Indexed OCR Text
Pages 501-520
(٥٨) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ - حديث رقم (٣٣٠) ٥٠١ من غسل، ووضوء، وتيمم، وإذا أسلم صَلَّى بها. انتهى كلام النوويّ. ونقل القرطبيّ عن الحربيّ أنه قال: معنى ((أسلمت على ما سلف لك)): يعني أن ما تقدّم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمتَ على ألف درهم: أي على أن أحرزها لنفسه. قال القرطبيّ: هذا الذي قاله الحربيّ هو أشبهها، وأولاها، وهو الذي أشرنا إليه في الترجمة: أي حيث قال: ((باب الإسلام إذا حَسُنَ هَدَم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البرّ)). انتهى(١). وقال الأبيّ: يُحمل الحديث على ظاهره من إثابة الكافر، وإليه ذهب ابن بطّال، واحتجّ بحديث أخرجه الدارقطنيّ، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه المذكور، ثم قال: الحديث نصّ في القضيّة، وهو تفسير لما في الأمّ(٢). انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن بطال، وأقرّه عليه النوويّ، والأبيّ، وكذا القرطبيّ تبعاً للحربيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه؛ لظاهر حديث حكيم بن حزام ه هذا، ولصريح حديث أبي سعيد الخدريّ ظُلُه المتقدّم، فلا ينبغي الالتفات إلى التأويلات المخالفة له المعارضة لظواهر النصوص، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد، ومُستراح العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَالتَّحَتُّثُ: التَّعَبُّدُ) تفسير من بعض الرواة، والظاهر أنه من ابن شهاب؛ لأنه معروفٌ بهذا، وفسّره في الرواية الآتية: بالتبرُّر، وهو فعل البرّ، وهو الطاعة، قال أهل اللغة: أصل التحنّث أن يفعل فِعْلاً، يخرج به من الْحِنْث، وهو الإثم، وكذا تَأَثَّم، وتَحَرَّج، وتَهَجَّد: أي فَعَل فعلاً يخرج به عن الإثم، والْحَرَج، والْهُجُود، قاله النوويّ(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((المفهم)) ٣٣٢/١. (٢) يعني حديث حكيم بن حزام الذي أخرجه مسلم هنا في ((صحيحه)). (٣) ((شرح الأبيّ)) ٢٣٢/١ - ٢٣٣. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٤٢/٢. ٥٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام ظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٣٣٠/٥٨ و٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٣] (١٢٣)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٣٦)، و((البيوع)) (٢٢٢٠)، و((العتق)) (٢٥٣٨)، و((الأدب)) (٥٩٩٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦٨٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٢/٣، و٤٣٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٨ و٢٠٩ و٢١٠)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣١٧ و٣١٨ و٣١٩ و٣٢٠ و٣٢١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ١٢٣ و٣١٦/١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٠٨٦ و٣٠٨٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم العمل الصالح الذي عمله الكافر في حال كفره، وهو أنه يُثاب عليه، قال السنديّ: هذا الحديث يدلّ على أن حسنات الكافر موقوفة إن أسلم تُقبل، وإلا تُردّ، لا مردودة، وعلى هذا، فنحو قوله تعالى: ﴿وَذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ﴾ الآية [النور: ٣٩] محمول على من مات على الكفر، والظاهر أنه لا دليل على خلافه، وفضل الله تعالى أوسع من هذا وأكثر، فلا استبعاد فيه. قال: وإذا بقي على كفره، فإنه يُجازى على فعل الخيرات بالدنيا، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) عن أنس بن مالك نظُه، عن النبيّ وَلِّل أنه قال: ((إن الكافر إذا عَمِل حسنة أُطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن، فإن الله يَدَّخِر له حسناته في الآخرة، ويُعْقِبه رِزقاً في الدنيا على طاعته))، وقد سبق آنفاً ذكر اختلاف العلماء في توجيه هذا الحديث، وأن الصواب أنه على ظاهره من أن ما عمله الشخص في حال كفره من الخيرات يؤجر عليه، وما عدا ذلك من الأقوال، فإنها مردودة بالنصوص الواضحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابي الجليل نظره، حيث جبله الله تعالى على طباع جميلة، وأخلاق حميدة، دعته أخيراً إلى اعتناق الإسلام، فلما أخبره وَّ ر بأن أعماله التي أحسن بها في جاهليته مثاب عليها، نذر على ٥٠٣ (٥٨) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ - حديث رقم (٣٣١) نفسه: أنه ليعملنّ في الإسلام بمثل ما عمل به في جاهليته من الخيرات، فعمله، بل زاد علیه. ٣ - (ومنها): بيان فضل الله ◌ُعَالَ، حيث إنه لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، ولو في حال كفره، إذا وفّقه الله تعالى أخيراً للإسلام. ٤ - (ومنها): بيان فضل الإسلام، حيث عادت بركته على ما صدر قبله من الخيرات، فقُبل بسببه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي بَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ: ((أَيْ رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُوراً، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةٍ رَحِم، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنَّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الهذليّ، أبو عليّ الخلال الْحُلوانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (أَبُوهُ) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجّةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٥٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٥ - (صَالِحِ) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٤] مات بعد مائة وثلاثين، أو بعد الأربعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. والباقون تقدّموا في السند الماضي. ومن لطائف هذا الإسناد: أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن ابن شهاب، عن عروة. وقوله: (أَيْ رَسُولَ اللهِ) (أي)) من حروف النداء التي ذكرها ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَ«أَيْ)) وَ(«آي)) ثُمَّ ((أَيَا)) كَذَا ((هَيَا)) وِلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ «يَا» وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ((وَا)) لِمَنْ نُدِبْ أَوْ (يَا)) وَغَيْرُ ((وَا)) لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ وقوله: (مِنْ صَدَقَةٍ) متعلّق بمحذوف، حال من ((أمور)). وقوله: (أَوْ عَتَاقَةٍ) بفتح العين، وهكذا وقع عند البخاريّ في ((الزكاة)) بـ(أو))، ووقع عند أبي عوانة في ((مسنده)) بالواو، وكذا عند البخاريّ في ((كتاب الأدب)). وقوله: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرِ))) أي على الذي قدّمته من عمل خير، قال في ((القاموس)): السَّلَف محرَّكةً: كلُّ عمل صالح قدّمته. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ، تغيّر في آخره، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. (١) ((القاموس المحيط)) ص٧٣٨. ٥٠٥ (٥٨) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ - حديث رقم (٣٣٢) ٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقيان تقدّما . وقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي عن عروة، عن حكيم بن حزام. [تنبيه]: طريقُ معمرٍ عن الزهريّ ساقها البخاريّ في ((صحيحه)) في ((كتاب الزكاة))، فقال: (١٤٣٦) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، حدثنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن حكيم بن حِزَام ◌َظُه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياءَ، كنت أَتَحَنَّتُ بها في الجاهلية، من صدقة، أو عتاقة، وصلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبيّ وَّر: ((أسلمت على ما سلف من خير)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [ ... ] ( .. ) - (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي أَتْبَرَّرُ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ. ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ))، قُلْتُ: فَوَاللهِ، لَا أَدَعُ شَيْئاً صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِلَّا فَعَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة أيضاً: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة، فقيهٌ [٥] (ت١٤٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. والباقون تقدّموا. وقوله: (أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هكذا رواية المصنّف هنا ٥٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((أشياء)) دون ذكر ((أرأيت))، وهي مذكورة عند أبي عوانة في ((مسنده)) من هذا الوجه، وضُبط في النسخ ((أشياء)) بالنصب، وله وجه، وهو أن يقدّر له ((أرأيتَ)) بدليل الروايات الأخرى، ويحتمل أن يكون مرفوعاً على الابتداء، والجملة بعده صفته، والخبر محذوف، تقديره: ((هل لي فيها من أجر؟)). وقوله: (قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا) أي قال هشام بن عروة مفسّراً، وموضّحاً معنى قوله: ((أفعلها في الجاهلية))، ومعنى ((أتبرّر)) بالموحّدة، وراءين الأولى ثقيلة: أي أطلب بها البرّ، وطرح الحنث(١). وقوله: (لَا أَدَعُ شَيْئاً) أي لا أترك فِعْلَ شيءٍ، من البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٣٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَّى مائَةٍ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مائَةَ رَّقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مائَةٍ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة أيضاً: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفي المذكور قبل باب أيضاً. والباقون تقدّموا في الماضي. وقوله: (عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَام) ظاهر سياق هذه الرواية الإرسال؛ لأن عروة لم يُدرك زمن هذه القصّة، والقًّاعدة أن من حكى قصّة لم يُدركها تكون روايته مرسلة، كما قال السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)): وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعاً حَوَى (١) راجع: ((الفتح) ٢٠١/٥ (كتاب العتق)) رقم (٢٥٣٨). ٥٠٧ (٥٨) - بَابُ بَيَانِ حُكْمٍ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ - حديث رقم (٣٣٣) لكن رواية هشام التي قبلها بلفظ ((عن حكيم بن حزام)) بيّنت الاتصال، ولفظ البخاريّ في ((كتاب العتق)) من طريق أبي أسامة عن هشام: أخبرني أبي، أن حكيم بن حزام ربه أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، فلما أسلم حمل على مائة بعير، وأعتق مائة رقبة، قال: فسألت رسول الله وَله، فقلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أصنعها في الجاهلية، كنت أتحنث بها؟ - يعني أتبرر بها - قال: فقال رسول الله وَله: ((أسلمت على ما سلف لك من خیر)). انتهى. فقال في ((الفتح)): ظاهر سياقه الإرسال؛ لأن عروة لم يدرك زمن ذلك، لكن بقيّة الحديث أوضحت الوصل، وهي قوله: ((قال: فسألت))، ففاعل ((قال)) هو حكيم، فكأن عروة قال: قال حكيم، فيكون بمنزلة قوله: ((عن حكيم)). انتهى(١). وقوله: (ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ مَّا) ظاهره أن إتيانه بعدما فعل في الإسلام مثلما فعله في الجاهليّة، والرواية التي قبل هذا تدلّ على أنه إنما أتى قبل ذلك؛ حيث قال: ((فوالله لا أدع شيئاً صنعته في الجاهليّة ... إلخ))، فيحتمل أن تكون (ثمّ)) لمجرّد العطف دون الترتيب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١١]، ويحتمل أن يكون أتى مرتين، قبل أن يفعل، وبعدما فعل؛ زيادة في الإطمئنان بما أخبره به النبيّ وَّ، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) الضمير لعبد الله بن نُمير: أي ذكر عبد الله نحو حديث الرواة السابقين. [تنبيه]: رواية ابن نمير ساقها الحافظ أبو نُعيم في ((مستخرجه)) (١/ ١٩٢)، فقال: (٣٢٠) حدثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد الله بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أتى النبيّ ◌َل ﴿، فقال: يا رسول الله، أرأيت شيئاً كنت أفعله في الجاهلية، أتحنث به، هل لي فيه أجر؟ فقال النبيّ وَّ: (١) ((الفتح)) ٢٠١/٥ ((كتاب العتق)). ٥٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((أسلمت على ما سلف لك من خير)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . ٥٩ - (بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٤] (١٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِذْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِاِبْنِهِ: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الكوفيّ الحافظ المذكور قبل بابين. ٣ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ الإمام المذكور قبل بابين أيضاً. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه يرسل [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٥ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٦ - (عَبْدُ اللهُ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير ◌َظُه (ت٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. ٥٠٩ (٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف عنه . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، وفقهائهم. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن خاله علقمة بن قيس. وقال النوويّ في ((شرحه)): هذا إسناد رجاله كوفيّون كلهم حُفّاظ متقنون، في نهاية الجلالة، وفيهم ثلاثة أئمة جِلّةٌ فقهاء، تابعيّون، بعضهم يروي عن بعض: سليمان الأعمش، وإبراهيم النخعيّ، وعلقمة بن قيس، وقَلَّ اجتماع مثل هذا الذي اجتمع في هذا الإسناد. انتهى(١). ٥ - (ومنها): أن هذا أصحّ أسانيد ابن مسعود نظر ته، كما قال في ((ألفيّة الحدیث)) : كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ ٦ - (ومنها): أن فيه عبد الله مطلقاً، وقد سبق أنه إذا أُطلق عبد الله في ((الصحابة)) أن الأصحّ أن يُنظر في السند، فإن كان كوفيّاً كما هنا فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيّاً، فهو ابن عمر، وإن كان مكيّاً، فهو ابن الزبير، وإن كان بصريّاً، فهو ابن عبّاس، وإن كان مصريّاً، أو شاميّاً، فهو ابن عمرو بن العاص، وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))، بقوله: طَيْبَةً فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى بِمَكَّةٍ فَهْوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مَصْرٍ ٧ - (ومنها): أن صحابيّه رَُّله من كبار علماء الصحابة ظه، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وممن أمر النبيّ وَ﴿ بأخذ القرآن عنهم، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح عن زٍرّ بن حُبيش، عن عبد الله، (١) ((شرح النووي)) ١٤٤/٢. ٥١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أن أبا بكر وعمر ضَّا بشّراه أن رسول الله بَ له قال: ((مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضّاً، كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، وفي لفظ قال: ((غَضّاً))، أو رَطْباً))، ولفظ: ((غضّاً طريّاً)). [تنبيه]: قال الحافظ: الأعمش موصوف بالتدليس، ولكن في رواية حفص بن غياث عند البخاريّ في ((صحيحه)) في ((قصّة إبراهيم الخليل))؛ صرّح بالتحديث، فقال: حدثنا إبراهيم، قال: ولم أر التصريح بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في هذا الطريق. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل جاء تصريحه أيضاً في رواية شعبة عنه عند ابن منده، في ((الإيمان)) (٤١٧/١)، فقال: (٢٦٦) ثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أبو مسعود، ويونس بن حبيب، قالا: ثنا أبو داود، ثنا شعبة، قال: قال لي الأعمش: ألا أحدِّثك حديثاً جيِّداً؟ (ح)، وأنبأ أحمد بن إسحاق، ثنا العباس بن الفضل، ومحمد بن حرب، قالا: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن الأعمش: سمعت إبراهيم يحدث، عن علقمة، عن عبد الله، لَمّا نزلت: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُمْ يِظُلْمٍ﴾، قال أصحاب النبيّ وَّهِ: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾. انتهى (٢). والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَظُبه أنه (قَالَ: لَمَّا) أي حين (نَزَلَتْ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾) وأنّث الفعل، باعتبار الآية، والمعنى لَمّا نزلت هذه الآية (﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾) أي يَخْلطوا، يقال: لَبَسْتُ الأمرَ بغيره - بفتح الباء - في الماضي، - وكسرها - في المضارع لَبْساً، من باب ضرب: خلطته، وأما لبس الثوب، فهو بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المضارع، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلَيَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾ الآية [الأنعام: ٩]، أي شبّهنا عليهم، وأضللناهم كما ضلّوا (﴿إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢])، أصل (١) ((الفتح)) ١١١/١. (٢) ((الإيمان لابن منده)) ١/ ٤١٧. ٥١١ (٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤) الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب في الشِّبَه: ((من أشبه أباه فما ظلم))، قال الأصمعيّ: ما وضع الشَّبَهَ في غير موضعه، وفي المثل: ((مَن استرعَى الذئبَ فقد ظَلَم))، والظلم أيضاً: الْجَوْر، ومجاوزة الحدّ، والظلم أيضاً: الميل عن القصد، والعرب تقول: الزم هذا الصَّوْبَ، ولا تظلم عنه، أي لا تَجُرْ عنه. قاله ابن منظور (١). وقال القاضي عياض: الظلم في كلام العرب: وضع الشيء في غير موضعه، ثم استُعمل في كلّ عَسْفٍ، فمن كفر بالله، وجحد آياته، وعبد غيره، فقد عَدَلَ عن الحقّ، وتَعَسّف في فعله، ووضع عبادته في غير موضعها، وكذلك في غير ذلك من الأشياء، ومنه قولهم: ظَلَمتُ السِّقَاءَ: إذا سقيته قبل إخراج زُبْده، وظَلَمتُ الأرضَ: إذا حَفَرتَ غير موضع الحفر، وقولهم: لزموا الطريق، فلم يظلموه: أي لم يَعْدِلوا عنه إلى غير طريق، فإطلاقه على الكفر والشرك كثير، كما في هاتين الآتين، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ﴾ الآية [النمل: ٥٢]، والمؤمن العاصي ظالمٌ من حيث تعدّيه الأوامر والنواهي، ووضعها غير موضعها، ونقص إيمانه بذلك، وقد يقع الظلم بمعنى النقص، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُوْنَا﴾ الآية [البقرة: ٥٧]، وفي قوله تُعَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وهو بمعنى الأول. انتهى كلام القاضي(٢). فمعنى قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: أي لم يخلطوه بشرك. وقال محمد بن إسماعيل التميميّ في ((شرحه)): معنى الآية: لم يُفسدوا إيمانهم، ويُبطلوه بكفر؛ لأن خلط الإيمان بالشرك لا يُتَصَوَّر: أي لم يَخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان، فتَحصُلَ لهم صفتان: إيمان متقدّم، وكفر متأخر، بأن كفروا بعد إيمانهم، ويجوز أن يكون معناه: لم يُنافقوا، فيجمعوا بينهما ظاهراً وباطناً: أي لم يُنافقوا، وهذا أوجه، كما قاله الحافظ(٣). (١) ((لسان العرب)) ٣٧٣/١٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٥٠٧/١ - ٥٠٨. (٣) ((الفتح)) ١١٠/١ -١١١ ((كتاب الإيمان)) رقم الحديث (٣٢)، و((عمدة القاري)) ٣٤٠/١. ٥١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَِّهِ، وَقَالُوا: أَيُّنَا) مضاف، ومضاف إليه مبتدأ خبره جملة قوله: (لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟) والجملة مقول القول، وفي رواية للبخاريّ: ((أيّنا لم يظلم؟))، بدون ذكر ((نفسه))، وفي رواية له: ((أينا لم يَلْبِس إيمانه بظلم؟)). والاستفهام للإنكار، أي ليس منا من لا يظلم نفسه. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ) أي ليس الأمر، أو ليس الظلم كما تظنّونه، من أن المراد به ظلم الإنسان نفسه (إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ) اختَلَف العلماء في نبوة لقمان، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ: انَّفَقَ العلماء على أنه كان حكيماً، ولم يكن نبيّاً إلا عكرمة، فإنه قال: كان نبيّاً، وتفرد بهذا القول، وأما ابنه الذي قال له: لا تشرك بالله، فقيل: اسمه أنعم، ويقال: مِشْكَم، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ(١). وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): هو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران في قول السهيليّ، واختَلَف السلف في لقمان، هل كان نبيّاً، أو عبداً صالحاً من غير نبوة؟ على قولين: الأكثرون على الثاني، وقال سفيان الثوريّ، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشيّاً نَجّاراً، قال: وقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبداً صالحاً، ولم يكن نبيّاً، وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبداً أسودَ، عظيم الشفتين، مُشَقَّق القدمين، وقال حَكّام بن سَلْم، عن سعيد الزَّبَيديّ، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبداً حبشيّاً، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضياً على بني إسرائيل. وذكر غيره أنه كان قاضياً على بني إسرائيل في زمان داود . ثم قال ابن كثير - بعد ذكر الآثار -: فهذه الآثار، منها ما هو مُصَرَّح فيه بنفي كونه نبيّاً، ومنها ما هو مُشْعِرٍ بذلك؛ لأن كونه عبداً قد مَسّه الرّقّ، ينافي كونه نبيّاً؛ لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيّاً، وإنما يُنقَل كونه نبياً عن عكرمة، إن صَحّ السند (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/٢. ٥١٣ (٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤) إليه، فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيّاً، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفيّ، وهو ضعيفٌ. انتهى كلام ابن كثير باختصار(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (﴿يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) يعني: أن المراد هنا هو الظلم العظيم، وزاد فيه أبو نعيم في ((مستخرجه))، من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة بعد قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: ((فطابت أنفسنا))، وفي رواية للبخاريّ: ((إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان ... إلخ)). وحاصل المعنى أن الصحابة ﴿ه فهموا الظلم على الإطلاق، فشقّ عليهم ذلك: فبيّن النبيّ وَّي أن المراد: الظلم المقيّد، وهو الظلم الذي لا ظلم بعده . وقال الخطّابيّ: إنما شقّ عليهم؛ لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس، والافتيات السبق إلى الشيء، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنّوا أن المراد هنا: معناه الظاهر، فأنزل الله تعالى الآية، ومن جعل العبادة، وأثبت الربوبيّة لغير الله تعالى فهو ظالم، بل هو أظلم الظالمين(٢). [فإن قلت]: إن ظاهر هذه الرواية أن آية لقمان كانت معلومة عندهم، ولذلك نَبّههم النبيّ وَّ عليها، حيث قال: ((إنما هو كما قال لقمان لابنه ... إلخ)) وهذا يخالف ما وقع عند البخاريّ من طريق شعبة، عن الأعمش: (لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله وَل﴾: أيُّنا لم يَظلِم؟، فأنزل الله وَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾))؛ لأن ظاهره أن هذا السؤال هو سبب نزول آية لقمان. [قلت]: يُجاب بأنه يحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال، فتلاها عليهم النبيّ وَّر، ثم نبّههم عليها، فتلتئم الروايتان. (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) (٤٤٤/٣). (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٤٠/١. ٥١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الخطابيّ: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يُلَقَّب بالظلم، فحَمَلوا الظلم في الآية على ما عداه، يعني: من المعاصي، فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية. قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر، والذي يظهر لي أنهم حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع البخاريّ، وإنما حملوه على العموم؛ لأن قوله: ﴿يِظُلْمٍ﴾ نكرةٌ في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر. قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم، ويقويه، نحو ((من)) في قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبَيَّنَ لهم النبيّ وَّ أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه، وهو الشرك. [فإن قيل]: من أين يلزم أنّ مَنْ لَبَسَ الإيمانَ بظلم لا يكون آمناً، ولا مهتدياً حتى شَقّ عليهم، والسياق إنما يقتضي أن مَن لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد؟، فما الذي دَلّ على نفي ذلك، عمن وُجِد منه الظلم؟. [فالجواب]: أن ذلك مستفاد من المفهوم، وهو مفهوم الصفة، أو مستفاد من الاختصاص المستفاد من تقديم ﴿لَمْ﴾ على الأمن: أي لهم الأمن لا لغيرهم، كذا قال الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقال في قوله تعالى: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]: تقديم ﴿هُوَ﴾ على ﴿قَآئِلُهَا﴾ يفيد الاختصاص: أي هو قائلها لا غيره. [فإن قيل]: لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أن غير الشرك لا يكون ظلماً. [فالجواب]: أن التنوين في قوله: ﴿لَظُلْمُ﴾ للتعظيم، وقد بَيَّن ذلك استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم عظيم: أي بشرك؛ إذ لا ظلم أعظم منه، وقد وَرَد ذلك صريحاً عند البخاريّ في قصة إبراهيم الخليل؛ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، ولفظه: ((قلنا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم (٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤) ٥١٥ بظلم: بشرك، أوَلمْ تسمعوا إلى قول لقمان، فذكر الآية))(١). [فإن قلت]: لِمَ انحصَرَ الظلمُ العظيمُ على الشرك؟. [فالجواب]: أن عظمة هذا الظلم معلومة بنصّ الشارع، وعظمة غيره غير معلومة، والأصل عدمها (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود (المسألة الثانية): في تخريجه: ، هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٣٤/٥٩ و٣٣٥] (١٢٤)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٣٢)، و((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٢٨ و٣٤٢٩)، و((التفسير)) (٤٦٢٩ و٤٧٧٦)، و((استتابة المرتدّين)) (٦٩١٨ و٦٩٣٧)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٦٧)، و(النسائيّ) في ((التفسير)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٠٠/٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٧٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٧/١ و٤٢٤ و٤٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢ و٢١٣ و٢١٥ و٢١٦ و٢١٧ و٢١٨)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٢٢ و٣٢٣ و٣٢٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٣)، و(الطبريّ) (٢٥٥/٧ و٢٥٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٢٦٥ و٢٦٦ و٢٦٧ و٢٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٥/١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): وجوب صدق الإيمان، وأن ذلك لا يكون إلا باجتناب أنواع الشرك، وإخلاص الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد هذا الحديث في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان تفاوت الظلم في أفراده، وأن الشرك أعظم أنواعه، لیس فوقه ظلم. (١) راجع: ((الفتح)) ١١٠/١. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٤١/١. ٥١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٣ - (ومنها): أن النكرة في سياق النفي تعمّ، وأن الخاص يَقْضِي على العامّ، والْمُبَيَّنَ على الْمُجْمَل(١). وقال القرطبيّ: في هذا الحديث ما يدلّ على أن النكرة في سياق النفي تعمّ؛ لأن الصحابة ﴿ه فهموا من ذلك العموم كلّ ظلم، وأقرّهم النبيّ ◌َلـ على ذلك الفهم، وبيّن لهم أن المراد بذلك ظلم مخصوص. انتهى (٢). واعترض القاضي عياض على من استدلّ بالحديث للعموم، فقال: وليس يظهر لي في هذا الحديث حجة للعموم مِن حمل بعض الصحابة الآية على ظلم الإنسان نفسه، وكلّ ظلم، بل أقول: إن طريقهم ﴿ه فيه الطريقة الْمُثْلَى، والنظر الأولى من حملهم لفظ الظلم على أظهر معانيه، وأكثر استعمالاته في مُحتَمَلاته، فإنه وإن كان يُطلق على الكفر وغيره لغةً وشرعاً، فعُرفُ استعماله غالباً، والأظهر من مفهومه إطلاقه في التعسّف، والتعدّي، والعدول عن الحقّ في غير الكفر، كما أن لفظ الكفر يُطلق على معان، من جحد النعم، والحقوق، وسترها، لكن مجرَّد إطلاقه، وغالب شيوعه على ضدّ الإيمان، فعلى هذا وقع فهم الصحابة المراد بالظلم، وتأويلهم الآية، وإشفاقهم من ذلك؛ إذ ورد دون قرينة، ولا بيان يصرفه عن أظهر وجوهه إلى بعض مُحتَمَلاته، حتى بيّن لهم النبيّ وَّ مراد ربه تعالى بما ذكره في الحديث. (٣) انتھی قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي رادّاً على من استدلّ للعموم بالحديث هو عين ما قاله المستدلّون، فمن تأمّل حقيقة ما قرّره وجده هو معنى ما قالوه، والحقّ أن استدلالهم صحيح، كما سبق في تحقيق القرطبيّ، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن اللفظ يُحْمَل على خلاف ظاهره؛ لمصلحة دفع التعارض. ٥ - (ومنها): أن المعاصي لا تُسَمَّى شركاً. (١) راجع: ((الفتح)) ١١١/١. (٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩. (٢) ((المفهم)) ٣٣٥/١. ٥١٧ (٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤) ٦ - (ومنها): أنّ مَن لم يُشرِك بالله شيئاً، فله الأمن، وهو مهتدٍ. [فإن قيل]: إن العاصي قد يُعَذَّب، فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له؟. [فالجواب]: أنه آمنٌ من التخليد في النار، مُهْتَدٍ إلى طريق الجنة، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استنبط منه المازريّ جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ونازعه القاضي عياض، فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن الآمن، واعتقادُ التصديق بذلك يلزم لأَوَّل وروده، فمتى هي الحاجة؟ لكنهم لَمّا أشفقوا منه بيّن لهم المراد به، كتبيين سائر ما بيّن من المشكلات. انتهى كلام القاضي(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما ذكره القاضي متعقّباً للمازريّ وجيةٌ، وللحافظ في ((الفتح)) استدراك على كلام القاضي، وقد تعقّبه العينيّ في استدراكه، فراجع كلامهما (٢)، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): بيان أنّ العامّ على عمومه حتى يَرِد دليل الخصوص. ٩ - (ومنها): جواز إطلاق اللفظ العامّ والمراد به الخصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ذكر الله وعلل في كتابه العزيز بعض وصايا لقمان؛ لابنه، وهي وصايا مهمّة جدّاً، أحببت إيرادها هنا مع ذكر إيضاح معناها(٣)؛ تتميماً للفوائد، وتكميلاً للعوائد. قال الله زميل : ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ [لقمان: ١٢]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ اُلْحِكْمَةَ﴾ أي الفهم والعلم والتعبير ﴿أَنِ اشْكُرْ ج أي أمرناه أن يشكر الله ومن على ما آتاه الله ومنحه، ووهبه من الفضل لِلَّهِ (١) ((إكمال المعلم)) ٥٠٩/١ - ٥١٠. (٢) راجع: ((الفتح)) ١١٠/١، و((عمدة القاري)) ٣٤٢/١. (٣) راجع في إيضاح المعاني المذكورة هنا: تفسير الحافظ ابن كثير لهذه الآيات. ٥١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه، وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، وقولُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] أي غنيّ عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعاً، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ وَإِن جَهَدَالَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِ عِلْمٌ فَلَ تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنْبِتُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (9)﴾ [لقمان: ١٣ - ١٥]. يقول تعالى مخبراً عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم أبيه ثاران، في قول حكاه السهيليّ، وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، وأنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه، وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يَعْرِف، ولهذا أوصاه أوّلاً بأن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئاً، ثم قال مُحَذِّراً له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾ أي هو أعظم الظلم. ثم قَرَن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البرَّ بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِاَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكثيراً ما يَقْرُن تعالى بين ذلك في القرآن، وقال ههنا: ﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾ قال مجاهد: مشقةَ وَهْنِ الولد، وقال قتادة: جَهْداً على جهد، وقال عطاء الخراسانيّ: ضعفاً على ضعف. وقوله: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنٍ﴾ أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامينٍ، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية، ومن ههنا استنبط ابنُ عباس وغيره من الأئمة أنّ أقلّ مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَحَمَلُهُ وَفِصَلْمُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وإنما يذكر تعالى تربيةَ الوالدة، وتَعَبَها، ومشقتها في سَهَرِها ليلاً ونهاراً؛ لِيُذَكِّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٥١٩ (٥٩) - بَابُ وُجُوبٍ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ - حديث رقم (٣٣٤) أَرْحَمْهُمَا كَمَا رََّنِى صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَّ الْمَصِيرُ﴾، أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان، قالا : حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، قال: قَدِمَ علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبيّ رَّر، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول رسول الله وَل إليكم، أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تطيعوني، لا آلوكم خيراً، وأن المصير إلى الله، وإلى الجنة، أو إلى النار، إقامةٌ، فلا ظَعْنَ، وخلود فلا موت(١). وقوله: ﴿وَإِن جَهَدَالَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلِمٌ فَلاَ تُطِعُهُمَا﴾ أي إن حَرَصًا عليك كُلَّ الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفاً: أي محسناً إليهما، ﴿وَأَبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَّ﴾ يعني: المؤمنين، ﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِتُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال الطبرانيّ في ((كتاب الْعِشْرة)): حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، أن سعد بن مالك، قال: أنزلت فِيَّ هذه الآيةُ: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ الآية، قال: كنت رجلاً برّاً بأمي، فلما أسلمتُ قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لَتَدَعَنَّ دينك هذا، أو لا آكل ولا أشرب، حتى أموت، فَتُعَيَّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أَدَعُ ديني هذا لشيء، فمكثت يوماً وليلةً لم تأكل، فأصبحت قد جُهِدتْ، فمكَثَتْ يوماً وليلةً أخرى، لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتَدّ جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين، والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فأكلت(٢). (١) إسناد هذا الأثر صحيح، إلا أن فيه عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلّس، لكن أصل قصة بعث معاذ ربه إلى اليمن ثابت في ((الصحيحين))، وغيرهما. (٢) أثر سعد بن أبي وقّاص ظُّه هذا أخرجه مسلم في ((صحيحه)). ٥٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ﴿يَبُنِىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴿ يَبُنَّ ◌َقِمِ الصَّلَوةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَّمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَّ إِنَّ أَنكَرَ اْأَصْوَتِ لَصَوْتُ لْخِيرِ (َ﴾ [لقمان: ١٦ - ١٩ ] هذه وصايا نافعة قد حكاها الله ◌ُلَ عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس، ويقتدوا بها، فقال: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ أي إن المظلمة، أو الخطيئة، لو كانت مثقال حبة خردل، وجَوَّز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: ﴿إِنَّا﴾ ضمير الشأن والقصة، وجَوَّز على هذا رفع ﴿مِثْقَالَ﴾ والأول أولى، وقوله : ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي أَحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرّ، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَّوَمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَؤُ ﴾﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، ولو كانت تلك الذرة مُحَصَّنةً مُحَجَّبةً في داخل صخرة صَمّاء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزُب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ أي لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء، وإن دَقَّت، ولَطُفَت، وتضاءلت، خبير بدبيب النمل في الليل البهيم، وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: ﴿فَتَكُنْ فِ صَخْرَةِ﴾ أنها صخرة تحت الأرضين السبع، وذكره السُّيّ بإسناده عن ابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، إن صَحّ ذلك، ويُروَى هذا عن عطية العوفيّ، وأبي مالك، والثوريّ، والمنهال بن عمرو، وغيرهم. قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر هذه الأقوال، ما نصّه: وهذا - والله أعلم - كأنه مُتَلَقَّى من الإسرائيليات التي لا تُصَدَّق، ولا تُكَذَّب، والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها، لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها، ويظهرها بلطيف علمه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن