Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ (٥٤) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ - حديث رقم (٣٢٠) وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) (٨٨٢٩) عن أبي هريرة نظر اته قال: قال رسول الله وَّجُ: ((ويلٌ للعرب، من شر قد اقترب، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويُمسي كافراً، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليلٍ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر))، أو قال: ((على الشوك))، وفي سنده ابن لَهِيعة، ضعيفٌ(١). وقال القاري: قوله: ((يُصبح)) استئناف لبيان بعض الفتن في ذلك الزمن، وقال الطيبيّ: استئناف بيان لحال المشبّه، وهو قوله: ((فِتَنا))، وقوله: ((يبيع ... إلخ)) بيان للبيان. وقال المظهر: فيه وجوه: [أحدها]: أن يكون بين الطائفتين من المسلمين قتال لمجرّد العصبيّة والغضب، فيستحلّون الدم والمال. [وثانيها]: أن تكون وُلاة المسلمين ظَلَمَةً، فيُريقون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حقّ، ويَزنون، ويَشربون الخمر، فيعتقد بعض الناس أنهم على الحقّ، ويُفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرّمات. [وثالثها]: ما يجري بين الناس مما يخالف الشرع من المعاملات والمبايعات وغيرها، فيستحلّونها. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٢٠/٥٤] (١١٨)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢١٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٤/٢ و٣٧٢ و٣٩٠ و٣٩١ (١) قال الحافظ أبو الهيثميّ في ((مجمع الزوائد» ٧/ ٢٨٢: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقيّة رجاله رجال الصحيح. انتهى. (٢) راجع: ((الكاشف)) ٣٤٠٦/١١. ٤٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان و٥٢٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٣٩)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٠٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٤٢٢٣)، و(الفريابيّ) في ((صفة المنافق)) (١٠١)، و(ابن أبي عاصم) في ((الزهد)) (٢١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما يَحدُث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة، كتراكم ظلام الليل المظلم لا الْمُقْمِر. ٢ - (ومنها): أنه ◌َلّ وصف نوعاً من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يُمسي الشخص مؤمناً، ثم يُصبح كافراً أو عكسه، وهذا لعِظَم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. ٣ - (ومنها): بيان حرص النبيّ وَّيِ على أمته، حيث يحثّهم على الإكثار من الطاعات قبل أن تمنعهم الفتن الشاغلة، ويخوّفهم من تأخير الطاعات المتيسّرة؛ إذ لا يدري العبد ماذا يحدث بعد وقته الذي هو فيه، فما أكثر المرض بعد الصحّة، والفقر بعد الغنى!، وما أسرع الشيب بعد الشباب، والشغل بعد الفراغ !. وقد أخرج الحاكم في ((مستدركه)) عن ابن عباس ضًا قال: قال رسول الله ولو لرجل، وهو يعظه: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحتك، قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))، وقال: صحيح على شرطهما، وهو كما قال. وقد نُقل عن السلف آثار كثيرة في شدّة حرصهم على المبادرة بالأعمال، فقد اجتهد أبو موسى الأشعريّ رَُّبه قبل موته، فقيل له: لو رفقت بعض الرفق، قال: الخيل إذا وافت رأس المجرى أخرجت ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلّ، وقال سُحيم مولى بني تيم: جلستُ إلى عامر بن عبد الله، وهو يُصلّي، فأوجز في صلاته، ثم أقبل، وقال: أرحني بحاجتك، فإني أبادر، فقلت: من؟ قال: ملكَ الموت، فقمتُ عنه، وقام إلى الصلاة، وسأل رجل ٤٢٣ (٥٤) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ - حديث رقم (٣٢٠) داود الطائيّ عن حديث، فقال: دعني، فإني أبادر خروج نفسي(١). ٤ - (ومنها): أن فيه علماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر وضّ بما سيقع في أمته من الفتن. ٥ - (ومنها): أن في حثّه وَ لَه بالأعمال الصالحة قبل أيام الفتن فوائد: [منها]: انتهاز الفرصة قبل فواتها . [ومنها]: حصول قوّة إيمان العبد بسبب الأعمال الكثيرة، فيستطيع أن يُدافع بقوته ما يواجهه من شدائد الفتن؛ ومن كان ضعيف الإيمان لا يقدر على ذلك، بل تتلاعب به الفِتَن كما تتلاعب الريح بالخيط المعلّق في الهواء. [ومنها]: أن من اعتاد الأعمال الصالحة إذا حيل بينه وبينها يُكتب له ما كان يعمله قبل أن يمنع منه، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) (٢٩٩٦)، من حديث أبي موسى الأشعريّ رَُّبه قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا مَرِض العبد، أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)). وأخرجه أبو داود في ((سننه)) (٢٦٨٧)، بلفظ: ((إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً، فشغله عنه مرضٌ، أو سفرٌ، كُتب له كصالح ما كان يعمل، وهو صحیح مقیم)) . ٦ - (ومنها): أنه ينبغي للمؤمن أن يبادر بالأعمال الصالحة، وفعل الحسنات ما وجد إلى ذلك سبيلاً، قبل فوات أوانها، وتُغلق أبوابها، فيقع في الندم كما يقع من يقول: ﴿بَحَسْرَفَى﴾ [الزمر: ٥٦]، أو يقول: لو أن لي عمراً لأكونن من العاملين العابدين، أو يقول: ﴿لَوْلاً أَخَرْتَنِيِّ إلَىْ أَجَلٍ فَرِيبٍ فَأَصَّدَّفَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: مقصود هذا الحديث الأمر بالتمسّك بالدين، والتشدّد فيه عند الفتن، والتحذير من الفتن، ومن الإقبال على الدنيا، وعلى مطامعها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) راجع: ((شرح الأبيّ)) ٢٢٦/١ - ٢٢٧. ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٥٥ _ (بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١] (١١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [الحجرات: ٢]، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، أَشْتَكَى؟)) قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى، قَالَ: فَأَتَّهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتاً عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَِّّ وَِّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريباً. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب - بمعجمة، ثم تحتانيّة - أبو عليّ البغداديّ، قاضي طَبَرِستان، والموصل، وحمص، ثقة [٩]. رَوَى عن الحمادين، وشعبة، وسفيان، وجرير بن حازم، وزهير بن معاوية، وابن لهيعة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن منيع، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، والفضل بن سهل الأعرج، وهارون الحمال، وغيرهم. قال أحمد: هو من متثبتي أهل بغداد. وقال ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم عن ابن المديني. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد، وابن خِرَاش: صدوق، زاد أبو حاتم: مات بالريّ، وحضرت جنازته، وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقاً في الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وذكره مسلم في رجال ٤٢٥ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢١) شعبة الثقات في الطبقة الثالثة. وقال عبد الله ابن المديني عن أبيه: كان ببغداد كأنه ضعفه(١)، وقال الخطيب: لا أعلم علةَ تضعيفه إياه. وقال الأعين: مات سنة ثمان، وقال ابن سعد والمطين: سنة تسع، وقال حنبل: سنة (٩) أو عشر ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) هو: ثابت بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة عن (٨٦) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الشهير ظه، خادم رسول الله وَلقول، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ، وفيه التحديث بصيغة الجمع ثلاث مرّات، والباقي عنعنعة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وحماد أخرج ه البخاريّ حديثاً واحداً في ((الرقاق))، فما في كتب الرجال من علامة التعليق له، ليس بصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن حمّاداً أثبت الناس في ثابت، كما أن ثابتاً ألزم أصحاب أنس لأنس مظلته، لزمه أربعين سنة. ٤ - (ومنها): أن أنساً ظله أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﴾، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد عُمّر أكثر من مائة سنة، كما سبق آنفاً، والله تعالى أعلم. (١) قال الحافظ في ((هدي الساري)) ص٣٩٧: هذا ظنّ لا تقوم به حجّة، وقد كان أبو حاتم الرازيّ يقول: سمعت علي ابن المدينيّ يقول: الحسن بن موسى الأشيب ثقة، فهذا التصريح الموافق لأقوال الجماعة أولى أن يُعمَل به من ذلك الظنّ. انتهى. ٤٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ (أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾) قال النسفيّ: إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كلّ خطاب وارد، وتحريك منهم؛ لئلا يغفلوا عن تأملهم(١). (﴿لَا تَّرْفَعُوَأْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّّ﴾) أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عالياً لكلامكم، وجهره باهراً لجھركم، حتى تكون مزيّته عليكم لائحةً، وسابقته لديكم واضحةً، وقوله: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) أي وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَّ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. والمعنى: إذا كلّمتموه، وهو صامتٌ، فإياكم والعدول عما نُهيتم عنه، من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمّدوا في مخاطبته القول الليّن المقرّب من الهمس الذي يُضادّ الجهر، أو لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة، والسكينة، والتعظيم. وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ منصوب الموضع على أنه المفعول له، متعلّقٌ بمعنى النهي، والمعنى: انتهوا عما نُهيتم عنه؛ لحبوط أعمالكم: أي لخشية حبوطها، فهو على تقدير مضاف محذوف(٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي لا تخاطبوه يا محمد، ويا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله؛ توفيراً له، وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبيّ وَّ؛ ليقتدي بهم ضَعَفَةُ المسلمين، فَنُهِي المسلمون عن ذلك، وقيل: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ﴾: أي لا تجهروا عليه، كما يقال: سَقَطَ لفيه: أي على فيه. وقوله رَبَّك: ﴿كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الكاف كاف التشبيه، في محل النصب، أي لا تجهروا له جهراً مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليلٌ على أنهم لم يُنْهَوْا عن الجهر مطلقاً، حتى لا يسوغُ لهم إلا أن يُكَلِّموه بالْهَمْس والمخافتة، وإنما نُهُوا عن جهرِ مخصوصٍ مُقَيَّدٍ بصفةٍ، (١) ((تفسير النسفيّ)) ١٦٥/٤ - ١٦٦. (٢) المصدر السابق ١٦٦/٤. ٤٢٧ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢١) أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أُبَّهَةِ النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرُّتَبِ، وإن جلت على رتبتها . وقوله رَّت: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي من أجل أن تَحْبَط، أي تَبْطُل، هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: أي لئلا تحبط أعمالكم. وقال الزجاج: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ التقدير: لأن تحبط، أي فتحبَطَ أعمالكم، فاللام المقدرة لام الصيرورة، وليس قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، بموجب أن يَكْفُر الإنسان، وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد إلى الكفر، ولا يختاره، بالإجماع. انتهى (١). (جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) أي حبس نفسه في بيته كئيباً حزيناً خائفاً. وهو: ثابت بن قيس بن شَمّاس بن زُهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، خَطِيب الأنصار، رَوَى عن النبيّ وََّ، وعنه أولاده: محمد، وقيس، وإسماعيل، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، واستُشْهِد باليمامة، في خلافة أبي بكر الصديق نظالله سنة (١٢). روى ابن السكن من طريق ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس قال: خطب ثابت بن قيس مَقْدَم رسول الله وَّهُ المدينةَ، فقال: نَمْنَعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: ((الجنّة))، قالوا: رَضِينا . وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس رظُه قال: كان ثابت بن قيس خَطِيب الأنصار، يُكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، ولم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا: أول مشاهده أحدٌ، وشهد ما بعدها، وبَشَرِه النبيّ وَّ بالجنة في هذا الحديث. وأخرج الترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة رعظ اته رفعه: ((نعم الرجل ثابت بن قيس)). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٠٦/١٦. ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وفي ((صحيح البخاريّ)) مختصراً، و((معجم الطبرانيّ))(١) مُطوّلاً، عن أنس ظُه قال: لَمّا انكشف الناس يوم اليمامة، قلت لثابت بن قيس: ألا ترى يا عمّ؟ ووجدته يَتَحَنَّط، فقال: ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله وَّهه بئس ما عَوَّدتم أقرانكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قُتِل، وكان عليه دِرْعٌ نفيسةٌ، فمَرَّ به رجل مسلم، فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم، أتاه ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حُلُم، فتضيِّعه، إني لَمّا قُتِلتُ أخذ درعي فلان، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس تَسْتَنّ، وقد كفأ على الدرع بُرْمَةً، وفوقها رَحْلٌ، فائت خالداً، فمره، فليأخذها، وليقل لأبي بكر: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان عَتِيقٌ، فاستيقظ الرجل، فأَتَى خالداً، فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحَدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته، قال: ولا نعلم أحداً أُجيزت وصيّته بعد موته غير ثابت ظُه، ذكره أبو عمر في ((الاستيعاب))(٢). ورواه البغويّ من وجه آخر، عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس مطوّلاً(٣). ودخل عليه النبيّ وَلِّ، وهو عَلِيل، فقال: ((أَذْهِبِ الباس، ربَّ الناس، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس))(٤) . وقال ابن الحذّاء: قال بعض الناس: ثابت بن قيس بن شَمّاس، مولى رسول الله وَُّ، فَوَهِمَ(٥)، وأخرج له البخاريّ حديثاً واحداً، وأبو داود، والنسائيّ في ((عمل اليوم والليلة))، وليس له عند مسلم رواية، بل هذه القصّة. (١) ((المعجم الكبير)) (١٣٠٧) و(١٣٢٠). (٢) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ٣٠٦/١٦. (٣) راجع: ((الإصابة)) ٥١١/١ - ٥١٢. أخرجه الطبراني (١٣١٦) من طريق أبي كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدّثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس،، حدّثني أبي ثابت بن قيس، عن أبيه، قال ... ، فذكره، قال الهيثميّ في ((المجمع)) ٣٢١/٩ : وأبو ثابت بن قيس بن شماس لم أعرفه، ولكنه قال: حدثني أبي ثابت بن قيس، فالظاهر أنه صحابيّ، ولكن زيد بن الحباب لم يسمع من أحد من الصحابة. انتھی . (٤) ((تهذيب التهذيب)) ١/ ٢٦٧. (٥) ((تهذيب التهذيب)) ٢٦٧/١. ٤٢٩ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢١) (فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ) في نفسه، أو قال ذلك لمن اتّصل به، وسأل عنه (أَنَا مِنْ أَهْلِ الثَّارِ) أي بسبب رفع صوته على النبيّ ◌َِّ (وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ) أي امتنع من المجيء إليه على خلاف عادته (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن النَّبِيت بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأشهليّ، سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة، ويكنى أبا عمرو، شَهِدَ بدراً باتفاق، ورُمِي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهراً، حتى حَكَم في بني قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه، فمات، أخرج ذلك البخاري في ((صحيحه))، وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لَمّا خَرَجت جنازته: ما أخفّها! فقال النبيّ وَطِّ: ((إن الملائكة حملته)). وفي ((الصحيحين))، وغيرهما من طُرُق أن النبيّ وَلَّ قال: ((اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ)). ورَوَى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ( يشج) قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعَبّاد بن بِشْر. وذَكَر ابن إسحاق أنه لما أسلم على يد مصعب بن عُمير قال لبني عبد الأشهل: كلامُ رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا، فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركةً في الإسلام. ورَوَى ابن إسحاق في قصة الخندق، عن عائشة قالت: كنت في حِصْن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فَمَرّ سعد بن معاذ، وهو يقول [من الرجز]: لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الأَجَلْ فقالت له أمه: الحق يا بُنيّ، فقد تأخرت، فقلت: يا أم سعد، لَوَدِدت أن دِرْع سعد أسبغ مما هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الذي رماه: خُذها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقال: عَرَّقَ الله وجهك في النار، وابن الْعَرِقَة اسمه حَبَّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤي، والْعَرِقة أمه، وقيل: إن الذي أصاب سعداً أبو أمامة الْجُشَميّ. وروى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ظُه أن بني قريظة لَمّا ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان نزلوا على حكم سعد، وجاء على حمار، فقال النبيّ وَل: ((قوموا إلى سيِّدکم». وقال الزهريّ عن ابن المسيب، عن ابن عباس، قال سعد بن معاذ: ثلاث أنا فيهن رجل - يعني كما ينبغي - وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس، ما سمعت من رسول الله وَ ﴿ل حديثاً قطّ إلا عَلِمتُ أنه حقّ من الله تعالى، ولا كنت في صلاة قطّ، فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنتُ في جنازة قطّ، فحدثت نفسي بغير ما تقول، ويقال لها، حتى أنصرف عنها، قال ابن المسيب: فهذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبيّ (١). وأخرج ابن إسحاق بغير سند: أن أم سعد لَمّا مات قالت: وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا حَزَامَةً وَجَدًّا وَسَيِّداً سُدَّ بِهِ مَسَدًّا فقال النبيّ وَلهو: ((كلُّ نادبة تَكْذِب، إلا نادبة سعد)). وأخرجه الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس ظُه قال: جَعَلت أم سعد تقول : وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا حَزَامَةً وَجَدّاً فقال النبيّ وَ طّور: ((لا تزيدي على هذا، كان - والله - ما علمتُ حازماً، وفي أمر الله قَوِيّا))(٢). له في ((صحيح البخاريّ)) حديثان أحدهما، من طريق ابن مسعود: انطلق سعد بن معاذ معتمراً ... الحديث، والثاني في قصّة قتل سعد بن الربيع بأحد (٣)، وليس له في ((صحيح مسلم) ذكر، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) ◌َِّ ((يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية سعد بن معاذ حَظُهِ (مَا شَأْنُ ثَابِتٍ) ((ما)) استفهاميّة: أي أيّ شأن شأنه؟، وقوله: (أَشْتَكَى؟))) بهمزة الاستفهام، وحذف همزة الوصل؛ لأن القاعدة أن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل المفتوحة، قُلبت همزة الوصل مدّةً، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، (١) ((تهذيب التهذيب)) ٦٩٧/٢. (٣) ((تهذيب التهذيب)) ٢/ ٦٩٧. (٢) راجع: ((الإصابة)) ٧٠/٣ - ٧٢. ٤٣١ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢١) وإذا دخلت على المكسورة حُذفت همزة الوصل، نحو قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، ويحتمل أن تكون الهمزة الموجودة هي همزة الوصل المكسورة، وحُذفت همزة الاستفهام، والجملة تفسير، وتفصيل للجملة السابقة (قَالَ سَعْدٌ) رَبّهِ (إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى) أي بمرض، ودخلت الباء في المفعول؛ لتضمين عَلِم معنى شَعَر، قال الفيّوميّ: إذا كان عَلِم بمعنى: اليقين، تعدّى إلى مفعولين، وإذا كان بمعنى عَرَفَ تعدّى إلى مفعول واحد، وقد يُضَمَّنُ معنى شَعَرَ، فتدخل الباء، فيقال: علمته، وعلمتُ به،، وأعلمته الخير، وأعلمته به. انتهى (١). (قَالَ) أنس ◌َّهِ (فَأَتَّاهُ سَعْدٌ) وفي رواية البخاريّ من طريق موسى بن أنس، عن أنس ظُته: ((أن النبيّ وَّر افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه، فوجده جالساً في بيته، مُنَكِّساً رأسه ... ))، والرجل المبهم هو سعد بن المبيَّن هنا . معاذ (فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ الهِ وَ﴿ِ) أي في شأن احتباسه عنه (فَقَالَ ثَابِتٌ) (أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) المتقدّم ذكرها (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتاً عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ﴾ أي لأنه كان جهوريّ الصوت (فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي أخاف أن أكون من أهلها؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((فقال: ما شأنك؟ فقال: شَرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النبيّ ◌َّ، فقد حَبِطَ عمله ... )). (فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ وَ﴿) أي ما قاله ثابت ◌َظُه من الاعتذار عن احتباسه عن مجلسه وَ ال﴿ ﴿فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: (بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))) وفي رواية البخاريّ: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: ((اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة)). وأخرج ابن سعد بإسناد قويّ، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن ثابت، قال: قال ثابت بن قيس بن (١) ((المصباح المنير)) ٤٢٧/٢. ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان شماس: ((يا رسول الله إني أخشى أن أكون قد هلكتُ، فقال: ((وما ذاك؟)) قال: نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا جهير ... )) الحديث، وفيه: فقال له وَلجر: «أما ترضى أن تعيش سعيداً، وتُقْتَل شهيداً، وتدخل الجنة؟)). وهذا مرسل قويُّ الإسناد. وأخرجه الدارقطنيّ في ((الغرائب)) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك كذلك، ومن طريق سعيد بن كثير، عن مالك، فقال فيه: عن إسماعيل، عن ثابت بن قيس، وهو مع ذلك مرسل؛ لأن إسماعيل لم يَلْحَق ثابتاً . وأخرجه ابن مردويه من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، فقال: عن محمد بن ثابت بن قيس: إن ثابتاً، فذكر نحوه. وأخرجه ابن جرير، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ معضلاً، ولم يذكر فوقه أحداً، وقال في آخره: ((فعاش حميداً، وقُتِل شهيداً یوم مسيلمة)). ورَوَى ابنُ سعد بإسناد صحيح، من مرسل عكرمة، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ الآية، قال ثابت بن قيس: كنت أرفع صوتي، فأنا من أهل النار، فقَعَدَ في بيته، فذكر الحديث، نحو حديث أنس، وفي آخره: ((بل هو من أهل الجنة))، فلما كان يومُ اليمامة انهزَمَ المسلمون، فقال ثابت: أُفٍّ لهؤلاء ولما يعبدون، وأُفِّ لهؤلاء ولما يصنعون، قال: ورجل قائم على ثُلْمة (١)، فقتله، وقُتِلَ. ورَوَى ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ظُه في قصة ثابت بن قيس ظه، فقال في آخرها: قال أنس: فكنا نراه يَمشِي بين أَظْهُرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يومُ اليمامة كان في بعضنا بعضُ الانكشاف، فأقبل وقد تَكَفَّن، وتَحَنَّط، فقاتل، حتى قُتِلَ. ورَوَى ابن المنذر في ((تفسيره)) من طريق عطاء الخراسانيّ، قال: حدثتني (١) ((الثُّلْمة)) - بضم، فسكون - في الحائط وغيره: الخَلَلُ، والجمع ثُلَم، كغُرْفة وغُرَف. انتهى. ((المصباح)) ٨٣/١. ٤٣٣ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَخْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢١) بنت ثابت بن قيس، قالت: لَمّا أنزل الله هذه الآية، دخل ثابت بيته، فأَغْلَق بابه، فذكر القصةَ مُطَوّلَةً، وفيها قولُ النبيّ ◌َِّهِ: (تَعِيش حميداً، وتموت شَهِيداً)»، وفيها: فلما كان يومُ اليمامة ثبت حتى قُتِلَ(١)، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(٢). [تنبيه]: استُشْكِلت هذه القصّة بأن نزول الآية المذكورة كان في زمن الوفود، بسبب الأقرع بن حابس وغيره، فقد روى البخاريّ في ((صحيحه)) عن ابن أبي مليكة قال: ((كاد الْخَيِّران أن يَهلكا: أبو بكر وعمر، لَمّا قَدِم على النبيّ وَّهَ وَفْدُ بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميميّ الحنظليّ، أخي بني مُجاشِع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبيّ وَّر، فنزلت: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قوله ﴿عَظِيمٌ﴾ ... )) الحديث. وسنة الوفود كانت سنة تسع، وسعد بن معاذ نظره مات قبل ذلك في بني قريظة، وذلك سنة خمس. وأجاب الحافظ بأنه يُمكن الجمع بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نَزَل في قصة الأقرع أول السورة، وهو قوله رمّ: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَ رَسُولِ﴾، وقد نزل من هذه السورة سابقاً أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِن طَاِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾، ففي ((كتاب الصلح)) عند البخاريّ من حديث أنس رَُّبه، أنها نزلت في قصة عبد الله بن أَبَيّ بن سَلَولَ، وفي سياقه، وذلك قبل أن يسلم عبد الله، وكان إسلام عبد الله بعد وقعة بدر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جمع الحافظ في ((الفتح))، وفيه نظر لا يخفى، لأن رواية البخاريّ المذكورة صريحة في أن ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ نزلت في قصّة الأقرع، فلا يصحّ الجمع المذكور. (١) قال الهيثميّ في ((المجمع)) ٣٢٢/٩: رواه الطبرانيّ، وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقيّة رجاله رجال الصحيح، والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابيّة، فإنها قالت: سمعت أبي. انتهى. (٢) ((الفتح)) ٧١٨/٦ - ٧١٩ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٦١٣). ٤٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وجمع بعضهم بأن الآية تكرر نزولها في القضيّتين، وفيه نظر لا يخفى أيضاً. والذي يظهر لي أن ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية غلطٌ، وهو الذي ارتضاه الحافظ، واحتجّ له بما رَوَاه ابن المنذر في ((تفسيره)) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس به في هذه القصّة، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله هو جاري ... الحديث. فقال الحافظ: وهذا أشبه بالصواب؛ لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ؛ لأنه من قبيلة أخرى(١). قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن المنذر، في سندها سعيد بن بشير، والأكثرون على تضعيفه، وقال عنه في ((التقريب)): ضعيف، وانظر ما قاله الأئمة فيه في ((التهذيب)). والحاصل أن نكارة ذكر سعد بن معاذ مما لا شكّ فيه، ولم يُذكَر إلا في رواية حماد بن سلمة هذه، فقد روى هذا الحديث عن ثابت سليمانُ التيميّ، وسليمانُ بن المغيرة، وجعفرُ بن سليمان، عند المصنّف، فلم يذكروا سعد بن معاذ، بل ذكروه بلفظ رجل، أو نحوه، كما بيّنه المصنّف عقب كلّ الروايات، والظاهر أن المصنّف يرى تفرّد حماد بن سلمة بهذه الزيادة، وهو وإن كان أثبت مَن روى عن ثابت، إلا أن الوهم قد يعتري الحافظ، ولا سيّما مع مخالفة هؤلاء الثلاثة له. وقد أخرج البخاريّ في (صحيحه)) من رواية موسى بن أنس عن أنس به، وذكره بلفظ رجل أيضاً. فتحصّل من هذا كله أن نكارة ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية هي الواضحة، فالحقّ أنه إما سعد بن عبادة، كما في رواية سعيد بن بشير، ومال إليها الحافظ، وإن كان فيها مقال، أو رجل آخر، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقد رَوَى الطبريّ، وابن مردويه من طريق زيد بن الحباب، حدثني أبو (١) ((الفتح)) ٧١٧/٦ - ٧١٨ ((كتاب المناقب)) رقم الحديث (٣٦١٣). ٤٣٥ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢١) ثابت بن ثابت بن قيس، قال: ((لَمّا نزلت هذه الآية، قَعَدَ ثابت يبكي، فمَرَّ به عاصم بن عديّ، فقال: ما يبكيك؟ قال: أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله وَله: ((أما ترضى أن تعيش حميداً ... )) الحديث. قال الحافظ: وهذا لا يغاير أن يكون الرسول إليه من النبيّ وَلّ سعد بن معاذ. انتهى. وقد عرفت ما في سعد بن معاذ، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك (المسألة الثانية): في تخريجه: ضُبه هذا متّفقٌ عليه . أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٢١/٥٥ و٣٢٢ و٣٢٣ و٣٢٤] (١١٩)، و(البخاريّ) في ((علامات النبوّة)) (٣٦١٣)، و((التفسير)) (٤٨٤٦)، وفي ((خلق أفعال العباد)) (٧٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٣٧/٣ و١٤٥ و٢٨٧)، و(عبد بن حُميد) في (مسنده)) (١٢٠٩)، و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) من ((الكبرى)) (١٢٣)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (١٩٧ و١٩٨ و١٩٩)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣١٠ و٣١١ و٣١٢ و٣١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٦٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٣٣١ و٣٤٢٧)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الكبير)) (١٣٠٩)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٢٣٥/٣)، والله تعالى أعلم . (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحذير المؤمن من أن يحبط عمله بسبب ارتكاب المعاصي؛ لأنها مناقضة للإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد الحديث في ((كتاب الإيمان)). وقد عقد الإمام البخاريّ في ((صحيحه)) لهذا باباً، فقال: [باب خوف المؤمن من أن يَحْبَطَ عمله، وهو لا يشعر]، وقال إبراهيم التيميّ: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مُكَذِّباً، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ وَّ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان على إيمان جبريل وميكائيل، ويُذْكَرُ عن الحسن: ما خافه إلا مؤمنٌ، ولا أمنه إلا منافق، وما يُخْذَر من الإصرار على النفاق والعصيان، من غير توبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. انتهى. والضمير في قوله: ((ما أمنه)) للنفاق(١). ثم أورد البخاريّ حديث ابن مسعود تظ له مرفوعاً: ((سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ))، وحديث أنس عن عبادة بن الصامت ظاه: أن رسول الله ﴿ خرج يُخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: ((إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع، والتسع، والخمس))، تفرّد به البخاريّ. ٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﴿ه من شدّة الخوف من إحباط أعمالهم، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يكون دائم الخوف، كما أسلفناه آنفاً فيما أورده البخاريّ في ((صحیحه)). ٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة للصحابيّ الجليل ثابت بن قيس رضائه، حيث أخبر النبيّ ◌َ ر بأنه من أهل الجنّة، فكان الصحابة ﴿ّ يرونه، وهو يمشي بين أظهرهم رجلاً من أهل الجنّة، كما سيأتي في الرواية الآتية. ٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للعالم، وكبير القوم أن يتفقّد أصحابه، ويسأل عنهم إذا غابوا تأسّياً بالنبيّ وَّل ـ ٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﴿ من كمال التصديق فيما يُخبر به النبيّ وَلّر من الأمور الغيبيّة، حيث قال الراوي: ((فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا رجلاً من أهل الجنّة)). ٦ - (ومنها): أن الآية المذكورة نزلت آمرةً بتعظيم رسول الله وَّل، وتوقيره، وخفض الصوت لحضرته، وعند مخاطبته، بحيث إنه إذا نطق، ونطقوا، ينبغي ألا يبلغوا بأصواتهم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن يُغُضُّوا منها، بحيث يكون كلامه غالباً لكلامهم، وجهره باهراً لجهرهم، حتى تكون (١) راجع: ((الفتح)) ١٣٦/١ - ١٣٧ «كتاب الإيمان». ٤٣٧ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢١) مزيته لائحةً عليهم، وسابقته واضحة بينهم، وامتيازه عن جمهورهم، كَشِيَة الأبلق. قال القرطبيّ: وقد كَرِهَ بعض العلماء رفع الصوت عند قبره وَّ، وكَرِهَ بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء؛ تشريفاً لهم؛ إذ هم ورثة الأنبياء. انتهى. وقد كره العلماء أيضاً رفع الصوت على حديثه ◌َطهر، فكانوا يمنعون منه، ويخرجون من يفعل ذلك من المجلس، ويروى ذلك عن الإمام مالك ، وكان يقرأ الآية المذكورة، فمن رفع صوته عند حديثه، فكأنما رفع صوته فوق صوته وَالِ﴾(١). قال القاضي أبو بكر ابن العربي: حرمةُ النبيّ ◌َِّ ميتاً كحرمته حيّاً، وكلامه المأثور بعد موته في الرِّفْعَة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قُرِئ كلامه وَجَب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يُعْرِض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نَبّه الله ظا على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وكلامه ◌َّ من الوحي، وله من الأحكام مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثناة بيانها في كتب الفقه. انتهى. وهو استنباط نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: ليس الغرض برفع الصوت، ولا الجهر ما يُقْصَدِ به الاستخفاف، والاستهانة؛ لأن ذلك كُفْرٌ، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوتٌ هو في نفسه، والمسموع من جَرْسِه(٢) غيرُ مناسب لما يُهاب به العظماء، ويُوَقَّر الكبراء، فَيَتَكَلَّف الْغَضَّ منه، ورَدَّه إلی حَدِّ یمیل به إلى ما يَستبين فيه المأمور به، من التعزير والتوقير، ولم يتناول النهي أيضاً رفعَ الصوت الذي يتأذى به رسول الله بصير، وهو ما كان منهم في حرب، أو مُجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث: أنه وَلّ قال (١) راجع: ((شرحي)) على ((ألفيّة الحديث)) للسيوطيّ ١١٦/٢. (٢) ((الْجِرْس)) بفتح الجيم، وكسرها: الصوت. ٤٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان للعباس بن عبد المطلب ظُه لَمّا انهزَم الناس يوم حنين: ((اصرخ بالناس»، وكان العباس أجهر الناس صوتاً(١). ٨ - (ومنها): أن في الآية الردّ على المرجئة الذين يقولون: لا يضرّ مع الإیمان ذنبٌ أصلاً . ٩ - (ومنها): أنه ليس في الآية دليلٌ لمذهب الإحباطيّة الذين يقولون: إن السيّئات يُبطلن الحسنات، وقد حقّق القاضي أبو بكر ابن العربي في الردّ عليهم تحقيقاً حسناً، فقال: إن الإحباط إحباطان: [أحدهما]: إيطال الشيء للشيء، وإذهابه جملةً، كإحباط الإيمان للكفر، والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقيّ. [ثانيهما]: إحباط الموازنة، إذا جُعِلت الحسنات في كِفّة، والسيئات في كِفّة، فمَن رَجَحَت حسناته نجا، ومَن رَجَحت سيئاته وُقِّفَ في المشيئة، إما أن يُغْفَر له، وإما أن يُعَذَّب، فالتوقيف إبطالٌ مّا؛ لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيبُ إبطال أشدّ منه إلى حين الخروج من النار، ففي كلّ منهما إبطال نسبيّ، أُطلق عليه اسم الإحباط مجازاً، وليس هو إحباطاً حقيقةً؛ لأنه إذا أُخرج من النار، وأُدخل الجنة، عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطيّة الذين سَوَّوا بين الإحباطين، وحَكَمُوا على العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسِ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٠٧/١٦ - ٣٠٨. (٢) راجع: ((الفتح)) ١٣٥/١ - ١٣٦ ((كتاب الإيمان)) رقم الحديث (٤٨). ٤٣٩ (٥٥) - بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَخْبَطَ عَمَلُهُ - حديث رقم (٣٢٢) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ) - بضمّ النون، وفتح السين المهملة، مصغّراً - الْغُبَريّ - بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة الخفيفة - المعروف بالذّارع، أبو عبّاد البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [١٠]. رَوَى عن جعفر بن سليمان الضُّبَعِيّ، وبِشْر بن منصور السَّلِيميّ، وعمرو بن النعمان الباهليّ، ويزيد بن عبد الله أبي خالد القرشيّ الْبُسْريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى الترمذي عن أبي داود عنه، حديث أنس: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته))، وإبراهيم بن هاشم البغويّ، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، ويعقوب بن سفيان، وعبدان الأهوازيّ، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فرأيته يَحْمِل عليه، وذكر أنه رَوَى أحاديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس مما أُنكِر عليه، وقال ابن عديّ: كان يَسْرِق الحديث، ويوصله، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عديّ: حدثنا البغويّ، ثنا الْقَوَاریريّ، ثنا جعفر، عن ثابت، بحديث: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها))، فقال رجل للقواريريّ: إن شيخاً يُحَدِّث به عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، فقال القواريريّ: باطل، قال ابن عديّ: وهو كما قال. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٩)، وحديث (٢٧٥٠): ((لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي ظُرُقكم ... )) الحديث. [تنبيه]: قال في ((التهذيب)) (٤٤٢/٣)، ما نصّه: روى عنه مسلمٌ حديثاً واحداً في فضل ثابت بن قيس بن شَمّاس. انتهى. فيه نظرٌ لا يخفى، لأنه أخرج له أيضاً الحديث المذكور آنفاً، ولا يقال: إنه أخرج له الحديث المذكور مقروناً بيحيى بن يحيى؛ لأنا نقول كذلك هذا الحديث إنما أخرجه متابعة، لا أصالةً، فتنبّه(١)، والله تعالى أعلم. (١) (٢٧٥٠) قال الإمام مسلم في ((كتاب التوبة)): حدثنا يحيى بن يحيى التميميّ، وقَطَن بن نُسَير، واللفظ ليحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن سعيد بن إياس= ٤٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [تنبيه آخر]: ليس في الكتب الستّة من اسمه ((قَطَن بن نُسير)) غيره، وأما من اسمه ((قَطَن)) فهم: أربعة: ١ - هذا المترجم هنا. ٢ - وقطن بن قَبيصة بن الْمُخارق الهلاليّ، أبو سهل البصريّ، صدوق عند أبي داود، والنسائيّ. ٣ - وقطن بن كعب، أبو الْهَيثم البصريّ، ثقة عند البخاريّ، وأبي داود في ((القدر))، والنسائيّ. ٤ - وقطن بن وهب بن عويمر الليثيّ، أو الخزاعيّ، أبو الحسن المدنيّ، صدوق عند المصنّف، والنسائيّ، والله تعالى أعلم. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعَيّ - بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - مولى بني الْحَرِيش، كان ينزل في بني ضُبَيعة، فنُسِب إليهم، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيّع [٨]. رَوَى عن ثابت البنانيّ، والجعد أبي عثمان، ويزيد الرِّشْك، والْجُرَيريّ، وحُميد بن قيس الأعرج، وابن جريج، وعوف الأعرابيّ، وعطاء بن السائب، وكهمس بن الحسن، ومالك بن دينار، وجماعة. ورَوى عنه الثوريّ، ومات قبله، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهديّ، الْجُريريّ، عن أبي عثمان النهديّ، عن حنظلة الأسيديّ قال: وكان من كُتّاب = رسول الله وَ﴿ قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله (پ﴾ يُذَگِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله وَ لَه عافَسْنَا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ◌َ و قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﴾: ((وما ذاك؟)) قلت: يا رسول الله، نكون عندك تُذَكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، فقال رسول الله وَلجر: ((والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم، وفي ظُرُقكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً))، ثلاث مرات.