Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُه - حديث رقم (٢٨٦)
أيضاً الأسود (١). (فَقَالَ) جندب ◌َُّبِهِ (تَحَدَّثُوا) فعل أمر من التحدّث، وإنما
أمرهم؛ لئلا يستوحشوا، فيقطعوا حديثهم بسبب حضوره حياءً منه (بِمَا كُنْتُمْ
تَحَدَّثُونَ بِهِ) بفتح التاء، أصله تتحدّثون، فحُذفت منه إحدى التاءين تخفيفاً، كما
في قوله تعالى: ﴿نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]،
وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّى
[عبس: ٦]، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـتَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
(حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ) أي انتقل الحديث بين الحاضرين من شخص إلى آخر
(فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ) أي إلى جندب ◌َظُه (حَسَرَ) بفتح السين المهملة، من
بابي نصر وضرب: أي كشف، وأزال (الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ) أي ليمكنه
مواجهتهم، ويمكنهم مواجهته بلا مانع يمنع من رؤيته.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما ما فعله جُنْدب بن عبد الله نظُبه من
جمع النفر، ووعظهم، ففيه: أنه ينبغي للعالم، والرجل العظيم المطاع، وذي
الشُّهْرة أن يُسَكِّن الناس عند الْفِتَنِ، ويَعِظهم، ويُوَضِّح لهم الدلائل. انتهى(٢).
(فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ) ◌ِِّ، قال النوويّ
رحمه الله تعالى: كذا وقع في جميع الأصول - أي بزيادة ((لا)) - وفيه إشكال
من حيث إنه قال في أول الحديث: ((بَعَثَ إلى عسعس، فقال: اجمع لي نفراً
من إخوانك حتى أحدثهم))، ثم يقول: بعده: ((أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم))،
فیحتمل هذا الكلام وجهين :
[أحدهما]: أن تكون ((لا)) زائدة، كما في قول الله تعالى: ﴿لِّثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ
اَلْكِتَبِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢].
[والثاني]: أن يكون على ظاهره، أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم عن
نبيكم وَّ، بل أَعِظُكم، وأحدثكم بكلام من عند نفسي، لكني الآن أزيدكم
على ما كنت نويته، فأخبركم أن رسول الله وَ لهل بَعَثَ بَعْثاً، وذكر الحديث، والله
تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٢/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/٢.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول أقرب عندي؛ لأن زيادة
((لا)) كثير في كلام العرب.
ثم إني وجدت في هامش بعض النسخ، ما نصّه: ((إني أتيتكم، ولا أريد
أن أخبركم إلا عن نبيّكم))، وعلى هذا فقد زال الإشكال، والله تعالى أعلم.
(إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّهِ بَعَثَ بَعْثاً) من باب منع أي أرسل سريّة، قال الفيّوميّ:
بَعَثْتُ رسولاً بَعْثاً: أوصلته، وابتعثه كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كسرته
فانكسر، وكلُّ شيء ينبعث بنفسه، فإن الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيقال: بعثته،
وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب، والهديّة، فإن الفعل يتعدّى إليه بالباء،
فيقال: بَعَثتُ به، وأوجز الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجّهَهُ.
انتهى(١). (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هم السريّة الذين تقدّموا في قصّة أسامة نَُّه (إِلَى قَوْم
مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هم الْحُرقات من جُهينة (وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا) بفتح القاء، أصله التقيوا،ً
قُلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين، فصار
التقوا بفتح التاء؛ لأنها ليست ما قبل الواو (فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هو الذي
قتله أسامة ظه، كما تقدّم (إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ) بكسر الصاد، من باب ضرب
(إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ) يقال: قصدت الشيءَ، وله، وإليه قَصْداً، من
باب ضرب: إذا طلبته بعينه(٢). (فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ) أي
غفلة ذلك الرجل المشرك الذي أكثر القتل في المسلمين (قَالَ) جندب
(وَكُنَّا نُحَدَّثُ) بضمّ النون، وفتح الدال المشدّدة: أي نُخْبَر (أَنَّهُ) أي الرجل
الذي قصد غفلة ذلك المشرك (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ﴿هَا، هذا مخالف لما سيأتي من
رواية الطبرانيّ في ((الكبير)) من طريق شهر بن حوشب، عن جندب حظه، فإن
فيه: أن ذلك الرجل لما مات لَفَظَتْهُ الأرض ثلاث مرّات، وهذا بيقين أنه ليس
أسامة رَّبه، إلا أن في شَهْرٍ، والراوي عنه عبد الحميد بن بَهْرام، كلاماً في
الاحتجاج بهما، وقد سبق في ((شرح المقدّمة)) أن رجّحت كون شهرٍ حسن
الحديث، لكن إذا خالفت روايته ما في ((الصحيح))، فما في ((الصحيح)) يقدّم بلا
شكّ، فليُتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٢.
(٢) ((المصباح)) ٥٠٤/٢.

(٤٣) - بَابُ تَحْرِيم قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُه - حديث رقم (٢٨٦)
٢٠٣
(فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ) هكذا وقع في بعض النسخ: ((رفع)) بالفاء، ووقع
في بعضها: ((رجع)) بالجيم، قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): قوله:
((فلما رجع عليه السيفَ))، كذا في بعض الأصول المعتمدة: ((رَجَعَ)) بالجيم، وفي
بعضها: ((رَفَعَ)) بالفاء، وكلاهما صحيح، و((السيفَ)) منصوبٌ على الروايتين،
فـ(رَفَعَ))؛ لتعديه، و(رَجَعَ)) بمعناه، فإن ((رَجَعَ)) يُستَعمل لازماً، ومتعدياً، والمراد
هنا المتعدي، ومنه قول الله رَّ: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]، وقوله
تعالى: ﴿فَلَ نَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(قَالَ) ذلك المشرك (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ) أي الذي يَحمل
البشارة بنصر المسلمين، وهزيمة الكفّار، وهو اسم فاعل من بَشَرَ (إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ، فَسَأَلَهُ) أي عن خبر الحرب (فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ) يعني
الذي قيل: إنه أسامة (كَيْفَ صَنَعَ) أي بالرجل المشرك الذي قتله بعد قوله: لا
إله إلا الله (فَدَعَاهُ) أي دعا النبيّ ◌َّرَ ذلك الرجل (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) هذا تفسير
لسؤاله ((لِمَ قَتَلْتَهُ؟))) أي بعد قوله: لا إله إلا الله، وقد تعلم أني قلت: أُمرتُ
أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم
وأموالهم (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ) أي ألحق بهم الضرر،
والمهم بالضرب والقتل (وَقَتَلَ فُلَاناً وَفُلَاناً، وَسَمَّى لَهُ نَفَراً) لكنهم لا يُعرفون،
كما قال صاحب ((التنبيه))(٢). (وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي شددتُ عليه، واجتهدتُ
في قتله (فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَقَتَلْتَهُ؟)))
كرّر عليه تشديداً للإنكار (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، إِذَا
جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) أي ليُخاصمك بها صاحبها (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ
لِي، قَالَ) وَ له ((وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) كرّره
أيضاً للتشديد (قَالَ: فَجَعَلَ) وَِّ (لَا يَزِيدُهُ) أي الرجل القاتل (عَلَى أَنْ يَقُولَ:
((كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جندب بن عبد الله ظُه هذا تفرّد
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/٢.
(٢) (تنبيه المعلم)) ص ٦٣.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
به المصنّف رحمه الله تعالى، ولم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وقد
أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٩١/٣) بنحوه، فقال:
(١٥٢٢) حدثنا عبيد الله بن عمر القواريريّ، حدّثنا عبد الرحمن بن
مهديّ، حدّثني عبد الحميد بن بَهْرام، حدّثنا شَهْر بن حوشب، قال: حدثني
جندب بن سفيان، رجل من بَجِيلة قال: إني عند رسول الله وَل فر حين جاءه بشير
من سَرِيّة بعَثَها، فأَخبره بالنصر الذي نَصَرَ الله سريته، وبفتح الله الذي فَتَح لهم،
قال: يا رسول الله، بينما نحن بطلب العدوّ، وقد هَزَمهم الله، إذ لَحِقت رجلاً
بالسيف، فلما أَحَسّ أن السيف قد واقعه، التفت، وهو يَسْعَى، فقال: إني
مسلم، إني مسلم، فقتلته، وإنما كان يا نبيّ الله مُتَعَوّذاً، قال وَّ: ((فهلا شَقَقت
عن قلبه، فنَظَرت، صادقٌ هو، أم كاذبٌ؟)) قال: لو شققتُ عن قلبه ما كان
يُعْلِمني القلبُ؟، هل قلبه إلا مُضْغَةٌ من لحم؟ قال ◌َّ: ((فأنت قتلته لا ما في
قلبه علمتَ، ولا لسانه صدَّقتَ))، قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال وَّر:
((لا أستغفر لك))، فدفنوه(١)، فأصبح على وجه الأرض، ثلاث مرات، فلما
رأى ذلك قومه استَحْيَوا، وخَزُوا مما لَقِي، فاحتملوه، فألقَوْه في شِعْب من تلك
الشعاب. انتهى.
وأخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) (١٧٦/٢) رقم (١٧٢٣).
قال الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى في ((المجمع)): وفي إسناده
عبد الحميد بن بَهْرام، وشَهْر بن حَوْشَب، وقد اختلف في الاحتجاج بهما .
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شهر فقد روى عنه جماعة، وأثنى
عليه أحمد، ووثقه ابن معين، وفي رواية عنه أنه قال: ثَبْتُ، ووثقه العجليّ،
وغيرهم، وقد حقّقت الكلام فيه في ((شرح المقدّمة))، وتوصّلتُ فيه إلى أنه
حسن الحديث.
وأما عبد الحميد فقد وثّقه أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وأبو
(١) وفي رواية الطبرانيّ: قال: فمات ذلك الرجل، فدفنوه ....
(٢) («مجمع الزوائد)) ١/ ٢٧.

٢٠٥
(٤٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السُّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا) - حديث رقم (٢٨٧)
داود، وغيرهم، وقال شعبة: صدوقٌ، وقال أحمد: أحاديثه عن شهر مُقاربُ،
كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، أحاديثه
عن شهر صحاح، لا أعلم رُوي عن شهر أحاديث أحسن منها، وقال أحمد بن
صالح المصريّ: عبد الحميد بن بَهرام ثقةٌ، يُعجبني حديثه، أحاديثه عن شهر
صحيحة. انتهى(١).
وخلاصة القول فيهما أن حديثهما حسنٌ، يصلح للاحتجاج به، وما تكلّم
فيهما إلا المتشدّد، كشعبة، فلا تلتفت إليه، وتبصّر بإنصاف، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤٤) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا)))
وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجاج
القشيريّ النيسابوريّ رحمه الله تعالی المذکور أولَ الکتاب قال:
[٢٨٧] (٩٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، قَالَا: حَدَّثْنَا
يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ
ثُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ (ح) وَحَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قَرَّأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ
النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا))).
رجال الإسناد: تسعة :
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذکور قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّتَّى) المذكور قبل باب أيضاً.
٣ - (يَحْيِى، وَهُوَ الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فرُّوخ القطّان، أبو
سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٤٧٢/٢ - ٤٧٣.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير المذكور قبل باب.
٧ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في
نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم في عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥]
(مات سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٨ - (مَالِك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه، إمام دار الهجرة [٧] (ت١٧٩)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٩ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣]
(ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
١٠ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿يا (٧٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف بالنسبة للإسنادين الأولين، ومن
رباعيّاته بالنسبة للثالث، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد في هذا الكتاب،
كما تقدم بيانه في ((شرح المقدّمة))، وهذا هو (٨) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: زهير، وابن
أبي شيبة، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالفقهاء المدنيين من عبيد الله، ومالك،
والباقون كوفيون، سوى القطان، فبصريّ، وزهير فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): كتابة (ح) مرتين إشارة إلى التحويل، وقد مرّ تمام البحث
فيها غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن إسناد مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضيها أصحّ
الأسانيد على الإطلاق عند البخاريّ رحمه الله تعالى، وزاد بعضهم الشافعيّ،

٢٠٧
(٤٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَهِ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا)) - حديث رقم (٢٨٧)
وأحمد، فقال: أصحّ الأسانيد: أحمدُ، عن الشافعيّ، عن مالك، عن نافع،
عن ابن عمر ثه، وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث)) بقوله:
فَمَالِكٌّ عَنْ نَافِع عَنْ سَيِّدِهْ وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِيْ فَأَحْمَدِهْ
٦ - (ومنها): قوله: ((وهو القطّان)) إنما زاد ((وهو))؛ لأن شيخه لم يذكر
لفظ القطّان، وقد تقدّم البحث عنه مستوفّى غير مرّة.
٧ - (ومنها): قوله: ((واللفظ له))، يعني: أن متن الحديث المذكور هنا
لشيخه يحيى بن يحيى، وأما الشيوخ الثلاثة الآخرون فرووه بمعناه، وهذا من
تدقيق المصنّف رحمه الله تعالى، وشدّة احتياطه في التنبيه على دقائق الرواية مع
أن هذا من المستحسنات، لا من الواجبات، كما أشار إليه السيوطيّ في ((ألفيّة
الحدیث» بقوله :
تَوَافَقَا مَعْنَى وَلَفْظُ مَا النَّحَدْ
وَمَنْ رَوَى مَتْناً عَنَ اشْيَاخِ وَقَدْ
يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
مُقْتَصِراً بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ
وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا
أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ
مَعْ قَالَ أَوْ قَالَا فَذَاكَ أَحْسَنُ
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ
٨ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َظُله أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين
السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة يه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ نَِِّّ قَالَ: «مَنْ
حَمَلَ عَلَيْنَا) أي معاشر المسلمين، وترك ذكر الذمّيين، والمستأمنين للمقايسة،
أو المراد بـ«علينا)»: كلُّ من كان أهلَ أمنٍ، أو حرام الدم بالإيمان، أو الذمّة،
أو الاستثمان، قاله السنديّ(١).
(السِّلَاحَ) وفي حديث سلمة بن الأكوع ◌َظُه الآتي: ((من سلّ علينا
السيف))، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بذلك: النبيَّ ◌َّ
نفسه وغيره من المسلمين، ولا شكّ في كفر من حارب النبيّ وَّ، وعلى هذا
(١) ((شرح السنديّ)) ٧/ ١١٧.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فيكون قوله وَله: ((فليس منّا)): أي ليس بمسلم، بل هو كافر، وأما مَن حارب
غيره من المسلمين، متعمّداً، مستحلّاً من غير تأويل، فهو أيضاً كافرٌ كالأول،
وأما من لم يكن كذلك، فهو صاحب كبيرة إن لم يكن متأوّلاً تأويلاً مسوّغاً
بوجه. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): معنى الحديث: حملُ السلاح على المسلمين لقتالهم
به بغير حقّ؛ لما في ذلك من تخويفهم، وإدخال الرُّعْب عليهم، لا من حَمَله
لحراستهم مثلاً، فإنه يحمله لهم، لا عليهم(٢)، قال: وكأنه كَنَى بالحمل عن
المقاتلة، أو القتل للملازمة الغالبة.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد بالحمل ما يُضادّ
الوضع، ويكون كنايةً عن القتال به، ويحتمل أن يُراد بالحمل: حملها؛ إرادة
القتال به لقرينة قوله: ((علينا))، ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به،
وعلى كلّ حال، ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين، والتشديد فيه.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: جاء الحديث بلفظ: ((مَنْ حَمَل علينا
السلاح))، أخرجه البزّار، من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمُرة، ومن
حديث عمرو بن عوف ﴿ه، وفي سند كلّ منها لينٌ، لكنّها يَعضِدُ بعضها
بعضاً، وعند أحمد من حديث أبي هريرة ظُه بلفظ: ((من رمانا بالنَّبْل، فليس
منّا))، وهو عند الطبرانيّ في ((الأوسط))، بلفظ: ((الليل)) بدل ((النبل))، وعند
البزّار من حديث بُريدة رَُّه مثله. انتهى(٣) .
(فَلَيْسَ مِنَّا))) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب أهل الحقّ أنه لا يُكفّر
أحدٌ من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشركَ، وعلى هذا فيُحمل قوله وَله:
(ليس منّا)) في حَقِّ مثلِ هذا على معنى: ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا،
إذ سنّة المسلمين، وشريعتهم التواصلُ، والتراحمُ، لا التقاطع، والتقاتل،
ويَجري هذا مَجرى قوله وَّهَ: ((من غشّنا، فليس منّا))، ونظائرِهِ، وتكون فائدته
(١) ((المفهم)) ٢٩٩/١ ((كتاب الإيمان)).
(٢) ((فتح)) ١٧٨/١٤ ((كتاب الديات)) حديث رقم (٦٨٧٤).
(٣) ((فتح)) ٥١٧/١٤ - ٥١٨ ((كتاب الفتن)) حديث رقم (٧٠٧٠).

٢٠٩
(٤٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّوَِّ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا)) - حديث رقم (٢٨٧)
الرَّدْعَ، والزَّجْرَ عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير
سبيله: لستُ منك، ولستَ منّي، كما قال الشاعر [من الوافر]:
إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُوراً فِإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي
انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): مذهب أهل السنّة والفقهاء:
أن مَن حَمَل السلاح على المسلمين بغير حقّ، ولا تأويل، ولم يستحلّه، فهو
عاص، ولا يكفر بذلك، فإن استحلّه فهو كافر، فأما تأويل الحديث، فقيل:
هو محمولٌ على المستحلّ بغير تأويل، فيكفر، ويخرُج من الملّة، وقيل: معناه
ليس على سيرتنا الكاملة، وهدينا، وكان سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى يَكرَه
قول من يُفسّره بـ((ليس على هدينا))، ويقول: بئس هذا القول، يعني: بل يُمْسَكُ
عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فليس منّا)): أي ليس على طريقتنا، أو ليس
متّبعاً لطريقتنا؛ لأن من حقّ المسلم على المسلم أن ينصُره، ويُقاتل دونه، لا
أن يُرْعِبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله، أو قتله، ونظيره: ((من غشّنا فليس
منّا))، و((ليس منّا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب))، وهذا في حقّ من لا
يَستحلّ ذلك، فأما من يستحلّه، فإنه يكفر باستحلال المحرّم بشرطه، لا مُجرّد
حمل السلاح.
والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرّض لتأويله؛
ليكون أبلغ في الزجر، وكان سفيان بن عيينة يُنكِر على من يَصرفه عن ظاهره،
فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويَرَى أن الإمساك عن تأويله أولى لما
ذكرناه.
والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل الْبُغَاة من أهل الحقّ، فيُحْمَل على
البغاة، وعلى من بدأ بالقتال ظالماً، قاله في ((الفتح))(٣).
(١) (المفهم)) ١/ ٣٠٠ ((كتاب الإيمان)).
(٢) ((شرح مسلم)) ١٠٨/٢ ((كتاب الإيمان)).
(٣) ((فتح)) ٥١٨/١٤ (كتاب الفتن)) حديث رقم (٧٠٧٠).

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وإذا قلنا في مثل قول النبيّ وَلقر:
((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو
مؤمن))، وقوله: ((لا إيمان لمن لا أمانة له))، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:
١٥]، وقوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوُلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية
إلى قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
إذا قال القائل في مثل هذا: ليس بمؤمن كامل الإيمان، أو نَفَى عنه
كمال الإيمان لا أصله، فالمراد به كمال الإيمان الواجب، ليس بكمال الإيمان
المستحبّ، كمن ترك رمي الجمار، أو ارتكب محظورات الإحرام، غير
الوطء، ليس هذا مثل قولنا: غسلٌ كاملٌ، ووضوءٌ كاملٌ، وأن المجزئ منه
ليس بكامل، ذاك نفي الكمال المستحب، وكذا المؤمن المطلقُ هو المؤدِّي
للإيمان الواجب، ولا يلزم من كون إيمانه ناقصاً عن الواجب أن يكون باطلاً
حابطاً كما في الحج، ولا أن يكون معه الإيمان الكامل، كما تقوله المرجئة،
ولا أن يقال: ولو أَدَّى الواجب لم يكن إيمانه كاملاً، فإن الكمال المنفيّ هنا
الكمال المستحب.
فهذا فُرقانٌ يُزيل الشبهة فى هذا المقام، ويُقَرِّر النصوص كما جاءت.
وكذلك قوله وَله: ((مَن غَشَّنا فليس منا))، ونحو ذلك، لا يجوز أن يقال
فيه: ليس من خيارنا، كما تقوله المرجئة، ولا أن يقال: صار من غير
المسلمين، فيكون كافراً، كما تقوله الخوارج، بل الصواب أن هذا الاسم
الْمُضْمَر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب
بلا عقاب، ولهم الموالاة المطلقة، والمحبة المطلقة، وإن كان لبعضهم
درجات في ذلك بما فعله من المستحب، فإذا غَشَّهم لم يكن منهم حقيقةً؛
لنقص إيمانه الواجب الذي به يستحقون الثواب المطلق بلا عقاب، ولا يجب
أن يكون من غيرهم مطلقاً، بل معه من الإيمان ما يَستحقّ به مشاركتهم في
بعض الثواب، ومعه من الكبيرة ما يَستحقُّ به العقاب، كما يقول مَن استأجر
قوماً ليعملوا عملاً، فعَمِلَ بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلَح أن يقال:

٢١١
(٤٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّ)) - حديث رقم (٢٨٧)
هذا ليس منّا، فلا يستحقّ الأجر الكامل، وإن استحقَّ بعضه. انتهى كلام شيخ
الإسلام رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ
عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٨٧/٤٤] (٩٨)، و(البخاريّ) في
((الديات)) (٦٨٧٤)، و((الفتن)) (٧٠٧٠)، و(النسائيّ) في ((المحاربة)) (٤١٠٢)،
وفي ((الكبرى)) (٣٥٦٣)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٧٦)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٨٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/٢ و١٦ و٥٣
و١٤٢ و١٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٠)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه))
(٢٧٩ و٢٨٠)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٣٢/٢ - ١٣٣)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٢٠/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم حمل السلاح على المسلمين من غير حقّ؛ لما
فيه من ترويعهم، وتخويفهم، بغير سبب شرعيّ.
٢ - (ومنها): بيان عِظَم حرمة المسلمين عند الله تعالى، فلا يحلّ لأحد
أن يتعرّض لهم بأذى؛ إلا بما شرعه الله تعالى عليهم، من الحدود.
٣ - (ومنها): أن مَن حَمَل سيفه على المسلمين من غير مُبيح لذلك،
فليس له حرمتهم، بل يؤخذ على يديه، ويعاقب بما يكفّ شرّه عنهم.
٤ - (ومنها): بيان خطر حمل السلاح على من لا يستحقّه، فقد حَكَم
الشارع عليه بأنه ليس من المسلمين، وهذا وإن كان فيه التفصيل السابق، إلا
أنه خطر عظيم، أعاذنا الله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه جواد
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٢٩٣/١٩.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
كريم، رؤوفٌ رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجاج
القشيريّ النيسابوريّ رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨] (٩٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُصْعَبٌ، وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: (مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ، فَلَيْسَ مِنَّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) المذكور قريباً.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَام) الْخَشْعميّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ،
صدوقٌ، له أوهامٌ [٩].
رَوَى عن فِظْر بن خَلِيفة، وزائدة، وعكرمة بن عمار، ومبارك بن فَضَالة،
ومِسْعر، وأبي حنيفة، والثوريّ، وداود بن نُصير، وإسرائيل، والحسن بن
صالح، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن
نمير، والقاسم بن زكريا بن دينار، وعبد الرحمن بن دينار، ومحمد بن رافع،
وغيرهم.
قال الغلابيّ، عن ابن معين: ثقة، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن
معين: ما أرى به بأساً، وقال أبو داود: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح،
وقال عبد الله بن علي ابن المدينيّ، عن أبيه: ضعيف، وقال العجليّ: كوفيّ
متعبدٌ، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال يحيى بن معين: صالح، وقال ابن
قانع: كوفيّ صالح، وقال الساجيّ: ضعيفُ الحديث، كان من العُبّاد، وقال
أحمد بن حنبل: كان رجلاً صالحاً، رأيت له كتاباً، فإذا هو كثير الخطأ، ثم
نظرت في حديثه، فإذا أحاديثه متقاربة عن الثوريّ، وقال ابن المنادي: كتبت

٢١٣
(٤٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا)) - حديث رقم (٢٨٨)
عنه أيام ابن رُفَيدة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال علي بن حكيم
الأوديّ عنه: كنت أرى رأي الإرجاء، فرأيت في المنام كأنّ في عنقي صَلِيباً،
فتر كته.
قال محمد بن عبد الله الحضرميّ وغيره: مات سنة ثلاث ومائتين.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٩١٥): ((إن الشمس
والقمر آيتان من آيات الله ... ))، و(١٨٥٢): ((إنه ستكون هناتٌ وهناتٌ ... ))،
و (٢٥٧٠): ((ما رأيت رجلاً أشدّ عليه الوجع من رسول الله وَلات)).
٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ
إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فيُضعّف؛ لاضطرابه فيه [٥] (مات قبيل
١٦٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٥ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) بن الأكوع الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر
المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وابن لعمار بن ياسر، وعنه ابناه: سعيد ومحمد، وأبو
الْعُمَيس، وعكرمة بن عَمّار، وعُمَر بن راشد، وابن أبي ذئب، ويعلى بن
الحارث، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: توفي بالمدينة
سنة (١١٩)، وهو ابن (٧٧) سنة، وكان ثقةً، وله أحاديث كثيرةٌ، وهكذا قال
ابن المديني في تاريخ وفاته، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً.
٦ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سِنَانُ بن عبد الله بن
بَشِير بن يَقَظّة بن خُزيمة بن مالك بن سَلامان بن أسلم الأسلميّ، أبو مُسلم،
ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر، وقيل: اسم أبيه وهب، وقيل: اسم بشير
قُشَیر، وقيل: قیس.
شَهِدَ بيعة الرضوان، وروى عن النبيّ ◌ََّ، وعن أبي بكر، وعمر،
وعثمان، وطلحة.
وروى عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عُبيد، وعبد الرحمن بن

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عبد الله بن كعب بن مالك، والحسن بن محمد بن الحنفية، وزيد بن أسلم،
وموسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ،
وغيرهم.
كان شجاعاً رامياً، ويقال: كان يَسْبِق الفرس شدّاً على قدميه، وكان
يَسْكُنِ الرَّبَذَة.
قال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات سنة أربع وسبعين، وهو ابن
ثمانين سنة.
وفي ((صحيح البخاري)): عن يزيد بن أبي عُبيد قال: لَمّا قُتل عثمان خَرِج
سلمة إلى الرَّبَذَة، وتزوج بها امرأة، وولدت له أولاداً، فلم يَزَل بها حتى قبل
أن يموت بليال، فنزل المدينة، قال أبو نعيم: استوطن الرَّبَذة بعد قتل عثمان،
توفي سنة (٧٤)، وقيل: ستين، وذكر إبراهيم بن المنذر أنه توفي سنة (٦٤)،
وذكر الكلاباذي عن الهيثم بن عَدِيّ أنه مات في آخر خلافة معاوية.
قال الحافظ: وهو غلطً؛ فإن له قصةً مع الحجاج بن يوسف الثقفيّ في
إنكاره عليه اختيار البدو، واعتذار سلمة بأن النبيّ وَ﴾ أذن له في البدو،
والقصة مشهورة، ذكرها البخاري في ((صحيحه))، وغيره، ولم يكن الحجاج في
زمن معاوية، ولا ابنه يزيد صاحب أمر، ولا ولاية، وهذا يُرَجِّح قول مَن قال:
مات سنة (٧٤)، لكن في تقدير سِنّه على هذا نظراً؛ فإنه غَلَطْ مَحْضٌ؛ إذ يلزم
منه أنه شَهِد بيعة الرضوان، وعمره اثنتا عشرة سنة، وقد قال هو فيما صحَّ
عنه: بايعت النبيّ وَل﴿ يومئذ على الموت، ومن كان بهذا السنّ لا يتهيأ منه
هذا، فيُحَرَّر هذا، ثم رأيت مَدَار مِقْدَار سنِّهِ على الواقديّ، وهو من تخليطه،
والمزيّ تَبِعَ فيه صاحب ((الكمال))، وكذا النوويّ في ((تهذيبه)) تَبِعَ صاحب
((الكمال))، وصاحب ((الكمال)) تَبعَ ابن طاهر، والصواب خلاف هذا.
ثم رجّح الحافظ تاريخ وفاته سنة (٧٤)، وصحّحه في ((الإصابة))
أيضاً (١).
(١) راجع: ((الإصابة)) ١٢٧/٤، و((تهذيب التهذيب)) ٧٤/٢ - ٧٥.

٢١٥
(٤٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ ◌َ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا)) - حديث رقم (٢٨٨)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٠) حديثاً (١)، والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث،
والعنعنة، من صيغ الأداء، وفيه للمصنّف شيخان، قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما
أخرج له الترمذيّ، وغير مصعب، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عكرمة، عن إياس،
والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو من الشجعان، يسبق
الفرس عدواً، وقصّته حين أغارت غطفان على لقاح رسول الله بصير، وهي
ترعى بذي فَرَد مشهورة في ((الصحيحين)) وغيرهما، وهذا أول محلّ ذكره من
هذا الكتاب، وكذا ولده إياس، ومصعب بن المقدام، وقد مرّ آنفاً عدد ما رواه
المصنّف لجميعهم، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ))) وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)) بلفظ:
((من سلّ علينا السلاح))، ورواية ابن حبّان في (صحيحه)) بلفظ: ((من حمل علينا
السلاح)).
والسّلّ: انتزاعك الشيءَ، وإخراجه في رفق، قال في (القاموس))(٢)، وفي
((المصباح)): سَلَلْتُ السيفَ سَلّاً، من باب قَتَلَ، وسَلَلْتُ الشيءَ: أخذتُهُ، ومنه
قيل: يُسَلُّ الميتُ من قبل رأسه إلى القبر: أي يُؤخذ. انتهى (٣). وتمام شرح
الحديث، وفوائده تقدّمت في شرح الحديث الماضي.
(١) هكذا في برنامج الحديث ((صخر))، والذي كتبته في ((قرّة العين)) نقلاً عن ابن
الجوزيّ: أنه روى (٧٧) حديثاً، اتّفق الشيخان على (١٦) حديثاً، وانفرد البخاريّ
بخمسة، ومسلم بتسعة، ولا اختلاف بين العددين، فإن ما في البرنامج مع
المكرّرات، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٩١٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٨٦/١.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع به هذا تفرّد به المصنّف
رحمه الله تعالى، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٨٨/٤٤] (٩٩)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٦٢٤٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) ٤٦/٤ و٥٤،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣١٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٩)، و(أبو
نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٨٨)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٢٤٢ و٦٢٤٩ و٦٢٥١)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٢٥٦٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ
الكتاب قال:
[٢٨٩] (١٠٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ
الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ،
عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ
مِنَّا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قريباً .
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن
أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، وهو عَمُّ عبد الله بن
عامر بن بَرّاد، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خت م) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢
ص١٤٨.

٢١٧
(٤٤) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ ◌َ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّا)) - حديث رقم (٢٨٩)
[تنبيه]: روى ابن ماجه في ((سننه)) أحاديث عن عبد الله بن عامر بن
بَرّاد، نسبه في بعضها إلى جدّه، فيَظُنُّ الظانُّ أنه هذا، وليس به، فليُتنبّه(١)،
والله تعالى أعلم.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة المذكور قبل حديث.
٥ - (بُرَيْد) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ
الكوفيّ، يُكنى أبا بردة، ثقةٌ يُخطئ قليلاً [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان))
١٧١/١٦.
٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل:
الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٦/ ١٧١.
٧ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ
الشهير، مات ظه (٥٠) وقيل بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه ثلاثة
من الشيوخ قرن بينهم، وأبو كريب أحد مشايخ الستة بلا واسطة، كما مرّ بيان
ذلك قريباً .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه: أبي بكر، فما
أخرج له الترمذيّ، وابن بَرّاد، فتفرّد به هو، وعلّق له البخاريّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الکوفیین، ومسلسل بالكُنى، غير بريد،
وأما عبد الله بن برّاد، فمعه أبو بكر، وأبو كريب.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ
(١) نبّه على هذا في ((تهذيب التهذيب)) ٣٠٧/٢.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
البريد بن عبد الله، والله تعالى أعلم، وشرح الحديث وفوائده تقدّمت في حديث
ابن عمر ◌ًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ
تَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٨٩/٤٤] (١٠٠)، و(البخاريّ) في
((الفتن)) (٧٠٧١)، وفي ((الأدب المفرد)) له (١٢٨١)، و(الترمذيّ) في ((الحدود))
(١٤٥٩)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٧٧)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه))
(٢٨٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٤٥) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ بَ: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا)))
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ
الكتاب قال:
[٢٩٠] (١٠١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
حَازِمِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولُ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا الَّسِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا
فَلَيْسَ مِنَّا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن

٢١٩
(٤٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: (مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)) - حديث رقم (٢٩٠)
محمد بن عبد الله بن عَبْدٍ القاريّ(١) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨]
(ت ١٨١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ، مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ) - بالمثنّاة التحتانيّة - البغويّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن هشيم، وعبد العزيز بن أبي حازم، وحميد بن عبد الرحمن
الرؤاسيّ، وابن علية، ومسلم بن خالد الزنجيّ، ومعاذ بن معاذ، ووكيع،
وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم حديثاً واحداً، وأحمد بن حنبل، والذهليّ، وأحمد بن
منيع، وعثمان بن خُرَّزَاذ، وحاتم بن الليث الجوهري، وعباس الدُّوريّ،
وصالح بن محمد، وجماعة.
قال عبد الخالق بن منصور: سألت ابن معين عنه، فقال: ليته حَدَّث بما
سمع، فكيف يكذب؟، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال
يعقوب بن شيبة: كان ثبتاً، وقال صالح بن محمد الأسديّ: صدوقٌ، وقال ابن
سعد: سَمِع سماعاً كثيراً، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال هو،
وغيره: مات سنة سبع وعشرين ومائتين.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط(٢).
٤ - (ابْنُ أَبِي حَازِم) هو: عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار
المخزوميّ مولاهم، أبو تَّمَّام المدنيّ، صدوق فقيهٌ [٨].
رَوَى عن أبيه، وسُهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة، وموسى بن
عقبة، ويزيد بن الهاد، والعلاء بن عبد الرحمن، وكثير بن زيد بن أسلم،
وغيرهم.
(١) ((القاريّ)) بتشديد الياء منسوب إلى القارة القبيلة المعروفة بجودة الرمي.
(٢) ونقل في ((تهذيب التهذيب)) عن ((الزهرة)): أن مسلماً روى عنه ثلاثة أحاديث
انتهى. وأراه غلطاً، فتنبّه.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، والقعنبي، وإبراهيم بن
حمزة الزبيري، وعلي بن المديني، وإسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن أبي
مريم، وهشام بن عمار، ومحمد بن الصبّاح الجرجرائيّ، وغيرهم.
قال أحمد: لم يكن يُعْرَف بطلب الحديث، إلا كتب أبيه، فإنهم يقولون:
إنه سمعها، وكان يتفقه، لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ويقال: إن كتب
سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد رَوَى عن أقوام لم يكن يُعرف أنه
سمع منهم، وقال ابن معين: ثقة صدوق، ليس به بأس، وقال ابن أبي حاتم:
سألت أبي عن عبد العزيز بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد
الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: متقاربون، قيل له: فعبد العزيز؟ قال: صالح
الحديث، وقال هو، وأبو زرعة: عبد العزيز أفقه من الدَّرَاوردي، وأوسع حديثاً
منه، وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وذكره ابن عبد البر فيمن
كان مدار الفتوى عليه في آخر زمان مالك وبعده، وقال أحمد بن عليّ الأَبّار:
ثنا أبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ قال: قال مالك: قومٌ يكون فيهم ابن أبي حازم لا
يُصيبهم العذاب، قال أبو إبراهيم: مات وهو ساجد، وقال ابن حبان في
(الثقات)): مات سنة (١٨٤)، وله ثنتان وثمانون سنة، وقال ابن سعد: كان
كثير الحديث، دون الدَّرَاوردي، وقال مصعب الزبيري: كان فقيهاً، وقد سمع
مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى له بكتبه. وقال العجليّ، وابن
نمير: ثقة.
وقال ابن سعد: وُلد سنة (١٠٧)، وقال عبد الرحمن بن شيبة: مات سنة
أربع وثمانين ومائة، وهو ساجد، وكذا أَرّخه مُطَيَّن، وزاد: ويقال: سنة
(١٨٢).
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثاً.
٥ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر حفظه بآخره [٦]
مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦١/١٤.
٦ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠١) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والله تعالى أعلم.