Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَشُِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦) مَا كَلَّفَ اللَّهُ نَفْساً فَوْقَ طَاقَتِهَا وَلَا تَجُودَ يَدٌ إِلَّا بِمَا تَجِدُ وقوله تعالى: (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾) قال أبو العبّاس القرطبيّ: أي ما كسبت من خير، فلها ثوابه، وما اكتسبت من شرّ فعليها عقابه، و((كَسَبَ))، و((اكتسب)) لغتان بمعنى واحد، كقدر واقتدر، ويمكن أن يقال: إن هذه التاء تاء الاستفعال، والتعاطي، ودخلت في اكتساب الشرّ، دون كسب الخير؛ إشعاراً بأن الشرّ لا يؤاخذ به إلا بعد تعاطيه، وفعله، دون الهمّ به، بخلاف الخير، فإنه يُكتب لمن هَمَّ به، وتحدّث به في قلبه، كما جاء في قوله وآله مخبراً عن الله تعالى: ((إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنةً، فأنا أكتبها له حسنةً، ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيّئَةً، فأنا أغفرها له، ما لم يعمل، فإذا عملها، فأنا أكتبها له سيّئة واحدة))(١)، وفي لفظ آخر: ((فإذا همّ)) بدل ((تحدّث)). انتهى(٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾: يريد الحسنات، والسيئات، قاله السّدّيّ، وجماعة المفسرين، لا خلاف بينهم في ذلك، قاله ابن عطية، وهو مثل قوله: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان، وجاءت العبارة في الحسنات ب﴿لَمَا﴾ من حيث إنها مما يَفْرَح المرء بكسبه، ويُسَرّ بها، فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات بـ﴿عَلَيْهَا﴾ من حيث إنها أثقال وأوزار، ومُتَحَمَّلات صعبة، وهذا كما تقول: لي مالٌ، وعليّ دينٌ، وَكَرَّر فعل الكسب، فخالف بين التصريف؛ تحسيناً لنمط الكلام، كما قال: ﴿فَهِلِ اَلْكَفِرِينَ أَشْهِلَهُمْ رُوَيًِّاً ﴾ [الطارق: ١٧]، قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تُكْتَسَب دون تكلف؛ إذ كاسبها على جادّة أمر الله تعالى، ورَسْم شرعه، والسيئات تُكتَسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يَتَكَلَّف في أمرها خَرْقَ حجابَ نهي الله تعالى، ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين؛ إحرازاً لهذا المعنى. انتهى (٣). (١) سيأتي للمصنّف برقم (١٢٩) من حديث أبي هريرة (٢) ((المفهم)) ٣٣٨/١ - ٣٣٩. (٣) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ٤٣٠/٣ - ٤٣١. ٥٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾) قال الإمام ابن جرير: هذا تعليم من الله رحمك عباده المؤمنين دعاءه، كيف يدعونه، وما يقولونه في دعائهم إياه، ومعناه: قولوا: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئاً فرضت علينا عمله، فلم نعمله، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله، ففعلناه على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به، وخطأ. انتهى(١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ: المعنى: اغْفُ عن إثم ما يقع منّا على هذين الوجهين، أو أحدهما، فهو كقوله وَلجه: ((وُضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه))(٢): أي إثم ذلك. قال: وهذا لم يُخْتَلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختُلِف فيما يَتَعَلَّق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوعٌ، لا يلزم منه شيء، أو يَلزَم أحكام ذلك كلِّه؟، اختُلِف فيه، والصحيح أن ذلك يَختَلِف بحسب الوقائع، فقِسْمٌ لا يَسقُط باتفاق، كالغرامات، والديات، والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق، كالقصاص، والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث يُختلف فيه، كمن أكل ناسياً في رمضان، أو حَنِثَ ساهياً، وما كان مثله، مما يقع خطأ ونسياناً، ويعرف ذلك في الفروع. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن هذا القسم ساقطٌ أيضاً؛ لظاهر هذا الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال ابن جرير: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن يؤاخذ الله ريك عباده بما نسوا، أو أخطأوا، فيَسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟. قيل: إن النسيان على وجهين: أحدهما على وجه التضييع من العبد والتفريط، والآخر على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استُحفظ، ووُكل به، وضَعُف عقله عن احتماله، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو تركٌ منا لما أُمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله وَّ في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله رَّك به آدم صلوات الله عليه، (١) ((تفسير الطبريّ)) ١٣٢/٦. (٢) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) بإسناد صحيح، رقم (٢٠٣٥). ٥٤٣ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىُّ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦) فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا (9)﴾ [طه: ١١٥]، وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه: ﴿فَلْيَوْمَ نَنْسَهُمْ كَمَا نَسُوْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]، فرغبة العبد إلى الله رَك بقوله: ﴿رَبَّنَّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾، فيما كان من نسيان منه لما أُمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا، ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطاً منه فيه وتضييعاً كفراً بالله رم، فإن ذلك إذا كان كفراً بالله، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة غير جائزة؛ لأن الله رمت قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ، وإنما تكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه، بتشاغله عنه، وعن قراءته، ومثل نسيانه صلاةً أو صياماً باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما . وأما الذي العبد مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وُكِل بمراعاته فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه المسألة العبد ربه أن يغفره له؛ لأنه مسألةٌ منه، له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يَحْرِص على حفظ القرآن بِجِدٍّ منه، فيقرؤه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ذِكْرَ ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا تجوز مسألة الرب مغفرته؛ لأنه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه. وكذلك للخطأ وجهان: أحدهما: من وجه ما نُهي عنه العبد، فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ، يقال منه: خَطِئَ فلان، وأخطأ فيما أَتَى من الفعل، وأَثِمَ: إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه، ومنه قول الشاعر : النَّاسُ يَلْحَونَ الأَمِيرَ إذَا هُمُ خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلَا يُلَامُ الْمُرْشَدُ يعني: أخطأوا الصواب، وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفراً. والآخر منهما: ما كان عنه على وجه الجهل به، والظن منه بأن له فعله، كالذي يأكل في شهر رمضان ليلاً، وهو يحسب أن الفجر لم يطلع، أو يؤخر ٥٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان صلاة في يوم غيم، وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها، فيخرج وقتها، وهو يرى أن وقتها لم يدخل، فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد الذي وضع الله ريك عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه به انتهى كلام ابن جرير(١). وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) أي قال الله تعالى؛ استجابة لدعائهم، وإنالة لطلبهم، وتحقيقاً لرغبتهم: قد فعلت: أي قد أعطيتكم ما سألتم، قال أبو العبّاس القرطبيّ: (نعم)) حرف جواب، وهو هنا إجابةٌ لما دَعَوا فيه، كما في الرواية الأخرى عن ابن عباس ﴿هَا: ((قد فَعَلتُ))، بدل قوله هنا: ((نعم))، وهو إخبار من الله تعالى أنه أجابهم في تلك الدعوات، فكلُّ داع يُشاركهم في إيمانهم، وإخلاصهم، واستسلامهم أجابه الله تعالى كإجابتهم؛ لأن وعده تعالى صِدْقٌ، وقوله حقّ، وكان معاذ ظُه يَختم هذه السورة بـ((آمين)) كما يَختم الفاتحة، وهو حسنٌّ. انتهى(٢). (﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾) - بكسر الهمزة، وسكون الصاد المهملة -: أي ثِقَلاً، قال مالك، والربيع: الإصر: الأمر الغليظ الصعب، وقال سعيد بن جبير: الإصر: شدة العمل، وما غُلِّظ على بني إسرائيل من البول ونحوه، وقال الضحاك: كانوا يُحَمَّلُون أموراً شداداً، وهذا نحو قول مالك والربيع، ومنه قول النابغة [من البسيط]: يَا مَانِعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتُهُمُ وَالْحَامِلُ الإِصْرِ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا عَرَفُوا وقال عطاء: الإصر: المسخ قردةً وخنازير، وقاله ابن زيد أيضاً، وعنه أيضاً أنه الذنب الذي ليس فيه توبة، ولا كفارةٌ، والإصر في اللغة العهد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌ﴾ [آل عمران: ٨١]، والإصر الصِّيقُ، والذنب، والثِّقَلُ، والإصار: الحبل الذي تُربَط به الأحمال ونحوها، يقال: أَصَرَ يَأْصِرَ أَصْراً: حبسه، والإصر - بكسر الهمزة - من ذلك، قال الجوهريّ: والموضع مَأْصِرٌ ومَأْصَرٌ، والجمع مآصر، والعامة تقول: معاصر. انتهى(٣). (١) (تفسير ابن جرير)) ٦/ ١٣٣ - ١٣٤. (٣) ((تفسير القرطبيّ)) ٤٣٢/٣. (٢) ((المفهم)) ٣٣٩/١ - ٣٤٠. ٥٤٥ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦) وقال الإمام ابن جرير: تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ يعني بذلك جل ثناؤه قولوا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا﴾ يعني بالإصر العهد، كما قال جل ثناؤه: ﴿قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌ﴾ [آل عمران: ٨١] وإنما عَنَى بقوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾، ولا تحمل علينا عهداً، فَنَعْجِزَ عن القيام به، ولا نستطيعه، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ يعني: على اليهود والنصارى، الذين كُلِّفوا أعمالاً، وأُخِذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة، فعَلَّم الله رَت أمة محمد ﴿ الرغبة إليه بمسألته أن لا يَحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال، إن ضيعوها، أو أخطأوا فيها، أو نسوها، مثل الذي حَمَل مَن قبلهم، فيُحِلّ بهم بخطئهم فيه، وتضييعهم إياه مثلَ الذي أحل بمن قبلهم. انتهى (١). (﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾) أي وهم اليهود والنصارى (قَالَ) الله وَ (نَعَمْ) أي قد فعلت ذلك، واستجبت لكم. (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِ﴾) قال قتادة: معناه لا تُشَدِّد علينا كما شددت على من كان قبلنا، وقال الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق، وقال نحوه ابن زيد، وقال ابن جريج: لا تمسخنا قِرَدَةً ولا خنازير، وقال سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به الْغُلْمة(٢)، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء، ورُوي: أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غُلْمة ليس لها معُدّة، وقال السديّ: هو التغليظ، والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، ذكره القرطبيّ. (قَالَ) الله وَ (نَعَمْ) أي قد فعلتُ (﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾) أي عن ذنوبنا، يقال: عَفَوْتُ عن ذنبه: إذا تركته، ولم تعاقبه (﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾) أي استر على ذنوبنا، والْغَفْرُ السَّتْرُ. وقال ابن جرير: في هذا أيضاً من قول الله ريك خبراً عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك الدلالةُ الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم، بقوله: (١) ((تفسير ابن جرير)) ١٣٥/٦ - ١٣٦. (٢) بضم الغين المعجمة: هَيَجان شهوة النكاح. ٥٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٍ﴾؛ لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: ﴿وَاعْفُ عَنَا﴾ مسألةً منهم ربهم أن يعفو لهم عن تقصير، إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فَيَصْفَح لهم عنه، ولا يعاقبهم عليه، وإن خَفّ ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به، وكذلك قوله: ﴿وَأَغْفِّرْ لَنَا﴾ يعني واستر علينا زلةً، إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها، ولا تفضحنا بإظهارها. انتهى. (﴿وَأَرْحَمْنَاً﴾) قال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: تَغَمّدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك أحدٌ، إلا برحمتك إياه، دون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا، إن أنتّ لم ترحمنا، فوفقنا لما يُرضيك عنّا. انتهى. (﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾﴾ أي وَلِيُّنا وناصرنا (﴿فَأَنْصُرْنَا عَلَى أَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾) وقال أبو إسحاق الزجّاج: أي أَظْهِرنا عليهم في الحجة، والحرب، وإظهار (١) الدین. انتهى(١). وقال الإمام ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ أنت ولينا بنصرك، دون من عاداك، وكَفَر بك؛ لأنا مؤمنون بك، ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت ولي من أطاعك، وعدُوّ من كفر بك فعصاك، فانصرنا؛ لأنا حِزْبُك على القوم الكافرين الذين جَحَدوا وحدانيتك، وعبدوا الآلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان. انتهى (٢). (قَالَ) الله ◌َ (نَعَمْ) زاد أبو عوانة: إلا أن محمد بن المنهال قدّم بعض الكلام، وأخّر بعضاً، وقال: ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً﴾ قال: قد غفرت لكم، ورحمتكم، والحديث كلّه واحد. انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا من أفراد المصنّف. (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٥٢/٢. (٣) ((مسند أبي عوانة)) ٧٦/١. (٢) ((تفسير ابن جرير)) ١٤١/٦ - ١٤٢. ٥٤٧ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٣٦/٦٠] (١٢٥)، و(أحمد) في (مسنده) (٧٦/٢ و٧٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٣٩)، و(ابن جرير) في ((تفسيره)) (١٤٣/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٢ و٢٢٣)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢٥ و٣٢٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان المراد في قوله : ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ﴾ الآية. ٢ - (ومنها): بيان رحمة الله تعالى لهذه الأمة بسبب نبيها الذي قال الله [الأنبياء: ١٠٧] في تعظيم شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ ٣ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به هذه الأمة - زادها الله تعالى شرفاً - بأن خفّف عنها ما كان على غيرها من الأمم السابقين من الإصر، والأغلال: أي الثِّقَل والمشاقّ. ٤ - (ومنها): بيان ثبوت النسخ في هذه الشريعة الغرّاء، وهو مجمع عليه بين المسلمين. من المسارعة والانقياد لأحكام ٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة الشرع، ومن شدّة خوفهم من عدم القيام بما كلّفهم الله تعالى به، ومراجعة نبيهم ◌َّ باركين على رُكَبهم بين يديه، حتى يسأل ربه ◌ّ ◌َلَ أن يخفّف عنهم الشدّة، فجاءهم الفرج القريب. ٦ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَل من شدّة خوفه على أمته أن تسلك مسلك الأمم السابقة في ردّ ما أتوا به من أوامر الله، فقالوا: سمعنا وعصينا، فنزل عليهم العذاب، فحذّر بَ لّ صحابته أن يكونوا مثلهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم، فهداهم الله تعالى، فاستجابوا، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ . ٧ - (ومنها): بيان فضل هذه الأمة على الأمم السابقة، حيث إنهم قالوا لأنبيائهم: سمعنا وعصينا، وهذه الأمة قالت: سمعنا وأطعنا، فظهر مصداق قوله رَك: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية. ٥٤٨ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٨ - (ومنها): ما قاله أبو إسحاق الزجّاج: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ إلى آخر السورة [البقرة: ٢٨٦]، أخبر الله تعالى به عن النبيّ وَليله والمؤمنين، وجعله في كتابه؛ ليكون دعاء من يأتي بعد النبيّ وَلق﴾ والصحابة ◌ّه، فهو من الدعاء الذي ينبغي أن يُحفظ، ويُدعَى به كثيراً. وسيأتي للمصنّف في ((كتاب الصلاة)) من هذا الكتاب من حديث أبي مسعود الأنصاريّ ◌ُه قال: قال رسول الله وَلهو: ((من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة كَفَتَاه))، قيل: كفتاه من قيام تلك الليلة، وقيل: كفتاه المكروه فيها، والله تعالى أعلم (١). ٩ - (ومنها): ما قاله إِلْكِيا الطبريّ: يُستدلّ بقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ على أنّ مَن قَتَل غيره بمثقل، أو بَخْنق، أو تغريق، فعليه ضمانه قصاصاً، أو ديةً، خلافاً لمن جَعَل ديته على العاقلة، وذلك يُخالف الظاهر، ويَدُلّ أيضاً على أن سقوط القصاص عن الأب، لا يقتضي سقوطه عن شريكه، ويدلّ أيضاً على وجوب الحد على العاقلة إذا مَكَّنت مجنوناً من نفسها، حتى زنی بها . وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: ذَكَرَ علماؤنا هذه الآية في أن القَوَدَ واجب على شريك الأب، خلافاً لأبي حنيفة، وعلى شريك الخاطئ، خلافاً للشافعيّ وأبي حنيفة؛ لأن كلَّ واحد منهما قد اكتَسَب القتل، وقالوا: إن اشتراك مَن لا يجب عليه القصاص، مع من يجب عليه القصاص لا يكون شُبْهةً في درء ما يُدرأ بالشبهة. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المالكيّة من وجوب الْقَوَد على شريك الأب، وشريك الخاطئ هو الأرجح عندي؛ لقوّة حجتهم، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): ما قاله المازريّ: إشفاقهم، وقولهم: لا نطيقها، يحتمل أن يكونوا اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٥٢/٢ - ١٥٣. (٢) راجع: ((جامع الأحكام)) للقرطبيّ ٤٣١/٣. ٥٤٩ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ ... ) إلخ - حديث رقم (٣٣٦) لا تُكتسب، فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق، فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلاً على أنهم كُلِّفوا ما لا يُطاق، وعندنا أن تكليفه جائز عقلاً، واختُلف، هل وقع التعبّد به في الشريعة، أو لا؟. انتهى(١). وقال القرطبيّ: هذه الآية تدلّ على أن الله تعالى أن يكلّف عباده بما يُطيقونه، وما لا يُطيقونه، ممكناً كان، أو غير ممكن، لكنه تعالى تفضّل علينا بأنه لم يُكلّفنا بما لا نُطيقه، وبما لا يمكننا إيقاعه، وكمّل علينا فضله برفع الإصر، والمشقّات التي كُلّفها غيرنا. انتهى(٢). وخلاصة القول: إن الله إن رفع عنّا ما لا طاقة لنا به، فله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة، سبحانك لا نُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في آية: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]: (اعلم): أنهم اختلفوا فيها على خمسة أقوال: [الأول]: أنها منسوخة، قاله ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة، والشعبيّ، وعطاء، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن كعب، وموسى بن عُبيدة، وجماعة من الصحابة والتابعين ﴿، وأنه بَقِي هذا التكليف حولاً حتى أنزل الله الفرج بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ﴾. ومن حجج هؤلاء حديث أبي هريرة، وابن عبّاس ﴿م المذكور هنا في الباب، وهو حجة واضحة، لا لبس فيه، فيكون هذا القول هو الأرجح، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. [القول الثاني]: قول ابن عباس، وعكرمة، والشعبيّ، ومجاهد: إنها محكمةٌ، مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نَهَى عن كتمها، ثم أَعْلَمَ في هذه الآية أن الكاتم لها الْمُخفِيَ ما في نفسه محاسب. (١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥١٠/١ - ٥١١. (٢) ((المفهم)) ٣٣٨/١. ٥٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [القول الثالث]: إن الآية فيما يَظْرأ على النفوس، من الشكّ واليقين، وقاله مجاهد أيضاً. [القول الرابع]: إنها محكمة عامّةٌ، غير منسوخة، والله محاسبٌ خلقَهُ على ما عملوا من عمل، وعلى ما لم يعملوه، مما ثَبَت في نفوسهم، وأضمروه، ونووه، وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ذكره الطبري عن قوم، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا، روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: لم تُنْسَخ، ولكن إذا جَمَع الله الخلائق، يقول: ((إني أُخبركم بما أكننتم في أنفسكم))، فأما المؤمنون فيخبرهم، ثم يغفر لهم، وأما أهل الشك والرَّيْبِ، فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، فذلك قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في هذا الباب، يدُلّ عليه حديث النجوى على ما يأتي بيانه، ولا يقال: فقد ثبت عن النبي ◌ُّ: إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به، فإنا نقول: ذلك محمول على أحكام الدنيا مثل الطلاق والعتاق والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة [القول الخامس]: أن الآية محكمةٌ، ليست بمنسوخة، قاله الحسن، وغيره، وقالوا: إن العذاب الذي يكون جزاء لما خَطَر في النفوس، وصَحِبَه الفكر، إنما هو بمصائب الدنيا، وآلامها، وسائر مكارهها، وأسند الطبريّ عن عائشة طوّنا نحو هذا المعنى. ورجح الطبري أن الآية محكمة، غير منسوخة، قال ابن عطية: وهذا هو الصواب(١). وقال القاضي عياض: قد اختلف الناس في هذه الآية، فأكثر المفسّرين من الصحابة، ومن بعدهم على ما تقدّم فيها من النسخ، وأبعده بعضُ المتأخّرين، قال: لأنه خبر، ولا يدخل النسخ الأخبار، ولم يُحَصِّلْ ما قاله، فإنه وإن كان خبراً، فهو خبرٌ عن تكليف، ومؤاخذة بما تُكنّ النفوس، والتعبّد (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٤٢١/٣ - ٤٢٣. ٥٥١ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَشُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦) بما أمرهم النبيّ وَّ﴿ في الحديث بذلك، وأن يقولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً﴾، وهذه أقوالٌ، وأعمالٌ للسان والقلب، ثم نُسخ ذلك عنهم برفع الحرج والمؤاخذة. انتھی(١). وقال أبو العباس القرطبيّ: ((ما)) في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ﴾ الآية على عمومها، فتتناول كلّ ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر، ما أُطيق دفعه منها، وما لا يُطاق، ولذلك أشفقت الصحابة بطن من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبيّ وَله: كُلِّفنا ما نُطيق، من الصلاة، والصيام، وهذه الآية لا نُطيقها، ففيه دليلٌ على أن موضوع ((ما)) للعموم، وأنه معمولٌ به فيما طريقه الاعتقاد، كما هو معمول به فيما طريقه العمل، وأنه لا يجب التوقّف فيه إلى البحث عن المخصّص، بل يُبادر إلى استغراق الاعتقاد فيه، وإن جاز التخصيص، وهذه المسائل اختُلف فيها، كما بيّنّاه في ((الأصول)). ولَمّا سمع النبيّ وَ﴿ ذلك القول منهم أجابهم بأن قال: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟، بل قولوا: سمعنا، وأطعنا))، فأقرّهم النبيّ وَّر على ما فهموه، وبيّن لهم أن الله تعالى أن يكلّف عباده بما يُطيقون، وبما لا يُطيقون، ونهاهم عن أن يقع لهم شيء مما وقع لضُلّال أهل الكتاب من المخالفة، وأمرهم بالسمع والطاعة، والتسليم لأمر الله تعالى على ما فهِمُوه، فسلّم القوم لذلك، وأذعنوا، ووطّنوا أنفسهم على أنهم كُلّفوا في الآية بما لا يطيقونه، واعتقدوا ذلك، فقد عملوا بمقتضى ذلك العموم، وثَبَتَ ووَرَدَ، فإن قُدِّر رافع لشيء منه، فذلك الرفع نسخٌ، لا تخصيصٌ، وعلى هذا فقول الصحابيّ: ((فلما فعلوا نسخها الله) على حقيقة النسخ، لا على جهة التخصيص؛ خلافاً لمن لم يظهر له ما ذكرناه، وهم كثير من المتكلّمين على هذا الحديث، ممن رأى أن ذلك من باب التخصيص، لا من باب النسخ، وتأوّلوا قول الصحابيّ: إنه نسخٌ على أنه أراد بالنسخ التخصيص، وقال: إنهم كانوا لا يُفرّقون بين النسخ والتخصيص، وقد کنت (١) ((إكمال المعلم)) ٥١٤/١ - ٥١٥. ٥٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان على ذلك زماناً إلى أن ظهر لي ما ذكرته، فتأمله، فإنه الصحيح - إن شاء الله تعالى -. وقوله: إنهم - يعني الصحابة - كانوا لا يفرّقون بين النسخ والتخصيص، إن أراد به أنهم لم ينصّوا على الفرق، فمسلّمٌ، وكذلك أكثر مسائل علم الأصول، بل كلّه، فإنهم لم ينُصّوا على شيء منها، بل فرّعوا عليها، وعملوا على مقتضاها من غير عبارة عنها، ولا نطق بها إلى أن جاء من بعدهم، ففطِنُوا لذلك، وعبّروا عنه، حتى صنّقوا التصانيف المعروفة، وأوّلهم في ذلك الشافعيّ فيما علمناه. وإن أراد بذلك أنهم لم يكونوا يعرفون الفرق بين النسخ والتخصيص، ولا عملوا عليه، فقد نسبهم إلى ما يستحيل عليهم؛ لثقابة أذهانهم، وصحّة فهومهم، وغزارة علومهم، وأنهم أولى بعلم ذلك من كلّ مَن بعدهم، كيف لا وهم أئمة الهدى، وبهم إلى كلّ العلوم يُقتدى، وإليهم المرتجع، وقولهم المتّبع، وكيف يخفى عليهم ذلك، وهو من المبادئ الظاهرة على ما قرّرناه في ((الأصول)). انتهى كلام القرطبيّ(١). قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قرره القرطبيّ، وقبله القاضي عياض من كون النسخ هنا حقيقةً هو الأرجح عندي؛ لأن الصحابيّ أعلم بمعنى النسخ، وأفهم بمقاصد الشريعة، وقد شهد التنزيل، وجالس النبيّ وَّ، فإذا أخبرنا بأن هذه الآية نُسخت بآية كذا، وجب أن نقبل قوله في ذلك، ولا نعترض عليه بما اصطلح عليه متأخرو الأصوليين من تعريف النسخ بما يتعارض مع مقاصد الصحابة. على أن النسخ في عرف السلف يُطلق على ما هو أعم، كما سيأتي في المسألة التالية، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان النسخ: هو: لغةً: الإبطال والإزالة، ومنه نَسَخت الشمس الظل، والريح آثار (١) ((المفهم)) ٣٣٦/١ - ٣٣٨. ٥٥٣ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِّ أَنفُسِكُمْ ... ) إلخ - حديث رقم (٣٣٦) القَدَمِ، وهو يُطلَق على النقل والتحويل، ومنه نَسَحْتُ الكتاب: أي نقلته، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، ومنه تناسخ المواريث. وأما اصطلاحاً فهو في عرف عامّة السلف: البيان، فيشمل تخصيص العامّ، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ورفع الحكم بجملته، وهو ما يُعرف عند المتأخّرين بالنسخ. قال الإمام ابن القيّم ◌َّتُهُ: مراد عامّة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارةً، وهو اصطلاح المتأخّرين، ورفع العامّ، والمطلق، والظاهر، وغيرها تارة، إما بتخصيص، أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيّد، وتفسيره، وتبيينه، حتى إنهم يُسمّون الاستثناء، والشرط، والصفة نسخاً؛ لتضمّن ذلك رفع دلالة الظاهر، وبيان المراد، فالنسخ عندهم، وفي لسانهم: هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمّل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يُحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخّر. انتهى(١). وإلى هذا أشرت في ((التحفة المرضية)) بقولي: فِي اللُّغَةِ النَّقْلُ كَذَا الإِزَالَةُ فَهْوَ الْبَيَانُ فِي اصْطِلَاحِ السَّلَفِ يَعُمُّ تَخْصِيصاً لِعَام وَكَذَا لِمُجْمَلٍ وَرَفْعَ حُكْمِ جُمْلَهْ وَالْمُتَأَّخِّرُونَ خَصُوًا رَفْعَا مَعَ تَرَاخِ ثُمَّ هَذَا يَشْمَلُ أَوَّلُهَا رَفَّعْ لِأَصْلِ الْحُكُم وَالثَّانِ شَرْعِيٍّ وَلَيْسَ رَفْعَاَ ثَالِثُهَا كَوْنُ دَلِيلٍ شَرْعِي رَابِعُهَا كَوْنُهُ ذَا تَرَاخِ أَمَّا فِي الاصْطِلَاحِ خُذْ مَا أَثْبَتُوا فَهْوَ أَعَمُّ عِنْدَهُّمْ فَلْتَعْرِفِ تَقْبِيدُ مُظْلَقٍ وتَبْبِيناً خُذَا فَذَا مُرَادُ هَؤُلَاءِ الْجِلَّةْ حُكْمٍ لِشَرْعٍ بِدَلِيلٍ يُرْعَى أَرْبَعَّةً مِنَ الْقُيُودِ تُقْبَلُ وَلَيْسَ تَقْبِيداً لَدَى ذِي الْفَهْمِ بَرَاءَةً أَصْلِيَّةً قَدْ تُرْعَىَ لَا غَيْرُ مِثْلُ مَوْتِهِ ذِي الْقَطْعِ إِذْ غَيْرُهُ مُخَصِّصٌ يُوَاخِي (١) ((إعلام الموقّعين)) ٦٦/١ - ٦٧. ٥٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان حَقَيقَةُ النَّسْخِ لَدَيْهِمْ حَصَلَتْ فَهَذِهِ الْقُيُودُ إِنْ تَوَقَّرَتْ فتبيّن بهذا أن إطلاق النسخ على الآية المذكورة هنا لَو قلنا: إنه ليس نسخاً على عرف المتأخرين، فإنه جار على عرف السلف، فلا اعتراض أصلاً، فتنبّه، وإن أردت تحقيق المسألة في هذا، فراجع كتابي ((المنحة الرضيّة على التحفة المرضيّة))، في الأصول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في ذكر الاختلاف في جواز التكليف بما لا يطاق: قال أبو عبد الله القرطبيّ: اختَلَف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعاً في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه. قال أبو الحسن الأشعريّ، وجماعة من المتكلمين: تكليف ما لا يطاق جائزٌ عقلاً، ولا يَخْرِم ذلك شيئاً من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارةً على تعذيب المكلف، وقطعاً به، ويَنظُر إلى هذا تكليف الْمُصَوِّر أن يَعْقِد شعيرة. واختَلَف القائلون بجوازه، هل وقع في رسالة محمد بَله أو لا؟، فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لهب؛ لأنه كَلَّفه بالإيمان بجملة الشريعة، ومن جملتها أنه لا يؤمن؛ لأنه حَكَم عليه بِتَبِّ اليدين، وصُلِيٍّ النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، فقد گلّفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن. وقالت فرقة: لم يقع قط، وقد حَكَى الإجماع على ذلك، وقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ معناه إن وافى، حكاه ابن عطية. انتهى كلام القرطبيّ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حقّقت هذا الموضوع في ((التحفة المرضيّة))، وشرحها ((المنحة الرضيّة))، في الأصول، ومختصر ما ذكرته هناك: أن من شروط الفعل المكلّف به أن يكون ممكناً مقدُوراً عليه؛ لأن المطلوب شرعاً حصول الفعل، ولا يُمكن حصوله إلا بأن يكون متصوّرَ الوقوع، أما المحال فلا يُتصوّر وقوعه. وجملة القول أن التكليف بما لا يُطاق، أو التكليف بالمحال على قسمین : (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣/ ٤٣٠. ٠ ٥٥٥ (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَنَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىِّ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٦) [أحدهما]: المستحيل لذاته، كالجمع بين الضدّين، وهذا غير واقع في الشريعة، ولا يجوز التكليف به إجماعاً؛ لقوله ريك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُّ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. [والثاني]: المستحيل لا لذاته، بل لتعلّق علم الله بأنه لا يوجد، وذلك كإيمان أبي لهب، ونحوه، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرّد ذاته جائز عقلاً الجوازَ الذاتيّ؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلاً عقلاً لذاته لاستحال شرعاً تكليفه بالإيمان مع أنه مكلّف به قطعاً إجماعاً، ولكن هذا الجائز عقلاً الذاتيّ مستحيل من جهة أخرى، وهي تعلّق علم الله تعالى فيما سبق أنه لا يؤمن؛ لاستحالة تغيّر ما سبق به العلم الأزليّ، وهذا النوع من المستحيل يجوز التكليف به شرعاً، وهو واقع بإجماع المسلمين. وبهذا يتبيّن أنه لا يجوز إطلاق القول في حكم التكليف بما لا يُطاق لا بالجواز ولا بالمنع؛ لأن لفظ التكليف بما لا يطاق من الألفاظ المجملة؛ إذ هو مشتمل على المعنيين المذكورين، وأحدهما حقّ ثابتٌ، وهو المستحيل لا لذاته، بل لتعلّق علم الله بأنه لا يوجد، والآخر باطلٌ لا يَثْبُت في الشرع، وهو المستحيل لذاته. وخلاصة القول: إن شروط المكلّف به له ثلاثة شروط، ذكرتها بقولي: أُولَى الشُّرُوطِ كَوْنُ ذَا الْفِعْلِ عُدِمْ وَثَانِهَا كَوْنُهُ أَيْضاً قَدْ عُلِمْ حَتَّى يُحَصَّلَ بِسَعْبِهِ إِلَيْهْ ثَالِثُهَا كَوْنُهُ مَقْدُوراً عَلَيْهْ لِذَاتِهِ كَانَ مِنَ الْمُحَالِ فَجَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَلْتَحْتَذِي لِذَلِكَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ شَرْعاً وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ لَا لِذِي فَأَوَّلْ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَضَادْ وَمِنْ هُنَا لَا يُظْلَقُ التَّكْلِيفُ بَلْ يَجِبُ التَّفْصِيلُ مِثْلَ مَا سَبَقْ وَالثَّانِ إِيمَانٌ لأَصْحَابِ الْعِنَادْ بِغَيْرِ مَا يُطَاقُ يَا حَصِيفُ فإن أردت تحقيق هذه الشروط، وتفاصيلها، فراجع ((المنحة الرضيّة على التحفة المرضيّة))، تُكْفَ، وتُشفَ بإذن الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٥٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال : [٣٣٧] (١٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللّهُ ﴾ قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ، لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، وَسَلَّمْنَا))، قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّأْ﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (آدَمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ) بن خالد بن عُمارة بن الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط (١) القرشيّ الكوفيّ، والد يحيى بن آدم، ثقةٌ (٢) [٧]. رَوَى عن سعيد بن جبير، ونافع، وعطاء، وعنه الثوريّ، وشعبة، وإسرائيل، ولم يدركه ابنه يحيى، قال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، ووثقّه العجليّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس في هذا الكتاب إلا هذا ٠ (١) هكذا ذكره في ((تهذيب الكمال)) ٣٠٧/٢. (٢) قال عنه في ((التقريب)): صدوقٌ، والحقّ أنه ثقة؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه جماعة، ولا يوجد فيه طعن لأحد، فهو ثقة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. جيبي (٦٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ ... ﴾ إلخ - حديث رقم (٣٣٧) ٥٥٧ الحديث، قال في ((التهذيب)): أخرج له مسلم حديثاً واحداً في الإيمان متابعةً. (١) انتھی(١) . والباقون تقدّموا قريباً. وقوله: (دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا) أي من الآية (شَيْءٌ) أي شيء عظيم من الشدّة، وهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: ((اشتدّ ذلك عليهم)). وقوله: (لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ) ((من)) زائدة، و((شيء)) فاعل بـ«یدخل)). وقوله: (فَأَلْقَى اللهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ) أي التصديق بما أمرهم به النبيّ ◌َّ بقوله: ((قولوا: سمعنا وأطعنا ... إلخ)). وقوله: (﴿لَا يُكِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا﴾) التكليف إلزام ما في فعله كُلْفة، وهي النصَبُ والمشقّة. وقوله: (﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾) أي طاقتها . وقوله: (﴿إِصْرًا﴾) هو العهد الذي يعجز عنه، قاله ابن عباس، وقال الربيع: هو الثقل العظيم، وقال ابن زيد: هو الذنب الذي لا توبة له، ولا كفّارة. وقوله: (قَدْ فَعَلْتُ) هو إجابة لما دَعَوا فيه، وإخبار من الله تعالى أنه أجابهم في تلك الدعوات، قال القرطبيّ: وكلّ داع يُشاركهم في إيمانهم، وإخلاصهم، واستسلامهم أجابه الله تعالى كإجابتهم؛ لأن وعده تعالى صدق، وقوله حقّ. انتهى(٢). وقوله: (﴿وَأَعْفُ عَنَّا﴾) قيل: اعف عن الكبائر (﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾) من الصغائر (﴿وَأَرْحَمْنَاً﴾) بتثقيل الموازين، وقيل: اعف عن الأقوال، واغفر الأفعال، وارحم بتوالي الألطاف، وسَنِيّ الأحوال، قال القرطبيّ: وأصل العفو التسهيل، والمغفرة، والسَّتْر، والرحمة: إيصال النعمة إلى المحتاج. انتهى(٣). وقوله: (﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾) أي متولّي أمورنا، وناصرنا، والله تعالى أعلم. (١) ((تهذيب التهذيب)) ١/ ١٠٢. (٣) (المفهم)) ٣٣٨/١ - ٣٣٩. (٢) ((المفهم)) ٣٣٨/١ - ٣٤٠. ٥٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ظُه هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٣٧/٦٠] (١٢٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٩٢)، و(النسائيّ) في ((التفسير)) من ((الكبرى)) (١٠٩٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٣/١)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٦٤٥٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٨٦/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٩ و٢٢٠ و٢٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢٧)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص٢١٠ - ٢١١)، و(الواحديّ) في ((أسباب النزول)) (ص ٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٦١) - (بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ تَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْخَوَاطِرِ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٨] (١٢٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة الْخُرَاسانيّ، أبو عثمان المروزيّ، ويقال: الطّالْقَانيّ، يقال: وُلِد بِجُوزَجَان، ونَشَأْ بِبَلْخَ، وطاف البلاد، وسكن مكة، ومات بها، ثقةٌ، مصنّفٌ [١٠]. رَوَى عن مالك، وحماد بن زيد، وأبي قُدَامة الحارث بن عُبيد، وداود بن عبد الرحمن، وابن أبي الزناد، وأبي شهاب، عبد ربه بن نافع، وابن أبي ٥٥٩ (٦١) - بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ ثَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ... إلخ - حديث رقم (٣٣٨) حازم، والدَّرَاورديّ، وفُلَيح، ومالك، وأبي الأحوص، وابن عيينة، ومهدي بن میمون، وهشيم، وأبي عوانة، وجماعة. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة يحيى بن موسى خَتّ، وأبي ثور، وعبد الله الدَّارِميّ، ومحمد بن علي بن ميمون الرّقّيّ، والعباس بن عبد الله السِّنديّ، وعَمْرو بن منصور النسائيّ، والذَّهْليّ، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، وحرب الكرمانيّ، وأحمد بن حنبل حَدَّث عنه، وهو حيّ، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، وأبو زرعة الرازيّ، والدمشقيّ، ومحمد بن علي بن زيد الصائغ، وأحمد بن نَجْدة بن الْعَريان، وهما راويا ((كتاب السنن)) عنه، وبشر بن موسى، وأحمد بن خُلَيد الْحَلَبِيّ، وطائفة. قال حرب: سمعت أحمد يُحسن الثناء عليه، وقال سلمة بن شَبِيب: ذكرته لأحمد، فأحسن الثناء عليه، وفَخَّم أمره، وقال حنبل عن أحمد: هو من أهل الفضل والصدق، وقال ابن نمير، وابن خراش: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة من الْمُتْقِنين الأثبات، ممن جَمَعَ، وصَنَّفَ، وكان محمد بن عبد الرحيم إذا حَدَّث عنه أثنى عليه، وكان يقول: حدثنا سعيد، وكان ثبتاً، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: أخبرني أحمد بن صالح، وعبد الرحمن بن إبراهيم أنهما حضرا يحيى بن حسان يُقَدِّمه، ويَرَى له حفظه، وكان حافظاً، وقال الحاكم: سكن مكة مجاوراً، وكان راويةَ ابن عُيينة، وأحد أئمة الحديث، له مصنفات، وقال حرب: كتبت عنه سنة (٢١٩)، أملى علينا نحواً من عشرة آلاف حديث من حفظه، ثم صَنّف بعد ذلك، وقال يعقوب بن سفيان: كان إذا رأى في كتابه خطأً لم يرجع عنه. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان ممن جَمَع، وصَنَّف، وكان من المتقنين الأثبات، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ، وقال الخليليّ: ثقةٌ متفق عليه، ووثقه أيضاً مسلمة بن قاسم، وقال يعقوب بن سفيان: كان سعيد، وهو بمكة يقول: لا تسألوني عن حديث حماد بن زيد، فإن أبا أيوب - يعني سليمان بن حرب - يجعلنا على طَبَق، لا تسألوني عن حديث ابن عيينة، فإن هذا الحميدي يجعلنا على طَبَق. قال ابن سعد وغيره: مات سنة سبع وعشرين ومائتين، زاد ابن يونس: ٥٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان في شهر رمضان، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سنة (٦)، وقال غيره: سنة (٨)، وقال موسى بن هارون: سنة (٩)، والصحيح الأول. وقال ابن يونس: مات بمصر، حَكَى في التهذيب عن ابن يونس، مع ابن سعد وغيرهما: أنه مات بمكة، وقال البخاري في ((تاريخه)): مات سنة (٢٩)، أو نحوها بمكة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٠) حديثاً. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ(١)، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب الْغُبَريّ(٢) البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٣٨) (م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ المذكور قبل باب. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٦ - (زُرَارَةُ - بضمّ أوله - ابْنُ أَوْفَى) العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملة، وراءين مفتوحتين، ثم معجمة - أبو حاجب البصريّ القاضي، ثقةٌ عابدٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وتَمِيم الداريّ، وابن عباس، وعمران بن حُصين، وعائشة، والمحفوظ أن بينهما سعد بن هشام، والمغيرة بن شعبة، وأنس، وأُسير بن جابر، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، ومسروق. وروى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، وعوف، وبَهْز بن حكيم، وأيوب، وغيرهم. قال أبو داود الطيالسيّ: لم يَسمع من ابن مسعود، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من العبّاد، ومات في أول قُدوم (١) بفتح الموحّدة، وسكون الغين المعجمة: نسبة إلى قرية من قُری بَلْغ. (٢) (حِسَاب)) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الموحّدة المفتوحة، و((الْغُبَري)) بضم الغين المعجمة، وفتح الموحّدة: نسبة إلى بني غُبَر.