Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢٢) وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وعبد السلام بن مُطَهَّر، وقتيبة، وصالح بن عبد الله الترمذيّ، وبشر بن هلال الصواف، وقَطَن بن نُسَير، وجماعة. قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به، قيل له: إن سليمان بن حرب يقول: لا يُكتَب حديثه، فقال: إنما كان يتشيع، وكان يحدث بأحاديث في فضل عليّ، وأهل البصرة يَغْلُون في عليّ، قلت: عامّة حديثه رِقَاق؟ قال: نعم، كان قد جَمَعها، وقد رَوَى عنه عبد الرحمن وغيره، إلا أني لم أسمع من يحيى عنه شيئاً، فلا أدري سمع منه أم لا؟، وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: قَدِمَ جعفر بن سليمان عليهم بصنعاء، فحدثهم حديثاً كثيراً، وكان عبد الصمد بن مَعْقِل يجيء، فيجلس إليه، وقال ابن أبي خيثمة وغيره، عن ابن معين: ثقة، وقال عباس، عنه: ثقة، كان يحيى بن سعيد لا يَكتُب حديثه، وقال في موضع آخر: كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وكان يستضعفه، وقال ابن المدينيّ: أَكْثَرَ عن ثابت، وكَتَب مراسيل، وفيها أحاديث مناكير، عن ثابت، عن النبيّ وَّر، وقال أحمد بن سنان: رأيت عبد الرحمن بن مهدي لا ينبسط الحديث جعفر بن سليمان، قال أحمد بن سنان: أستَثْقِلُ حديثه، وقال البخاريّ: يقال: كان أُمّيّاً، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وبه ضَعْفٌ، وكان يتشيع، وقال جعفر الطيالسيّ، عن ابن معين: سمعت من عبد الرزاق كلاماً يوماً، فاستدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُسْتاذِيك الذين أخذتَ عنهم ثقات كلهم، أصحاب سنة، فعمن أخذتَ هذا المذهب؟ فقال: قَدِمَ علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلاً، حَسَنَ الهدي، فأخذت هذا عنه، وقال ابنُ الضُّرَيس: سألت محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميَّ عن حديث لجعفر بن سليمان، فقلت: رَوَى عنه عبد الرزاق، قال: فَقَدتُ عبدَ الرزاق، ما أفسد جعفر غيره، يعني: في التشيع، وقال الخضر بن محمد بن شجاع الجزريّ: قيل لجعفر بن سليمان: بَلَغَنا أنك تشتم أبا بكر وعمر، فقال: أما الشتم فلا، ولكن بُغْضاً يا لك، وحَكَى عنه وهب بن بقية نحو ذلك. وقال ابن عديّ، عن زكريا الساجيّ: وأما الحكاية التي حُكِيت عنه، فإنما عَنَى به جارين، كانا له قد تأذَّى بهما، يُكنى أحدهما: أبا بكر، ويُسَمَّى ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الآخر: عمر، فسئل عنهما، فقال: أما السبّ فلا، ولكن بُغْضاً يا لك، ولم يَعْنِ به الشيخين، أو كما قال. قال أبو أحمد: ولجعفر حديثٌ صالحٌ، وروايات كثيرةٌ، وهو حسن الحديث، معروف بالتشيّع، وجَمَعَ الرِّقاق، وأرجو أنه لا بأس به، وقد رَوَى أيضاً في فضل الشيخين، وأحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان فيه منكر، فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يَجِب أن يُقْبَل حديثه. وقال أبو الأشعث، أحمد بن المقدام: كنا في مجلس یزید بن زريع، فقال: مَن أتى جعفر بن سليمان، وعبد الوارث، فلا يَقرَبني، وكان عبد الوارث يُنسَب إلى الاعتزال، وجعفر ينسب إلى الرَّفْض، وقال البخاري في ((الضعفاء)): يخالف في بعض حديثه. وقال ابن حبان في ((كتاب الثقات)): حدثنا الحسن بن سفيان، ثنا إسحاق بن أبي كامل، ثنا جرير بن يزيد بن هارون، بين يدي أبيه، قال: بعثني أبي إلى جعفر، فقلت: بَلَغَنا أنك تسب أبا بكر وعمر، قال: أما السبّ فلا، ولكن البغض ما شئتَ، فإذا هو رافضيّ، مثل الحمار. قال ابن حبان: كان جعفر من الثقات، في الروايات، غير أنه ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصَّدُوق المتقن، إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أنّ الاحتجاج بخبره جائز. وقال الأزديّ: كان فيه تحامل على بعض السلف، وكان لا يكذب في الحديث، ويؤخذ عنه الزهد والرقائق، وأما الحديث فعامة حديثه عن ثابت وغيره فيها نظر ومنكر. وقال ابن المدينيّ: هو ثقة عندنا، وقال أيضاً: أكثرَ عن ثابت، وبقية أحاديثه مناكير. وقال الدُّوريّ: كان جعفر إذا ذَكَر معاوية شتمه، وإذا ذكر عليّاً قعد بیکي. وقال يزيد بن هارون: كان جعفر من الخائفين، وكان يتشيع. وقال ابن شاهين في ((المختَلَف فيهم)): إنما تُكُلِّم فيه لعلة المذهب، وما ٤٤٣ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢٢) رأيت مَن طَعَن في حديثه إلا ابن عمار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف. وقال البزار: لم نسمع أحداً يَطعَن عليه في الحديث، ولا في خطأ فيه، إنما ذُكِرَت عنه شيعيته، وأما حديثه فمستقيم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق من أقوال المحقّقين المعتدلين أن جعفر بن سليمان وإن كان فيه انحراف في مذهبه، إلا أنه ثقة في حديثه، وهو حسن الحديث، والله تعالى أعلم. قال ابن سعد: مات في رجب سنة (١٧٨). أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثاً. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيات المصنف دخّلُهُ، وهو (١٠) من رباعيات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ) يعني: أن حديث جعفر بن سليمان نحو حدیث حمّاد بن سلمة. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) يعني: أن جعفراً لم يذكر في حديثه سعد بن معاذ الذي أرسله النبيّ وَل﴿ يسأل عن حال ثابت بن قيس رضائه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية جعفر هذه أخرجها الحافظ أبو يعلى في ((مسنده))، فقال: (٣٤٢٧) حدّثنا قَطَن بن نُسير، أبو عبّاد، حدّثنا جعفر، عن ثابت، عن أنس، قال: كان ثابت بن قيس بن شمّاس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية: ﴿َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِلْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] الآية، قال ثابتٌ: أنا الذي كنتُ أرفع صوتي فوق صوت رسول الله وسلم، وأنا من أهل النار، فقال رسول الله وعليه : (بل هو من أهل الجنّة، بل هو من أهل الجنّة))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((مسند أبي يعلى)) ١٤٩/٦ رقم (٣٤٢٧). ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّنُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسِيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٥٣) (خ م « ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣. ٢ - (حَبَّانُ) بن هلال الباهليّ، ويقال: الكنانيّ، أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩]. رَوَى عن حماد بن سلمة، وشعبة، وداود بن أبي الْفُرَات، وجرير بن حازم، وعبد الوارث بن سعيد، وهمام، وأبي عوانة، ومبارك بن فَضَالة، ومعمر، ووهیب، وخلق کثیر. ورَوَى عنه أحمد بن سعيد الرِّبَاطيّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وأبو الجوزاء النَّوْفليّ، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وأبو خيثمة، والدارميّ وعبد بن حميد، وبندار، وأبو موسى، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة. وقال أحمد بن حنبل: إليه الْمُنْتَهَى في التثبت بالبصرة، وقال ابن معين، والترمذيّ، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، لم أسمع منه، وكان عَسِراً، وقال البزار: ثقة مأمون على ما يحدِّث به، وقال ابن قانع: بصريّ صالحٌ، وقال الخطيب: كان ثقةً ثبتاً . وقال ابن سعد: كان ثقةً ثبتاً حجةً، وكان امتنع من التحديث قبل موته، مات بالبصرة سنة (٢١٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثاً. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٧]، أخرج له البخاريّ مقروناً، وتعليقاً (ت١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣. والباقيان تقدّما فيما قبله. ٤٤٥ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢٤) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون، إلا شيخه، فنيسابوريّ. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) الضمير لسليمان بن المغيرة، وقوله: (سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بالنصب على المفعوليّة لـ(يَذْكُر))، وقوله: (فِي الْحَدِيثِ) متعلّق بـ«يَذْكُر)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية سليمان بن المغيرة هذه أخرجها الحافظ أبو يعلى في ((مسنده)) (٧٦/٦) فقال: (٣٣٣١) حدثنا هدبة - هو ابن خالد - حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوّلِ﴾ [الحجرات: ٢] قعد ثابت بن قيس بن شَمّاس في بيته، وقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي، وأجهر له بالقول، وأنا من أهل النار، فتفقده النبيّ بَّهِ، فَأَخَبَرُوه، فقال: ((بل هو من أهل الجنة))، قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يومُ اليمامة، وكان ذاك الانكشاف، لَبِسَ ثيابه، وتَحَنَّط، وتقدّم، فقاتل، حتى قُتِلَ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَذْكُرُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ) هو: هُرَيم بن عبد الأعلى بن الْفُرات الأسديّ، أبو حمزة البصريّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وحاتم بن وَرْدان، ومعتمر بن سليمان، وعباس بن إسماعيل. ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ورَوَى عنه مسلم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وإسماعيل سمويه، وعبد الله بن أحمد، وعبد الله بن أبي القاضي، وعبدان الأهوازيّ، وعبد الله بن محمد بن النعمان الأصبهانيّ، وأبو يعلى الموصليّ، وغيرهم. قال مسلمة بن قاسم: لا أعرفه، فقال في ((تهذيب التهذيب)): ولا عبرة بقوله، فقد عرفه مسلم. قال أبو الشيخ: حدث بأصبهان، ومات بالبصرة سنة خمس وثلاثين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة أربعين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها . تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١١٩)، وحديث (١٨٥٠): ((من قُتل تحت راية عميّة ... ))، و(٢٣٠٣): ((ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء ... ))، و(٢٩١٥): ((بُؤْسَ ابن سُميّة، تقتلك فئة باغية)). ٢ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو محمد البصريّ، الملقّب بالظُفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. والباقيان تقدّما قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الضمير لسليمان التيميّ: أي ساق الحديث بنصّه، وهو افتعال من قَصّ، يقال: قَصَصتُ الخبر قَصّاً، من باب نصر: حدّثتُ به على وجهه، والاسم الْقَصَصُ(١). وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) يعني: أنه لم يصرّح باسم الرجل الذي أرسله النبيّ وَ﴾ لطلب ثابت بن قيس. د وقوله: (وَزَادَ) أي سليمان التيميّ في رواية قول أنس ◌َظُه: (فَكُنَّا نَرَاهُ) أي ثابت بن قيس (يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، فـ((أظهر)» مُفْحَمٌ، يقال: هو (١) راجع: ((المصباح)) ٥٠٥/٢. ٤٤٧ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢٤) نازلٌ بين ظَهْرانيهم، بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهم كلَّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظهراً منهم قُدّامه، وظهراً منهم وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر، حتى استُعْمِلَ في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، ذكره الفيّوميّ(١). وقوله: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) هكذا هو بالرفع في أكثر الأصول - كما قاله النوويّ - وهو مرفوع على البدليّة من فاعل ((يمشي))، والجملة في محلّ نصب على الحال، وهذا أولى من قول النوويّ: هو على الاستئناف، فتأمله. ووقع في بعض الأصول ((رجلاً)) بالنصب، فيكون بدلاً من الهاء في (نراه))، كما قال في ((الخلاصة)): كَزُرْهُ خَالِداً وَقَبِّلْهُ الْيَدَا وَاعْرِفْهُ حَقَّهُ وَخُذْ نَبْلاً مُدَى قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية سليمان التيميّ هذه أخرجها ابن حبّان في ((صحيحه)) (١٢٩/١٦)، فقال: (٧١٦٩) أخبرنا ابن خزيمة، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢]، قال ثابت بن قيس: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله وَل، وأنا أخشى أن يكون الله قد غَضِبَ عليّ، فَحَزِنَ، واصفَرّ، ففقده رسول الله ◌َلّ، فسأل عنه، فقيل: يا نبي الله، إنه يقول: إني أخشى أن أكون من أهل النار، إني كنت أرفع صوتي عند النبيّ وَّ﴾، فقال النبيّ ◌َّه: ((بل هو من أهل الجنة)). فكنا نراه يَمشي بين أظهرنا، رجلٌ من أهل الجنة. وأخرجها الحافظ أبو يعلى في ((مسنده)) (١١٢/٦) عن شيخ المصنّف بسنده، ولم يذكر تلك الزيادة، فقال: (٣٣٨١) حدثنا أبو حمزة، هُرَيم بن عبد الأعلى، حدّثنا المعتمر بن (١) ((المصباح المنير)) ٣٨٧/٢. ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان سليمان، قال: سمعت أبي، يذكر عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قوله: ﴿لَّا تَشْعُرُونَ﴾ قال ثابت بن قيس: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله وَلّ، وإني أخشى أن أكون من أهل النار، إني كنت أرفع صوتي عند النبيّ وَّه، فقال رسول الله وَليقول: ((بل هو من أهل الجنة))، أو كما قال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾. ٥٦ - (بَابٌ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيّةِ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٣٢٥] (١٢٠) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ أَنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْوَاخَذُ بِمَا عُمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ)»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦. ٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٤٤٩ (٥٦) - بَابٌ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيّةِ - حديث رقم (٣٢٥) ٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، على قول من يقول: إن منصوراً من صغار التابعين. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُله أحد السابقين إلى الإسلام، ومن أقرأ الصحابة ، ومن كبار علمائهم، وهو المراد عند إطلاق عبد الله في سند الكوفيين كما هنا، ذو مناقب جمّة رَظُه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َّته، أنه (قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ) بضم الهمزة قيل: هو فُعالٌ بضمّ الفاء، مشتقّ من الأُنس، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، فيبقى الناس، وعن الكسائيّ أن الأُناس، والناس لغتان بمعنى واحدٍ، وليس أحدهما مشتقّاً من الآخر، قال الفيّوميّ: وهو الوجه؛ لأنهما مادتان مختلفتان في الاشتقاق، والحذف تغيير، وهو خلاف الأصل. انتهى(١). وفي الرواية التالية: ((قلنا يا رسول الله))، وفي رواية البخاريّ: ((قال رجلٌ: يا رسول الله))، فأفادت الرواية الثانية أن ابن مسعود ظُه من جملة من سأل هذا السؤال (لِرَسُولِ اللهِ وَلِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ) بالبناء للمفعول، (بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟) هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ، ورسوله وَّلو، وشرائع الدين، والتفاخر بالأنساب، والكبر، (١) ((المصباح المنير)) ٢٦/١. ٤٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان والتجبّر، وغير ذلك(١). (قَالَ) وَ ((أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ) أي بدخوله فيه ظاهراً وباطناً، كما أمره الله رَ بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُواْ فِى السِّلْمِ كَافَةٌ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ ﴿٤﴾ [البقرة: ٢٠٨] (فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا) أي بالأعمال التي عملها في الجاهليّة؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، كما قال ◌َالَ: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨] (وَمَنْ أَسَاءَ) أي بأن دخل في الإسلام ظاهراً، ولم ينشرح له صدره (أُخِذَ) بالبناء للمفعول (بِعَمَلِهِ) مفرد مضاف، فيعمّ، أي بجميع ما عمله (فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَام))) قال النوويّ: الصحيح في معنى الحديث: ما قاله جماعة من المحققين: أن المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعاً، وأن يكون مسلماً حقيقيّاً، فهذا يُغْفَر له ما سَلَفَ في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح: ((الإسلام يَهْدِم ما قبله))، وبإجماع المسلمين، والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه، بل يكون مُنقاداً في الظاهر مُظهراً للشهادتين، غير معتقد للإسلام بقلبه، فهذا منافقٌ باقٍ على كفره بإجماع المسلمين، فيؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عَمِل بعد إظهارها؛ لأنه مُسْتَمِرٌ على كفره، وهذا معروف في استعمال الشرع، يقولون: حَسُنَ إسلام فلان، إذا دَخَل فيه حقيقةً بإخلاص، وساء إسلامه، أو لم يَحسُن إسلامه، إذا لم يكن كذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ. وقال القرطبيّ: يعني بالإحسان هنا: تصحيح الدخول في دين الإسلام، والإخلاص فيه، والدوام على ذلك، من غير تبديل، ولا ارتداد، والإساءة المذكورة في هذا الحديث في مقابلة هذا الإحسان هي الكفر، والنفاق، ولا يصحّ أن يُراد بالإساءة هنا ارتكاب سيئة ومعصية؛ لأنه يلزم عليه أن لا يَهدِم الإسلام ما قبله من الآثام إلا لمن عُصِم من جميع السيّئات إلى الموت، وهو باطلٌ قطعاً، فتعيّن ما قلناه. والمؤاخذة هنا هي العقاب على ما فَعَله من السيّئات في الجاهليّة، وفي (١) ((النهاية)) ٣٢٢/١ - ٣٢٣. ٤٥١ (٥٦) - بَابٌ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيّةِ - حديث رقم (٣٢٥) حال الإسلام، وهو المعبّر عنه في الرواية الأخرى بقوله: ((أُخذ بالأول والآخر))، وإنما كان كذلك؛ لأن إسلامه لَمّا لم يكن صحيحاً، ولا خالصاً لله تعالى لم يَهدِم شيئاً مما سبق، ثم انضاف إلى ذلك إثم نفاقه، وسيئاته التي عملها في حال الإسلام، فاستحقّ العقوبة عليها، ومن هنا استحقّ المنافقون أن يكونوا في الدَّرْك الأسفل من النار، كما قال الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. وقال في ((الفتح)): قال الخطابيّ: ظاهر هذا الحديث خلاف ما أجمعت عليه الأمّة أن الإسلام يجُبّ ما قبله، وقال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، قال: وجه هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما مَضَى، فإن أساء في الإسلام غايةَ الإساءة، ورَكِبَ أشدّ المعاصي، وهو مستمر على الإسلام، فإنه إنما يؤاخذ بما جناه من المعصية في الإسلام، ويُبَكَّت بما كان منه في الكفر، كأن يقال له: ألست فعلتَ كذا، وأنت كافر، فهلا مَنَعَك إسلامك عن معاودة مثله؟. انتهى ملخصاً . وحاصله أنه أَوَّل المؤاخذة في الأول بالتبكيت، وفي الآخِر بالعقوبة، والأولى قول غيره: إن المراد بالإساءة: الكفر؛ لأنه غاية الإساءة، وأشدّ المعاصي، فإذا ارتدّ، ومات على كفره كان كمن لم يُسلم، فيعاقَب على جميع ما قدّمه، وإلى ذلك أشار البخاريّ بإيراد هذا الحديث بعد حديث ((أكبر الكبائر: الشرك))، وأورد كُلّاً في أبواب المرتدين. ونَقَلَ ابنُ بطال عن المهلب، قال: معنى حديث الباب: من أحسن في الإسلام بالتّمَادي على محافظته، والقيام بشرائطه، لم يؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام: أي في عَقْده بترك التوحيد، أُخذ بكل ما أسلفه، قال ابن بطال: فعرضته على جماعة من العلماء، فقالوا: لا معنى لهذا الحديث غير هذا، ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر؛ للإجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية، وبه جزم المحبّ الطبريّ. (١) ((المفهم)) ٣٢٧/١. ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ونقل ابن التين عن الداوديّ: معنى مَن أحسن: مات على الإسلام، ومن أساء: مات على غير الإسلام. وعن أبي عبد الملك البونيّ: معنى من أحسن في الإسلام: أي أسلم إسلاماً صحيحاً، لا نفاق فيه، ولا شك، ومن أساء في الإسلام: أي أسلم رياءً وسمعةً، وبهذا جزم القرطبيّ. ولغيره: معنى الإحسان: الإخلاصُ حين دخل فيه، ودوامه عليه إلى موته، والإساءة بضد ذلك، فإنه إن لم يُخلص إسلامَهُ كان منافقاً، فلا ينهدم عنه ما عَمِلَ في الجاهلية، فيضاف نفاقه المتأخر إلى كفره الماضي، فيعاقب علی جمیع ذلك. قال الحافظ بعد ذكر ما تقدّم كلّه: حاصله أن الخطابيّ حَمَلَ قوله: ((في الإسلام)) على صفة خارجة عن ماهية الإسلام، وحمله غيره على صفة في نفس الإسلام، وهو أوجه. قال: وفي ((كتاب السنة)) لعبد العزيز بن جعفر، وهو من رؤوس الحنابلة، ما يَدْفَع دعوة الخطابي وابن بطال الإجماع الذي نقلاه، وهو ما نُقِلَ عن الميمونيّ، عن أحمد أنه قال: بلغني أن أبا حنيفة يقول: إن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم رَدّ عليه بحديث ابن مسعود، ففيه أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته، إذا أصرَّ عليها في الإسلام، فإنه يؤاخذ بها؛ لأنه بإصراره لا يكون تاب منها، وإنما تاب من الكفر، فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية؛ لإصراره عليها، وإلى هذا ذهب الْحَلِيميّ من الشافعية، وتأول بعض الحنابلة قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، على أن المراد ما سَلَفَ مما انتَهَوْا عنه، قال: والاختلاف في هذه المسألة مبنيّ على أن التوبة هي الندم على الذنب، مع الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، والكافر إذا تاب من الكفر، ولم يَعْزِم على عدم العود إلى الفاحشة، لا يكون تائباً منها، فلا تسقط عنه المطالبة بها . والجواب عند الجمهور: أن هذا خاصّ بالمسلم، وأما الكافر فإنه يكون بإسلامه كيوم ولدته أمه، والأخبار دالّة على ذلك، كحديث أسامة نَظُه لَمّا ٤٥٣ (٥٦) - بَابٌ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيّةِ - حديث رقم (٣٢٥) أنكر عليه النبيّ وَ﴿ قتل الذي قال: ((لا إله إلا الله)) حتى قال في آخره: حتى تمنيت أنني كنت أسلمت يومئذ. انتهى كلام الحافظ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٣٢٥/٥٦ و٣٢٦ و٣٢٧] (١٢٠)، و(البخاريّ) في ((استتابة المرتدّين)) (٦٩٢١)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٤٢)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٩٦٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/ ٣٧٩ و٣٨٠ و٤٠٩ و٤٢٩ و٤٣١ و٤٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده) (٢٠١ و٢٠٢ و٢٠٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣١٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٢٣/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٨)، و(البزّار) في («مسنده)) (٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان المؤاخذة بأعمال الجاهليّة لمن لم يُحسن الدخول في الإسلام. ٢ - (ومنها): بيان فضل الإسلام، حيث عادت بركته على الأعمال التي صدرت في حال الكفر، فقبلت من أجله. ٣ - (ومنها): بيان اهتمام الصحابة ﴿ه، وشدّة حرصهم في السؤال عن الأمور المهمّة في الدين. ٤ - (ومنها): أن الكفّار مُخاطبون بفروع الشريعة، كما أنهم مخاطبون بأصولها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أخرج الإمام النسائيّ في ((سننه)) بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أسلم العبد، فحسُن (١) ((الفتح)) ٢٧٨/١٢ - ٢٧٩ ((كتاب استتابة المرتدّين)) رقم (٦٩١٨ - ٦٩٢٢). ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان إسلامه، كتب الله له كلَّ حسنة كان أزلفها، ومُحِيت عنه كلُّ سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضِعْفٍ، والسيئةُ بمثلها، إلا أن يتجاوز الله ريك عنها))، وهو حديث صحيح، أورده الإمام البخاريّ في ((صحيحه)) معلّقاً بصيغة الجزم. فهذا الحديث يقابل حديث ابن مسعود ظه المذكور في الباب؛ فإنّ ظاهره يدلّ على أن مَنِ ارتَكَب المعاصي بعد أن أسلم، يُكتَب عليه ما عَمِله من المعاصي قبل أن يُسلِم، وظاهر هذا أنّ مَن عَمِلَ الحسنات بعد أن أسلم، يُكتَب له ما عَمِله من الخيرات قبل أن يُسلم. والحاصل أن الحديثين يُكمّل أحدهما الآخر، فيستفاد منهما أن من أحسن إسلامه تكتب له الأعمال الصالحة التي كان يعمل بها قبل إسلامه، وأن من أساء في الإسلام يؤاخذ بالأعمال السيّئة قبل إسلامه. وقد استشكل بعض العلماء هذا، ورأوه مخالفاً للقواعد، فقال المازريّ: الكافر لا يصحّ منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرِّب أن يكون عارفاً لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال. وتعقب ذلك النوويّ، واستضعفه، وقال: الصواب الذي عليه المحققون، بل نَقَلَ بعضهم فيه الإجماع، أن الكافر إذا فَعَل أفعالاً جميلةً، كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات على الإسلام، أن ثواب ذلك يُكْتَب له، وأما دعوى أنه مُخالف للقواعد، فغير مُسَلَّم؛ لأنه قد يُعْتَدّ ببعض أفعال الكافر في الدنيا، ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم، وتجزئه. انتهى. قال الحافظ: والحقّ أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه؛ تفضلاً من الله تعالى، وإحساناً أن يكون ذلك؛ لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً، والحديث إنما تَضَمَّن كتابة الثواب، ولم يَتَعَرَّض للقبول. ويَحْتَمِل أن يكون القبول يَصِير مُعَلَّقاً على إسلامه، فيُقْبَلُ، ويثاب إن أسلم، وإلا فلا، وهذا قويّ. وقد جَزَم بما جزم به النوويّ إبراهيم الحربيّ، وابنُ بطال، وغيرهما، من القدماء، والقرطبيّ، وابن الْمُنَيِّر من المتأخرين. ٤٥٥ (٥٦) - بَابٌ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيّةِ - حديث رقم (٣٢٦) قال ابن الْمُنَيِّر: المخالف للقواعد دعوى أن يُكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يُضِيف إلى حسناته في الإسلام ثوابَ ما كان صَدَرَ منه، مما كان يظنه خيراً، فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداءً من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يَعْمَل، وهو قادر، فإذا جاز أن يَكتُب له ثواب ما لم يَعمل البتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عَمِله غير مُوَفَّى الشروط. وقال ابنُ بطال: لله أن يتفضل على عباده بما شاء، ولا اعتراض لأحد عليه. واستَدَلَّ غيره بأن مَن آمن من أهل الكتاب، يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن، والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول، لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباءً منثوراً، فدَلّ على أن ثواب عمله الأول يُكتب له مضافاً إلى عمله الثاني، وبقوله و 18 لما سألته عائشة وثا عن ابن جُدْعَان، وما يصنعه من الخير، هل ينفعه؟ فقال: ((إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين))، فدَلّ على أنه لو قالها بعد أن أسلم، نفعه ما عمله في الكفر. انتهى (١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرّره هؤلاء العلماء من أن الصواب أن أعمال الإنسان في حال كفره تكتب له في حال إسلامه، ويُجازى عليها؛ فضلاً من الله تَلَ بسبب حسن إسلامه هو الحقّ الذي لا شكّ فيه، ولا مرية، فمعارضته بأنه مخالف للقواعد غير مقبولة، فماذا يعنون بالقواعد، أليست القواعد هي التي جاءت بها النصوص الشرعية؟ فالذي أسّس القواعد، ووظّدها، وأرساها هو الذي أخبرنا بكتابة هذه الأعمال، فلا مجال بعد هذا للجدال، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُّ﴾ [يونس: ٣٢]، فأسلم تسلم، وتغنم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٣٢٦) ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ (١) ((الفتح)) ١٢٢/١ - ١٢٣ ((كتاب الإيمان)) رقم الحديث (٤١). ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ، أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (وَكِيعٌ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) أخو عثمان بن أبي شيبة المذكور في السند السابق، وتقدّم أيضاً هو في الباب الماضي. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ ورِعٌ عارف بالقراءة، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدم في ((المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالكوفيين، كالسند التالي، قال النوويّ: هذه الأسانيد الثلاثة كلهم كوفيون، وهذا من أطرف النفائس؛ لكونها أسانيد متلاصقة، مسلسلةً بالكوفيين. انتهى(١). وفيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وشرح الحديث تقدّم مستوفَى في الحديث الماضي، وكذا بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/٢. ٤٥٧ (٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنْجاب - بكسر الميم، وسكون النون، ثم جيم، ثم موحّدة - بن الحارث بن عبد الرحمن التميميّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضمّ الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أَضَرَّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. والأعمش سبق ذكره قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني أن عليّ بن مُسهر ساقه بسند الأعمش الذي قبل هذا، مثل متنه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: طريق عليّ بن مسهر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. . ٥٧ - (بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨] (١٢١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِم، وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَنَّى، حَذََّنَّا الضَّحَّكُ، يَعْنِي أَبَا عَاصِم، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنَّ شُرَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (١) يَزِيدُ بْنُ أَبِي (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٤٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةٍ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلاً، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ لهِ بِكَذَا؟، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِكَذَا؟، قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي، وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضاً لِرَسُولِ اللهِّهِ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ، قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ، فَلْأُبَابِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟))، قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟)) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟))، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَبْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَبْنَيَّ مِنْهُ؛ إِجْلَالاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ، مَا أَطَفْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي، مَا حَالِي فِيهَا؟ فَإِذَا أَنَا مِتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ، وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي، فَشُتُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنَّاً، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي، قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي؟). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٢. [تنبيه]: قوله: ((الْعَنَزِيّ)) - بفتح العين المهملة، والنون -: نسبة إلى عَنَزَةَ بن أسد بن ربيعة بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنان، قاله في ((لبّ اللباب))(١). ٢ - (أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثَّقَفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١]. رَوَى عن أبي عامر العَقَديّ، وأبي أحمد الزُّبَيريّ، ومعاذ بن هشام، (١) ((لبّ اللباب)) ١٢٣/٢. ٤٥٩ (٥٧) - بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ - حديث رقم (٣٢٨) ويزيد بن هارون، وعمر بن يونس اليمامي، وابن مهديّ، وخالد بن الحارث، ووهب بن جرير بن حازم، وأبي داود الطيالسيّ، وأبي عاصم، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وحَرْبٌ الكِرْمانيّ، وأبو عبد الله الْجُذُوعي القاضي، وعبد الله بن محمد بن ياسين، والحسين بن إسحاق التستريّ، ومعاذ بن المثنى بن معاذ العنبريّ، قال مسلم: بصريّ ثقة. تفرّد به المصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب (١٥) حديثاً. [تنبيه]: قوله: ((الرَّقَاشِيّ)) : - بفتح الراء وتخفيف القاف، بعدها شين معجمة ــ: نسبة إلى امرأة اسمها رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة، كثُر أولادها، فُنُسبوا إليها، قاله السمعانيّ(١). ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٤ - (أَبُو عَاصِم الضَّحَُّ) بن مخلد بن الضّحّاك بن مسلم الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [ً] (ت٢١٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٥ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح)(٢) بن صَفْوان بن مالك التُّجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدً [٧]. رَوَى عن أبي هانئ، حُميد بن هانئ، وشُرَحبيل بن شَرِيك الْمَعَافريّ، وبكر بن عَمْرو، الْمَعَافريّ، وأبي يونس، مولى أبي هريرة، وربيعة بن يزيد الدمشقيّ، وأبي الأسود يتيم عروة، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وجماعة. ورَوَى عنه الليث، وابن لَهِيعة، ونافع بن يزيد، وابن وهب، وابن المبارك، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو عاصم، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: قيل لأبي: حيوة بن شُريح، وعمرو بن الحارث؟ فقال: جميعاً، كأنه سَوَّى بينهما، وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن يونس: كانت له عبادة، وفضل، وقال ابن أبي حاتم: (١) راجع: ((الأنساب)) ٨١/٣ - ٨٢، و((اللباب)) ٣٣/٢. (٢) ((خَيْوَةُ)) بفتح أوله، وسكون التحتانيّة، وفتح الواو، و((شُرَيح)) بضم الشين المعجمة، مصغّراً. ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان سمعت أبي، وسئل عن حيوة، ويحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب، فقال: حيوة أعلى القوم، وهو ثقة، وأحبُّ إليَّ من المفضل بن فَضَالة، وقال ابن وهب: ما رأيت أحداً أشدّ استخفافاً بعمله من حيوة، وكان يُعْرَف بالإجابة، وقال ابن المبارك: ما وُصِف لي أحدٌ، ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته، إلا حيوة، فإن رؤيته كانت أكبر من صفته، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا المقرئ، ثنا حيوة بن شريح، وهو كِنْديّ، شريفٌ عدلٌ رَضِيٍّ، ثقةٌ، ووَثّقه العجليّ، ومسلمة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان مستجاب الدعوة، يقال: إن الحصاة كانت تتحوَّل في يده تمرة بدعائه، وقال ابن وَضّاح: بلغني أن رجلاً كان يَطُوف، ويقول: اللهم اقض عني الدَّين، فرأى في المنام: إن كنت تريد وفاء الدين، فائت حيوة بن شُريح، يدعو لك، فأتى إلى الإسكندرية بعد العصر يوم الجمعة، قال: فأقمت، حتى صار ما حوله دنانير، فقال لي: اتّقِ الله، ولا تأخذ إلا قدر دَينك، فأخذت ثلاثمائة. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): كَتَب إليّ عبدُ الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول: لم يَسمع حيوة من الزهريّ، ولا من بُكير بن الأشجّ، ولا من خالد بن أبي عمران. تُوفي سنة (١٥٨)، وأَرَّخه الكلاباذيّ سنة (١٥٩)، وقال ابن حبّان مات سنة (١٥٨) أو (١٥٩)، وأَرَّخه ابن يونس نقلاً عن ابن بُكير سنة (١٥٨)، وقال ابنُ سعد: مات في آخر خلافة أبي جعفر، وكان ثقةً. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثاً. ٦ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسم أبيه سويد أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٧ - (ابْنُ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ) هو: عبد الرحمن بن شِماسة - بكسر المعجمة، وتخفيف الميم، بعد المهملة(١) - بن ذُؤيب بن أحور الْمَهْريّ - بفتح الميم، وسكون الهاء - أبو عمرو المصريّ، ثقة [٣]. (١) وقال النوويّ في ((شرحه)) ١٣٧/٢: بفتح الشين المعجمة في أوله، وضمّها، ذكرهما صاحب ((المطالع))، والميم مخفّفة، وآخره سين مهملة، ثم هاء. انتهى.