرَ على ما هَمّ به من
المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب في أنه يُكتب له بذلك حسنةٌ؛ لأن
تركه المعصية بهذا المقصد عَمَلٌ صالح، فأما إن هَمّ بمعصية، ثم ترك عملها
خوفاً من المخلوقين، أو مراءاة لهم، فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه
النية؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرَّم، وكذلك قصد الرياء
للمخلوقين محرَّم، فإذا اقترن به ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك.
وقد أخرج أبو نعيم بسند ضعيف(١)، عن ابن عباس ظبه قال: ((يا
صاحب الذنب، لا تأمنَنّ سوءَ عاقبته، ولَمَا يَتْبَعُ الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا
عملته)) وذكر كلاماً، وقال: خوفك من الريح إذا حَرَّكت سِتْرَ بابك، وأنت على
الذنب، ولا يَضطربُ فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا فعلته.
وقال الفضيل بن عياض: كانوا يقولون: تركُ العمل للناس رياء، والعملُ
لهم شرك.
وأما إن سَعَى في حصولها بما أمكنه، ثم حال بينه وبينها القَدَرُ، فقد ذكر
جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ؛ لقوله النبيّ وَتليفون: ((إن الله يتجاوز لأمتي عما
حَدَّثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل))، ومن سَعَى في حصول المعصية
بجهده، ثم عجز عنها، فقد عَمِلَ بها، وكذلك قول النبيّ وَيُّ: ((إذا التقى
المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار))، قالوا: يارسول الله هذا
القاتل، فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)).
وقوله: ((ما لم تتكلم به، أو تعمل)) يدلّ على أن الهامّ بالمعصية إذا تكلم
بما هَمَّ به بلسانه، فإنه يعاقب على الهمّ حينئذ؛ لأنه قد عَمِلَ بجوارحه معصيةً،
وهو التكلم باللسان، ودلّ على ذلك حديث الذي قال: «لو أن لي مالاً لعملت
فيه ما عَمِل فلان)) يعني الذي يَعْصِي الله في ماله، قال: ((فهما في الوزر سواء)).
(١) («الحلية)) ٣٢٤/١.

٦١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ومن المتأخرين مَن قال: لا يعاقب على التكلم بما هَمَّ به، ما لم تكن
المعصية التي هَمَّ بها قولاً مُحَرَّماً، كالقذف، والغيبة، والكذب، فأما ما كان
مُتَعلَّقها العمل بالجوارح، فلا يأثم بمجرد تكلم بما هَمّ به، وهذا قد يُستَدَلُّ به
على حديث أبي هريرة المتقدم: ((وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيّئةً، فأنا
أغفرها له ما لم يعملها))، ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس؛ جمعاً بينه
وبين قوله: ((ما لم تتكلم به))، وحديث أبي كبشة ربه يَدُلُّ على ذلك صريحاً،
فإن قول القائل بلسانه: لو أن لي مالاً لعملت فيه بالمعاصي، كما عَمِلَ فلان،
ليس هو العمل بالمعصية التي هَمَّ بها، وإنما أخبر عما هَمَّ به فقط، مما متعلقه
إنفاق المال في المعاصي، وليس له مال بالكلية، وأيضاً فالكلام بذلك مُحَرَّمٌ،
فكيف يكون مَعْفُوّاً عنه، غير مُعاقَب عليه؟.
وأما إن انفسخت نيته، وفَتَرت عزيمته من غير سبب منه، فهل يعاقب
على ما هَمَّ به من المعصية أم لا؟ هذا على قسمين:
[أحدهما]: أن يكون الهمّ بالمعصية خاطراً، ولم يساكنه صاحبه، ولم
يَعْقِد قلبه عليه، بل كرهه، ونفر منه، فهو معفوّ عنه، وهو الوساوس الرديئة
التي سئل النبيّ وَّه عنها، فقال: ((ذلك صريح الإيمان))(١).
ولَمّا نَزَل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ
اللٌَّ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] شَقَّ ذلك على المسلمين،
وظَنّوا دخول هذه الخواطر فيه، فنزلت الآية بعدها، وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَبَيَّنَت أن ما لا طاقة لهم به غير
مؤاخذ به، ولا يُكَلَّف به، وقد سَمَّى ابنُ عباس وغيره ذلك نسخاً، ومرادهم أن
هذه الآية أزالت الإبهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبَيَّنَت أن المراد
بالآية الأولى العزائم المصمّمُ عليها، ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخاً .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الأرجح فيها النسخ المتعارف
عند المتأخّرين، وسبق بيان وجه ذلك عند شرح حديث ابن عبّاس رضابه هذا،
فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(١) يأتي للمصنّف قريباً برقم (١٣٢).

٦١١
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥)
[القسم الثاني]: العزائم المصمَّمة التي تقع في النفوس، وتدوم،
ويساكنها صاحبها، فهذا أيضاً نوعان:
(أحدهما): ما كان عَمَلاً مستقلاً بنفسه، من أعمال القلوب، كالشكّ في
الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، أو غير ذلك من الكفر والنفاق، أو اعتقاد
تكذيب ذلك، فهذا كله يعاقب عليه العبد، ويصير بذلك كافراً أو منافقاً، وقد
رُوِيَ عن ابن عباس رَُّ أنه حَمَل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىْ أَشُِكُمْ أَوْ
تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] على مثل هذا، ورُوِي عنه حملها على
كتمان الشهادة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ويُلْحَق
بهذا القسم سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب، كمحبة ما يبغضه الله، وبغض ما
يحب الله، والكبر، والعجب، والحسد، وسوء الظن بالمسلم، من غير
موجب، مع أنه قد رُوِي عن سفيان أنه قال في سوء الظن: إذا لم يترتب عليه
قول أو فعل: فهو معفو عنه، وكذلك رُوِي عن الحسن أنه قال في الحسد،
ولعل هذا محمولٌ من قولهما علی ما یجده الإنسان، ولا یمکنه دفعه، فهو
يَكرهه، ويدفعه عن نفسه، فلا يندفع إلا على ما يساكنه، ويستروح إليه، ويعيد
حدیث نفسه به ویبدیه.
(والنوع الثاني): ما لم يكن من أعمال القلوب، بل كان من أعمال
الجوارح، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، والقذف، ونحو ذلك، إذا
أصرّ العبد على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يَظهَر له أثرٌ في الخارج أصلاً،
فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء:
(أحدهما): الأخذ به، قال ابن المبارك: سألت سفيان الثوري: أيؤاخذ
العبد بالهمّ؟ فقال: إذا كانت عزماً أُوخذ، ورَجَّح هذا القول كثير من الفقهاء
والمحدثين والمتكلمين، من أصحابنا وغيرهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم ترجيح هذا المذهب، فلا تغفل.
قال: واستدلوا له بنحو قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
[البقرة: ٢٢٥]، وبنحو قول النبيّ وَل: ((الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن
يطلع عليه الناس))، وحملوا قوله ◌َّل: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حَدَّثت به

٦١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل))، على الخطرات، وقالوا: ما ساكنه العبد،
وعَقَد عليه قلبَه فهو من كسبه وعمله، فلا يكون مَعْفُوّاً عنه، ومن هؤلاء من
قال: إنه يعاقب عليه في الدنيا بالهموم والغموم، رُوي ذلك عن عائشة
مرفوعاً وموقوفاً، وفي صحته نظر، وقيل: بل يحاسب العبد به يوم القيامة،
فيقفه الله عليه، ثم يعفو عنه، ولا يعاقبه، فتكون عقوبته المحاسبة، وهذا مرويّ
عن ابن عباس، والربيع بن أنس، وهو اختيار ابن جرير، واحتجّ له بحديث ابن
عمر في النجوى، وذلك ليس فيه عمومٌ، وأيضاً فإنه وارد في الذنوب المستورة
في الدنيا، لا في وساوس الصدور.
(والقول الثاني): لا يؤاخذ بمجرد النية مطلقاً، ونُسِب ذلك إلى نصّ
الشافعيّ، وهو قول ابن حامد من أصحابنا؛ عملاً بالعمومات، ورَوَى العوفيّ
عن ابن عباس ظُه ما يدلّ على مثل هذا القول.
وفيه قول ثالث: إنه لا يؤاخذ بالهم بالمعصية، إلا بأن يَهُمّ بارتكابها في
الحرم، كما رَوَى السُّدّيّ عن مرة، عن عبد الله بن مسعود رَظُه قال: ما من
عبد يَهُمّ بخطيئة، فلم يعملها، فتكتب عليه، ولو هَمّ بقتل الإنسان عند البيت،
وهو بِعَدَن أَبْيَن أذاقه الله من عذاب أليم، وقرأ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ
تُذِقَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أخرجه الإمام أحمد وغيره، وقد رواه عن
السديّ شعبة، وسفيان، فرفعه شعبة، ووقفه سفيان، والقول قول سفيان في
وقفه .
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة، وهو بأرض أخرى، ولم
يعملها، فتكتب عليه، وقد تقدم عن أحمد وإسحاق ما يدلّ على مثل هذا
القول، وكذا حكاه القاضي أبو يعلى عن أحمد.
وقد رَدَّ بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي متعلقها القلب،
وقال: الحرم يجب احترامه، وتحريمه، وتعظيمه بالقلوب، فالعقوبة على ترك
هذا الواجب، وهذا لا يصح، فإن حرمة الحرم ليست بأعظم من حرمة مُحَرِّمه
سبحانه، والعزم على معصية الله عزم على انتهاك محارمه، ولكن لو عَزَم على
ذلك قصداً لانتهاك حرمة الحرم، واستخفافاً بحرمته، فهذا كما لو عَزَم على
فعل معصية بقصد الاستخفاف بحرمة الخالق تعالى، فيكفر بذلك، وإنما ينتفي

٦١٣
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٦)
الكفر عنه إذا كان همه بالمعصية بمجرد نيل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهوله
عن قصد مخالفة الله، والاستخفاف بهيبته وبنظره.
ومتى اقترن العملُ بالهمّ، فإنه يعاقب عليه، سواء كان الفعل متأخراً أو
متقدماً، فمن فعل محرماً مرة، ثم عزم على فعله متى قدر عليه، فهو مُصِرٌّ على
المعصية، ومعاقب على هذه النية، وإن لم يَعُدْ إلى عمله إلا بعد سنين عديدة،
وبذلك فسَّر ابن المبارك وغيره الإصرار على المعصية.
وبكل حال، فالمعصية إنما تُكتب بمثلها من غير مضاعفة، فتكون العقوبة
على المعصية، ولا ينضمّ إليها الهمّ بها؛ إذ لو ضُمّ إلى المعصية الهم بها
لعوقب على عمل المعصية عقوبتين.
ولا يقال: فهذا يلزم مثله في عمل الحسنة، فإنها إذا عملها بعد الهمّ بها
أثيب على الحسنة دون الهم بها؛ لأنا نقول: هذا ممنوع، فإن مَن عَمِلَ حسنة
كتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال جزاء للهمّ بالحسنة،
والله أعلم. انتهى كلام ابن رجب(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ
الْجَعْدِ، أَبِي عُثْمَانَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَزَادَ: ((أَوْ
مَحَاهَا اللهُ(٢)، وَلَا يَهْلِكَ عَلَى اللهِ إِلَّ هَالِك))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ،
ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٣١١/٢ - ٣٢٩.
(٢) هكذا في نسخة ((شرح الأبيّ))، بـ((أو))، وهو الأولى، ووقع في معظم النسخ:
((ومحاها الله)) بالواو.

٦١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهد،
كان يتشيّع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥، والجعد تقدّم
في الإسناد السابق.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الماضي، وهو عن أبي رجاء
العُطارديّ، عن ابن عبّاس ◌َظ ◌ُله، عن رسول الله الَله .
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ) يعني أن حديث جعفر بن سليمان
بمعنى حديث عبد الوارث بن سعيد، عن الجعد، وليس بلفظه.
[تنبيه]: رواية جعفر بن سليمان التي أشار إليها المصنّف هنا ساقها
الإمام أبو محمد الدارميّ في ((سننه)) في ((الرقاق)) (٣١٣/٢ - ٣١٤)، فقال:
(٢٦٦٧) حدثنا عفّان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد، أبو
عثمان، قال: سمعت أبا رجاء العطارديّ، قال: سمعت ابن عباس، عن
رسول الله 18 فيما يرويه عن ربه ريك.
قال: قال رسول الله وَله: ((إن ربكم رحيمٌ، مَن هَمّ بحسنة، فلم يعملها
كُتِبت له حسنةً، فإن عملها كُتبت له عشراً، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة،
ومَن هَمّ بسيئة، فلم يعملها، كُتبت له حسنةً، فإن عملها كتبت واحدةً، أو
يمحوها، ولا يَهْلِك على الله إلا هالك)). وكذا ساقه أبو نُعيم في ((مستخرجه))
(١٩٩/١) (٣٣٨) إلا أن في لفظة ((أو يمحوها)) تصحيفاً، فتنبّه.
وقوله: (وَزَادَ: ((أَوْ مَحَاهَا اللهُ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّ هَالِكٌ))) يعني أن
جعفر بن سليمان زاد في روايته على رواية عبد الوارث قوله: ((أو
محاها الله ... إلخ))، فليس هذا في رواية عبد الوارث.
فقوله: ((أَوْ مَحَاهَا اللهُ)) هكذا وقع في نسخة شرح الأبيّ بـ(أو))، وهو
الذي في ((مستخرج أبي نعيم))(١)، و(سنن الدارميّ))(٢)، ووقع في معظم النسخ
المطبوعة بالواو، فتكون الواو بمعنى ((أو))، فتنبّه.
والمعنى: أن الله ◌ُعَلَ يمحوها بالفضل، أو بالتوبة، أو بالاستغفار، أو
(١) إلا أنه صُحّف إلى ((أو محوها))، فتنبّه.
(٢) لكن عبّر بلفظ المضارع، فقال: ((أو يمحوها)).

٦١٥
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِيَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٦)
بعمل الحسنة التي تُكَفِّر السيئة، والأول أشبه؛ لظاهر حديث أبي ذر نظر اته، كما
سيأتي للمصنّف بلفظ: ((فجزاؤه بمثلها، أو أغفر له))، وفيه ردّ لقول مَن ادّعَى
أن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة، أفاده في ((الفتح)) (١).
وقال ابن رجب: قوله: ((أو يمحوها الله)) يعني أن عمل السيئة إما أن
تُكْتَب لعاملها سيئةً واحدةً، أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب، كالتوبة،
والاستغفار، وعمل الحسنات. انتهى كلامه(٢).
قال الجامع: سيأتي ذكر ما تمُحْى به السيئات من الحسنات في ((أبواب
الوضوء)) - إن شاء الله تعالى -.
ومعنى قوله: (وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّ هَالِك) أي من أصرّ على التحرِّي
على السيئة عَزْماً، وقولاً، وفعلاً، وأعرض عن الحسنات هَمّاً، وقولاً وفعلاً،
قاله في ((الفتح)).
وقال القاضي عياضّ: قوله: ((وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّ هَالِكٌ)): أي من
حُتِّم عليه الهلاك، وسُدّ عليه أبواب الهدى؛ لسعة رحمة الله تعالى وكرمه؛ إذ
جَعَل السيّئة حسنةً، ولم يكتبها حتى يُعمَل بها، فإذا عُملت كُتبت واحدةً،
وكَتَب الهمَّ بالحسنة حسنةً، وكَتبها إذا عملها عشراً إلى سبعمائة ضعف،
وأضعافاً كثيرةً، وكلُّ هذا من فضل الله ◌ُعَلَ؛ إذ ضاعف الحسنات، حتى تكثر،
وتزيد على السيّئات؛ لكثرة سيّئات بني آدم، فمن حُرِم هذه السعة، وضُيِّق عليه
رَحْبُها حتى غلبت سيئاته مع إفرادها حسناته مع تضعيفها، فهو الهالك الذي
سبق عليه ذلك في أمّ الكتاب. انتهى كلامه(٣).
وقال ابن رجب: قوله: ((ولا يهلك على الله إلا هالك)) يعني: بعد هذا
الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه، بمضاعفة الحسنات، والتجاوز
عن السيئات، لا يهلك على الله إلا مَنْ هَلَك، وألقى بيده إلى التهلكة، وتجرّأ
على السيئات، ورَغِبَ عن الحسنات، وأعرض عنها، ولهذا قال ابن
مسعود ربه: ويلٌ لمن غَلَبت وُحْدانُهُ عشراتِهِ، وروى الكلبيّ، عن أبي صالح،
(١) ((الفتح)) ٣٣٦/١١ ((كتاب الرقاق)).
(٣) ((إكمال المعلم) ٥٢٥/١.
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٣٢٨/٢.

٦١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عن ابن عباس ◌َتُه، مرفوعاً: ((هَلَك مَن غَلَبَ واحده عشراً))(١).
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، من حديث
عبد الله بن عمرو به قال: قال رسول الله وَله: ((خَلَّتان لا يُحصيهما رجل
مسلمٌ، إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يَعْمَل بهما قليلٌ، تسبّح الله دُبُرَ كل
صلاة عشراً، وتحمده عشراً، وتكبره عشراً، قال: فذلك خمسون ومائة
باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، فإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره
وتحمده مائة، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيُّكم يعمل في اليوم
والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟))(٢).
وفي ((المسند)) عن أبي الدرداء ◌َظُّه، عن النبيّ وَّرِ قال: ((لا يَدَعُ أحدُكم
أن يعمل الله ألف حسنة حين يصبح، يقول: سبحان الله وبحمده مائة مرةٍ، فإنها
ألف حسنة، فإنه لن يعمل - إن شاء الله تعالى - مثل ذلك في يومه من الذنوب،
ويكون ما عَمِلَ من خير سوى ذلك وافراً))(٣). انتهى كلام ابن رجب (٤)، وهو
بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا مِنْ
خَالِصِ الإِيمَانِ، والأَمْرِ بِالاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ وُقُوعِهَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق في شرح المقدّمة أن هذه التراجم
غير تراجم الكتب ليست من وضع الإمام مسلم، وإنما هي لشرّاح كتابه، وهذه
الترجمة قريبة من ترجمة القرطبيّ في ((مختصره))، وذكر المازريّ أنه يوجد في
(١) ضعيف جدّاً، فيه الكلبيّ محمد بن السائب، متروك.
(٢) رواه أحمد (٥٠٢/٢)، وأبو داود (٥٠٦٠)، والترمذيّ (٣٤١٠)، والنسائيّ (٣/
٧٤)، وابن ماجه (٩٢٦)، وصححه ابن حبان (٢٠١٢ و٢٠١٨).
(٣) حديث ضعيف، في سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّانيّ، ضعيف، كما
قال الهيثميّ في ((المجمع)) ١١٣/١٠.
(٤) ((جامع العلوم والحكم)) ٣٢٨/٢ - ٣٢٩.

(٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٤٧)
٦١٧
بعض نسخ مسلم تبويبٌ بلفظ: ((بَابٌ الوسوسة محض الإيمان))، قال: أما
قوله: ((محض الإيمان))، فلا يصحّ أن يراد به أن الوسوسة هي الإيمان؛ لأن
الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوا من الخوف من الله تعالى أن
يعاقبوا على ما وقع في نفوسهم، فكأنه يقول: جَزَعكم من هذا هو محضُ
الإيمان؛ إذ الخوف من الله وَلَ ينافي الشكّ فيه، فإذا تقرّر هذا تبيّنَ أن هذا
التبويب المذكور غلطً على مقتضى ظاهره. انتهى كلام المازريّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي ما قاله العلماء في معنى قوله وَله:
(ذاك محض الإيمان)) قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧] (١٣٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ نَّهِ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ
فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: ((وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟))، قَالُوا: نَعَمْ،
قَالَ: ((ذَالَكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشّي النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ،
صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقة، تغيّر في آخره [٦]
مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والله تعالى أعلم.
(١) ((المعلم)) ٢١٠/١.

٦١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سُهيل.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أيضاً أبو هريرة
رضىعنه
أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: جَاءَّ نَاسٌ) أي جماعة، قال صاحب
((التنبيه): لا أعلمهم(١). (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَِّهِ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا)
قال الطيبيّ: قوله: ((إنا نجد ... إلخ)) واقعٌ موقع الحال: أي سألوه مخبرین إنا
نجد، أو قائلين، على احتمال فتح الهمزة وكسرها، وقيل: على الفتح مفعول
ثانٍ لـ((سألوه))، ثم الكسر أوجه حتى يكون بياناً للمسؤول، وهو مُجمَلٌ يُفسّره
الأحاديث الآتية بعده، أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحةً، أي مَنْ خَلَقَ الله؟
وكيف هو؟، ومن أيّ شيء هو؟، وما أشبه ذلك مما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا
يليق شيء منها أن نعتقده، ونعلمُ أنه تعالى قديمٌ، خالق الأشياء كلِّها، ليس
بمخلوقٍ، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟. انتهى(٢).
وقوله: (مَا يَتَعَاظَمُ) ((ما)) موصولة بمعنى (الذي)) مفعول (نجد))،
و(يتعاظم)) بفتح أوله مضارع تعاظم، والتفاعل للمبالغة؛ لأن زيادة المبنى لزيادة
المعنى، فإن الفعل الواحد إذا جرى بين اثنين تكون مزاولته أشقّ من مزاولته
وحده، ولذا قيل: المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة، أي نستعظم غاية
الاستعظام.
وقوله: (أَحَدُنَا) روي بالرفع، ومعناه: يجد أحدنا التكلّم به عظيماً؛
(١) ((تنبيه المعلِم بمبهمات صحيح مسلم)) ص٧٣.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥١٨/٢.

(٦٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَةِ، والنَّفْرَةَ مِنْهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٤٧)
٦١٩
لقبحه، ويجوز نصبه على نزع الخافض، أي يَعظم، ويشقّ التكلّم به على أحدنا
(أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول ((يتعاظم))، أي يتعاظم
التکلّم به.
(قَالَ: ((وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟))) قال القرطبيّ: كذا صحّت الرواية ((وقد)» بالواو،
ومعنى الكلام: الاستفهام على جهة الإنكار والتعجّب، فَيَحتمل أن تكون همزة
الاستفهام محذوفةً، والواو للعطف، فيكون التقدير: ((أوَ قد وجدتموه؟))،
ويَحْتَمِلُ أن تكون الواو عِوَض الهمزة، كما قرأ قُنبُل، عن ابن كثير: ﴿قَالَ
فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُم بِهِ﴾، قال أبو عمرو الدانيّ: هي عوضٌ من همزة الاستفهام،
وهذه الواو مثلها، والضمير في ((وجدتموه)) عائد على التعاظم الذي دلّ عليه
(يَتَعاظم)). انتهى(١).
ولفظ أحمد في ((مسنده)): ((أوجدتم ذلك؟))، ولفظ أبي داود: ((أوَ قد
وجدتموه))، قال القاري: والهمزة فيه للاستفهام التقريريّ، والواو المقرونة بها
للعطف على مقدَّر: أي أحصلَ ذلك، وقد وجدتموه؟، والضمير لما يتعاظم،
أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريراً وتأكيداً، فالوجدان المصادفة، أو المعنى:
أحصلَ ذلك الخاطر القبيح، وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضيّ؟ فالوجدان
بمعنى العلم. انتهى (٢).
(قَالُوا) أي الصحابة السائلون (نَعَمْ) أي قد وجدناه (قَالَ: (ذَاكَ) إشارة
إلى مصدر ((وَجَد))، أي وجدانكم قُبحَ ذلك الخاطر، أو إلى مصدر ((يتعاظم))،
أي علمكم بفساد تلك الوساوس، وامتناع نفوسكم، وتجافيها عن التفوّه بها
(صَرِيحُ الْإِيمَانِ))) أي خالصه، يعني: أن ذلك أمارته الدالّة صريحاً على رسوخه
في قلوبكم، وخلوصها من التشبيه والتعطيل؛ لأن الكافر يُصرّ على ما في قلبه
من تشبيه الله ◌ُعَلَ بالمخلوقات، ويعتقده حسناً، فمن استقبحها، وتعاظمها؛
لعلمه بقبحها، وأنها لا تليق به تعالى كان مؤمناً صدقاً، فلا تُزعزعه شُبهةٌ، وإن
قَوِيت، ولا تحُلّ عُقدة قلبه ريبةٌ، وإن مُوِّهت، وأما من كان إيمانه مشوباً فيقبل
الوسوسة، ولا يردّها.
(١) ((المفهم)) ٣٤٤/١.
(٢) ((المرقاة)) ٢٤١/١.

٦٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقيل: المعنى: أن الوسوسة أمارة وجود الإيمان الصادق في القلب؛
لأن اللصّ لا يدخل البيت الخالي، والشيطان لصّ القلب.
وقال النوويّ: قوله وَلخير: (ذلك صريح الإيمان))، و((محض الإيمان)):
معناه: استعظامكم الكلام به، هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا، وشدة
الخوف منه، ومن النطق به، فضلاً عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل
الإيمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الريبة والشكوك.
(واعلم): أن الرواية الثانية، وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام، فهو مراد،
وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم الرواية الأولى.
وقيل: معناه: أن الشيطان إنما يوسوس لمن أَيِسَ من إغوائه، فَيُنَكِّد عليه
بالوسوسة؛ لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر
في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث:
سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامةُ محض الإيمان، وهذا القول
اختيار القاضي عياض(١).
وقال القرطبيّ: والصريح، والمحض: الخالص الصافي، وأصله في
اللبن، ومعنى الحديث أن هذه الإلقاءات، والوساوس التي تُلقيها الشياطين في
صدور المؤمنين تنفر منها قلوبهم، ويَعظُم عليهم وقوعها عندهم، وذلك دليل
صحّة إيمانهم ويقينهم ومعرفتهم بأنها باطلة، ومن إلقاءات الشيطان، ولولا ذلك
لركنوا إليها، ولقبلوها، ولم تَعُم عندهم، ولا سمّوها وسوسةً.
ولَمّا كان ذلك التعاظم، وتلك النَّفْرة ناشئاً عن ذلك الإيمان، عبّر عن
ذلك بأنه خالص الإيمان، ومحض الإيمان، وذلك من باب تسمية الشيء باسم
الشيء؛ لمجاورته، أو لكونه سبباً له. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلا المعنيين اللذين ذكرهما النوويّ
صحيح موافق للحديث، إلا أن المعنى الثاني الذي اختاره عياض أنسب بظاهر
الحديث، وقد أجاد في تقريره، وأفاد حيث قال ما خلاصته:
إن وسوسة الشيطان، وتحدّثه في نفس المؤمن إنما هو لإياسه من قبول
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/٢.
(٢) ((المفهم)) ٣٤٤/١ - ٣٤٥.