Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
رَوَى عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عُمر، وعقبة بن عامر، وزيد بن
ثابت، وعوف بن مالك، ومسلمة بن مُخَلَّد، وأبي بَصْرَة الغفاريّ، وأبي ذر
الغفاريّ، وعائشة، وأبي الخير، مرثد الیزنيّ، وغيرهم.
رَوَى عنه كعب بن علقمة التَّنُوخِيّ، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن
يعقوب، وإبراهيم بن نَشِيط الْوَعْلانيّ، وواهب بن عبد الله الْمَعَافريّ،
وحَرْملة بن عمران التَّجِيبيّ، وهو آخر مَن حَدّث عنه.
قال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: روايته عن عائشة مرسلةٌ، وقال
اللالكائيّ: سَمِع منها، وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات، وقال ابن
يونس في ((مقدمة تاريخ مصر)): وأهل النقل ينكرون أن يكون ابن شِماسة سَمِعَ
من أبي ذَرّ ◌ُه.
قال يحيى بن بكير: مات بعد المائة، وقال يونس: مات في أول خلافة
يزيد بن عبد الملك.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث: هذا
الحديث (١٢١)، و(١٤١٤): ((المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن ... ))،
و(١٦٤٥): ((كفارة النذر كفارة اليمين))، و(١٨٢٨): «اللهم من ولي من أمر
أمتي شيئاً ... ))، و(١٩١٩): ((من علم الرمي، ثم تركه فليس منا ... ))،
و(١٩٢٤): ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون ... ))، و(٢٥٤٣): ((إنكم
ستفتحون أرضاً، يُذكر فيها القيراط ... ))، وأعاده بعده.
وقال في ((تهذيب الكمال)): له عند الترمذيّ حديث: ((طوبى للشام))،
وعند ابن ماجه آخر في البيوع(١).
وقال في (تهذيب التهذيب)): علّق له البخاريّ حديثاً من روايته عن
عقبة بن عامر في أوائل البيوع، فقال: وقال عقبة: لا يحلّ لامرئ بيع سِلْعة
يَعْلَم بها داءً إلا أخبر به. ووصله ابن ماجه، وغيره. انتهى (٢).
(١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ١٧٢/١٧ - ١٧٤.
(٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٥١٦/٢.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيه]: قوله: ((الْمَهْريّ)) - بفتح الميم، وسكون الهاء -: نسبة إلى مَهْرَة بن
حَيْدان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، قبيلة كبيرة(١)، والله تعالى أعلم.
٨ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد - بالتصغير - بن
سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤَيّ القرشيّ السهميّ، أمير مصر،
يُكنى: أبا عبد الله، وأبا محمد، أمّه النابغة من بني عَنَزَة - بفتح المهملة
والنون -، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل: بين الحديبية وخيبر،
وكان يقول: أذكر الليلة التي وُلِد فيها عمر بن الخطاب، وقال ذاخر الْمَعَافريّ:
رأيت عمراً على المنبر أدعج أبلج، قصير القامة. وذكر الزبير بن بكار،
والواقديّ بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشيّ، وهو بأرض الحبشة.
وذكر الزبير بن بكار أن رجلاً قال لعمرو: ما أبطأ بك عن الإسلام،
وأنت أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم، لهم علينا تقدُّم، وكانوا ممن
يُواري حلومهم الخبال، فلما بُعث النبيّ وََّ، فأنكروا عليه، فلُذْنا بهم، فلما
ذهبوا، وصار الأمر إلينا، نظرنا وتدبرنا، فإذا حَقٌّ بَيِّنٌ، فوقع في قلبي
الإسلام، فعَرَفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أُسرع فيه من عونهم
عليه، فبعثوا إلى فَتَّى منهم، فناظرني في ذلك، فقلت: أنشدك الله ربَّك وربَّ
من قبلك، ومن بعدك، أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى،
قلت: فنحن أوسع عيشاً أم هم؟ قال: هم، قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم، إن
لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا، وهم أعظم منا فيها أمراً في كل شيء؟ وقد
وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت؛ لِيُجزَى المحسنُ
بإحسانه، والمسيء بإساءته حقّ، ولا خيرَ في التمادي في الباطل.
وأخرج البغويّ بسند جيّد عن عُمير بن إسحاق، أحد التابعين، قال:
استأذن جعفر بن أبي طالب رسول الله وَ لّ في التوجه إلى الحبشة، فأَذِنَ له.
قال عُمير: فحدثني عمرو بن العاص، قال: لما رأيت مكانه قلت: والله
لأستقلنّ لهذا ولأصحابه، فذكر قصتهم مع النجاشيّ، قال: فلقيت جعفراً
خالياً، فأسلمت، قال: وبلغ ذلك أصحابي، فغَمُّوني، وسلبوني كل شيء،
(١) راجع: ((الأنساب)) ٤١٧/٥، و(اللباب)) ٢٧٥/٣، و((لب اللباب)) ٢٨٣/٢.

٤٦٣
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
فذهبت إلى جعفر، فذهب معي إلى النجاشيّ، فرّدوا علي كل شيء أخذوه.
ولما أسلم كان النبيّ وَّرِ يقربه، ويدنيه؛ لمعرفته وشجاعته، وولاه غَزَاة
ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، ثم استعمله على
عُمَان، فمات وهو أميرها، ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام، في
زمن عمر، وهو الذي افتتح قِنِّسرين، وصالح أهل حَلَب، ومَنبج، وأنطاكية،
وولاه عمر فلسطين، أخرج ابن أبي خيثمة من طريق الليث، قال: نَظَر عُمَر إلى
عَمْرو يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً،
وقال إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبيّ، عن قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن
العاص، فما رأيت رجلاً أبين، أو قال: أنصع رأياً، ولا أكرم جليساً، ولا
أشبه سريرة بعلانيته منه، وقال محمد بن سلام الْجُمَحيّ: كان عُمر إذا رأى
الرجل يتلجلج في كلامه يقول: أشهد أن خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص
واحد .
وقال مجاهد، عن الشعبي: دُهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو،
والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة
فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير.
وقد رَوَى عمرو عن النبيّ وَّ﴿ أحاديث، ورَوَى عنه ولداه: عبد الله
ومحمد، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو قيس مولى
عمرو، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وأبو عثمان النَّهْديّ، وقَبيصة بن ذؤيب،
وآخرون.
ومن مناقبه نظُه أن النبيّ وَ ◌ّ أَمَّره كما تقدم.
وأخرج أحمد من حديث طلحة، أحدِ العشرة، رفعه: ((عمرو بن العاص
من صالحي قريش))، ورجال سنده ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً بين ابن أبي مليكة
وطلحة، وأخرجه البغويّ، وأبو يعلى من هذا الوجه، وزاد: ((نعم أهل البيت،
عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله))، وأخرجه ابن سعد بسند رجاله ثقات إلى
ابن أبي مليكة مرسلاً، لم يذكر طلحة، وزاد: يعني عبد الله بن عمرو بن
العاص.
وأخرج أحمد بسند حسن، عن عمرو بن العاص، قال: بَعَث إليّ

٤٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
النبيّ وَله، فقال: ((خُذ عليك ثيابك، وسلاحك، ثم ائتني))، فأتيته، فقال: ((إني
أريد أن أَبعثك على جيش، فَيُسَلِّمك الله، ويُغْنِمك، وأَرغب لك من المال رغبةً
صالحة))، فقلت: يا رسول الله، ما أسلمتُ من أجل المال، بل أسلمت رغبةً
في الإسلام، قال: ((يا عمرو نِعِمًا بالمال الصالح المرءُ الصالحُ)). وأخرج
أحمد، والنسائيّ، بسند حسن، عن عمرو بن العاص ◌َظُه، قال: فَزِعَ أهلُ
المدينة فَزَعاً، فتفرقوا، فنظرت إلى سالم، مولى أبي حذيفة في المسجد، عليه
سيف مختفياً، ففعلت مثله، فخطب النبيّ وَ *، فقال: ((ألا يكون فزعكم إلى الله
ورسوله؟ ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان؟».
وولي عمرو إِمْرَة مصر في زمن عمر بن الخطاب، وهو الذي افتتحها،
وأبقاه عثمان قليلاً، ثم عزله، وَوَلَّى عبد الله بن أبي سرح، وكان أخا عثمان
من الرضاعة، فآل أمر عثمان بسبب ذلك إلى ما اشتَهَرَ، ثم لم يزل عمرو بغير
إِمْرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية، فَلَحِقَ بمعاوية، فكان معه يُدَبِّر أمره
في الحرب، إلى أن جَرَى أمرُ الْحَكَمين، ثم سار في جيش جهزه معاوية إلى
مصر، فوَلِيَها لمعاوية من صفر سنة ثمان وثلاثين إلى أن مات سنة ثلاث
وأربعين على الصحيح الذي جزم به ابن يونس وغيره من المتقنين، وقيل: قبلها
بسنة، وقيل: بعدها، ثم اختلفوا، فقيل: بست، وقيل: بثمان، وقيل: بأكثر
من ذلك، قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة، وذَكَر ابن الْبَرْقيّ، عن
يحيى بن بكير، عن الليث: تُوُفي وهو ابن تسعين سنة، وقال العجليّ: عاش
تسعاً وتسعين سنة(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط(٢): هذا
(١٢١)، وحديث (٢١٥): ((ألا إن آل أبي يعني فلاناً ... ))، و(١٠٩٦): ((فَصْلُ
ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب ... ))، و(١٧١٦): ((إذا حَكَم الحاكم،
(١) راجع: ((سير أعلام النبلاء)) ٥٤/٣ - ٧٧، و((الإصابة)) ٥٣٧/٤ - ٥٤١.
(٢) قال الحافظ الذهبيّ في ((السير)): له أحاديث ليست كثيرة، تبلغ بالمكرّر نحو
الأربعين، اتّفق البخاريّ ومسلم على ثلاثة أحاديث منها، وانفرد البخاريّ بحديث،
ومسلم بحديثين. انتهى. ((سير أعلام النبلاء)) ٥٥/٣.

٤٦٥
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
فاجتهد ... ))، و(٢٣٨٤): ((عائشةُ، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها ... ))، والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن
بینھم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي معن، فمن أفراده،
وإسحاق، فما أخرج له أبو داود، وابن شِمَاسة، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من حيوة، والباقون بصريّون، إلا
إسحاق، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه محمد بن المثنّى أحد مشايخ الأئمة الستة بلا
واسطة، وقد سبق غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ لابن المثنّى، حدثنا الضحّاك، يعني:
أبا عاصم))، وبيانه أن شيوخه الثلاثة اشتركوا في الرواية عن أبي عاصم
الضحاك، وقد صرّح منهم ابن المثنى بالتحديث عنه، فقال: ((حدّثنا الضحّاك))،
ولما أراد المصنّف توضيحه بكنيته زاد كلمة ((يعني))، فصلاً بين ما رواه، وبين
ما زاده، وقد سبق بيان ذلك غير مرّة.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، أثنى عليه النبيّ وَلآ،
وقال: ((أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص))، رواه أحمد، والترمذيّ بسند
حسن(١)، وقد أمّره مَّير على ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر، وعمر ◌َّه، فهو
ذو مناقب جمة
٨ - (ومنها): أن كلّاً من الصحابيّ، وابن شماسة، وحيوة هذا أول محلّ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ١٥٥/٤، والترمذيّ في ((الجامع)) (٣٨٤٤) وفي سنده ابن
لهيعة، لكنه من رواية عبد الله بن يزيد المقرئ عنه، وهي صحيحة؛ لكونه رواها
عنه قبل احتراق کتبه.

٤٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ذكرهم في هذا الكتاب، وقد عرفت عدد ما رواه لهم المصنّف فيه آنفاً، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الرحمن (بْنِ شِمَاسَةَ) قال القرطبيّ: رويناه بفتح الشين
وضمّها، وأبوه من بني مَهْرَة قبيلة (الْمَهْرِيِّ) - بفتح، فسكون - تقدّم أنه نسبة
إلى قبيلة من قُضاعة، أنه (قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) رَبُهُ (وَهُوَ فِي سِيَاقَةٍ
الْمَوْتِ) تقدّم أن موته كانت سنة (٤٣)، وهو ابن (٩٠) سنة.
و(السياق)): بكسر السين، أي حال حضور الموت، ونزع الروح، قال
المجد: ساق المريضُ سَوْقاً، وسِيَاقاً: شَرَع في نزع الروح(١).
وأصل السياق سِوَاق، فقُلبت الواو ياءً؛ لكسرة السين، أفاده الطيبيّ(٢).
(فَبَكَى طَوِيلاً) أي خوفاً من الله تعالى، وتذكّر أهل يوم القيامة، مع ما له
من شرف صحبة رسول الله وَل﴾، وبلائه في الإسلام بلاء حسناً، لكن حال
عباد الله الصالحين دائماً شدّة الخوف، والبكاء على التقصير مهما بلغت عبادته
وطاعته (وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ) أي ابتعاداً من القوم الحاضرين؛ لئلا يشغلوه
عما هو فيه من مناجاة ربّه، ومطالعة الآخرة (فَجَعَلَ ابْنُهُ) عبد الله بن
عمرو ريته، وفي رواية الإمام أحمد في «مسنده)) (١٩٩/٤) من طريق ابن
المبارك، عن ابن لهيعة: فقال له ابنه عبد الله: لِمَ تبكي، أجْزَعاً على
الموت؟، فقال: لا، ولكن مما بعدُ ... (يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ): أي ((يا أبي))، وفي
نسخة: ((يقول له: يا أبتاه ما يُبكيك؟)).
[تنبيه]: أصل ((يا أبتي))، يا أبي، والقاعدة أن ما أضيف إلى ياء
المتكلّم، وكان صحيح الآخر جاز فيه خمسة أوجه، جمعها ابن مالك في
((الخلاصة)) بقوله :
وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَـ((عَبْدِ)) ((عَبْدِي)) ((عَبْدَ)) ((عَبْدِيَا))
(١) (القاموس المحيط)) ص٨٠٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤١٣/٤.

٤٦٧
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
ويُزاد وجه سادس، وهو ضمّ الاسم بعد حذف الياء، كالمفرد اكتفاءً بنيّة
الإضافة، وذلك فيما يكثر نداؤه مضافاً للياء، كالربّ، والأبوين، والقوم،
قرئ: ﴿رَبُّ السجنُ أحبُّ إليّ﴾ [يوسف: ٣٣]، وحُكي ((يا ربُّ اغفر لي))، و((يا
أُمُّ لا تفعلي)).
ويزاد على هذه الستة إذا كان المنادى ((أباً)) و((أمّاً))، أربع لغات:
يقال: ((يا أبتِ)) و((يا أمت))، بفتح التاء، وكسرها، وإليه أشار ابن مالك
بقوله :
وَفِي النِّدَا (أَبَتَ)) ((أُمَّتَ)) عَرَضْ وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا الَّا عِوَضْ
فصارت اللغات مع الستة الماضية ثمانية، ويزاد تاسع، وهو ضم التاء،
نُقل عن الخليل أنه سَمِعَ من العرب من يقول: يا أبتُ، ويا أُمّتُ. وعاشرٌ،
وهو إلحاق ألف الندبة، فيقال: يا أبتا، ويا أمتا، وهذه تلحقها هاء السكت،
فيقال: يا أبتاه، ويا أمتاه، فجملة اللغات في نداء الأب والأم عشر لغات.
ولا يجوز إثبات الياء، فلا تقول: يا أبتي، ويا أمّتي، إلا في الضرورة،
كقوله [من الطويل]:
أَيَا أَبَتِي لَا زِلْتَ فِينَا فَإِنَّمَا لَنَا أَمَلٌ فِي الْعَيْشِ مَا دُمْتَ عَائِشَا
والهاء هي هاء السكت تزاد وقفاً ساكنة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَوَاقِفاً زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ وَإِنْ تَشَا فَالْمَدَّ وَالْهَا لَا تَزِدْ
ولا تزاد في الوصل إلا في الضرورة، فتزاد مضمومة، ومكسورة، وأجاز
الفرّاء زيادتها في الوصل بالوجهين(١).
وعلى قول الفرّاء: يجوز في هذا الحديث ((يا أبتاه)) بضمّ التاء كما هو
الشائع على الألسنة، وكذا يجوز كسرها، ولكن الأولى إسكانها، كما هو رأي
جمهور النحاة، فتنبّه لهذه الدقيقة، والله تعالى أعلم بالصواب.
(أَمًا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، أداة استفتاح بمنزلة ((ألا))، ويحتمل
أن تكون بمعنى ((حَقّاً))، أو ((أحقّاً))، وصوّب ابن هشام كونها كلمتين، الهمزة
(١) راجع: ((حاشية الصبان على الأشموني)) ١٥٨/٣ - ١٧١، و((حاشية الخضري على
ابن عقيل)) ١٣/٢.

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
للاستفهام، و((ما)) اسم بمعنى حقّ، وموضع ((ما)) نصب على الظرفيّة، فالمعنى
((أحقّاً))(١).
فالمعنى هنا: حقّاً بشّرك رسول الله وَله، أو أحقّاً بشّرك رسول الله وَله؟،
والاستفهام للتقرير.
(بَشَّرَكَ) بتشديد الشين المعجمة، ويجوز تخفيفها، قال الفيّوميّ: وبَشَرَ
يتعدّى بالحركة، فيقال: بَشَرته أَبْشُرُهُ بَشْراً، من باب قَتَلَ في لغة تهامة، وما
والاها، والاسم منه بُشْرٌ، بضم الباء، والتعدية بالتثقيل لغة عامّة العرب، وقرأ
السبعة باللغتين، واسم الفاعل من المخفّف بَشِيرٌ. انتهى(٢). (رَسُولُ اللهِ وَهُ
بِكَذَا؟، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ێ( بِكَذَا؟) كرّره ليزداد استبشاره، وتستأنس نفسه،
فيزول حزنه، وفي رواية أحمد المذكورة: ((فقال له: قد كنتَ على خير، فجعل
يُذكّره صحبة رسول الله وَّ، وفتوحه الشام، فقال له عمرو: وتركتَ أفضل من
ذلك كلّه، شهادة أن لا إله إلا الله ... )).
(قَالَ) ابن شِماسة (فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ) أي توجّه عمرو ◌َظُه إليهم بعد أن حوّل
وجهه إلى الجدار (فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُ) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من
الإعداد: أي إن أفضل العمل الذي نهيّئه للقاء الله تعالى (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ) أي الإيمان بالله تعالى، وتوحيده، وتصديق
رسوله و 38، والنطق بذلك؛ لأنه أفضل الأعمال؛ فقد تقدّم أن النبيّ وَّ سئل:
أيّ العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله))، وليكون خاتمةَ أمره، وآخرَ
كلامه قولُ: ((لا إله إلا الله))، فقد أخرج أحمد، وأبو داود في ((سننه)) بإسناد
حسن، عن معاذ بن جبل نظريته قال: قال رسول الله وَله: ((من كان آخر كلامه،
لا إله إلا الله، دخل الجنة))(٣).
(إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ) أي على أحوال، ومنازل، ومنه قوله تعالى:
[الانشقاق: ١٩] أي حالاً بعد حال، وأنّث ثلاثاً مع
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ
(١) راجع: ((مغني اللبيب)) ٥٥/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٩/١.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) رقم (٢١٥٢٩ و٢١٦٢٢)، وأبو داود في
((سننه)) رقم (٣١١٦).

٤٦٩
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
كون الطَّبَق مذكّراً؛ نظراً لكونه بمعنى الحال، وهو يذكّر ويؤنّث، أو لكون
المعدود مقدّماً؛ فقد سبق أن قلنا: إن قاعدة تذكير العدد وتأنيثه، إنما تجب إذا
وقع المعدود تمييزاً، وأما إذا تقدّم، كما هنا، أو حُذف، كحديث: ((من صام
رمضان، وأتبعه ستاً من شوّال))(١)، جاز فيه الأمران، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
ثم أشار إلى الطَّبَق الأوّل من الأطباق الثلاث بقوله:
(لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي رأيت نفسي، وقد تقدّم الكلام على أن من خواصّ
أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد،
كـ((ظننتني))، و((رأيتني)) مستوفَّى، فلا تَنْسَ.
و((رأى)) هنا بصريّة، وهي ملحقة بأفعال القلوب في الحكم المذكور(٢).
وفي رواية أحمد المذكورة: ((إني كنت على ثلاثة أطباق، ليس فيها طَبَقٌّ
إلا قد عرفتُ فيه نفسي، كنت أول شيء كافراً، فكنت أشدّ الناس على
رسول الله (وَلير ... )).
(وَمَا) الواو حالية، و((ما)) نافية حجازيّة، تعمل عمل ((ليس))، كما قال في
(الخلاصة)» :
مَعَ بَقَا النَّفْىٍ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
عَمَلَ (لَيْسَ)) أُعْمِلَتْ ((مَا)) دُونَ ((إِنْ))
وقال الحريريّ في ((ملحته)):
فِي قَوْلِ سُكَّانِ الْحِجَازِ قَاطِبَهْ
وَ((مَا)) الَّتِي تَنْفِي كَـالَّيْسَ)) النَّاصِبَةْ
وقوله: (أَحَدٌ) اسمها و(أَشَدَّ) خبرها، و(بُغْضاً) منصوب على التمييز
(لِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنِّي) الجارّ متعلّق بـ((بغض))، والثاني بـ((أشدّ))، ويحتمل أن
تكون ((ما)) تميميّة، لا تعمل، فيكون قوله: ((أحدٌ أشدُّ) مرفوعاً على الابتداء
والخبر.
والمعنى: أنه لا يوجد أحد أشدّ بغضاً له وَل من عمرو بن العاص قبل
أن يُسلم.
(وَلَا أَحَبَّ) بالنصب عطفاً على ((أشدّ))، ويحتمل الرفع على ما سبق آنفاً
(١) سيأتي للمصنّف في ((كتاب الصيام)) برقم (١١٦٤).
(٢) راجع: ((حاشية الخضري على ابن عقيل) ٢٢١/١.

٤٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(إِلَيَّ) متعلّق بـ((أحبّ)) (أَنْ) مصدريّةٌ (أَكُونَ) في تأويل المصدر مجرور بـ((من))
مقدّرةً، أي من كوني (قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ) أي قدرت عليه، يقال: استمكن منه:
قَدَرَ عليه(١). (فَقَتَلْتُه) وَّر، والمعنى أن أحبّ شيء إلى عمرو في تلك الحالة
أن يتمكن من النبيّ وَّ، فيقتله؛ لشدّة بغضه له، قال عمرو ◌َُّه (فَلَوْ مُتُّ)
بضم الميم، وكسرها، يقال: مات الإنسان يموتُ موتاً، من باب قال، ومَاتَ
يَمَاتُ موتاً، من باب خاف، وفيه لغة ثالثة: مِتّ بكسر الميم تموتُ، وهي من
باب تداخل اللغتين (٢). (عَلَى تِلْكَ الْحَالِ) التي ذكرها من شدّة البغض، وتمنّ
قتله الله .
[تنبيه]: الأفصح في ضمير ((الحال)) ووصفه التأنيث، ولذا قال هنا:
((على تلك الحال))، فأنّث ((تلك))، وفي لفظه التذكيرُ بأن يجردّ من التاء،
فيقال: حالٌ حسنةٌ، ومنه قول الشاعر:
إِذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِنِ امْرِىءٍ
وألفها بدل من الواو؛ لجمعها على أحوال، وتصغيرها على حُويلة،
مشتقّة من التحوّل، وهو التنقّل(٣).
(لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لكونه كافراً بالله تعالى، ورسوله وَّه، ﴿وَالَّذِينَ
[البقرة: ٣٩].
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَّا أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ
ثم أشار إلى الطبق الثاني من أطباقه الثلاث بقوله:
(فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي) عبّر بالجعل إشارة إلى أنه تمكّن من
قلبه، واطمأنت به نفسه (أَتَيْتُ النَِّيَّ وَِّ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ) فيه أن السنّة في
المبايعة أن تكون باليد اليمنى، (فَلْأُبَابِعْك) قال القرطبيّ: بكسر اللام، وإسكان
العين على الأمر: أي أمر المتكلّم لنفسه، والفاء جواب لما تضمّنه الأمر الذي
هو ((ابسط)) من الشرط، ويصحّ أن تكون اللام لامَ ((كَيْ))، ويُنصب ((أُبايعَكَ))،
وتكون اللام سببيّةً. انتهى(٤).
(١) راجع: ((المصباح)) ٢/ ٥٧٧.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٨٣/٢.
(٣) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل)) ٣١٤/١.
(٤) ((المفهم)) ٣٢٨/١.

٤٧١
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: بكسر اللام، ويجوز تسكينها؛ لأن
لام الأمر يجوز تسكينها، بل هو الأكثر في الاستعمال بعد الواو، والفاء،
و(ثُمّ))، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْبَطَّوَّفُوْ بِالْبَيْتِ
الْعَيِّيقِ ﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية
[النور: ٦٣].
و(اعلم): أن جزم لام الأمر لفعل المتكلّم جائز، مع قلّته، كما قوله
تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ الآية [العنكبوت: ١٢]، وكحديث ((الصحيحين)):
((قوموا فلأصلِّ لكم ... )) الحديث.
وأما قوله: ((ويصحّ أن تكون اللام لام ((كي)) ... إلخ))، ففيه بعدٌ لا
يخفى، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(فَبَسَطَ) وَهِ (يَمِينَهُ، قَالَ) عمرو رَظُهُ (فَقَبَضْتُ يَدِي) لإرادة إدخال شرط
في المبايعة (قَالَ) بَّهِ ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟))) أي أيُّ شيء بدا لك في قبض يدك
بعد البسط؟ (قَالَ) عمرو (قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ) وَّهِ («تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟»)
قال النوويّ: هكذا ضبطناه ((بما)) بإثبات الباء، فيجوز أن تكون زائدة، ؛
للتوكيد، كما في نظائرها، ويجوز أن تكون دخلت على معنى ((تشترط))، وهو
((تحتاط)): أي تحتاط بماذا؟. انتهى(١).
وقال الأبيّ بعد نقل كلام النوويّ هذا: قلت: زيادتها في غير خبر ((ما))،
و(ليس))، وفاعل ((كفَى))، ومفعوله، و((أَفْعِل به)) ضرورة عند البصريين،
فالتضمين أقرب، وإن كان فيه خلاف بين الأندلسيين، وعلى أنها زائدة فـ((ما))
مفعوله، وصحّ ذلك؛ لأن الاستفهام إذا قُصد به الاستثبات صحّ أن يَعْمَل فيه
ما قبله. انتهى (٢).
(قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي) أي أشترط أن يغفر الله رَّ ذنوبي التي ارتكبتها قبل
هذا (قَالَ) بَِّ ((أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ((ألا)) (عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ)
بكسر الدال، يقال: هَدَمتُ البناءَ هَدْماً، من باب ضرب: إذا أسقطته، فانهدم،
ثمّ استُعير في جميع الأشياء، فقيل: هَدَمتُ ما أبرمه من الأمر، ونحوه، قاله
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/٢ - ١٣٨.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٢٢٩/١ - ٢٣٠.

٤٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الفيّوميّ(١). (مَا كَانَ قَبْلَهُ) موصولة مفعول به لـ((يَهْدِمُ)).
والمعنى: أنه يُسقطه، ويمحو أثره.
قال القاضي عياضٌ: معنى ((ما كان قبله)) أي من أعمال الشرك؛ إذ عنها
طلب عمرو الغفران، ثم إن مقتضى عُموم اللفظ يأتي على الذنوب، لا سيّما
مع ذكر الحجّ، فقد يكون ذكره الهجرةَ كنايةً عن الإسلام، فَيجُبُّ ما قبله من
الكفر وأعماله، وهي مسألة عمرو، وذَكَر الحجّ ليعلمه أيضاً أن الحسنات
يُذهبن السيئات، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِ الصَلَوَةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّتْلِّ إِنَّ
اَلَْسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. انتهى (٢).
قال الجامع: قول القاضي: ((فيكون ذكره الهجرة كناية ... إلخ)) الأولى
حمل الهجرة على الهجرة المعروفة، وأنها تهدم السيئات، فلا داعي لما قاله،
فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(وَأَنَّ الْهِجْرَةَ) بكسر، فسكون: هي في الأصل الاسم من الهَجْر: ضدّ
الوصل، وقد هجَرَ يَهجُر هَجْراً، من باب نصر، ثم غلب على الخروج من
أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال منه: هاجر مهاجرة، قاله ابن
الأثير(٣).
وقال الفيّوميّ: ((الْهِجْرة)) بالكسر: مفارقة بلد إلى غيره، فإن كانت قُربةً لله
فهي الهِجْرة الشرعيّة، وهي اسم من هاجر مُهاجرةً. انتهى(٤).
(تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا) أي من الذنوب (وَأَنَّ الْحَجَّ) تقدّم أنه بفتح الحاء،
وكسرها، فالفتح مصدر حَجّ، من باب نصر: إذا قَصَدَ، ثم قُصِرَ استعماله في
الشرع على قصد الكعبة للحج، أو العمرة، والكسر اسم منه (يَهْدِمُ مَا كَانَ
قَبْلَهُ؟) قال القرطبيّ: الهدم هنا استعارة، وتوسّعٌ، يعني به: الإذهابَ والإزالةَ؛
لأن الجدار إذا انهدم، فقد زال وضعه، وذهب وجوده، وقد عبّر عنه في
الرواية الأخرى بالْجَبّ، فقال: ((يَجُبُّ)): أي يقطع، ومنه المجبوب، وهو
المقطوع ذكره، ومعنى العبارتين واحد، والمقصود: أن هذه الأعمال الثلاثة
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢.
(٣) ((النهاية)) ٢٤٤/٥ بزيادة.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤٩٨/١.
(٤) ((المصباح)) ٦٣٤/٢.

٤٧٣
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
تُسقط الذنوب التي تقدّمتها كلَّها، صغيرها وكبيرها، فإن الألفاظ عامّة، خرجت
على سؤال خاصّ، فإن عمراً إنما سأل أن تُغفَر له ذنوبه السابقة بالإسلام،
فأجيب على ذلك، فالذنوب داخلة في تلك الألفاظ العامّة قطعاً، وهي بحكم
عمومها صالحة لتناول الحقوق الشرعيّة، والحقوق الآدميّة، وقد ثبت ذلك في
حقْ الكافر الحربيّ إذا أسلم، فإنه لا يطالب بشيء من تلك الحقوق، ولو قَتَلَ،
وأَخَذَ الأموال لم يُقتصّ منه بالإجماع، ولو خَرجت الأموال من تحت يده لم
يُطالَب بشيء منها، ولو أسلم الحربيّ، وبيده مال مسلم: عبيد، أو عُروض،
أو عينٌ، فمذهب مالك: أنه لا يجب عليه ردّ شيء من ذلك؛ تمسّكاً بعموم
هذا الحديث، وبأن للكفّار شبه ملك فيما حازوه من أموال المسلمين وغيرهم؛
لأن الله تعالى قد نسب لهم أموالاً وأولاداً، فقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ
وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ [التوبة: ٥٥].
وذهب الشافعيّ إلى أن ذلك لا يحلّ لهم، وأنه يجب عليهم ردّها إلى من
كان يملكها من المسلمين، وأنهم كالْغُصّاب، وهذا يُبعده أنهم لو استهلكوا
ذلك في حال كفرهم، ثم أسلموا، لم يضمنوا بالإجماع، على ما حكاه أبو
محمد عبد الوهاب، فأما أسر المسلمين الأحرار، فيجب عليهم رفع أيديهم
عنهم؛ لأن الحرّ لا يُملَكُ، وأما من أسلم من أهل الذمّة، فلا يُسقط عنه
الإسلام حقّاً وجب عليه لأحد من مال، أو دم، أو غيرهما؛ لأن أحكام
الإسلام جاريةٌ عليهم.
قال: وأما الهجرة، والحجّ، فلا خلاف في أنهما لا يُسقطان إلا الذنوب
والآثام السابقة، وهل يُسقطان الكبائر، أوالصغائر فقط؟ موضع نظر، سيأتي
تحقيقه في ((كتاب الطهارة)) - إن شاء الله تعالى _(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك من
عموم ظاهر هذا الحديث لحقوق الله تعال، ولحقوق الآدميين، فتسقط كلها عن
الكافر إذا أسلم هو الأرجح؛ عملاً بظاهر العموم، والله تعالى أعلم.
ثم أشار إلى الطّبَقِ الثالث، فقال:
(١) ((المفهم)) ٣٢٩/١ - ٣٣٠.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَمَا) نافية (كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي
مِنْهُ) أي لامتلاء قلبه بالإيمان، (وَمَا) نافية أيضاً (كُنْتُ أُطِيقُ) بضم أوله، من
الإطاقة (أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ) بتشديد الياء على التثنية (مِنْهُ؛ إِجْلَالاً لَهُ) أي تعظيماً
لقدره وَ له (وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ) بَّهِ (مَا أَطَقْتُ) أي ما استطعت وصفه (لِأَنِّي
لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ) بتشديد الياء على التثنية أيضاً (مِنْهُ) أي من النظر إليه وَله .
وفي رواية أحمد المذكورة: ((فما ملأت عيني من رسول الله وَ له، ولا
راجعته فيما أريد حتى لحق بالله رَك حياءً منه، فلو مُتّ يومئذ، قال الناس:
هنيئاً لعمرو، أسلم، وكان على خير، فمات، فرُجِي له الجنة ... )).
(وَلَوْ مُتُّ) تقدّم أنه بضم الميم، وكسرها (عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، لَرَجَوْتُ أَنْ
أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي لأن من مات على خير عمله يدخل الجنة، بمقتضى
الوعد السابق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ
[الكهف: ١٠٧]، وقال ◌َ له فيما سبق للمصنّف من حديث عثمان ـ
قال: قال رسول الله وَله: ((من مات، وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل
الجنة)) .
(ثُمَّ وَلِينَا) بفتح الواو، وكسر اللام مخفّفةً، من باب وَرِثَ يَرِثُ، يقال:
ولي الأمرَ: إذا قام به، والمراد أنه تولّى (أَشْيَاءَ) أي لأنه كان والياً على مصر،
كما تقدّم في ترجمته، فقد افتتحها في خلافة عمر ظُه، وولي إمرتها عشر
سنين، وثلاثة أشهر، أربعاً من قبل عمر، وأربعة من قبل عثمان، وسنتين وثلاثة
أشهر من قبل معاوية ﴿ه، واشترك مع معاوية في حرب عليّ ظَه. (مَا) نافية
(أَدْرِي، مَا) استفهاميّة، مبتدأ خبره قوله: (حَالِي فِيهَا؟) والجملة مفعول ((أدري))
معلّق عنها العامل: أي لا أعلم أيُّ شيء حالي في تلك الأشياء، هل عدلت
فيها، فأُثاب، أو عدلت عنها، فأعاقب؟.
وفي رواية أحمد المذكورة: ((ثم تَلَبَّستُ بعد ذلك بالسلطان وأشياء، فلا
أدري: عليّ، أم لي؟)).
(فَإِذَا أَنَا مِتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ (نَائِحَةٌ) أي
امرأة صائحة بالبكاء، ونادية بالنداء للميت، فإنه يؤذي الميت والحيّ، ويَشغَل
المشيِّع عن ذكر الموت، وفناء الدنيا، والفكر في مصيرهم في الآخرة (وَلَا نَارٌ)

٤٧٥
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
أي للمباهاة والرياء، كما كان عادة للجاهليّة، ولأنه من التفاؤل القبيح(١).
وقال القرطبيّ: إنما وصّى باجتناب هذين الأمرين؛ لأنهما من عمل
الجاهليّة، ولنهي النبيّ بَّر عن ذلك. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن قول عمرو ظلاله: ((فإذا أنا
متّ ... )) إلى آخر كلامه إنما قاله مما سمعه من النبيّ ◌َّر، فيكون له حكم الرفع،
ويحتمل أن يكون اجتهاداً منه مظلته، ومهما كان الأمر فإن له أدلةً أخرى من
النصوص المرفوعة تؤيّده، سيأتي بيانها في ((كتاب الجنائز)) - إن شاء الله تعالى -.
(فَإِذَا دَفَتْتُمُونِي) أي أردتم دفني (فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَّاً) أي صُبّوه صبّاً
بسهولة، قال النوويّ: ضبطناه بالسين المهملة وبالمعجمة، وكذا قال القاضي:
إنه بالمعجمة والمهملة، قال: وهو الصبّ، وقيل: بالمهملة: الصبّ في
سُهُولة، وبالمعجمة: التفريق. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ: رُوي هذا الحديث بالسين المهملة والمعجمة، فقيل: هما
بمعنى واحد، وهو الصبّ، وقيل: هو بالمهملة: الصبّ في سُهولة،
وبالمعجمة: صبّ في تفريق، وهذه سنّةٌ في صبّ التراب على الميت في القبر،
قاله عياض، وقد كَرِه مالك في ((الْعُتبيّة))(٤) الترصيص على القبر بالحجارة
والطوب. انتهى(٥).
وقال الطيبيّ: معنى ((شُنُّوا عليّ التراب)): أي ضَعُوه وَضْعاً سَهْلاً(٦).
(ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي، قَدْرَ مَا تُنْحَرُ) بالبناء للمفعول، يقال: نَحَرَ البعيرَ،
من باب مَنَعَ: إذا طعنه حيث يبدو الْحُلْقُومُ على الصدر قاله المجد(٧). (جَزُورٌ)
(١) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ١٩٦/٤.
(٢) ((المفهم)) ٣٣٠/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/٢.
(٤) ((العتبية)) مسائل في مذهب الإمام مالك، منسوبة إلى مصنّفها محمد بن أحمد العُتبيّ
القرطبيّ المتوفّى سنة (٢٥٤هـ).
(٥) ((المفهم)) ٣٣٠/١.
(٦) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤١٣/٤.
(٧) ((القاموس المحيط)) ص٤٣٢ - ٤٣٣.

٤٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بفتح الجيم، وضمّ الزاي: قال ابن الأثير: هي: البعير ذكراً كان أو أنثى، إلا
أن اللفظة مؤنّثةٌ، تقول: هذه الجَزورُ، وإن أردت ذكراً، والجمع ◌ُزُرٌ،
وجزائر. انتهى(١).
وقال المجد: الْجَزُور: البعير، أو خاصّ بالناقة. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ: الْجَزُورُ من الإبل خاصّة يقع على الذكر والأنثى، والجمع
جُزُرٌ، مثل رَسُولٍ ورُسُلٌ، ويُجمَعُ أيضاً على جُزُرَات، ثم على جزائر، ولفظ
الْجَزور أنثى، يقال: رَعَتِ الْجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصّغَانيّ: وقيل:
الْجَزورُ: الناقة التي تُنْحَرُ، وجَزَرتُ الْجَزُور وغيرها، من باب قَتَلَ: نَحَرتُها،
والفاعل جَزّارٌ، والْحِرْفَةُ الْجِزَارةُ بالكسر. انتهى(٣) .
وفي ((الإكمال)): الْجَزور من الإبل، والْجَزْرة من غيرها، وفي ((كتاب
العين)»: الْجَزْرَةُ: من الضأن والمعز خاصّة. انتهى (٤).
وفي رواية أحمد المذكورة: ((فإذا متُّ فلا تبكينّ عليّ، ولا تُتبعني
مادحاً، ولا ناراً، وشُدُّوا عليّ إزاري، فإني مخاصَمٌ، وسُنُّوا عليَّ التراب سَنّاً،
فإن جنبي الأيمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تَجعلنّ في قبري
خشبةً ولا حَجَراً، فإذا واريتموني، فاقعدوا عندي قدرَ نحر جزور وتقطيعها،
أستأنس بکم)).
(وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا) بيناء الفعل للمفعول أيضاً (حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ) أي لأجل
أن أجد أُنساً بسبب قربكم منّي (وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي؟) أي: أيّ
شيء يكون جوابي لأسئلة الملائكة الذين يرسلهم ربي لسؤالي، وهما ملكان،
ففيه إطلاق الجمع على الاثنين، وهو يؤيّد مذهب من يقول: إن أقل الجمع
اثنان، وهو الصحيح، وقد حقّقت ذلك في ((التحفة المرضيّة)) وشرحها ((المنحة
الرضيّة))، في أصول الفقه، فراجعه تستفد علماً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((النهاية)) ٢٦٦/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٩٨/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٢٩.
(٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٥٠٠.

(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
٤٧٧
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد المصنف.
مضرعنه
(المسألة الأولى): حديث عمرو بن العاص
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا في ((الإيمان)) [٣٢٨/٥٧] (١٢١)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (١٩٩/٤ و٢٠٥)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٠٠، ٢٠١)، و(أبو
نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣١٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥١٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٨/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الإسلام يَهدم ما حصل قبله من الكبائر والآثام،
ففيه بيان فضل الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان أن الهجرة، والحجّ يهدمان ما قبلهما، لكن قيّده
جمهور العلماء بالصغائر، والأرجح عندي أنه يعمّ الكبائر والصغائر، ويدلّ
عليه قوله وَّةٍ: ((من حَجّ لله، فلم يَرفُث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه))،
متّفقٌ عليه، فإنه تشبيه بليغ في غفران جميع الذنوب، فإن العبد حينما يولد ليس
عليه شيء من الذنوب كبائرها وصغائرها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في
محلّه - إن شاء الله تعالى.
٣ - (ومنها): استحباب تنبيه المحتضر على إحسان ظنه بالله وال وذكر
آيات الرجاء، وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أَعَدَّه الله تعالى للمسلمين،
وذكر حسن أعماله عنده؛ ليُحْسِن ظنه بالله تعالى، ويموت عليه، وهذا الأدب
مستحب بالاتفاق، وموضع الدلالة له من هذا الحديث قول عبد الله بن
عمرو رَّه لأبيه: ((أما بَشّرَك رسول الله وَّهِ بكذا؟)).
وكان السلف يستحبّون هذا التذكير، روي عن المعتمر أنه قال لابنه: يا
بُنيّ حدّثني بالرخص لعلي ألقى الله تعالى، وأنا أُحسن الظنّ به. وروي مثل
ذلك عن ابن حنبل، ثم إن الرجاء يورث محبّة لقاء الله تعالى التي هي سبب
لمحبته لقاء عبده.
فقد أخرج الشيخان عن أنس، عن عبادة بن الصامت نظرته، عن النبيّ وَلِ يل

٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: ((من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله
لقاءه ... )) الحديث.
وأخرجا أيضاً عن أبي هريرة ظُه قال: قال النبيّ وَله: ((يقول الله
تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ... )) الحديث.
وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بسند صحيح، عن حيان أبي النضر،
قال: دخلت مع واثلة بن الأسقع، على أبي الأسود الْجُرَشيّ في مرضه الذي
مات فيه، فسلّم عليه، وجلس، قال: فأخذ أبو الأسود يمين واثلة، فمسح بها
على عينيه ووجهه؛ لبيعته بها رسول الله وَل﴿، فقال له واثلة: واحدةٌ أسألك
عنها، قال: وما هي؟ قال: كيف ظنك بربك؟ قال: فقال أبو الأسود، وأشار
برأسه، أي حَسَنٌ، قال واثلة: أبشر، إني سمعت رسول الله وَله يقول:
((قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء))(١).
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿ه، من توقير رسول الله وَل،
وإجلاله، كما أمر الله ◌ُعَلَ به المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
[الفتح: ٩].
٥ - (ومنها): أن في قول عمرو ظُبه: ((فلا تصحبني نائحة، ولا نار))
امتثال لنهي النبيّ وَّر عن ذلك، قال النوويّ: وقد كَرِهَ العلماء ذلك، فأما النياحة
فحرام، وأما إتباع الميت بالنار، فمكروه؛ للحديث، ثم قيل: سبب الكراهة كونه
من شعار الجاهلية، وقال ابن حبيب المالكيّ: كُرِه تفاؤلاً بالنار(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن إتباع الميت بالنار حرام؛
لظاهر النهي، ولأنّ التشبّه بأعمال الجاهليّة محرّم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن في قوله: ((فَشُنُّوا عليّ التراب)) استحباب صَبّ التراب
في القبر، وأنه لا يُقعَد على القبر، بخلاف ما يُعْمَل في بعض البلاد، قاله
النوويّ.
(١) حديث صحيح الإسناد، أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) رقم (١٥٤٤٢)،
والدارميّ في «سننه)) رقم (٢٦١٥).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/٢ - ١٣٩.

٤٧٩
(٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨)
٧ - (ومنها): إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق،
وقد أخرج المصنّف عن أنس بن مالك نظأنه قال: قال نبي الله وَّ: ((إن العبد
إذا وُضِع في قبره، وتَوَلَّى عنه أصحابه، إنه(١) لِيَسمع قَرْعَ نعالهم، قال: يأتيه
ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما
المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك
من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال نبي الله صلى: فيراهما
جميعاً))، قال قتادة: وذُكِر لنا أنه يُفْسَح له في قبره سبعون ذراعاً، ويُملأ عليه
خَضِراً إلى يوم يبعثون(٢).
٨ - (ومنها): استحباب الْمُكث عند القبر بعد الدفن لحظةً، نحوَ ما ذُكر؛
لما ذُكر، وللدعاء للميت بالتثبيت، فقد أخرج أبو داود في ((سننه)) بسنده عن
عثمان بن عفان نظريته قال: كان النبيّ وَّ﴿ إذا فرغ من دفن الميت، وَقَفَ عليه،
فقال: ((استغفروا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل))(٣).
٩ - (ومنها): أن الميت يَسْمَعُ حينئذ مَن حَوْلَ القبر، وهو ما دلّ عليه
حديث أنس رضيبه المذكور، ولحديث عمرو بن العاص ظُه هذا، لأن الظاهر
أنه إنما قاله نقلاً عن النبيّ وَ له؛ لأن مثله لا يُدرك إلا من جهة النبيّ وَلّ، قاله
(٤)
القرطبيّ (٤).
قال القاضي عياض: وفي هذا الحديث حجة لفتنة القبر، وأن الميت
تُصرف روحه إليه إذا أدخل قبره لسؤال الملكين، وفتنتهما، وأنه يعلم حينئذ،
ويسمع، ولا يُعترض على هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى﴾ الآية [النمل:
٨٠]؛ للاختلاف في معناها، واحتمال تأويلها، ولأنه قد يكون المراد بها في
وقت غير هذا؛ لما وردت به الآثار الصحاح من فتنة القبر، وسؤال الملكين،
ولا يُنافي هذا السماع، وسيأتي الكلام عليه بعد هذا. انتهى(٥).
(١) ولفظ أحمد: ((حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ... )).
(٢) سيأتي برقم (٢٨٧٠) إن شاء الله تعالى.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) برقم (٢٨٠٤).
(٤) ((المفهم)) ٣٣٢/١.
(٥) ((إكمال المعلم)) ٥٠٠/١ - ٥٠١.

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيه]: استنبط بعض العلماء من هذا الحديث استحباب قراءة القرآن
على القبر، قال: لأنه يستأنس بمن حوله، ويسمع منهم، وهذا استنباط غير
صحيح، فإن النبيّ وَّ مع كثرة حضوره مقابر المسلمين لم يقرأ القرآن، ولم
يأمر أصحابه به، مع كون القرآن أفضل الأذكار، وإنما أمرهم بالاستغفار له،
والدعاء بالتثبيت، وخير الهدي هدي محمد ێ .
أخرج الشيخان عن عائشة ينا، قالت: قال رسول الله وَله: ((من أحدث
في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد))، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه من
(كتاب الجنائز)) - إن شاء الله تعالى -.
وأخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح، من حديث
العرباض بن سارية له، عن النبيّ وَ ر أنه قال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع
والطاعة، وإن عبداً حبشيّاً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً،
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضّوا عليها
بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)).
١٠ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد الخوف من تغيّر الحال، والتقصير في
الأعمال في حال الموت، لكن ينبغي أن يكون الرجاء هو الأغلب في تلك
الحال، حتى يُحسن ظنّه بالله تعالى، فيلقاه على ما أمر به النبيّ وَّ، فقد
أخرج المصنّف عن جابر ظُه قال: سمعت النبيّ وَّ قبل وفاته بثلاث، يقول:
((لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن بالله الظن)).
١١ - (ومنها): ما قاله النوويّ: يُستَدَلّ به لجواز قسمة اللحم المشترك
ونحوه، من الأشياء الرطبة، كالعنب، قال: وفي هذا خلاف لأصحابنا
معروف، قالوا: إن قلنا بأحد القولين: إن القسمة تمييز حق، ليست ببيع جاز،
وإن قلنا: بيع فوجهان:
[أصحهما]: لا يجوز؛ للجهل بتماثله في حال الكمال، فيؤدي إلى الربا .
[والثاني]: يجوز؛ لتساويهما في الحال، فإذا قلنا: لا يجوز فطريقها أن
يُجعَل اللحم وشبهه قسمين، ثم يَبِيع أحدهما صاحبه نصيبه من أحد القسمين
بدرهم مثلاً، ثم يبيع الآخر نصيبه من القسم الآخر لصاحبه بذلك الدرهم الذي