Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (٤٥) - بَابُ قَوْلِ النَِّّ وَّهِ: ((مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)) - حديث رقم (٢٩٠) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحدیث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن حیّان، فقد تفرّد به هو. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني بغداديّ، ويعقوب، وإن نزل الإسكندريّة، غير أنه مدنيّ الأصل. ٤ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم البحث فيها مستوفَّى غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو صالح: من أثبت من روى عن أبي هريرة به، وهو أحفظ من روى عن رسول الله وَّلقول، روى (٤ ٥٣٧) حديثا . وقوله: (ليس منا) ذكر أبو نعيم في ((مستخرجه)) بعد إخراجه الحديث، ما نصّه: قال أبو عبيد: ((ليس منا)): أي هذه الأفعال، والأخلاق هي التي عليها الكفّار، ليست من أفعالنا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث، فالجزء الأول منه تقدّم في الباب الماضي، والجزء الثاني سيأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا تفرد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٩٠/٤٥] (١٠١)، و(ابن ماجه) في ((كتاب الحدود)) (٢٥٧٥)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١٢٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٧/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٨) مختصراً على الجزء الأول منه، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٥ و٢٨٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١] (١٠٢) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعاً، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِ الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامِ، فَأَدْخَلَ بَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟))،َ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ، كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله (٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في (المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقَيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠. ٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقِيّ، أبو شِبْلِ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع و١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٥ - (أَبُوه) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرقيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. وقتيبة، وأبو هريرة ظه تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة من صيغ الأداء، وله فيه ثلاثة مشايخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه يحيى، فتفرّد به هو وأبو داود، وأخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والنسائيّ في ((مسند عليّ))، وغير العلاء، فما أخرج له البخاريّ إلا في ((جزء القراءة)). ٢٢٣ (٤٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وََّ: ((مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)) - حديث رقم (٢٩١) ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخه، فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، والثالث مروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: العلاء، عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ طَعَام) وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)): ((جاء النبيّ وََّ إلى السوق، فإذا حنطةٌ مصِّبرة، فأدخل يده فيها، فرأى بللاً ... )). و((الصُّبْرة)) بضمّ الصاد المهملة، وإسكان الباء الموحّدة، جمعها صُبَر، مثلُ غُرْفَة وغُرَف، وعن ابن دريد: اشتريتُ الشيءَ صُبْرَةً، أي بلا كيل، ولا وزن، وقال الأزهريّ: الصُّبرة: الْكُومة (١) المجتمعة من الطعام، سُمّيت صُبْرةً لإفراغ بعضها على بعض، ومنه قيل للسحاب فوق السحاب: صَبير. انتهى (٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((صُبرة الطعام)): هي الجملة المصبورة، أي المحبوسة للبيع، والصَّبْرُ: هو الحبس. انتهى (٣). و((الطعام)) بالفتح: اسم لما يؤكل، ويطلقه أهل الحجاز على الْبُرّ، قال ابن الأثير: الطَّعَام عامّ في كلّ ما يُقتات، من الحنطة، والشعير، والتمر، وغير (٤) ذلك. انتھی . وقال في ((التهذيب)): ((الطُّعْم)) بالضمّ: الحبّ الذي يُلقَى للطير، وإذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام عَنَوْا به البُرّ خاصّةً، وفي العرف: الطَّعَام اسم لما يُؤْكلُ، مثلُ الشراب اسم لما يُشربُ، وجمعه أَطْعِمةٌ. انتهى(٥). (فَأَدْخَلَ) بَِّ (يَدَهُ فِيهَا) أي في تلك الصُّبْرة، وذلك بالوحي، ففي رواية أبي داود من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء: أن رسول الله وَلَّ مَرّ برجل يبيع طعاماً، فسأله كيف تبيع؟ فأخبره، فأُوحي إليه أن أدخل يدك فيه، فأَدخل (١) ((الْكُوْمة)) بفتح الكاف، وضمها: القطعة من التراب وغيره، قاله في ((المصباح)) ٥٤٥/٢. (٣) ((المفهم)) ١/ ٣٠٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/٢. (٤) ((النهاية)) ١٢٦/٣. (٥) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢. ٢٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال رسول الله وَله: (ليس منا مَن غَشّ))(١). وأخرج أحمد في ((مسنده))، من حديث أبي بردة بن نيار نظابه قال: انطلقت مع النبيّ وَ﴿ إلى نَقِيع المصلَّى، فأدخل يده في طعام، ثم أخرجها، فإذا هو مغشوش، أو مُخْتَلِفٌ، فقال: ((ليس منا من غشنا))، وفي سنده شريك بن عبد الله، وجُميع بن عُمير متكلّم فيهما . (فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً) أي نداوةً، ورطوبةً، قال في ((القاموس)): ((الْبَلَلُ)) محرّكَةً، والْبِلّةُ، والْبِلالُ بكسرهما، والْبُلالةُ بالضمّ: النُّدْوَةُ(٢)، وبَلَّهُ بالماء بَلّاً، وبِلَّةً بالكسر، وبلّله، فابتلّ، وتَبَلَّلَ، وككتاب: الماء، ويُثلَّثُ، وكلُّ ما يُبلُّ به الحلق. انتهى (٣). (فَقَالَ) ◌َِّ مستفسراً سبب البلل ((مَا) استفهاميّة، أي أيُّ شيء (هَذَا) البللُ (يَا صَاحِبَ الطَّعَام؟)) أي ما سبب رطوبة باطن طعامك هذا؟ (قَالَ) صاحب الطعام (أَصَابَتْهُ الَسَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي عوانة: ((قال: يا رسول الله أصابه مطرٌ، فهو هذا البلل الذي تری)). و((السماء)): المطر، سُمّي بذلك؛ لنزوله من السماء، وأصل السماء: كلُّ ما علاك، فأظلّك، قاله القرطبيّ(٤). وقال الفيّوميّ: السماء المطر: مؤنّثةٌ؛ لأنها في معنى السحابة، وجمعُها سُمِيٍّ، على فُعُولٍ، والسماءُ السقف: مذكّرٌ، وكلُّ عال سماءٌ حتى يقال لظهر الفرس: سماءٌ، ومنه: ينزل من السماء، قالوا: من السقف، والنسبة إلى السماء سمائيٌّ بالهمز على لفظها، وسماويّ بالواو اعتباراً بالأصل، وهذا حكم الهمزة إذا كانت بدلاً، أو أصلاً، أو كانت للإلحاق. انتهى(٥). وقال ابن منظور: السماء: المطر مذكَّرٌ، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم: أي المطر، ومنهم من يؤنّثه، وإن كان بمعنى المطر، كما يذكّر (١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح برقم (٢٩٩٥). (٢) ((النُّدْوة)) بضمّ، فسكون، ويقال أيضاً: النَّدَاوة بالفتح، راجع: ((المصباح)) ٥٩٩/٢. (٤) ((المفهم)) ٣٠٠/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٨٧١. (٥) ((المصباح المنير)) ٢٩٠/١. ٢٢٥ (٤٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَّهِ: ((مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)) - حديث رقم (٢٩١) السماء، وإن كانت مؤنّثةً، كقول تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بٍِ،﴾، وقال مُعَوِّدُ الحكماء(١) معاوية بن مالك [من الوافر]: إِذَا سَقَطَ (٢) السَّمَاءُ بِأَرْضٍٍ قَوْمِ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا ويُجمع على أَسْمِيَةٍ، وسُمِيٍّ على فُعُول، قال رؤية [من الرجز]: ثَلُفُّهُ الأَرْوَاحُ وَالسُّمِيُّ فِي دِفْءِ أَرْطَاةٍ لَهَا حَنِيُّ (٣) (قَالَ) وَةِ ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ) أي المبلول (فَوْقَ الطَّعَام؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ) وفي رواية أبي عوانة: ((أفلا جعلته على رأس الطعام حتى يراه الناس))، أي لأجل أن يروه، فلا يكونوا مخدوعين (مَنْ) شرطيّة (غَشَّ) الغشّ: ضدّ النصيحة، وهو بكسر الغين المعجمة، يقال: غَشَّهُ يُغُشّه غِشّاً، وأصله من اللبن المغشوش، أي المخلوط بالماء تدليساً، قاله القرطبيّ(٤). وقال الفيّوميّ: غَشّه غَشّاً، من باب قتل، والاسم الغِشّ بالكسر: لم يَنْصَحِه، وزيّن له غير المصلحة، ولبنٌ مغشوشٌ: مخلوط بالماء. انتهى(٥). (فَلَيْسَ مِنِّي))) كذا في الأصول بلفظ ((منّي))، وهو صحيح(٦)، ولفظ أبي نُعيم في ((مستخرجه)): ((من غشّنا فليس منّا))، وعند أبي عوانة: ((من غشّ فليس منّي، من غشّ فليس منّي))، مكرّراً، ولفظ أبي داود، وابن ماجه: ((ليس منّا من غش)) . قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في (سننه)): حدثنا الحسن بن الصباح، عن عليّ، عن يحيى، قال: كان سفيان يَكره هذا التفسير: ليس مِنّا: (٧) ليس مثلنا. انتهى (١) سُمّي معوِّد الحكماء؛ لقوله في هذه القصيدة: أُعَوِّدُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءَ بَعْدِي انتهى. ((لسان العرب)) ٣٩٩/١٤. (٢) ويروى: ((إذا نزل السماء ... إلخ)). (٤) ((المفهم)) ٣٠٠/١ - ٣٠١. (٦) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/٢. إِذَا مَا الْحَقُّ فِي الْحَدَثَانِ نَابًا (٣) راجع: ((لسان العرب)) ٣٠٩٩/١٤. (٥) ((المصباح المنير)) ٤٤٧/٢. (٧) أخرجه أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح برقم (٢٩٩٥). ٢٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال البغويّ في ((شرح السنّة)): لم يُرد به نفيه عن دين الإسلام، إنما أراد أنه ترك اتّباعي؛ إذ ليس هذا من أخلاقنا وأفعالنا، أو ليس هو على سنّتي وطريقتي في مناصحة الإخوان، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك، يريد به الموافقة والمتابعة، قال الله ◌ُعَلَ إخباراً عن إبراهيم عليّ: ﴿فَمَنْ تَّبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِى) الآية [إبراهيم: ٣٦]، والغَشُّ نقيض النصح، مأخوذ من الغشش، وهو المشرب الكدِرُ. وقد تقدّم تمام البحث فيه في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا تفرّد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٢٩١/٤٥] (١٠٢)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٤٥٢)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣١٥)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٢٢٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٣٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٧)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٩٠٥)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٣٤/٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٥٥٠ و٥٥١ و٥٥٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٠/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٢١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الغشّ، وأنه من الكبائر التي تنافي مقتضى الإيمان؛ إذ الواجب على المسلم مناصحة أخيه المسلم، فإذا غشّه فقد ناقض ذلك، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان؛ إذ هو من أضداده، والشيء يناسب ضدّه. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َيل من العناية بما يجري بين الناس من التعامل، وإرشاد الضالّ إلى الحقّ، وتحذيره من الوقوع في خيانة إخوانه، ومن ثمّ في خيانة نفسه؛ إذ من لم يناصح إخوانه لم يناصح نفسه. ٢٢٧ (٤٥) - بَابُ قَوْلِ النَّيِّ نَّهِ: ((مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)) - حديث رقم (٢٩١) ٣ - (ومنها): حرص الشريعة على إبعاد كلّ ما يحصل به الضرر للمسلم . ٤ - (ومنها): أن التدليس في البيع حرام، مثلُ أن يُخفي العيب، أو يُصرّي الشاة، أو يُغمّر وجه الجارية، فيظنّها المشتري حسناء، أو يُجعّد شعرها، غير أن البيع مع ذلك يصحّ، ولكن يَثبُت للمشتري الخيار إذا وقف عليه، كما أثبت ذلك له النبيّ وَّه، حيث قال فيما أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم، من حديث أبي هريرة ◌َظُبه: أن رسول الله وَله قال: ((لا يُتَلَّقى الركبانُ لبيع، ولا يَبِعْ بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يَبع حاضر لباد، ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين، بعد أن يَحْلُبها، فإن رَضِيَها أمسكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعاً من تمر)). قال الإمام البغويّ رحمه الله تعالى: ولو اطّلع المشتري على العيب بعدما هلك ما اشتراه في يده، أو كان عبداً قد أعتقه، فيرجع بالأرش، وهو أن يُنظر كم نقص العيب من قيمته، فيسترجع بنسبته من الثمن، وقال شُريح: لا يردّ العبد من ادّفان، ويُردّ من الإباق الباتّ، والادّفانُ: أن يروغ عن مواليه اليوم أو اليومين، ولا يغيب عن المصر، وعنه: أنه كان يُرُدّ الرقيق من الْعَبَس، وهو البول في الفراش، فأما إذا باع عبداً قد ألبسه ثوب الْكَتَبة، أو زيّاه بزيّ أهل حرفة، فظنّه المشتري كاتباً، أو محترفاً بتلك الحرفة، فلم يكن، فلا خيار له على أصحّ المذهب؛ لأن الرجل قد يَلْبَس ثوب الغير عاريةً، والمشتري هو الذي اغترّ به، فلا خيار له. انتهى (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من ((كتاب البيوع)) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾. (١) ((شرح السنّة)) ١٦٧/٨ - ١٦٨. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (٤٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، وَالدُّعَاءِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الکتاب قال: [٢٩٢] (١٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعاً عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى، وَأَمَّا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَا: ((وَشَقَّ، وَدَعَا)) بِغَيْرِ لِفٍ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارفيّ - بالراء والفاء - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. ٢ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ عابدٌ [٢] (ت٦٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. ٣ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير بظلاله (ت٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣، والباقون كلهم تقدّموا قريباً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ. ٢٢٩ (٤٦) - بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبٍ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢) ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، وقد دخل الكوفة أيضاً . ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه ذو مناقب جمّة، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد كبار العلماء من الصحابة ﴿ه، وأحد من أمر النبيّ وَليقوم بأخذ القرآن عنه، وأمّره عمر رَظُه على الكوفة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َظُه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَيْسَ مِنَّا) أي من أهل سنتنا، وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغةُ في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لستُ منك ولستَ مِنّي، أي ما أنت على طريقتي. وقال الزين ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى، ما ملخصه: التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما وَرَدَ عن أمر وجوديّ، وهذا يُصان كلام الشارع عن الحمل عليه، والأولى أن يقال: المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تَعَرَّض لأن يُهْجَر، ويُعْرَض عنه، فلا يَختلط بجماعة السنة؛ تأديباً له على استصحابه حالة الجاهلية التي قَبَّحها الإسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا يستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود. وقد تقدّم عن سفيان بن عيينة أنه كان يَكْرَه الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يُمْسَك عن ذلك؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل: أي أنه خَرَج من فرع من فروع الدين، وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربيّ. قال الحافظ: ويظهر لي أن هذا النفي يُفَسِّره التبري الآتي في حديث أبي موسى ربه التالي لهذا الحديث بعد باب، حيث قال: ((فإن رسول الله وَلايفهم بريء ... ))، وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه تَوَعَّده بأن لا يُدخله في شفاعته مثلاً . ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال المهلب: قوله: ((أنا بريء)): أي من فاعل ما ذُكِر وقت ذلك الفعل، ولم يُرد نفيه عن الإسلام. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه قال: إن الصواب في مثل هذا الحديث أن المراد به نفي كمال الإيمان الواجب، لا نفي أصل الإيمان، ولا نفي الكمال المستحبّ، وفاعل ذلك معه من الإيمان ما يستحقّ به مشاركة المؤمنين في اسم الإيمان، وفي بعض الثواب، ومعه من الكبيرة ما يستحقّ به العقاب والوصم بالفسوق(١)، وهذا تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. (مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ) ولفظ البخاريّ: ((من لَظَمَ الخدود))، وهو بمعناه، يقال: لطَمَتَ المرأة وجهَهَا لَظْماً، من باب ضَرَبَ: ضربته بباطن كفّها، قاله الفيّوميّ(٢). و((الْخُدُود)» - بالضمّ -: جمع خَدّ - بالفتح -، كفَلْس وفُلُوس، وهو: مِنَ الْمَحْجِرِ (٣) إلى اللَّخي، قاله في ((المصباح)). وقال في ((القاموس)): (الْخَدّان)) - بالفتح - و((الخُدّتَان)) - بالضمّ -: ما جاوز مؤخّر العينين إلى منتهى الشِّدْق، أو اللذان يكتنفان الأنف عن يمين وشِمَال، أو من لَدُن الْمَحْجِرِ إلى اللِّحْي، مذكَّرٌ. انتهى (٤). وإنما خصَّ الْخَدَّ بذلك؛ لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك أيضاً . (أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ) ولفظ البخاريّ: ((وشَقّ)) بالواو، وهي التي سيشير إليها المصنّف من رواية جریر، وعیسی بن یونس. ثم إن الواو في هذه الرواية بمعنى ((أو))، فالحكم في كلّ واحد منها، لا (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٢٩٣/١٩ - ٢٩٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٥٣/٢. (٣) ((الْمَحْجِرُ)): وزانُ مَجْلِس، ومِنْبَر: الْحَديقة، ومن العين ما دار بها، وبدا من البُرْقُع، أو ما يظهر من نِقَابها. انتهى. ((القاموس)). (٤) ((القاموس المحيط)) ص٢٥٣. ٢٣١ (٤٦) - بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢) في المجموع؛ لأن كلّاً منها دالّ على عدم الرضا، والتسليم، فتنبّه. و((الجيوب)): جمع جَيْب ـ بالجيم، والموحدة - وهو: ما يُفْتَح من الثوب؛ لِيُدْخَل فيه الرأس، والمراد بِشَقِّه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط . (أَوْ دَعَا) وللبخاريّ: ((ودعا)) بالواو، وسيشير إليها المصنّف أيضاً، وهي بمعنى ((أو))، كما سبق آنفاً (بِدَعْوَى) ولفظ النسائيّ: ((بدعاء)) (الْجَاهِلِيَّةِ))) أي من النياحة، ونحوها، وكذا النُّذْبةُ، كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور. فقد أخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبان من حديث أبي أمامة ((أن رسول الله وَ لَهُ لَعَنَ الخامشة وجهَهَا، والشاقّة جيبها، والداعية بالويل والثبور)). قال النوويّ: وأما ((دعوى الجاهلية))، فقال القاضي عياض: هي النياحة، ونَدْبُهُ الميتَ، والدعاء بالويل، وشبهه، والمراد بالجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام. انتهى (١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((دعوى الجاهليّة)) هنا: هي النياحة، وندبة الميت، والدعاء بالويل، والنعي، وإطراء الميت بما لم يكن فيه، كما كانت الجاهليّة تفعله، ويحتمل أن يراد بها نداؤهم عند الهياج والقتال: يا بني فلان مستنصراً بهم في الظلم والفساد، وقد جاء النهي عنها في حديث آخر، وقال: ((دَعُوها فإنها منتنة))، متّفقٌ عليه، وأمر بالانتماء إلى الإسلام، فقال: ((ادعوا بدعوة المسلمين التي سمّاكم الله بها))(٢)، والأول أليق بهذا الحديث؛ لأنه قرنه بضرب الخدود، وشقّ الجيوب. انتهى (٣). [تنبيه]: عموم هذا الحديث يَشمل الذكور والإناث، وتخصيص الإناث (١) ((شرح النوويّ)) ١١٠/٢. (٢) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في ((كتاب الأمثال)) من ((جامعه)) مطوّلاً من حديث الحارث الأشعريّ رَظ ◌ُله برقم (٣٠٣٥). (٣) ((المفهم)) ٣٠١/١. ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان في بعض الأحاديث خرج مخرج العادة، فإن هذه الأفعال إنما هي عادتهنّ، لا عادة الذكور، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: ذكر الحافظ في ((الفتح))(١) أنه وقع في رواية مسلم بلفظ: (بدعوى أهل الجاهلية)) بزيادة لفظة ((أهل))، وهذه الرواية لم أجدها في النسخ التي عندي، ولعله وقعت له نسخة أخرى بها . ووقع عند النسائيّ في ((الكبرى)) بلفظ: ((ودعا بدعاء أهل الجاهلية)). وقد أشار النسائيّ في ((المجتبى)) إلى اختلاف شيخيه: عليّ بن خَشْرَم، والحسن بن إسماعيل، فلفظ عليّ: ((ودعا بدعاء الجاهليّة))، ولفظ الحسن: ((ودعا بدعوى الجاهلية)). و((الدُّعاءُ)) - بالضمّ، والمدّ ـ، و((الدَّعْوَى)) - بالفتح، والقصر - مصدران لـ((دعا يدعو))، يقال: دعوت فلاناً دُعاءً، ودَعْوَى: إذا ناديته، وطلبت إقباله، والله تعالى أعلم. وقوله: (هَذَا) إشارة إلى السياق المذكور بلفظ: ((أو شقّ الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهليّة)» بـ(أو)) (حَدِيثُ يَحْيَى) بن يحيى، شيخِه الأول، يعني: أنه رواه بـ((أو)) في الموضعين (وَأَمَّا ابْنُ نُمَيْرٍ) أي محمد بن عبد الله بن نمير، شيخه الثالث (وَأَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبةَ، شيخه الثاني (فَقَالًا) في حديثهما ((وَشَقَّ، وَدَعَا)) بِغَيْرِ أَلِفِ) يعني الألف التي قبل الواو، أي إنهما قالا: ((وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهليّة)) بالواو، بدل ((أو))، وقد سبق أن الواو هنا بمعنى ((أو))؛ لأن هذه الأشياء بمفرداتها منكرة، فلا يُشترط اجتماعها، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظرته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) راجع: ((الفتح)) ١٩٥/٣. ٢٣٣ (٤٦) - بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبٍ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٢) أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٩٢/٤٦ و٢٩٣] (١٠٣)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٩٤ و١٢٩٧ و١٢٩٨)، و((المناقب)) (٣٥١٩)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٩٩)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٦٠ و١٨٦٢ و١٨٦٤)، وفي ((الكبرى)) (١٩٨٧ و١٩٨٩ و١٩٩١)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٨٤)، و(أحمد) ٣٨٦/١ و٤٣٢ و٤٤٢ و٤٥٦ و٤٦٥)، و(ابن الجارود) (٥١٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٦٣ و٦٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم ما ذُكِر فيه من ضرب الوجه وغيره؛ لأن ذلك مشعرٌ بعدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم، أو التسخّط مثلاً بما وقع، فإنه ارتداد عن الإسلام، أعاذنا الله من ذلك، وأماتنا على الإسلام بمنّه وكرمه آمين. ٢ - (ومنها): أن هذه الأشياء من صنيع الجاهليّة، فيجب على المسلم الابتعاد عنها . ٣ - (ومنها): وجوب الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمره؛ لأنه تعالى أعلم بمصالح عباده، أرحم بهم منهم لأنفسهم، وإنما يبتليهم بالمصائب؛ إما ليكفّر عنهم سيّئاتهم، وإما ليرفع بها درجاتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَعَسَّ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فواجب العبد إذا أُصيب بمصيبة أن يسترجع، ويَعلم أنه يُعَوَّض من عند الله تعالى خيراً مما أُصيب به، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴿﴿ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]. ١٥٧) وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ وقد أخرج المصنّف في (صحيحه)) من حديث أم سلمة ◌َؤُّ أنها قالت: سمعت رسول الله ير يقول: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللهم أُجُرني في مصيبتي، وأَخْلِف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها)). ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وأخرج أيضاً من حديث صُهَيب ◌َظُه قال: قال رسول اللهِ وَله: ((عَجَباً لأمر المؤمن، إنّ أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَرّاء شَكَر فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرّاء صبر، فكان خيراً له)). وأخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ◌َظ ◌ُبه أن رسول الله و لو قال: ((يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ، إذا قَبَضتُ صَفِيَّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة)). ومفتاح ذلك كلّه، والطريق الموصل إليه هو صدق الإيمان، وإخلاص التوكّل عليه، وقوّة الرجاء والالتجاء إليه، فإنه الكافي لعبده، وهو الفتّاح لباب الصبر والرضا، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهٌ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال: ج ﴿مَآَ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ الآية [التغابن: ١١]. والحاصل أن واجب المسلم تجاه المصائب الصبر، والرضا بالقضاء، والالتجاء إليه، والتوكّل عليه، فإنه ينال بذلك الأجر العظيم، والفضل الجسيم، كما أوضحته النصوص المذكورة. ((اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي، ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت، ولا يَعِزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت))، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٣] ( ... ) - (وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعاً، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: (وَشَقُّ، وَدَعَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥. ٢٣٥ (٤٦) - بَابُ تَحْرِيمٍ ضَرْبِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤) ٢ - (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه المذكور قريباً. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بمعجمتين، وزانِ جَعْفَر - المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤. ٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥، والأعمش سبق في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عبد الله بن مُرّة، عن مضى عبـ مسروق، عن عبد الله . وقوله: (وَقَالَا: ((وَشَقَّ، وَدَعًا))) ضمير التثنية لجرير، وعيسى بن يونس، يعني: أنهما روياه بالواو بدل ((أو)). [تنبيه]: رواية عيسى أخرجها النسائيّ في ((المجتبى)) (١٨٦٠/١٧)، فقال: أخبرنا عليّ بن خَشْرَم، قال: حدثنا عيسى، عن الأعمش (ح) أنبأنا الحسن بن إسماعيل، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَّل: ((ليس منا مَن ضرب الخدود، وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعاء الجاهلية))، واللفظ لعليّ، وقال الحسن: ((بدعوی)). وأما رواية جرير، فلم أجدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٤] (١٠٤) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعاً، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً، ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ لَّهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ) هو: الحكم بن موسى بن أبي زُهَير شِيرزَاد البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطَريّ، ثقةٌ(١) [١٠]. رَأى مالك بن أنس، ورَوَى عن ضَمْرة بن ربيعة، وإسماعيل بن عياش، وشعيب بن إسحاق، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، وروى له النسائيّ بواسطة عمرو بن منصور، وابن ماجه بواسطة أبي زرعة الرازيّ، وأبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، والدارميّ، وأبو قدامة السرخسيّ، وابن المدينيّ، والذهليّ، والزعفرانيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، ومحمد بن يحيى بن سليمان المروزيّ، وجماعة. قال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرةً: ثقةٌ، وكذا قال العجليّ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال ابن سعد: ثقةٌ، كثير الحديث، وكان رجلاً صالحاً، ثبتاً في الحديث، وقال موسى بن هارون: حدثنا الحكم بن موسى، أبو صالح الشيخ الصالح، وقال: بلغني عن ابن المدينيّ أنه قال كذلك، وكذا قال البغويّ، وقال صالح جزرة: الثقة المأمون، وقال ابن قانع: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال البخاري وجماعة: مات سنة (٢٣٢)، زاد البغويّ: ليومين من شوال. أخرج له البخاري في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً. (١) قال في ((التقريب)): صدوقٌ، وما قلته أولى، كما يظهر من ترجمته، فلم يتكلّم فيه أحد، بل وثقّوه، فتنبّه. ٢٣٧ (٤٦) - بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤) [تنبيه]: ((الْقَنْطَريّ)) - بفتح القاف، وسكون النون، وفتح الطاء -: منسوب إلى قَنْطَرَة بَرَدَان - بفتح الباء والراء -: جِسْرُ بغداد، قاله النوويّ في ((شرحه)). وذكر السمعانيّ في ((الأنساب))، والمجد في ((القاموس)): أن ((القَنْطَرَة)) اسم لعدّة مواضع كثيرة، وذكرا بعض من ينتسب إليها، ولكن لم يذكر الحكم بن موسى إلى أيها ينتسب؟(١)، والله تعالى أعلم. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الْبَتْلَهِيّ الدمشقيّ القاضي، من أهل بيت لَهْيَا، ثقة، رُمي بالقدر [٨]. رَوَى عن الأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثور بن يزيد، ونصر بن علقمة، وزيد بن واقد، وسليمان بن أرقم، وسليمان بن داود الخولاني، وعمرو بن مهاجر، ومحمد بن الوليد الزُّبَيْديّ، ويحيى بن الحارث الذِّمَاريِّ، ويزيد بن أبي مريم الشامي، وجماعة. ورَوَى عنه ابنه محمد، وابن مهديّ، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر، ومحمد بن المبارك، ومروان بن محمد، ويحيى بن حسان، وعبد الله بن يوسف، والحكم بن موسى، وأبو النضر الفراديسيّ، ومحمد بن عائذ، وهشام بن عمار، وعلي بن حجر، وآخرون. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وكذا قال الْمَرُّوذيّ عن أحمد، وقال الغلابي وغيره عن ابن معين: ثقة، قال الغلابي: كان ثقة، وكان يُرمَى بالقدر، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان قدريّاً، وكان صدقة بن خالد أحب إليهم منه، وقال عثمان الدارمي عن دُحيم: ثقة عالم، لا أشك إلا أنه لقي علي بن يزيد، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قلت: كان قدرياً؟ قال: نعم. وقال النسائي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، وكان قاضياً على دمشق ثقة. وقال عبد الله بن محمد بن سيار: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحه. وقال عمرو بن دُحيم: أعلم أهل دمشق بحديث مكحول الهيثم بن حميد، ويحيى بن حمزة. (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١٠/٢، و((الأنساب)) لابن السمعانيّ ٥٣١/٤ - ٥٣٤، و((القاموس المحيط)) ص ٤٢٠ - ٤٢١. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال العجلي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة مشهور، وقال مروان بن محمد: استقضاه المنصور سنة ثلاث وخمسين، فلم يزل قاضياً حتى مات، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: وُلد سنة ثلاث ومائة، ومات سنة ثلاث وثمانين ومائة، وكذا قال أبو مسهر وغيره، قال أبو سليمان بن زَبْر: وُلد سنة اثنتين، وقيل: سنة خمس، وقيل غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، هذا الحديث، وحديث (١٢١١): ((وإنها لحابستنا ... ))، و(١٥٤٨): ((فلا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها ... ))، و(١٨٨٨): ((رجلٌ يُجاهد في سبيل الله بماله ... ))، و(١٠٣٧): ((لا تزال طائفة من أمتي قائمةً ... ))، و(١٩٧٥): ((أَصْلِحْ هذا اللحم، فأصلحته ... ))، و(٢٨٦٤): «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق ... ))، و(٢٩٤٤): ((يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً ... )). ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] (مات سنة بضع و١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٨. ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ) - بالمعجمة، مصغّراً - أبو عُروة الْهَمْدانيّ - بالسكون - الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ فاضلٌ [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي أمامة، وأبي مريم الأزديّ، وعلقمة بن قيس، ووَرّاد كاتب المغيرة، وأبي بردة بن أبي موسى، وغيرهم. ورَوى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وسِمَاك بن حَرْب، وعلقمة بن مَرْئَد، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والْحَكَم بن عُتيبة، وسَلَمة بن كُهيل، والحسن بن الْحُرّ، وحسان بن عطية، وموسى بن سليمان، ويزيد بن أبي مريم الشاميّ، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: لم نَسمع أنه سَمِع من أحد من الصحابة، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ ثقةٌ كوفيُّ الأصل، كان مُعَلِّماً بالكوفة، ثم سكن الشام، وقال عباد بن العَوّام، عن إسماعيل بن أبي خالد: كنا في كُتَّابه، وكان يُعَلِّمُنا، ولا يأخذ منا، وقال العجليّ، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، ٢٣٩ (٤٦) - بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبٍ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٤) وقال الأوزاعيّ: أتى القاسمُ بنُ مُخَيْمِرة عمرَ بن عبد العزيز، ففَرَض له، وأمر له بغلام، فقال: الحمد لله الذي أغناني عن التجارة، قال: وكان له شريك كان إذا رَبِح قاسمه، ثم قعد في بيته، فلا يخرج حتى يأكله، قلت: وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ما أحْسُبُه سَمِع من ابن أبي موسى، وكان من خيار الناس، ومن صالحي أهل الكوفة، انتقل منها إلى الشام مُرَابطاً، وقال في موضع آخر: سأل عائشة عما يَلْبَس المحرم. قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن حبّان: ما أحسبه سمع من ابن أبي موسى، فيه نظر لا يخفى، فقد أخرج له مسلم هذا الحديث من روايته عنه، وقد صرّح بأنه حدّثه، فكيف يستقيم هذا الحسبان؟، اللهمّ إلا أن يريد بابن أبي موسى غير أبي بردة، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. قال خليفة وغير واحد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة مائة، وقيل: سنة إحدى ومائة. أخرج له البخاريّ في ((التعاليق))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٢٧٦): ((ثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر ... )). و((أَبُو بُرْدَةَ»، و((أَبُو مُوسَى الأشعريّ) تقدّما قبل باب، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأخرج له البخاري في التعاليق، وأبو داود في ((المراسيل))، وغير القاسم، فعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين غير شيخه، فبغداديّ، وأبي بردة، وأبي موسى، فكوفیّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: القاسم، عن أبي بردة، والابن عن أبيه: أبي بردة عن أبي موسى نهى عنه . ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَُّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة، أمّره عمر، ثم عثمان ﴿ه، وهو أحد الحكمين بصفّين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ - بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، مصغّراً - (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى) قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، وقوله: (قَالَ) تفسير لـ((حدّثني)) (وَجِعَ) بفتح الواو، وكسر الجيم - من باب تَعِبَ: أي مرض (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس ◌َظُته، وقوله: (وَجَعاً) منصوب على أنه مفعول مطلقٌ. [فائدة]: قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وَجِعَ فلاناً رأسُهُ أو بطنُهُ، يُجعلُ الإنسان مفعولاً، والعضو فاعلاً، وقد يجوز العكسُ، وكأنه على القلب لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعاً، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ: أي مَرِيضٌ متألِّمٌ، ويقع الْوَجَعُ على كلّ مرضٍ، وجمعه أوجاعٌ، مثلُ سَبَب وأسباب، ووِجَاعٌ أيضاً بالكسر، مثلُ جَبَل وجبال، وقومٌ وَجِعُونَ، وَوَجْعَى، مثلُ مَرْضَى، ونساءٌ وَجِعَاتٌ، ووَجَاعَى، وربّما قيل: أوجعه رأسُهُ بالألف، والأصلُ: وَجِعَهُ ألمُ رأسه، وأوجعه ألمُ رأسه، لكنّه حُذف للعلم به، وعلى هذا، فيقال: فلانٌ مَوْجُوعٌ، والأجودُ: مَوْجُوعُ الرأسِ، وإذا قيل: زيدٌ يَوْجَعُ رأسَهُ بحذف المفعول انتصب الرأسُ، وفي نصبه قولان: قال الفرّاءُ: وَجِعْتَ بَطنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أمرَكَ، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير الفرّاء: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصلُ وَجِعْتَ من بطنك، ورَشِدتَ في أمركَ؛ لأن المفسِّرَات عند البصريين لا تكون إلا نكرات، وهذا على القول بجعل الشخص مفعولاً واضحٌ، أما إذا جُعِل الشخص فاعلاً، والعضوُ مفعولاً، فلا يَحتاج إلى هذا التأويل. انتهى كلام الفيّوميّ(١). (فَغُشِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول: أي أغمي عليه، قاله ابن الأثير، وقال (١) ((المصباح المنير)) ٦٤٨/٢ - ٦٤٩.