Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣) هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله وَل﴾، وذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله وَيقول: ((إن أدنى مقعد أحدكم ... ))، وذكر الحديث، وهكذا اطرد له هذ الأسلوب في كتابه كلّه، وكذا فعله كثير من المؤلفين. وأما البخاريّ، فإنه لم يسلك قاعدة مُطَّردةً، فتارةً يذكر أول حديث في النسخة، ويَعْطِف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله، كقوله في ((كتاب الطهارة)): حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله * يقول: ((نحن الآخرون السابقون))، وقال: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ... )) الحديث، فأشكل على قوم ذكره: ((نحن الآخرون السابقون)) في هذا الباب، وليس مراده إلا ما ذكرناه، وتارة يقتصر على الحديث الذي يريده، وكأنه أراد بيان أن كلا الأمرين جائز. واما إعادة بعض المحدثين الإسناد آخر الكتاب أو الجزء، فلا يرفع هذا الخلاف الذي يَمنَع إفراد كل حديث بذلك الإسناد، ثم روايتها؛ لكونه لا يقع متصلاً بواحد منها، إلا أنه يفيد احتياطاً، وإجازةً بالغةً من أعلى أنواعها، قاله في ((التدریب)»(١). وقال في ((الفتح)) عند شرح هذا الحديث، ما نصّه: وهذا الحديث من نسخة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد عن عبد الرزّاق، عن معمر، عنه، وقد اختَلَف العلماء في إفراد حديث من نسخة، هل يُساق بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأ به، أو لا؟ فالجمهور على الجواز، ومنهم البخاريّ، وقيل: يمتنع، وقيل: يَبدأ أبداً بأول حديث، ويذكر بعده ما أراد، وتوسّط مسلم، فأتى بلفظ يُشعر بأن المفرد من جملة النسخة، فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد: ((فَذَكَرَ أحاديث، منها كذا))، ثم يذكر أيَّ حديث أراد منها. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((تدريب الراوي على تقريب النواوي)) ١١٦/٢ - ١١٨. (٢) ((الفتح)) ١٢٤/١ ((كتاب الإيمان)) رقم الحديث (٤٢). ٥٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان شرح الحديث: (عَنْ هَمَّام) بفتح الهاء، وتشديد الميم (بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المشدد، أنه (قَالَ: هَذَا) أي الحديث الآتي، فاسم الإشارة مبتدأ، وقوله: (مَا) موصولة بمعنى (الذي)) خبر المبتدأ (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) صلة ((ما))، وحُذِف العائدُ جوازاً، كما قال في ((الخلاصة)): وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـامَنْ نَرْجُو يَهَبْ)) فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) الضمير لهمّام بن منبّه (مِنْهَا) الضمير للأحاديث، وسقط من بعض النسخ قوله: ((فذكر أحاديث منها))، فقوله: ((منها)) جار ومجرور خبر مقدّم لقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لي) فـ(قال ... إلخ)) مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه. والمعنى أن من جملة تلك الأحاديث قوله: قال رسول الله وَالر ... إلخ. ((قَالَ اللهُ رَتْ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي) هو بمعنى ما سبق: ((إذا همّ عبدي)) (بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ) أي آمر الملائكة بكتابتها، كما بيّنه فيما يأتي بلفظ: ((فاكتبوها له)) (حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ) تلك الحسنة التي تحدّث بها (فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إذ الحسنة بعشر أمثالها (وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ) أي أسترها عن أعين الملائكة، فلا يكتبونها (مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا))) أي سيّئة واحدةً، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِلسَّيْشَةِ فَلَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الأنعام: ١٦٠]. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ) منادى بحذف حرف النداء، جوازاً، قال الحريريّ في ((ملحته)): كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ وقال في ((الخلاصة)): وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا (ذَاكَ) إشارة إلى من حدّث نفسه بسيّئة (عَبْدَُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً) أي يُحدّث نفسه بذلك (وَهُوَ) أي الله ◌َ (أَبْصَرُ بِهِ) أي هو أشدّ بصراً من هؤلاء ٥٨٣ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣) الملائكة بهذا العبد الذي حدّث نفسه بالسيّئة، وهذه الجملة اعتراضيّة، لا محلّ لها من الإعراب، جيء بها لرفع إيهام أن إخبارهم له لإفادة العلم (فَقَالَ: ارْقُبُوهُ) أي انظروا ماذا يفعل بعده؟، انتظروا أمره، يقال: رَقَبتُهُ أرقُبه، من باب نصر: حفِظته، فأنا رقيبٌ، ورقَبتُهُ، وترقّبته، وارتقبته: انتظرته(١). (فَإِنْ عَمِلَهَا) أي السيّئة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا) أي سيّئةً واحدةً (وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً) أي واحدةً (إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ) أي من أجلي، يقال: فعلتُهُ من جَرَاكَ، ومن جَرَائِكَ - بفتح الجيم، وتخفيف الراء، مقصورةً، وتُمَدُّ -: أي من أجلك، كجَرّاك، بتشديد الراء، ومنه قول أبي النجم [من الرجز]: فَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنْ جَرَّاهَا (٢) قال القرطبيّ: قوله: ((من جرّاي)) فيه لغتان: المدّ والقصر، ومنه الحديث: ((دخلت امرأة النار من جرّاء هرّة))(٣) أي من أجل، وهي مشدّدة الراء في اللغتين، وقد تخفّف معهما . ومقصود هذا الحديث أن الترك للسيّئة لا يُكتب حسنةً إلا إذا كان خوفاً من الله تعالى، أو حياءً من الله تعالى، وأيُّهما كان، فذلك الترك هو التوبة من ذلك الذنب، وإذا كان كذلك فالتوبة عبادة من العبادات، إذا حَصَلت بشروطها أذهبت السيّئات، وأعقبت الحسنات. انتهى كلام القرطبيّ(٤). (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ) هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وإنما ذكره بلفظ المذكّر تغليباً، وكذا الخطاب ليس مقصوداً، بل يعمّ الغائبين، ولذا جاء في حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َُّه عند البخاريّ معلّقاً بلفظ: ((إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه ... )) الحديث (إِسْلَامَهُ) أي إذا صار إسلامه إسلاماً حقيقيّاً، وليس كإسلام المنافقين، وذلك أن يكون حسناً باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربّه (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٣٤/١. (٢) راجع: ((الصحاح)) ١٨٣٨/٥، و((لسان العرب)) ١٤٢/١٤، و((تاج العروس)) ٧٢/١٠. (٣) رواه مسلم في ((صحيحه)) في ((كتاب البرّ والصلة)) برقم (٢٦١٩). (٤) ((المفهم)) ٣٤٢/١ - ٣٤٣. ٥٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان منه، واطّلاعه عليه، كما دَلَّ عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل؛ المتقدّم. وقال في ((الفتح)): قوله: ((إذا أحسن أحدكم إسلامه))، كذا للبخاريّ ومسلم وغيرهما، ولإسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن عبد الرزاق: ((إذا حَسُنَ إسلام أحدكم))، وكأنه رواه بالمعنى؛ لأنه من لوازمه، ورواه الإسماعيليّ من طريق ابن المبارك، عن معمر كالأول، والخطاب ((بأحدكم)) بحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عامّ لهم، ولغيرهم باتّفاق، وإن حصل التنازع في كيفيّة التناول، أهي بالحقيقة اللغويّة، أو الشرعيّة، أو بالمجاز؟. انتهى (١). (فَكُلَّ حَسَنَةٍ) هذه العبارة تشعر بأن اللام في رواية أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه عند البخاريّ معلّقاً: ((الحسنة بعشر أمثالها)) للاستغراق (يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةٍ ضِعْفٍ) متعلّق بمقدّر: أي منتهيةً إلى سبعمائة ضعف، وحكى الماورديّ: أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، ورُدّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وأصرح منه حديث ابن عبّاس ظُ الآتي بلفظ: ((كَتَبَهَا اللهُ رَكْ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ)» (وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى يَلْقَى اللهَ) زاد في حديث أبي سعيد . المذكور: ((إلا أن يتجاوز الله عنها))، وفي ((فوائد سمويه)): ((إلا أن يغفر الله، وهو الغفور))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظله هذا ثلاثة أجزاء، ساقه المصنّف مساقاً واحداً، فأما الجزء الأول، وهو قوله: ((قال الله وم: إن تحدّث عبدي ... ))، فقد تقدّم قبل حديث أنه متّفقٌ عليه، وأما الجزء الثاني، وهو قوله: ((وقال الله (ص: قالت الملائكة))، فإنه من أفراد المصنّف، وأما (١) ((الفتح)) ١٢٤/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٤٢). -- ٥٨٥ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣) الجزء الأخير، وهو قوله: ((وقال رسول الله وَال﴾: إذا أحسن أحدكم إسلامه ... ))، الحديث، فهو متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أما الجزء الأول، فقد سبق تخريجه قبل حديث، وأما الجزء الثاني، فأخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٤٣/٦٢] (١٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده) (٣١٧/٢، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٤٠)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣٣٥)، وهو في ((صحيفة همّام بن منبّه)) (١٠٦). وأما الجزء الأخير، فمتّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٣/٦٢] (١٢٩)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٤٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٧/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٤٠)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٣٥)، وهو في ((صحيفة همام)) (١٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه قوله: ((قال الله رَ))، وهذا هو النوع المسمّى بالحديث القدسيّ، وقد قيل في الفرق بينه وبين الحديث النبويّ: إن الحديث القدسيّ لفظه ومعناه من عند الله تعالى، والحديث النبويّ لفظه من عند الرسول ◌َ﴾، ومعناه من عند الله تعالى، وإن الحديث القدسيّ يُسند إلى الله تعالى، فيقال عنه: قال الله تعالى، والحديث النبويّ يُسند إلى النبيّ ◌َلآ، والفرق بين القرآن الكريم، والحديث القدسيّ بناء على هذا أن القرآن متواترٌ، يكفر من جحد شيئاً منه، بخلاف الحديث القدسيّ، وأن القرآن قُصِد بلفظه التحدّي، والإعجاز، بخلاف الحديث القدسيّ، وإن كان في أعلى درجات البلاغة، وأن القرآن يُتَعَبَّدُ بتلاوته في الصلاة وغيرها، بخلاف الحديث القدسيّ، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان فضل الله ومخلل على عبده المؤمن، حيث يكتب له ما حدّث به نفسه من الحسنة، ويعفو عنه نظيرها من السيّئة. ٣ - (ومنها): بيان تضعيف الحسنة بعشر أمثالها. ٤ - (ومنها): إثبات حفظ الملائكة لبني آدم، ومراقبتهم لأعمالهم كلّها، قال في ((الفتح)): فيه دليلٌ على أن الملك يطَّلع على ما في قلب الآدميّ، إما ٥٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بإطلاع الله تعالى إياه، أو بأن يخلُق له علماً يُدْرِك به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، قال: ((يُنادَى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه))، وقيل: بل يجد الملك للهَمّ بالسيئة رائحةً خبيثةً، وبالحسنة رائحةً طيبةً، وأخرج ذلك الطبريّ، عن أبي معشر المدنيّ، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة، قال الحافظ: ورأيت في شرح مغلطاي أنه وَرَدَ مرفوعاً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في صحة هذه الروايات نظر، فليتأمل، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله الإمام أبو جعفر الطبريّ(٢): في هذه الأحاديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، وعقدها، خلافاً لمن قال: إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة(٣). وقال القرطبيّ عند قوله: ((إنما تركها من جرّاي)): فيه إخبار منه تعالى للملائكة بما لم يعلموا من إخلاص العبد في الترك، ومن هنا قيل: إن الملائكة لا تطّلع على إخلاص العبد، وقد دلّ عليه قوله وَّ في حديث حُذيفة ◌َظُه، عن النبيّ وَّ، وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: ((قال الله رَّك: هو سرّ من سرّي، استودعته قلب من أحببتُ من عبادي))، والحديث الآخر الذي يقول الله فيه للملائكة التي تكتب الأعمال حين تَعرِضها عليه: ((أَلْقُوا هذا، واقبلوا هذا))، فتقول الملائكة: وعزّتك ما رأينا إلا خيراً، فيقول الله: ((إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتُغي به وجهي)). (٤) انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث الأول، فضعيف جدّاً، قال الحافظ العراقيّ: رويناه من مسلسلات القزوينيّ، وفيه: أحمد بن عطاء، (١) ((الفتح)) ٣٣٢/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٩١). (٢) هكذا في ((الفتح))، و((إكمال المعلم))، وغيرهما، ووقع في ((شرح النووي: ((أبو جعفر الطحاويّ))، فليُحرّر. (٣) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٥٢/٢. (٤) ((المفهم)) ٣٤٣/١. ٥٨٧ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣) وعبد الواحد بن زيد، كلاهما متروك، ورواه أبو القاسم القشيريّ في ((الرسالة)) من حديث عليّ بن أبي طالب رَظُّه بسند ضعيف. انتهى(١). وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) بإسنادين، قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ(٢): ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار، والبيهقيّ في ((الشعب)) (٦٨٣٦)، وضعّفه الشيخ الألبانيّ من رواية السِّلَفيّ في ((معجم السفر)) (٢/٥٠)، وقال في إسناده: الحارث بن غسّان مجهول، وعمر بن يحيى اتّهمه ابن عديّ بسرقة الحديث عن يحيى بن بسطام، وهو ضعيف جدّاً. انتهى(٣). لكن رواية الطبرانيّ في ((الأوسط)) إسنادها - كما قال الهيثميّ -: رجال الصحيح، فالظاهر أنها صحيحة، والله تعالى أعلم. والظاهر أن الحديث يدلّ على أن الإخلاص والرياء مما لا تطّلع عليه الحفظة، فيستثنى مما يطّلعون عليه من أعمال قلوب بني آدم، فتدبّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة إذا كان الهَمُّ سرّاً بين العبد وبين ربّه، فكيف تطّلع الملائكة عليه؟. فأجاب قائلاً: الحمد لله، قد رُوي عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة، قال: إنه إذا همّ بحسنة شمّ الملك رائحة طيّةً، وإذا همّ بسيّئة شمّ رائحةً خبيثةً. والتحقيق: أن الله تعالى قادر على أن يُعلم الملائكة بما في نفس العبد، (١) راجع: ((إتحاف السادة المتقين)) ٤٣/١٠. (٢) قال الطبرانيّ في ((الأوسط)): حدثنا أبو مسلم، ثنا عبد الله بن عبد الوهّاب الْحَجَبِيّ، ثنا الحارث بن عُبيد أبو قُدامة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَله: ((يؤتى يوم القيامة بصُحُف مختمة، فتُنصب ... )) الحديث، وأبو مسلم شيخه اسمه إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصريّ، صاحب ((كتاب السنن)) ثقة، توفي سنة (٢٩٢هـ). راجع: ((تذكرة الحفاظ)) ٦٢٠/٢، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٣) ((السلسلة الضعيفة)) ١٩٤/٦ رقم (٢٦٧٢). ٥٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان كيف شاء، كما هو قادر على أن يُطلِعِ بعض البشر على ما في الإنسان، فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يَعلم به أحياناً ما في الإنسان، فالملك الموكّل بالعبد أولى بأن يعرّفه الله ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [قَ: ١٦]: إن المراد به الملائكة، والله قد جعل الملائكة تُلقي في نفس العبد الخواطر، كما قال عبد الله بن مسعود وظيفته: ((إن للملك لِمّةً، وللشيطان لِمّة، فلِمّة الملك تصديق بالحقّ، ووعد بالخير، ولِمّةُ الشيطان تكذيب بالحقّ، وإيعاد بالشّ))، وقد ثبت عنه وَّر في ((الصحيح)) أنه قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجنّ))، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وأنا، إلا أن الله قد أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير)). فالسيّئة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الشيطان علم بها الشيطان، والحسنة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك علم بها الملك أيضاً بطريق الأولى، وإذا علم بها هذا الملك، أمكن علم الملائكة الحفظة لأعمال بني آدم. انتهى كلامه(١). ٦ - (ومنها): بيان أدب الملائكة مع ربّهم ◌َُّلَ، حيث إنهم مع أنه أمرهم بكتابة أعمال العباد لا يكتبون إلا بعد استئذانهم، وانتظارهم أمره لهم بالكتابة. ٧ - (ومنها): بيان حكمة أمر الله وَلَ بكتابة أعمال العباد ونيّاتهم مع أنه أبصر بذلك وأعلم من الملائكة، وذلك ليكون حجة عليهم بما كُتب حالَ عملهم، كما قال الله رَمَّت: ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ١٤ [الإسراء: ١٤]. ٨ - (ومنها): بيان فضل مراقبة الله تعالى، والخوف منه؛ لأن كتابة ما همّ به من السيّئة حسنةً إنما هو لأجل أنه تركها خوفاً من الله تعالى؛ لقوله: ((إنما تركها من جراي)). ٩ - (ومنها): بيان فضل إحسان الإسلام، وذلك بأن يدخل فيه دخولاً كاملاً، كما أمر الله رَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَآَفَّةٌ وَلَا (١) ((مجموع الفتاوى)) ٢٥٣/٤ - ٢٥٤. ٥٨٩ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِيَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٤ - ٣٤٥) [البقرة: ٢٠٨]، والله تعالى تَشَِّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٤] (١٣٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ هَمَّ بِحَسَنَّةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً إِلَى سَبْعِمَائَةٍ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَِّةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء المذكور قبل باب. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) هو: سليمان بن حيّان الأزديّ الکوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ٣ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقالٌ؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (مات ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبتٌ عابد كبير القدر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨. وشرح الحديث وبيان مسائله تقدّما قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥] (١٣١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْجَعْدِ، أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءِ الْعُطَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلـ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارََكَ وَتَعَالَى، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ ٥٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان بِهَا، فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ رَى عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا، فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطَيّ، أبو محمد الأُبُلَيّ (١)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٦ أو ١٣٥) وله بضع و٩٠ سنة (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوَان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨. ٣ - (الْجَعْدُ أَبو عُثْمَانَ) هو: الجعد بن دينار الْيَشْكُريّ، أبو عثمان الصيرفيّ البصريّ، يقال له: صاحب الْحُلي - بضمّ المهملة - ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أنس، وأبي رجاء العُطَارديّ، والحسن، وسليمان بن قيس. وروى عنه الحمادان، ووهب، وشعبة، وإبراهيم بن طهمان، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو عوانة، وابن عُلَيّة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال ابن حبان في ((الثقات)): يخطئ، ووثّقَهُ أبو داود في سؤالات الآجريّ، والترمذيّ في «جامعه)) . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٣١)، وحديث (١٣٦٥): ((أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها))، و(١٤٢٨): ((ضعه، ثم قال: اذهب، فادع لي فلاناً وفلانا ... ))، وأعاده بعده، و(١٨٤٩): ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه، فليصبر عليه ... ))، وأعاده بعده، و(٢١٥١): ((قال لي رسول الله له: يا بُنيّ))، و(٢٤٨١): ((فدعا لي رسول الله وض له ثلاث دعوات ... )). (١) بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام: نسبة إلى أَبُلّةَ موضع بالبصرة. ٥٩١ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥) ٤ - (أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ) عِمران بن مِلْحَان، ويقال: ابن تيم، ويقال: ابن عبد الله البصريّ، مشهور بكنيته، مخضرمٌ، ثقةٌ مُعمَّرٌ [٢]. أدرك زمن النبيّ وَّ، ولم يره، ورَوَى عن عمر، وعليّ، وعمران بن حُصين، وابن عباس، وسمرة بن جندب، وعائشة. وروى عنه أيوب، وجرير بن حازم، وعوف الأعرابيّ، وعمران القصير، ومهدي بن ميمون، وأبو الأشهب، وحماد بن نَجِيح، وسَلْم بن زَرِير، وسعيد بن أبي ربيعة، والجعد أبو عثمان، والحسن بن ذكوان، وأبو الحارث الكرمانيّ، وصخر بن جُويرية، وآخرون. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة في الحديث، وله روايةٌ وعِلْمٌ بالقرآن، وأَمَّ قومه أربعين سنة، وتُؤُفِّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، قال: وقال الواقديّ: تُوفي سنة سبع عشرة ومائة، قال: وهذا عندي وَهَلٌ، وقال الذَّهْليُّ: مات قبل الحسن لا أدري في أيّ سنة، غير أني أتوهمه سنة (١٠٧)، وقال أبو حاتم: جاهليٍّ فَرَّ من النبيّ وَّر، ثم أسلم بعد الفتح، وأَتَى عليه مائة وعشرون سنة، وقال البخاريّ: قال أشعث بن سَوّار: بلغ سبعاً وعشرين ومائة سنة، وقال البخاريّ: يقال: مات قبل الفرزدق والحسن، ومات الحسن سنة عشر ومائة، وقال ابن عبد البرّ: كان ثقةً، وكانت فيه غفلةٌ، وكانت له عبادةٌ، وعُمِّرَ عمراً طويلاً أزيد من مائة وعشرين سنة، مات سنة (١٠٩) في أول خلافة هشام، وحكى ابن سعد أن اسمه عُطارد بن برو، وتبعه ابن حبان، فذكره كذلك في ((الثقات)) فيمن اسمه عُطارد، وقال ابن أبي حاتم: عمران بن مِلْحان، ويقال: عمران بن تَيْم، وهو أصحّ، وقال البخاريّ في ((الأوسط)): مِلْحان ما أراه يَصِحّ، وقال في ((الكبير)): قال أحمد: هو عمران بن عبد الله. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٣١)، وحديث (٦٨٢): ((ما منعك أن تصلي معنا ... ))، و(١٢٢٦): (نزلت آية المتعة في كتاب الله ... ))، و(١٨٤٩): ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه، فليصبر عليه ... ))، وأعاده بعده، و(٢٢٧٥): ((هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟))، و(٢٧٣٧): ((اطّلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء ... )). ٥٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب الصحابيّ ابن الصحابيّ، حبر الأمة وبحرها، مات به (٦٨)، وتقدّم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وغير الجعد، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ترجمان القرآن، وحبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ومناقبه جمّة، وقد تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٢٤/٦، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَا، وعند أحمد في ((مسنده)) من طريق الحسن بن ذَكْوان عن أبي رجاء: ((حدثني ابنُ عباس)) (عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ) وفي رواية مسدد عند الإسماعيليّ: ((عن رسول الله وَ لّ))، قال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرُق التصريح بسماع ابن عباس له من النبيّ وَلِيمٍ(١). (فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) أي في الحديث الذي ينقله النبيّ صَلَى الله وَعَلِيلة عن الله رَبك(٢)، وقال في ((الفتح)): هذا من الأحاديث الإلهية، ثم هو محتمل أن يكون مما تلقاه مدير عن ربه بلا واسطة، ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك، وهو الراجح. (١) ((الفتح)) ٣٣١/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم الحديث (٦٤٩١). (٢) تقدّم بيان الفرق بين الحديث القدسيّ، والحديث النبويّ، وبينه وبين القرآن الكريم في المسألة الثالثة من شرح حديث أبي هريرة ظه الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٥٩٣ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥) وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية، ويحتمل أن يكون للبيان لما فيه من الإسناد الصريح إلى الله تعالى، حيث قال: إن الله كَتَب، ويحتمل أن يكون لبيان الواقع، وليس فيه أن غيره ليس كذلك؛ لأنه وعليه [النجم: ٤]، بل فيه أن غيره لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى كذلك؛ إذ قال: ((فيما يرويه)): أي في جملة ما يَرْوِي. انتهى ملخصاً. قال الحافظ: والثاني لا ينافي الأول، وهو المعتمد، فقد أخرجه مسلم من طريق جعفر بن سليمان، عن الجعد، ولم يسق لفظه، وأخرجه أبو عوانة من طريق عفّان، وأبو نعيم من طريق قتيبة، كلاهما عن جعفر بلفظ: ((فيما يَروي عن ربه، قال: إن ربكم رَحِيمٌ، مَنْ هَمَّ بحسنة))، وأخرجه البخاريّ في ((كتاب التوحيد)) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: ((عن رسول الله اليه قال: يقول الله ربك: إذا أراد عبدي أن يعمل))، وأخرجه مسلم بنحوه من هذا الوجه، ومن طُرُق أخرى منها: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((قال الله رَتْ: إذا هَمَّ عبدي))(١). (قَالَ: ((إِنَّ اللهَ) وَى (كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، يَحْتَمِلُ أن يكون هذا من قول الله تعالى، فيكون التقدير: قال الله: إن الله كَتَبَ، ويَحْتَمِلُ أن يكون من كلام النبيّ وَّه يحكيه عن فعل الله تعالى، وفاعل: ((ثُمّ بَيَّنَ ذلك)) هو الله تعالى، وقوله: ((فمَنَ هَمَّ)) شرحٌ لذلك، قاله في ((الفتح)). (ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ) أي فَصَّله بقوله: ((فَمَنْ هَمَّ))، والمجمل قوله: ((كَتَب الحسنات والسيئات)). وقوله: (كَتَبَ))، قال الطوفيّ: أي أمر الحفَظَة أن تكتب، أو المراد: قَدَّر ذلك في علمه، على وفق الواقع منها، وقال غيره: المراد: قَدَّر ذلك، وعَرَّفَ الْكَتَبَةَ من الملائكة ذلك التقدير، فلا يحتاج إلى الاستفسار في كل وقت عن كيفية الكتابة؛ لكونه أمراً مفروغاً منه. انتهى. قال الحافظ: وقد يَعْكُرُ على ذلك ما أخرجه مسلم من طريق هَمّام، عن أبي هريرة مع الله رفعه، قال: ((قالت الملائكة: رَبِّ ذاك عبدك، يريد أن يَعمَل (١) المصدر السابق. ٥٩٤ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان سيئةً، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عَمِلها فاكتبوها))، فهذا ظاهره وقوع المراجعة، لكن ذلك مخصوص بإرادة عمل السيئة. ويحتمل أن يكون ذلك وقع في ابتداء الأمر، فلما حَصَلَ الجواب استقر ذلك، فلا يحتاج إلى المراجعة بعده. قال: وقد وَجَدت عن الشافعيّ ما يوافق ظاهر الخبر، وأن المؤاخذة إنما تقع لمن هَمَّ على الشيء، فَشَرَع فيه، لا مَن هَمَّ به، ولم يتصل به العمل، فقال في ((صلاة الخوف)) لَمّا ذَكَر العمل الذي يُبطلها ما حاصله: إن مَن أَحْرَم بالصلاة، وقَصَدَ القتال، فَشَرَعَ فيه، بَطَلَت صلاته، ومن تَحَرَّم، وقَصَد إلى العدو لو دَهَمَه دفعه بالقتال لم تبطل. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن معنى ((كتب)): أمر الملائكة بالكتابة؛ لدلالة قوله: ((قالت الملائكة ... إلخ))، وأما ما نقله عن الإمام الشافعيّ في تفريقه بين القصدين، فمحلّ نظر، سيأتي تحقيقه في محلّه، حيث يذكر المصنّف أحاديث صلاة الخوف - إن شاء الله تعالى -. (فَمَنْ هَمَّ) الفاء فيه تفصيليّة؛ لأن قوله: ((كتب الحسنات والسيئات)) مُجمَلٌ، لم يُفهم منه كيفيّة الكتابة، ففصّله بقوله: ((فمن هَمَّ ... إلخ))، قاله الطيبيّ(١). وقوله: (فَمَنْ هَمَّ) وكذا في رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة الماضية، وفي رواية الأعرج عند البخاريّ في (كتاب التوحيد)): ((إذا أراد))، وهما بمعنى واحد، وقد مضى من رواية همّام بن منبه، عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا تَحَدَّثَ))، وهو محمول على حديث النفس؛ لتوافق الروايات الأخرى. ويحتمل أن يكون على ظاهره، ولكن ليس قيداً في كتابة الحسنة، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة. نعم، ورد ما يدُلُّ على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث خُرَيم بن فاتك، رفعه: ((ومن هَمّ بحسنةٍ، يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه، وحَرَصَ عليها))(٢) . (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٦٧/٦. (٢) هو: ما أخرجه أحمد في ((مسنده)) رقم (١٨٢٦٠)، فقال: ٥٩٥ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥) وقد تمسك به الإمام ابن حبان، فقال بعد إيراد حديث أبي هريرة نظ به الماضي في ((صحيحه)): قوله جلّ وعلا: ((إذا همّ عبدي)) أراد به إذا عزم، فسمّى العزم همّاً؛ لأن العزم نهاية الهمّ، والعرب في لغتها تُطلق اسم البداءة على النهاية، واسم النهاية على البداءة؛ لأن الهمّ لا يُكتب على المرء؛ لأنه خاطرٌ، لا حُكْمَ له. قال: ويحتمل أن يكون الله يكتب لمن همّ بالحسنة الحسنةَ، وإن لم يَعْزِم عليها، ولا عملها؛ لفضل الإسلام، فتوفيق الله تعالى العبدَ للإسلام فضلٌ تفضّل به عليه، وكتابته ما همّ به من الحسنات، ولَمّا يعملها فضلٌ، وكتابته ما همّ به من السيّئات، ولَمّا يعملها أو كتبها لكان عدلاً، وفضله قد سَبَقَ عدلَهُ، كما أن رحمته سبقت غضبه، فمن فضله، ورحمته ما لم يُكتب على صبيان المسلمين ما يعملون من سيئة قبل البلوغ، وكتب لهم ما يعملونه من حسنة، كذلك هذا ولا فرق. انتهى كلام ابن حبّان(١). (بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا) يتناول نفي عمل الجوارح، وأما عَمَلُ القلب، حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكَين بن = الرَّبِيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَمِيلة، عن خُرَيم بن فاتك الأسديّ، أن النبيّ ◌َ﴿ قال: ((الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس: مُوَسَّعٌ عليه في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا، مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا، موسع عليه في الآخرة، وشَقِيٍّ في الدنيا والآخرة، والأعمال: موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلماً مؤمناً، لا يشرك بالله شيئاً، فوجبت له الجنة، ومن مات كافراً، وجبت له النار، ومن همّ بحسنة، فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها، كُتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة، لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبعمائة ضعف)). وهو حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، وفلان بن عَمِيلة، هو يُسير بن عَمِيلة، كما صرّح به ابن حبّان في ((صحيحه)) ٥٠٤/١٠ رقم (٤٦٤٧)، وهو ثقة من الطبقة الثالثة، كما في ((التقريب)) ص٣٨٦. (١) راجع: ((الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان)) ٢/ ١٠٧. ٥٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فيحتمل نفيه أيضاً، إن كانت الحسنة تكتب بمجرد الهمّ، كما في معظم الأحاديث، لا إن قُيِّدت بالتصميم، كما في حديث خُرَيم ◌َظُله، ويؤيد الأول حديث أبي ذرّ ◌َُّه عند المصنّف أنّ الكفّ عن الشر صدقة(١). (كَتَبَهَا اللهُ) زاد في رواية البخاريّ: ((له)) أي للذي هَمّ بالحسنة، ومعنى: ((كتبها الله)): أي أمر الْحَفَظَةَ بكتابتها، بدليل ما سبق في حديث أبي هريرة . نه بلفظ: ((إذا هَمَّ عبدي بسيئة، فلا تكتبوها علیه)). (عِنْدَهُ) أي عند الله تعالى (حَسَنَةً) مفعول ثان لـ((كتبها))، بمعنى صيّرها(٢) (كَامِلَةً) كذا ثبت في حديث ابن عباس ظُه دون حديث أبي هريرة ◌َظُبه وغيره وَصْفُ الحسنة بكونها كاملةً، وكذا قوله: ((عنده))، وفيهما نوعان من التأكيد، فأما العندية فإشارة إلى الشرف، وأما الكمال فإشارة إلى رفع توهم نقصها؛ لكونها نشأت عن الهمّ المجرد، فكأنه قيل: بل هي كاملةٌ، لا نقص فيها. وقال النووي في ((أربعينه)): فانظر يا أخي - وفّقني الله وإياك - إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ،، وقوله: ((عنده)) إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: ((كاملةً)) للتأكيد، وشدّة الاعتناء بها، وقال في السيئة التي هَمّ بها، ثم تركها: ((كتبها الله عنده حسنةً كاملةً))، فأكّدها بـ((كاملةً))، وإن عملها كتبها سيئةً واحدةً))، فأَّد تقليلها بـ(واحدةً))، ولم يؤكّدها بـ«كاملةً))، فلله الحمد والمنّة، لا نُحصي ثناءً عليه، وبالله التوفيق(٣). وقال الطيبيّ: إنما جوزي من هَمّ بسيّئة، ولم يعملها بحسنة كاملة؛ لأنه خاف مقام ربّه، ونَهَى النفس عن الهوى. انتهى (٤). (١) هو ما تقدّم للمصنّف برقم (٨٤) من حديث أبي ذرّ رُه قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله، والجهاد في سبيله))، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: ((أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً))، قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق))، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تَكُفُّ شرّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك)» . (٢) ((الكاشف)) ١٨٦٧/٦. (٤) ((الكاشف)» ١٨٦٧/٦. (٣) ((الأربعين)) للنوويّ ص٧٨. ٥٩٧ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِيَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥) وقال الطوفيّ: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير من عمل القلب. واستُشكِل بأنه إذا كان كذلك، فكيف لا تضاعف؟ لعموم قوله: ﴿مَن جَّةَ بِالَْنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟. وأُجيب بحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على الهمّ المجرد. واستُشكِل أيضاً بأن عمل القلب إذا اعتُبِرَ في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة؟. وأُجِيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهمُّ بها يُكَفِّرها؛ لأنه قد نَسَخَ قصدَهُ السيئة، وخالف هواه. ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيّاً مع بقاء قصد الذي هَمَّ بفعل الحسنة، فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها نَدَم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هَمَّ مِن قِبَل نفسه، فهي دون ذلك، إلا إن قارنها قصدُ الإعراض عنها جملةً، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وَقَعَ العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلاً، فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا تُكْتَب له حسنة أصلاً، وأما ما قبله فعلى الاحتمال. (وَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالحسنة (فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ رَّت) زاد البخاريّ: (له)) (عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ) قال الحافظ: يؤخذ منه رفعُ توهم أن حسنةَ الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف، فتكون الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان عند مسلم، ولفظه: ((فإن عملها، كُتبت له عشر أمثالها)»، وكذا في حديث أبي هريرة رظُه، وفي بعض طرقه احتمال، ورواية عبد الوارث في الباب ظاهرة فيما قلته، وهو المعتمد. انتهى كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا الحافظ في ((الفتح)) رواية جعفر بن سليمان إلى مسلم، وأنه ساق بلفظ: ((فإن عملها كتبت له عشر أمثالها»، وليس كذلك، فإن مسلماً إنما أخرج سند جعفر بن سليمان، وأحال متنه على متن عبد الوارث، فقال: ((بمعنى حديث عبد الوارث، وزاد: ٥٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ومحاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك))، وإنما الذي ساق لفظ جعفر هو الحافظ أبو نعيم في ((مستخرجه))(١)، كما سيأتي قريباً، وفيه: ((فإن عملها كتبت له عشر أمثالها)»، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال ابن عبد السلام في ((أماليه)): معنى الحديث: إذا هَمّ بحسنة، كُتبت له حسنة، فإن عملها كُمِّلت له عشرةً؛ لأنا نأخذ بقيد كونها قد هَمّ بها، وكذا السيئة إذا عملها لا تكتب واحدةً للهمّ، وأخرى للعمل، بل تكتب واحدة فقط . قال الحافظ: الثاني صريح في حديث هذا الباب، وهو مقتضى كونها في جميع الطرق لا تُكتب بمجرد الهمّ، وأما حسنةُ الهمّ بالحسنة فالاحتمال قائم. وقوله: ((بقيد كونها قد هَمَّ بها)) يَعكُر عليه مَن عَمِلَ حسنة بغتة، من غير أن يَسْبِقِ له أنه هَمَّ بها، فإن قضية كلامه أنه يُكتب له تسعةً، وهو خلاف ظاهر الآية: ﴿مَنْ جَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾، فإنه يتناول مَن هَمَّ بها، ومن لم يَهُمَّ . والتحقيق أن حسنةَ مَن هَمّ بها تَندَرج في العمل في عشرة العمل، لكن تكون حسنةُ مَن هَمَّ بها أعظم قدراً ممن لم يَهُمَّ بها، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم. (إِلَى سَبْعِمَائَةٍ ضِعْفٍ) ((الضِّعْفُ)) في اللغة: الْمِثْلُ، والتحقيق: أنه اسم يقع على العدد، بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضعف العشرة، فُهِمَ أنّ المراد عشرون، ومن ذلك لو أَقَرَّ بأن له عندي ضعف درهم، لزمه درهمان، أو ضعفي درهم لزمه ثلاثة. (إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ) قال في «الفتح»: لم يقع في شيء من طُرُق حديث أبي هريرة رَظُبه: ((إلى أضعاف كثيرة)) إلا في حديثه في ((الصيام))، فإن في بعض طرقه عند مسلم: ((إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا الحافظ إلى المصنّف بزيادة لفظ: ((إلى ما شاء الله))، ولم أر هذه الزيادة في حديث أبي هريرة ظُه عنده (١) راجع: ((مستخرج أبي نُعيم)) ١٩٩/١ رقم (٣٣٨). ٥٩٩ (٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٥) في (كتاب الصيام))، ولا في ((مستخرج أبي نعيم))، ولا في ((مسند أبي عوانة)) الذي هو مستخرج على ((صحيح مسلم))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. قال: وله من حديث أبي ذرّ رَُّه رفعه: ((يقول الله: مَن عَمِل حسنة، فله عشر أمثالها، وأزيد))(١)، - وهو بفتح الهمزة، وكسر الزاي - وهذا يدل على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه، بحسب الزيادة في الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدِّي النفع، كالصدقة الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة، وشَرَف العمل، ونحو ذلك. وقد قيل: إن العمل الذي يُضاعَف إلى سبعمائة خاص بالنفقة في سبيل الله، وتمسّك قائله بما في حديث خُرَيم بن فاتك ظ ◌ُبه عند أحمد، وغيره، رفعه: ((مَن هَمّ بحسنة، فلم يعملها ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ((ومَن عَمِل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبعمائة ضعف)). وتُعُقِّب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف الى سبعمائة، وليس فيه نَفْيُ ذلك عن غيرها صريحاً. ويدلُّ على التعميم حديث أبي هريرة رُّ الآتي في ((كتاب الصيام)): ((كلُّ عَمَل ابن آدم يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف ... )) الحدیث . واختُلِفَ في قوله تعالى: ﴿وَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾، هل المراد المضاعفة إلى سبعمائة فقط، أو زيادة على ذلك؟، فالأول هو المحقّق من سياق الآية، والثاني مُحْتَمِلٌ، ويؤيد الجوازَ سعةُ الفضل، قاله في ((الفتح))(٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (١) هو ما سيأتي للمصنّف في ((كتاب الذكر والدعاء))، برقم (٢٦٨٧) من حديث أبي ذر رَظُ به قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله وم: من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها، وأَزِيدُ، ومن جاء بالسيئة، فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرّب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً، تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولةً، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئةً، لا يشرك بي شيئاً، لقيته بمثلها مغفرة)). (٢) ((الفتح)) ٣٣٣/١١ - ٣٣٤. ٦٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) المراد بالكمال عِظَم القدر، كما تقدم، لا التضعيف إلى العشرة، ولم يقع التقييد بـ((كاملةً)) في طرق حديث أبي هريرة ﴿ه، وظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، لكنه قيّده في حديث الأعرج، عن أبي هريرة رضيُه كما سبق في حديثه الماضي: ((وإن تركها، فاكتبوها له حسنةً؛ إنما تركها من جَرّاي))، ولفظ البخاريّ في ((التوحيد)): ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي، فاكتبوها له حسنة)). ونَقَلَ القاضي عياض عن بعض العلماء أنه حمل حديث ابن عباس على عمومه، ثم صَوّب حملَ مطلقه على ما قُيِّد في حديث أبي هريرة قال الحافظ: ويحتمل أن تكون حسنةُ مَن ترك بغير استحضار ما قُيِّد به دون حسنة الآخر؛ لما تقدم أن ترك المعصية كَفّ عن الشرّ، والكفّ عن الشرّ خير، ويحتمل أيضاً أن يُكْتَب لمن هَمّ بالمعصية، ثم تركها حسنةٌ مجردةٌ، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه، كتبت حسنةً مضاعفةً. وقال الخطابيّ: محلُّ كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قَدَرَ على الفعل، ثم تركه؛ لأن الإنسان لا يُسَمَّى تاركاً إلا مع القدرة، ويدخل فيه مَن حال بينه وبين حرصه على الفعل مانعٌ، كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلاً، فيجد الباب مغلقاً، ويتعسر فتحه، ومثله من تَمَكّن من الزنا مثلاً، فلم ينتشر ذكره، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلاً. ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري و ما قد يعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وصححه، بلفظ: ((إنما الدنيا لأربعة ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ((وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً، فهو يعمل في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يَرَى لله فيه حقّاً، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالاً، ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء)). فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فَيُحمل حديث الباب على مَنْ هَمّ بالمعصية هَمّاً مُجَرَّداً من غير تصميم، وحديث أبي كبشة رَظُه على مَن صمم على ذلك، وأصَرَّ عليه، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة