Indexed OCR Text

Pages 561-580

(٦١) - بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ مَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٨)
٥٦١
الْحَجّاج العراق في ولاية عبد الملك، وقال العجليّ: بصريّ ثقةُ، رجل صالح،
وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبي: هل سمع زرارة من ابن سلام؟ قال: ما أراه،
ولكن يُدخَل في المسند، وقد سمع من عمران، وأبي هريرة، وابن عباس طيه.
وقال أبو جَنَابِ القَصّاب: صلى بنا زُرارة الفجرَ، ولَمّا بَلَغَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ
النَّقُورِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَ عَسِيرُ جَ﴾ [المدثر: ٨، ٩] شَهِقَ شَهْقَةً، فمات، وقال
ابن سعد: مات فَجْأَةً سنة (٩٣)، وكان ثقةً، وله أحاديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن عُبيد، فتفرّد
به هو، وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن زرارة.
٤ - (ومنها): أن زُرارة، وسعيد بن منصور هذا أول محلّ ذكرهما في
هذا الكتاب، وقد ذكرت آنفاً عدد ما رواه المصنّف لهما من الأحاديث، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْنَى) ووقع عند البخاريّ في ((الأيمان والنذور)): ((حدّثنا
زُرارة بن أوفى))، فصرّح قتادة بالتحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال الحافظ: لم أقف
على التصريح بسماع زُرارة لهذا الحديث من أبي هريرة، لكنه لم يوصف
بالتدليس، فيُحمَل على السماع، وذكر الإسماعيليّ أن الفُرَات بن خالد أدخل
بين زرارة، وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلاً من بني عامر، وهو خطأٌ،
فإن زُرَارة من بني عامر، فكأنه كان فيه: ((عن زرارة، رجلٍ من بني عامر)) فظنّه
آخر أُبهم، وليس كذلك. انتهى(١).
(١) ((فتح)) ٥٦٠/١١ ((كتاب الأيمان والنذور)) رقم الحديث (٦٦٦٤).

٥٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي) وفي رواية للبخاريّ من
طريق هشام الدستوائيّ عن قتادة: ((تجاوز عن أمتي)) (مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) وفي
رواية سعيد بن أبي عروبة التالية: ((عما حدّثت به أنفسها))، وفي رواية
للبخاريّ: ((عما وسوست، أو حدَّثت به أنفسها)) بالتردّد، قال في ((القاموس)):
تجاوز عن ذنبه)): لم يؤاخذه به. انتهى. فالفعل يتعدّى بحرف الجرّ، كما جاء
في رواية ابن أبي عروبة.
قال القرطبيّ: روايتنا: نصب ((أنفسها)) على أنه مفعول ((حَدَّثَت))، وفي
((حَدَّثَت)) ضمير فاعل عائدٌ على الأمّة، وأهل اللغة يقولون: ((أنفُسُها)) بالرفع
على أنه فاعل ((حَدَّثَت))، يريدون بغير اختيار، قاله الطحاويّ. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((أنفُسَها)) بالنصب للأكثر، وبالرفع لبعضهم، وقال
النوويّ: ضبط العلماء ((أنفسها)) بالنصب، والرفع، وهما ظاهران، إلا أن
النصب أظهر، وأشهر، قال القاضي عياض: ((أنفسها)) بالنصب، ويدلّ عليه
قوله: ((إن أحدنا يُحدّث نفسه ... ))، قال: قال الطحاويّ: وأهل اللغة يقولون:
((أنفسُها)) بالرفع، يريدون بغير اختيارها، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ،
نَفْسٌُ﴾ [قَ: ١٦]، والله تعالى أعلم (٢).
وقال السنديّ: قوله: ((حدّثت به أنفسها)) يحتمل الرفع على الفاعليّة،
والنصب على المفعوليّة، والثاني أظهر معنىً، والأول يُجعل كنايةً عما لم
تحدّث به ألسنتهم. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما ذُكر أن الرفع والنصب
سائغان، يقال: حدّثت نفسي بكذا، وحدّثتني نفسي بكذا، والله تعالى أعلم.
(مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ)) الجارّ والمجرور تنازعهما الفعلان: أي
ما لم يتكلّموا به، أو يعملوا به، وفي رواية سعيد التالية: ((ما لم تعمل، أو
تکلّم به)).
(١) ((المفهم)) ٣٤٠/١.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٤٧/٢ ((كتاب الإيمان)).
(٣) ((شرح السنديّ)) ٦/ ١٥٧.

(٦١) - بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ نَ﴿ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٨)
٥٦٣
و((ما)) مصدريّة ظرفيّة: أي مدّة عدم التكلّم به، أو مدّة عدم العمل به.
والمقصود به ما لم يتحقّق في الخارج؛ لأن ما حدّثت به النفس إما أن
يتحقّق في الخارج باللسان، كالغيبة، والنميمة، والكذب، والقذف، وإما أن
يتحقّق في الخارج بالجوارح الأخرى، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر،
والقتل، وليس المقصود من قوله: ((ما لم يتكلّموا)) ما لم يَحْكُوه، فإن الشخص
إذا قال: حدّثتني نفسي بكذا، فحاربتها، لا يكون متكلّماً بما حدّثته نفسه،
ولكنه متكلّم عنه، فلا يدخل في المؤاخذة.
وقال الكرمانيّ: فيه أن الوجود الذهنيّ لا أثر له، وإنما الاعتبار بالوجود
القوليّ في القوليّات، والعمليّ في العمليّات، وقد احتجّ به من لا يرى
المؤاخذة بما وقع في النفس، ولو عزم عليه، وانفصل من قال: يؤاخذ بالعزم
بأنه نوع من العمل - يعني عمل القلب -.
وقال في ((الفتح)): وظاهر الحديث أن المراد بالعمل عمل الجوارح؛ لأن
المفهوم من لفظ: ((ما لم يعملوا)) يُشعر بأن كلّ شيء في الصدر لا يؤاخذ به،
سواء توطّن به، أم لم يتوطّن. انتهى(١).
وقال السنديّ: وقوله: ((ما لم يتكلّموا به، أو يعملوا به)) صريحٌ في أنه
مغفور ما دام لم يتعلّق به قولٌ، أو فعل، فقولهم: إذا صار عزماً يؤاخذ به
مخالفٌ لذلك قطعاً.
ثم حاصل الحديث أن العبد لا يؤاخذ بحديث النفس قبل التكلّم به،
والعمل به، وهذا لا ينافي ثبوت الثواب على حديث النفس أصلاً، فمن قال:
إنه مُعَارَض بحديث: ((مَن همّ بحسنة، فلم يعملها، كُتبت له حسنة))، فقد وَهِم.
بقي الكلام في اعتقاد الكفر، ونحوه، والجواب أنه ليس من حديث
النفس، بل هو مندرجٌ في العمل، وعملُ كلّ شيء على حسبه، ونقول: الكلام
فيما يتعلّق به تكلّمٌ، أو عملٌ، بقرينة ((ما لم يتكلّموا ... إلخ))، وهذا ليس
منهما، وإنما هو من أفعال القلب، وعقائده، لا كلام فيه، فليتأمّل، والله تعالى
أعلم. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ١١ /٥٦٠.
(٢) ((شرح السنديّ)) ٦/ ١٥٧ - ١٥٨.

٥٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٣٨/٦١ و٣٣٩ و٣٤٠] (١٢٧)،
و(البخاريّ) في ((العتق)) (٢٥٢٨)، و((الطلاق)) (٥٢٦٩)، و((الأيمان والنذور))
(٦٦٦٤)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢٢٠٩)، و(الترمذيّ) في ((الطلاق))
(١١٨٣)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (٣٤٦٠ و٣٤٦١ و٣٤٦٢)، وفي ((الكبرى))
(٥٦٢٦ و٥٦٢٧ و٥٦٢٨)، و(ابن ماجه) في ((الطلاق)) (٢٠٤٠)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٩١/١ و٢٥٥/٢
و٣٩٣ و٤٢٥ و٤٧٤ و٤٨١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٤ و٢٢٥ و٢٢٦)،
و(أبو نُعيم) في (مستخرجه)) (٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٩٨/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن حديث النفس لا ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة
في إيراده هنا .
٢ - (ومنها): بيانُ عظيم قدر الأمة المحمّدية؛ لأجل نبيّها وَّه؛ لقوله:
((تجاوز لي)).
٣ - (ومنها): أن هذا خصوصيّة لهذه الأمة، لا يُشاركها فيه غيرها من
الأمم، بل صرّح بعضهم بأنه كان الناسي كالعامد في الإثم، وأن ذلك من
الإصر الذي كان على من قبلنا، وتؤيّده أحاديث الباب الماضي.
٤ - (ومنها): أن من طلّق زوجته في نفسه لا يقع طلاقها .
٥ - (ومنها): أنه حجة في أن الموسوس لا يقع طلاقه، والمعتوه،
والمجنون أولى منه بذلك.

(٦١) - بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ فَلَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٨)
٥٦٥
٦ - (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ بهذا الحديث للجمهور فيمن قال لا مرأته:
أنت طالقٌ، ونوى في نفسه ثلاثاً أنه لا يقع إلا واحدةً - خلافاً للشافعيّ، ومن
وافقه - قال: لأن الخبر دلّ على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنيّة، لا لفظ معها .
وتُعُقّب بأنه لفظ بالطلاق، ونوى الفرقة التامّة، فهي نيّةٌ صحبها لفظٌ.
٧ - (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ به أيضاً لمن قال فيمن قال لامرأته: يا
فلانة، ونوى بذلك طلاقها إنها لا تطلّق، خلافاً لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا
يقع بالنيّة، دون اللفظ، ولم يأت بصيغة، لا صريحة، ولا كناية.
٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن من كتب الطلاق طلّقت امرأته؛ لأنه
عزم بقلبه، وعمل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرط مالكٌ فيه الإشهاد على
ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)) نقلاً عن المازريّ: ذهب ابن
الباقلانيّ - يعني ومن تبعه ـ إلى أن من عزم على المعصية بقلبه، ووَطّن عليها
نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن همّ بسيّئة، ولم يعملها
على الخاطر الذي يمرّ بالقلب، ولا يستقرّ.
قال المازريّ: وخالفه كثير من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ونقل
عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم، من
طريق همّام عنه بلفظ: ((فأنا أغفرها له ما لم يعملها))، فإن الظاهر أن المراد
بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم بها .
وتعقّبه عياض بأن عامّة السلف، وأهل العلم على ما قال ابن الباقلانيّ؛
لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنّهم قالوا: إن العزم على السيّئة
يُكتب سيّئةً مجرّدة، لا السيّئة التي همّ أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية،
ثم لا يفعلها بعد حصولها، فإنه يأثم بالأمر المذكور، لا بالمعصية.
ومما يدلّ على ذلك حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل
والمقتول في النار))، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان
حريصاً على قتل صاحبه)). والذي يظهر أنه من هذا الجنس، وهو أنه يُعاقب
على عزمه بمقدار ما يستحقّه، ولا يُعاقب عقاب من باشر القتل حسّاً.
وهنا قسم آخر، وهو من فعل المعصية، ولم يتب منها، ثمّ همّ أن يعود

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إليها، فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك، وغيره في تفسير
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾، ويؤيّده أن الإصرار معصيةٌ اتفاقاً، فمن
عزم على المعصية، وصمّم عليها كتبت عليه سيّئةً، فإذا عملها كُتبت عليه
معصيةً ثانيةً.
قال النوويّ: وهذا ظاهرٌ حسنٌ، لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة
بالمؤاخذة على عزم القلب المستقرّ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾
[النور: ١٩] الآية، وقوله: ﴿أَجْتِبُواْ كَثِيرًا مِنَ النَِّنِ﴾ [الحجرات: ١٢]، وغير ذلك.
وقال ابن الجوزيّ: إذا حدّث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم،
وصمّم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب، قال: والدليل على
التفريق بين الهمّ والعزم أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطره أن يقطعها لم
تنقطع، فإن صمّم على قطعها بطلت.
وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلّة
بالمعصية، لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة، إذا لم
يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وبين ما هو بالوسيلة.
وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقساماً يظهر منها الجواب عن الثاني،
أضعفها أن يخطر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفوّ
عنه، وهو دون التردّد.
وفوقه أن يتردّد فيه، فيهمّ به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهمّ به، ثم يترك
كذلك، ولا يستمرّ على قصده، وهذا هو التردّد، فيُعفى عنه أيضاً.
وفوقه أن يميل إليه، ولا ينفر منه، بل يُصمّم على فعله، فهذا هو العزم،
وهو منتهى الهمّ، وهو على قسمين:
[القسم الأول]: أن يكون من أعمال القلوب صِرْفاً، كالشكّ في
الوحدانيّة، أو النبوّة، أو البعث، فهذا كفرٌ، ويُعاقب عليه جزماً.
ودونه المعصية التي لا تَصِلُ إلى الكفر، كمن يُحبّ ما يُبغض الله،
ويُبغض ما يُحبّ الله، ويُحبّ للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم.
ويلتحق به الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد، وفي بعض هذا

٥٦٧
(٦١) - بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ تَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٨)
خلاف، فعن الحسن البصريّ: أن سوء الظنّ بالمسلم، وحسده معفوّ عنه،
وحملوه على ما يقع في النفس، مما لا يقدر على دفعه.
لكن من يقع له ذلك مأمورٌ بمجاهدته النفس على تركه.
[القسم الثاني]: أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، فهو
الذي وقع به النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً.
ونُقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده ما وقع في حديث خُريم بن فاتك(١)،
فإنه حيث ذكر الهمّ بالحسنة قال: ((علم الله أنه أشعرها قلبه، وحرص عليها))،
وحيث ذكر الهمّ بالسيّئة لم يقيّد بشيء، بل قال فيه: ((ومن همّ بسيّئة لم تُكتب
عليه))، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمّم، وسأل ابن المبارك
سفيان الثوريّ: أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك.
واستدلّ كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:
٢٢٥]، وحملوا حديث أبي هريرة المذكور في الباب على الخطرات، كما تقدّم.
ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفةٌ: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصّةً،
(١) هو ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح، ولفظه:
١ - حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكَين بن
الرَّبِيع، عن أبيه، عن عمه، فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك الأسدي، أن
النبيِ وَلّ قال: ((الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس موسع عليه في الدنيا
والآخرة، وموسع له في الدنيا، مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا،
موسع عليه في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال: موجبتان، ومثل
بمثل، وعشرة أضعاف، وسبع مائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلماً مؤمناً، لا
يشرك بالله شيئاً، فوجبت له الجنة، ومن مات كافراً، وجبت له النار، ومن همّ
بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص علیها، كُتبت له حسنة،
ومن همّ بسيئة، لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن
عمل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبع
مائة ضعف)).
وعمّ الركين اسمه يُسير بن عميلة، وهو ثقة.

٥٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بنحو الهمّ والغمّ. وقالت طائفة: بل يُعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا
بالعذاب.
وهذا قول ابن جُريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونُسب ذلك إلى ابن
عبّاس أيضاً. واستدلوا بحديث النجوى(١)، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم
مؤاخذة من وقع منه الهمّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكيّ، ولو لم يُصمّم؛
لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]،
ذكره السدّيّ في ((تفسيره)) عن مرّة، عن ابن مسعود رَظُه، وأخرجه أحمد من
طريقه، مرفوعاً، ومنهم من رجّحه موقوفاً .
ويؤيّد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه،
خالف الواجب بانتهاك حرمته.
وتُعُقّب هذا البحثُ بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن
همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذه بما دونه؟.
ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك
حرمة الله؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشدّ
من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى.
نعم، من همّ بالمعصية، قاصداً الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ
بمعصية الله، قاصداً الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفوّ عنه من همّ بمعصية،
ذاهلاً عن قصد الاستخفاف.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا تفصيلٌ جيدٌ جدّاً، ينبغي أن يُستحضر
عند شرح حديث: ((لا يزني الزاني، وهو مؤمن ... )).
(١) هو ما أخرجه البخاريّ تَّلُ تعالى في ((كتاب الأدب)) من ((صحيحه))، ولفظه:
حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، أن رجلاً سأل
ابن عمر: كيف سمعت رسول الله وَلجر، يقول في النجوى؟ قال: ((يدنو أحدكم من
بربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا؟، فيقول: نعم، ويقول:
عملت كذا وكذا؟، فيقول: نعم، فيُقَرِّره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا،
فأنا أغفرها لك اليوم)).

٥٦٩
(٦١) - بَابُ بَيَّانِ تَجَاوُزِ اللهِ ثَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٨)
وقال السبكيّ الكبير رحمه الله تعالى: الهاجس لا يؤاخذ به إجماعاً،
والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس، وحديث النفس لا يؤاخذ بهما؛ للحديث
المشار إليه، والهمّ، وهو قصد فعل المعصية مع التردّد لا يؤاخذ به؛ لحديث
الباب، والعزم، وهو قوّة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردّد، قال
المحقّقون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجّ بقول أهل اللغة: همّ
بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلّة الأول حديث: ((إذا التقى
المسلمان بسيفيهما ... )) وفيه: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)»، فعلّل
بالحرص.
واحتجّ بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين:
[أحدهما]: لا يتعلّق بفعل خارجيّ، وليس البحث فيه.
[والثاني]: يتعلّق بالمقتتلين، عزم كلّ منهما على قتل صاحبه، واقترن
بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا
الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل، أم لا. انتهى.
قال الحافظ: ولا يلزم من قوله: ((فالقاتل والمقتول في النار)) أن يكونا
في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق(١).
وقال القرطبيّ ما حاصله: إن الذي لا يؤاخذ به هي الأحاديث الطارئة
التي لا ثبات لها، ولا استقرار في النفس، ولا ركون إليها، ثم نقل عن
القاضي أبي بكر(٢) أن الهمّ ها هنا ما يمرّ بالفكر من غير استقرار، ولا توطين،
فلو استمرّ، ووطّن نفسه عليه لكان ذلك هو العزم المؤاخَذَ به، أو المثابَ
عليه، بدليل قوله وَّله: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في
النار))، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً
على قتل صاحبه))، متّفقٌ عليه، لا يقال: هذه المؤاخذة إنما كانت لأنه قد عَمِل
بما استقرّ في قلبه من حمله السلاح عليه، لا بمجرّد حرص القلب؛ لأنا نقول:
هذا فاسدٌ؛ لأنه وَلّ قد نصّ على ما وقعت المؤاخذة به، وأعرض عن غيره،
فقال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه، فلو كان حملُ السلاح هو العلّة
(١) ((فتح)) ١٢٤/١٣ - ١٢٧.
(٢) أراد به القاضي أبا بكر الباقلانيّ.

٥٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
للمؤاخذة، أو جزأها لما سكت عنه، وعلَّق المؤاخذة على غيره؛ لأن ذلك
خلاف البيان الواجب عند الحاجة إليه.
وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامّة السلف، وأهل العلم
من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ولا يُلتَفت إلى من خالفهم في ذلك،
فزعم أن ما يَهُمُّ به الإنسانُ، وإن وطّن نفسه عليه لا يؤاخذ به، متمسّكاً في
ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله وَّ: ((ما لم
يعمل، أو يتكلّم به))، ومن لم يعمل بما عَزَم عليه، ولا نَطَقَ به، فلا يؤاخذ
به، وهو متجاوزٌ عنه.
والجواب عن الآية: أن من الهمّ ما يؤاخذ به، وهو ما استقرّ،
واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقرّ، فلا يؤاخذ بها، كما شهد به
الحديث، وما في الآية من القسم الثاني، لا الأول، وفي الآية تأويلات، هذا
أحدها، وبه يحصل الانفصال.
وعن قوله: ((ما لم يَعمل)) أن توطين النفس عليه عملٌ يؤاخذ به، والذي
يرفع الإشكال، ويُبيّن المراد بهذا الحديث حديث أبي كبشة الأنماريّ(١) أنه
سمع رسول الله ولا يقول: ((إنما الدنيا لأربعة نفر ... )) الحديث(٢).
(١) اختلف في اسمه قيل: هو سعد بن عمرو، وقيل: عمرو بن سعد، وقيل: عُمَر، أو
عامر بن سعد، صحابيّ نزل الشام، وجزم الترمذيّ في ((الجامع)) بأن اسمه عُمَر بن
سَعْد، قاله فى ((تهذيب التهذيب)) ٤/ ٥٧٦.
(٢) حديث صحيح. أخرجه الإمام أحمد في «مسنده)) (١٧٥٧٠)، والترمذيّ في
((جامعه)) (٢٢٤٧)، عن سعيد أبي الْبَخْتريّ الطائيّ، عن أبي كبشة الأنماريّ ◌َظّ
قال: سمعت رسول الله رَ﴿ يقول: ((ثلاث أُقسم عليهنّ، وأحدثكم حديثاً
فاحفظوه، قال: فأما الثلاث الذي أُقسم عليهنّ، فإنه ما نَقَصَ مال عبد صدقةٌ، ولا
ظُلِم عبد بمظلمة، فيصبر عليها إلا زاده الله وَك بها عزّاً، ولا يفتح عبد باب
مسألة، إلا فَتَحَ الله له باب فقر))، وأما الذي أحدثكم حديثاً، فاحفظوه، فإنه قال:
((إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله رَّك مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويَصِلُ
فيه رَحِمه، ويعلم الله رَ فيه حقّه، قال: فهذا بأفضل المنازل، قال: وعبد
رزقه الله وم علماً، ولم يرزقه مالاً، قال: فهو يقول: لو كان لي مالٌ عملت =

٥٧١
(٦١) - بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ مَلَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٨)
انتهى كلام القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم أن الأرجح في هذه
المسألة أن ما يخطر في القلب على قسمين:
[أحدهما]: الهواجس التي لا تستقرّ، فهي التي لا مؤاخذة بها، وهي
المرادة بحديث الباب: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها))، وعليه
محمل آية قصّة يوسف، فإنه من هذا القبيل.
[والثاني]: ما يستقرّ في النفس، ويعزم به الإنسان، ويوطّن عليه نفسه،
فهذا القسم يؤاخذ به؛ لأنه عمل القلب، فيشمله قوله وقالله: ((ما لم تعمل))، فإنه
إذا عزم، ووطّن نفسه عليه، فهذا عمل القلب، ومنه حديث: ((فإنه كان حريصاً
على قتل صاحبه))، فهذا التفصيل هو الذي به تجتمع الأدلّة المختلفة في هذا
الباب.
وحاصله أن مجرّد الهواجس لا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ بالعزم، والهمّ
القويّ، والحرص على تنفيذ ما همّ به، وكذلك أفعال القلوب التي لا خارج
لها، مثل الحسد، وسوء الظنّ، والحقد، ونحو ذلك، فإنه يؤاخذ بها أيضاً؛
فقد تظاهرت نصوص الشرع الكثيرة على المؤاخذة بعزم القلب المستقرّ، ومن
ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] الآية، وقوله تعالى: ﴿أَجْتَفُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الَّنِ إِذْرٌ﴾.
[الحجرات: ١٢]، والآيات والأخبار في هذا كثيرة، وتظاهرت نصوص الشرع،
وإجماع العلماء على تحريم الحسد، واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه بهم،
وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
= بعمل فلان، قال: فأجرهما سواء، قال: وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً،
فهو يَخبِط في ماله، بغير علم، لا يتقي فيه ربه رَّلْ، ولا يَصِل فيه رحمه، ولا
يعلم الله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، قال: وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً،
فهو يقول: لو كان لي مال لعملت بعمل فلان، قال: هي نيته فوزرهما فيه سواء)).
(١) ((المفهم)) ٣٤٠/١ - ٣٤١.

٥٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٣٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدٍِّ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(إِنَّ اللهَ وَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرّقّة، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ،
ثقة حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (عبدة بن سليمان) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه
عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زُرَارة بن عبد الرحمن بن صُرَد بن سُمَير بن
مليل بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، أدرك صُرَد الإسلامَ، وأسلم، ثقة ثبتٌ [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصم
الأحول، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وأبي إسحاق، وطلحة بن
يحيى بن طلحة، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، والثوري، وعبد العزيز بن
عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى
الرازي، وعمرو الناقد، وأبو الشعثاء علي بن الحسن، ومحمد بن سلام
البيكندي، وأبو كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وهناد بن
السري، وأبو سعيد الأشج، وإبراهيم بن مُجَشّر، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وزيادة، مع صلاح في بدنه، وكان

٥٧٣
(٦١) - بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ ثَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٠)
شديد الفقر. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أبو أسامة أحب إليك، أو
عبدة بن سليمان؟ قال: ما منهما إلا ثقة. وقال العجلي: ثقة رجل صالح،
صاحب قرآن يُقْرِئ. وقال الميموني عن أحمد: قدمت الكوفة سنة (١٨٨) وقد
مات عبدة سنة سبع وثمانين ومائة قبل قدومي بسنة. وقال ابن سعد: كان ثقة،
مات في رجب سنة (١٨٨)، وكذا أرخه ابن نمير، لكنه قال: في جمادى الثانية.
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مستقيم الحديث جدّاً، مات في رجب سنة
(١٨٧). وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي وأبو زرعة، عن عبدة، ويونس بن بكير،
وسلمة بن الفضل، أيهم أحب إليكم في ابن إسحاق؟ فقالا : عبدة بن سليمان.
وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، مسلم صدوق.
وقال الدار قطني: ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثاً .
٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، يدلّس، وتغير بآخره [٦] (ت١٥٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٦ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار، بُندار العبديّ، أبو بكر البصريّ،
ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٧ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه،
أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله ((تتكلّم))، فحُذفت منه
إحدى التاءين، كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿فَزَُّ الْمَلَبِكَةُ﴾
[القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
فِيهِ عَلَى تَا كَـ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الذي قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ،
وَهِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
شَيْبَانَ، جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).

٥٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٦.
٢ - (مِسْعَرٌ) بن كِدَام بن ظُهَير بن عُبَيدة بن الحارث بن هلال بن عامر بن
صَعْصَعَة الهلاليّ العامريّ الرَّوّاسيّ، أبو سلمة الكوفيّ، أحد الأعلام، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٧] (ت ١٥٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (هِشَامٌ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩]
(ت٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤.
٥ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْتِ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب
سنّة [٧] (ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٦ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ،
نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني أن جميع الثلاثة، وهم:
مِسْعرٌ، وهشام الدستوائيّ، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي رووا هذا الحديث
عن قتادة بسنده الماضي، وهو عن زرارة، عن أبي هريرة، مثل المتن السابق.
[تنبيه]: رواية مسعر، وهشام ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال:
(٩٨٧٨) حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام ومسعر، عن قتادة، عن زرارة بن
أوفى، عن أبي هريرة، قال هشام: قال رسول الله وَّر، ووقفه مسعر، قال:
((إن الله رَبَّك تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تَعْمَل به، أو تكلم)).
وأما رواية شيبان النحويّ، فقد ساقها النسائيّ في ((سننه))، فقال:
(٣٣٨١) أخبرني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حسين الجعفيّ،
عن زائدة، عن شيبان، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن
النبيّ ◌َّ﴾ قال: ((إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم،
أو تعمل به))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .

٥٧٥
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤١)
(٦٢) - (بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ لَمْ تُكْتَبْ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٤١] (١٢٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ
عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ :
((قَالَ اللهُ رَىَ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا
هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه المذكور قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ،
ثقة حافظ فقيه إمام حجة، من رؤوس [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) هو: عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٤ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى
ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيوخه الثلاثة، فأبو
بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.

٥٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة رضي الله، على ما روي
عن الإمام البخاريّ(١).
٦ - (ومنها): أن أبا الزناد لقب بصورة الكنية، غلب عليه، وكان يغضب
منه(٢)، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما سبق آنفاً .
٧ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ لأبي بكر)) يعني: أن لفظ متن
الحديث الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما الشيخان
الآخران فروياه بمعناه.
٨ - (ومنها): أن فيه قولَه: ((قال إسحاق: أخبرنا سفيان، وقال الآخران:
حدثنا ابن عيينة))، ومعناه أن شيوخه اختلفوا في صيغ الأداء؛ لاختلاف أخذهم،
فإسحاق بن راهويه قال: ((أخبرنا سفيان))، فعبّر بالإخبار بصيغة الجمع؛ لأنه
سمع الحديث، عن سفيان بقراءة غيره عليه، وسمّى شيخه باسمه، وأما أبو بكر،
وزهير، فقالا: ((حدّثنا ابن عيينة))، فعبّرا بالتحديث بصيغة الجمع؛ لأنهما سمعاه
من لفظ سفيان مع جماعة، وكنيا شيخهما ابن عيينة، وقد سبق غير مرّة أن هذا
من تدقيقات المصنّف، واحتياطه، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((قَالَ اللهُ رَّ) هذا هو الذي
يقال له الحديث القدسيّ (إِذَا هَمَّ) أي قصد، قال الفيّوميّ: الْهَمّ بالفتح: أول
العَزيمة، قال ابن فارس: الهَمّ: ما هَمَمتَ به، وهَمَمتُ بالشيء هَمّاً، من باب قتل:
إذا أردته، ولم تفعله. انتهى(٣). (عَبْدِي) وكذا أمته، فليس التنصيص على العبد
للتخصيص، فالحكم للذكر والأنثى (بِسَيِّئَةٍ، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ) زاد في رواية البخاريّ:
((حتى يعملها))، قال في ((الفتح)): استَدَلّ بمفهوم الغاية في قوله: ((فلا تكتبوها حتى
يعملها))، وبمفهوم الشرط في قوله: ((فإذا عملها، فاكتبوها له بمثلها)) من قال: إن
العزم على فعل المعصية لا يُكتب سيئة حتى يقع العمل، ولو بالشروع. انتهى (٤).
(١) راجع: ((شرحي على ألفية السيوطيّ)) في الحديث ٤١/١ - ٤٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٤٧/٢.
(٤) ((الفتح)) ٤٧٨/١٣ ((كتاب التوحيد)) رقم الحديث (٧٥٠١).

٥٧٧
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَِّةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الراجح أن العزم على فعل
المعصية، والتصميم عليه يُكتب إثماً، وأما الهمّ الذي ذُكر في هذا الحديث،
فهو حديث النفس الذي لا يستقرّ، فإنه مغفور، فراجع ما سبق، تستفد علماً،
والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ عَمِلَهَا) أي السيّئة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً) أي واحدةً، وفي
رواية البخاريّ: ((فاكتبوها بمثلها)) (وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً)
أي واحدةً (فَإِنْ عَمِلَهَا) أي الحسنة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا عَشْراً) هذا أقل
التضعيف، وسيأتي في الروايات الآتية: ((تُكتب بعشر أمثالها، إلى سبعمائة
ضِعف))، وفي حديث ابن عبّاس ◌َظُه: ((كتبها الله رَّك عنده عشر حسنات إلى
سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٤١/٦٢ و٣٤٢] (١٢٨) و[٦٢/
٣٤٣] (١٢٩) و[٣٤٤/٦٢] (١٣٠)، و(البخاريّ) في («التوحيد)) (٧٥٠١)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/٢ و٣١٥)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٩ و٣٨٠ و٣٨١ و٣٨٢ و٣٨٣ و٣٨٤)، و(ابن
منده) في ((الإيمان)) (٣٧٥ و٣٦٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٩ و٢٤٠
و٢٤١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٣٣ و٣٣٤ و٣٣٥ و٣٣٦ و٣٣٧)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤١٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كرم الله ◌ُعَلَ على عباده، وذلك بأنه يعفو عنهم ما همّوا
به من السيّئات، فلا يُكتب شيءٌ منها، فإن تجرّؤوا على عملها عفا عنهم أيضاً
عن مضاعفة العقاب عليهم، فلا يُجازيهم إن جازاهم إلا على سيئة واحدة.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله ◌ُعَلَ على عباده أيضاً، حيث يكتب لهم ما

٥٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
همّوا به من الحسنات، وإن لم يعملوها، فإن وفّقهم لعملها، فعملوها، فإنه
يتفضّل عليهم بمضاعفتها إلى عشر أمثالها، ثم إلى أضعاف كثيرة، كما
قال ◌َت: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
٣ - (ومنها): إثبات أن الملائكة يعلمون ما يُضمره العبد من الحسنات
والسيّئات، وينويه، فلذلك قال في الرواية الآتية: ((قالت الملائكة: ربّ ذاك
عبد يُريد أن يعمل سيّئة ... )) الحديث، فقد أخبروا ربهم بما علموه من نيّة
العبد السيّئة.
٤ - (ومنها): إثبات أنهم يكتبون أعمال العباد كلها، عملوها، أو لم
يعملوها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((قَالَ اللهُ رَْ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ
حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمَاتَةٍ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وَلَمْ
يَعْمَلْهَا، لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ
م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من
صغار[٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.

٥٧٩
(٦٢) - بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣)
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ
ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَنيّ الْحُرقيّ مولاهم، ثقة [٣] (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
وشرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، فراجعه، تستفد،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٤٣] (١٢٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَّيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وََّ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَالَ اللهُ رَتْ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي
بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرٍ
أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا
فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا))، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدَُ
يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا،
وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّاتِيَ))، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا
أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ
ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى يَلْقَى الله)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) بن أبي زيد، واسمه سابور الْقُشيريّ، أبو عبد الله
النيسابوريّ الزاهد، ثَّقةٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في
((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّامٍ بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، تغير في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١٨/٤.

٥٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُقبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له
ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن قوله: ((هذا ما حدّثنا أبو هريرة ... إلخ)) إشارة إلى أن
هذا الحديث مأخوذ من صحيفة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد،
عن عبد الرزاق، عن معمر، عنه، وفيه إشارة إلى القاعدة المشهورة عند
المحدّثين، وهو أن النُّسَخَ، والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد،
كنسخة همام بن منبه، عن أبي هريرة المذكورة، منهم من يجدد الإسناد،
فيذكره أوّلَ كل حديث منها، وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة،
وأوجبه بعضهم، ومنهم من يَكتفي به في أول حديث منها، أو أول كلِّ مجلس
من سماعها، ويُدرج الباقي عليه قائلاً في كل حديث بعد الحديث الأول:
((وبالإسناد))، أو ((وبه))، وهو الأغلب الأكثر.
فمن سَمِع هكذا، فأراد رواية غير الأول مُفْرَداً عنه بإسناده - كما فعل
المصنّف في هذا الحديث - جاز له ذلك، عند الأكثرين، منهم وكيع، وابن
معين، والإسماعيليّ؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع
المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله.
ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ وغيره، كبعض أهل الحديث،
ورأوا ذلك تدليساً.
فعلى هذا، فالأولى له أن يُبَيِّن كما يفعله المصنّف في كتابه هذا، فيقول:
حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن هَمّام بن منّه، قال: