Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٥) [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧٣/٦، والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٢) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكاً دَخَلَ النَّارَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٢٧٥] (٩٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ وَكِيعُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بِ، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِالهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ))، وَقُلْتُ أَنَا: ((وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمَير الْهَمْداني، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٤ - (شَقيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء: التحديثُ، والعنعنة، والقول، والسماع. ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالحفّاظ الكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): قوله: ((قال وكيع: قال رسول الله وَله، وقال ابن نُمَير: سمعت رسول الله ( 98))، هذا وما أشبهه من الدقائق التي يُنَبِّه عليها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهي من الدلائل القاطعة على شِدَّة تحريه، وإتقانه، وضبطه، وعِرْفانه، وغَزَارة علمه، وحِذْقه، وبراعته في الغوص على المعاني، ودقائق علم الإسناد، وغير ذلك، فرحمه الله تعالى. والدقيقة في هذا أن ابن نمير قال في روايته: إن ابن مسعود قال: ((سمعت رسول الله (وَلا))، فصرّح بالسماع، وهذا متصل، لا شكّ فيه، وقال وكيع في روايته: إنه قال: ((قال رسول الله (َ﴿)، وهذا مما اختَلَفَ العلماء فيه، هل يُحْمَل على الاتصال، أم على الانقطاع؟ فالجمهور أنه على الاتصال، كـ((سمعت))، وذهبت طائفة إلى أنه لا يُحْمَلُ على الاتصال إلا بدليل عليه، فإذا قيل بهذا المذهب، كان مرسل صحابيّ، وفي الاحتجاج به خلافٌ، فالجماهير قالوا: يُحْتَجُّ به، وإن لم يحتج بمرسل غيرهم، وذَهَب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الشافعيّ رحمه الله تعالی إلی أنه لا يُحْتَجّ به، فعلى هذا یکون الحديث قد رُوي متصلاً ومرسلاً، وفي الاحتجاج بما رُوي مرسلاً ومتصلاً خلافٌ معروفٌ، قيل: الحكم للمرسل، وقيل: للأحفظ روايةً، وقيل: للأكثر، والصحيح أنه تُقَدَّم رواية الوصل، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وذكر اللفظين؛ لهذه الفائدة، ولئلا يكون راوياً بالمعنى، فقد أجمعوا على أن الرواية باللفظ أولى، والله تعالى أعلم، أفاده النوويّ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي من صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا أنه لا يريد بيان اختلاف الحكم من حيث الاتّصال والانقطاع، وإنما يريد بيان اختلاف الشيوخ في صيغ الأداء، فبيّن اختلاف ابن نمير ووكيع في اللفظ الذي قاله ابن مسعود رضيته، فقال الأول: قال: ((سمعت (١) ((شرح النوويّ)) ٩٤/٢ - ٩٥. ١٢٣ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٥) رسول اللهِ وَّ﴾))، وقال الثاني: ((قال رسول الله (وَ ل﴾))، فعنده لا فرق بين اللفظين من حيث الاتّصال والانقطاع، فكلاهما للاتّصال، وإنما هو من باب الاحتياط في أداء ما تحمّله، وبيان الواقع من ألفاظ الشيوخ في رواياتهم، فهو كمثل قوله في مواضع أخرى: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: أخبرنا، وتارة يقول: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: حدّثني، فلا شكّ أن هذا وأمثاله لا يختلف الحكم فيه بالاتّصال والانقطاع، وإنما هو لمجرّد بيان الاختلاف في صيغ الأداء. والحاصل أن صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا ليس لبيان اختلاف الحكم من حيث الاتصال والانقطاع، وإنما هو من باب الاحتياط والتدقيق في أداء ما سمعه على الوجه الذي سمعه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (قَالَ وَكِيعٌ) في روايته (قَالَ رَسُولُ اللهِ إِيدِ). (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود . diese أي قال عبد الله بنظُه: ((قال رسول الله وَّه))، فعبّر بلفظ ((قال)) (وقَالَ) عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) في روايته قال عبد الله رَظ ◌ُبه: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ) أي فعبّر بلفظ ((سمعتُ)) ((مَنْ مَاتَ) ((من)) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، جوابها، أو خبرها جملة (دَخَل))، وقوله: (يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً) جملة في محلّ نصب على الحال (دَخَلَ النَّارَ))) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في أصولنا من ((صحيح مسلم))، وكذا هو في ((صحيح البخاريّ))، وكذا ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى في روايته لـ((صحيح مسلم))، ووُجِد في بعض الأصول المعتمدة من ((صحيح مسلم)) عكس هذا: قال رسول الله وَله: ((من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة))، قلت أنا: ((ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار))، وهكذا ذكره الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين))، عن ((صحيح مسلم)) رحمه الله تعالى، وهكذا رواه أبو عوانة في كتابه ((المخرج على صحيح مسلم))، وقد صَحّ اللفظان من كلام رسول الله وَّر0 في حديث جابر المذكور بعد هذا. فأما اقتصار ابن مسعود رضيبه على رفع إحدى اللفظتين، وضمه الأخرى إليها من كلام نفسه، فقال القاضي عياضٍ وغيره: سببه أنه لم يَسْمَع من ١٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان النبيّ وَّ إلا إحداهما، وضَمَّ إليها الأُخرى؛ لِمَا عَلِمَه من كتاب الله تعالى، ووحيه، أو أخذه من مقتضى ما سَمِعه من النبيّ وَّر. وهذا الذي قاله هؤلاء فيه نقص من حيث إنّ اللفظتين قد صَحَّ رفعهما من حديث ابن مسعود به كما ذكرناه، فالجيِّد أن يقال: سمع ابن مسعود . ضرعنه اللفظتين من النبيّ وَّ، ولكنه في وقت حَفِظَ إحداهما، وتيقنها عن النبيّ ◌َّ، ولم يَحْفَظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت آخر حَفِظ الأخرى، ولم يحفظ الأولى مرفوعةً، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، فهذا جمعٌ ظاهرٌ بين روايتي ابن مسعود نظُه، وفيه موافقة لرواية غيره في رفع اللفظتين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) هذا الجمع الذي ذكره النوويّ، ودونك عبارته: قال: قوله: ((من مات يُشرك بالله ... إلخ)) في رواية أبي حمزة، عن الأعمش - أي عند البخاريّ - في ((تفسير البقرة)): ((من مات، وهو يدعو من دون الله نِدّاً))، وفي أوله: ((قال النبيّ وَ ل﴿ كلمة، وقلت أنا أخرى)). ولم تختلف الروايات في ((الصحيحين)) في أن المرفوع الوعيد، والموقوف الوعد، وزعم الحميديّ في ((الجمع))، وتبِعَه مغلطاي في ((شرحه))، ومن أخذ عنه: أن في رواية مسلم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس، بلفظ: ((من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، وقلت أنا: من مات يُشرك بالله شيئاً دخل النار)). وكأن سبب الوهم في ذلك ما وقع عند أبي عوانة، والإسماعيليّ من طريق وكيع بالعكس، لكن بَيَّن الإسماعيليّ أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاريّ، قال: وإنما المحفوظ أن الذي قلبه أبو معاوية(١) وحده، وبذلك جزم ابن خزيمة في ((صحيحه))، والصواب رواية الجماعة، وكذلك أخرجه أحمد من طريق عاصم، وابن خزيمة من طريق يسار(٢)، وابن حبان من طريق المغيرة (١) في ((نسخة)): ((أبو عوانة))، والإصلاح من ((مسند أبي عوانة)) ٢٧/١. (٢) الظاهر أن الصواب ((سيّار))، والله تعالى أعلم. ١٢٥ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٥) كلهم عن شقيق، وهذا هو الذي يقتضيه النظر؛ لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن، وجاءت السنة على وفقه، فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوعد، فإنه في محلّ البحث؛ إذ لا يصح حمله على ظاهره، كما تقدم. وكأنّ ابن مسعود رظُه لم يبلغه حديث جابر رَظُه الذي أخرجه مسلم بلفظ: قيل: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار)). وقال النوويّ: الجيد أن يقال: سَمِع ابن مسعود اللفظتين من النبيّ ولكنه في وقت حفظ إحداهما وتيقنها، ولم يحفظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع بَيْن روايتي ابن مسعود، وموافقته لرواية غيره في رفع اللفظتين. انتهى. قال الحافظ: وهذا الذي قال محتمل بلا شكّ، لكن فيه بُعْدٌ، مع اتّحاد مخرج الحديث، فلو تعدد مخرجه إلى ابن مسعود، لكان احتمالاً قريباً، مع أنه يُسْتَغرب مِنِ انفراد راو من الرواة بذلك دون رفقته، وشيخهم ومن فوقه، فنسبة السهو إلى شخص ليس بمعصوم أولى من هذا التعسُّف. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ رحمه الله تعالی، من ردّه الجمع الذي ذكره النوويّ، واستبعاده له؛ حيث إن مخرج الحديث واحد؛ إذ مثل هذا الجمع إنما يُقبل إذا تعدّد مخرج الحديث، هو الصواب في نظري؛ لوضوح حجّته، واستنارة محجّته، وأما اعتراض العينيّ عليه في ذلك فمما لا يخفى على منصف كونه من عادته المستمرّة في الاعتراض، والتحامل دون تأمّل، فتنبّه لذلك، وتأمّله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: حَكَى الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في كتابه ((المدرج)) أن أحمد بن عبد الجبار رواه عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، مرفوعاً كلَّه، وأنه وَهِمَ في ذلك. انتهى(١). قال ابن مسعود ◌َُّه (وَقُلْتُ أَنَا: ((وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ (١) راجع: ((الفتح)) ١٣٤/٣ ((كتاب الجنائز)) رقم (١٢٣٩ - ١٢٤٠). ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الْجَنَّةَ))) قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: من أين عَلِم ابن مسعود نظافته هذا الحكم؟. [قلت]: من حيث إن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبّب، فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخول النار يلزم دخول الجنّة؛ إذ لا ثالث لهما، أو مما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، (١) ونحوه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما عبّر ابن مسعود رضيُه إلى ما قاله مع أن المتّجه أن يقول: ((ومن مات لا يُشرك بالله شيئاً لا يدخل النار))؛ لكون عدم دخوله النار غير محقّق بتقدير عصيانه، بخلاف دخول الجنّة فإنه محقّقٌ للموحّد، ولو كان آخراً، فلذا جَزَم به، والله تعالى أعلم (٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قول ابن مسعود رضيُله: ((وقلت أنا ... إلخ)) يعني بذلك: أنه لم يسمع هذا اللفظ من النبيّ وَّهُ نصّاً، وإنما استنبطه من الشريعة، إما دليل خطاب قوله وَلفيه: ((من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار))، أو من ضرورة انحصار الجزاء في الجنّة والنار، أو من غير ذلك، وعلى الجملة، فهذا الذي لم يسمعه ابن مسعود ظُه من النبيّ بَِّ هو حقٌّ في نفسه، وقد رواه (٣) جابر رَّ ◌ُبه في الحديث التالي من قول النبيّ وَِّ. انتهى(٣). وقد اعترض القاضي عياض رحمه الله تعالى على قوله: ((إما بدليل الخطاب))، ودونك عبارته، قال: استدلّ به بعضهم على صحّة دليل الخطاب، وفي الاستدلال به ضعفٌ، وهو كلام من لم يُميّز دليل الخطاب؛ إذ لا يدلّ وجوب النار لمن مات على الكفر على وجوب الجنّة لمن كان على ضدّه، وإنما دليل خطابه أنه لا يدخل النار، وأما صحّة قول ابن مسعود رضيُه فمن دليل صحّة التقسيم، لا من دليل الخطاب؛ لأنه لَمّا قال وَّ: ((من مات يُشرك (١) ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ٤٩/٣ - ٥٠. (٢) وقد أشار إلى نحو هذا الكرمانيّ، وقد نقله في ((الفتح)) ٥٧٦/١١ ((كتاب الأيمان والنذور)) ح (٦٦٨٤ - ٦٦٨٦)، فتصرّفت فيه بالزيادة والإيضاح. (٣) ((المفهم)) ٢٩٠/١. ١٢٧ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٥) بالله شيئاً دخل النار))، وصحّ أنه ليس ثَمَّ منزل ثالث، سوى الجنّة والنار، وتميّز بهذا اللفظ نازل أحدهما، بَقِي الصنف المخالف له للأخرى، فكيف، وقد جاء بنصّه بعد هذا عن النبيّ وَّ في حديث جابر نَظُه، وجاءت النصوص، والظواهر البيّنة، وإجماع أهل السنّة على صحّة ذلك. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ القول بدليل الخطاب هنا ليس ببعيد؛ لأن المراد دليل الخطاب الذي تُعَيِّن المرادَ منه هنا الأدلّةُ الأخرى، كما أبداها القاضي نفسه في وجه صحة قول ابن مسعود، ففي الحقيقة لا اختلاف بين ما قاله القاضي، وما سبق عن القرطبيّ، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: روى الإمام أحمد هذا الحديث في ((مسنده)) وفي آخره زيادة، ولفظه : حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: سمعت رسول الله وَ * يقول: ((من جعل الله نِدّاً جعله الله في النار))، وقال: وأخرى أقولها، لم أسمعها منه: ((من مات لا يجعل الله نِدّاً أدخله الله الجنة، وإن هذه الصلوات كفاراتٌ لما بينهنّ، ما اجتنب المقتل)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ربه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٢٧٥/٤٢] (٩٢)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٣٨)، و((التفسير)) (٤٤٩٧)، و((الأيمان والنذور)) (٦٦٨٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٤/١ و٣٨٢ و٤٠٢ و٤٠٧ و٤٢٥ و٤٤٣ و٤٦٢ و٤٦٤)، و(النسائيّ) في ((التفسير)) من (١) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥. ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((الكبرى)) (١٠٩٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٦٦ و٦٧ و٦٨ و٦٩ و٧٠ و٧١ و٧٢ و٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من مات يشرك بالله تعالى شيئاً دخل النار، ومن مات لا يشرك به شيئاً دخل الجنّة، فالإيمان سبب في دخول الجنّة، وهو وجه المطابقة في إيراده في ((كتاب الإيمان)). ٢ - (منها): أن فيه دلالةً على أن ابن مسعود رَُّله كان يقول بدليل الخطاب، ويحتمل أن يكون أخذه من ضرورة انحصار الجزاء في الجنة والنار، كما سبق تحقيقه. ٣ - (ومنها): أن فيه إطلاق الكلمة على الكلام، حيث قال ابن مسعود رُه كما في رواية: ((كلمتان سمعت إحداهما من رسول الله وَلقر، والأخرى أنا أقولها)) ... ثم ذكره، وإطلاق الكلمة على الكلام كثير شائع في كلام العرب، فقد وقع في قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: ((لا إله إلا الله)) كلمة ((الإخلاص))، وقوله وَ له: ((أصدق كلمة قالها شاعر)) كلمة لبيد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ (١) وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)) حيث قال: وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمْ وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ ٤ - (ومنها): أن حكمه وَّله بدخول النار على من مات يُشرك بالله شيئاً (١) أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده)) (٩٦٩٤)، فقال: حدثنا عبد الرحمن - هو ابن مهديّ - عن سفيان، قال: حدثنا عبد الملك بن عُمير، قال: حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: («أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ وكاد أمية بن أبي الصَّلْت أن يُسْلِمَ)). وهو حديث صحيح، وأخرجه أيضاً ابن ماجه في «سننه» (٣٧٤٧). ١٢٩ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٦) في هذا الحديث، وبدخول من مات لا يُشرك بالله شيئاً الجنة في حديث جابر ظُه الآتي، مما أجمع عليه المسلمون. فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها، ويُخَلَّد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابيّ اليهوديّ والنصرانيّ وبين عَبَدَة الأوثان، وسائر الكَفَرَة، ولا فرق عند أهل الحقّ بين الكافر عناداً وغيره، ولا بين مَن خالف ملةَ الإسلام، وبين مَن انتسب إليها، ثم حُكِم بكفره بِجَحْده ما يَكْفُر بجحده، وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة، فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة، مات مُصِرّاً عليها، دَخَل الجنة أَوّلاً، وإن كان صاحب كبيرة مات مُصِرّاً عليها، فهو تحت المشيئة، فإن عَفَا الله تعالى عنه دَخَل أوّلاً، وإلا عُذِّب ثم أُخرِج من النار، وخُلِّد في الجنة(١). اللهم اجعلنا من أهل الجنّة، ولا تجعلنا من أهل النار بفضلك وجودك وكرمك، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦] (٩٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيِّ نَّهِ رَجُلٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: ((مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٢/ ٩٧. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٤ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مهران المذكور في السند الماضي. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) هو: طلحة بن نافع الواسطَيّ الإِسْكَافُ، نزيل مكّة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، ﴿هَا، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وأبي سفيان، فواسطيّ، ثم مكيّ. (ومنها): أن أبا معاية أحفظ من روى عن الأعمش، فهو المقدّم من أصحابه، إلا أن يكون الثوريّ، فإنه إمام مقدّم في شيوخه كلّهم. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه رَُّله أحد المكثرين السبعة من الصحابة ، فقد روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) رَظُْهُ أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َهِ رَجُلٌ) وفي رواية أبي عوانة من طريق مالك بن سعيد، عن الأعمش: ((جاء أعرابيّ إلى النبيّ وَّ﴾))، ولا يعرف ١٣١ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِلُكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٦) اسم الرجل، كما قاله صاحب ((تنبيه المعلم))(١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانٍ؟) قال الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في ((مستخرجه): (٢) ((الموجبتان)): الخصلتان اللتان توجبان الجنة والنار. انتهى . و((ما)) استفهاميّة مبتدأ خبرها ما بعدها، ويجوز العكس، أي ما هما الخصلتان اللتان توجبان دخول الجنة، ودخول النار؟، وفيه أن التوحيد موجب لدخول الجنّة، والشرك موجب لدخول النار. قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما ذكره الحافظ أبو نُعيم في معنى الموجبتين، ما نصّه: والوجوب في ذلك واقعٌ بالإضافة إلى العبد، لا بالإضافة إلى الله، تعالى الله عن ذلك. انتهى (٣) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجوب المنسوب إلى الله تعالى هنا نظير حيث قال له النبيّ وَل: ((أتدري ما عِنْه الحقّ المنسوب إليه في حديث معاذ حق الله على العباد؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً))، ((أتدري ما حقهم عليه؟)) قال: ((الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم))(٤)، فالواجب هو ما أوجبه على نفسه لعباده فضلاً منه وكرماً، لا أنه يجب عليه شيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) بَّهِ ((مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ))) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إن من مات لا يتّخذ مع الله شريكاً في الإلهيّة، ولا في الْخَلْق، ولا في العبادة، فلا بُدّ من دخوله الجنّة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنة، وأن من مات على الشرك لا يدخل الجنّة، ولا يناله من الله تعالى رحمةٌ، ويُخلّد في النار أبد (١) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) ص٦١. (٢) ((المستخرج)) ١٦٨/١. (٣) ((الصيانة)) ص٢٧٧. قالعنه قال: قال النبيّ وَالَ: ((يا (٤) هو ما أخرجه الشيخان من حديث معاذ بن جبل معاذ أتدري ما حقُّ الله على العباد؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أن لا یعذبهم)). ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الآباد من غير انقطاع عذاب، ولا تصرّم آباد، وهذا معلوم ضروريّ من الدين، مُجمَعٌ عليه بين المسلمين. انتهى(١). [تنبيه]: حديث جابر ظه هذا أورده المصنّف مختصراً، وهو حديث مطوّل، وقد ساقه الإمام أحمد، وغيره مطوّلاً، ونصه في ((مسند أحمد)): (١٤٦٧٥) - حدثنا النضر بن إسماعيل، أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى النبيّ وَله رجل، فقال: يا رسول الله، أيُّ الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت))، قال: يا رسول الله، وأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: ((مَن عُقِرِ جَوَاده، وأُريق دمه))، قال: يا رسول الله، أيُّ الهجرة أفضل؟ قال: ((مَن هَجَر ما كَرِهَ الله وَنَ))، قال: يا رسول الله، فأيُّ المسلمين أفضل؟ قال: ((مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده))، قال: يا رسول الله، فما الموجبتان؟ قال: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ظّبه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالی. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٢٧٦/٤٢ و٢٧٧ و٢٧٨] (٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٥/٣ و٣٤٦ و٣٧٤ و٣٩١ و٣٩٢)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٠٦٠ و١٠٦٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١ و٣٢ و٣٣ و٣٤)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٦٧ و٢٦٨ و٢٦٩). وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث عبد الله بن مسعود رهـ الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((المفهم)) ٢٩٠/١. ١٣٣ (٤٢) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِلُكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٧) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ))، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابٍِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمرو بن جابر المازنيّ البصريّ، ثقةٌ(١) [١١] (ت٢٤٦) (م س) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٣٠. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن الحجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠. [تنبيه]: ((الْغَيْلانيّ)) - بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة -: نسبة إلى غَيْلان، اسم لبعض أجداده، قاله في ((الأنساب)) ٤/ ٣٠، و((اللباب)) ٣٩٨/٢ _٣٩٩. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) الْقَيسيّ، أبو عامر الْعَقَديّ - بفتحتين - ثقةٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٤ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت١٥٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. وجابرٌ به تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسألتيه. وقوله: (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ) معناه: أن شيخيه: أبا أيوب سليمان بن عبيد الله، وحَجّاجاً اختلفا في عبارةَ أبي الزبير، عن جابر، فقال أبو أيوب: ((عن جابر))، وقال حجاج: ((حدثنا جابر))، فأما ((حدثنا)) فصريحة في الاتصال، وأما ((عن))، فمخْتَلَفٌ فيها، فالجمهور على أنها (١) قال في ((التقريب)): صدوقٌ، وما هنا أولى؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه النسائيّ، وابن حبّان، وهو شيخ المصنّف، والنسائيّ، ولم يتكلم فيه أحدٌ، فتنبّه. ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان للاتصال، كـ«حدّثنا))، ومن العلماء من قال: هي للانقطاع، ويجيء فيها ما قدّمناه في الاختلاف الواقع بين عبد الله بن نُمير، وبين وكيع قبل حديث، إلا أن هذا على هذا المذهب يكون مرسل تابعيّ، نبّه عليه النوويّ رحمه الله تعالى(١). ومن لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه للمصنّف شيخان قرن بينهما، وأنه مسلسل بالبصريين إلى أبي الزبير، فمكيّ، وغير شيخه حجاج، فبغداديّ، وأما جابر ظ ◌ُه، فمدنيّ، وقد سكن مكة أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﴿ قَالَ، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٦. ٢ - (مُعَاذ) بن هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتُوَائيّ البصريّ، وقد سَكَن اليمن، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٩] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هو: هِشَام بن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدَّسْتُوَائيُّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله (٧٨) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٦. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (وَهُوَ ابْنُ هِشَام) قد تقدّم البحث عن فائدة زيادة لفظ ((وهو)) قبل باب، فلا تکن من الغافلين. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث قرّة عن أبي الزبير الماضي. [تنبيه]: رواية هشام هذه أخرجها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده))، فقال: (١٣٩٦٤) حدثنا أبو عُبيدة الحدّاد، حدثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وسلم: ((من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار)). (١) ((شرح النوويّ)) ٩٥/٢. ١٣٥ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩) وأخرجها أيضاً أبو عوانة في ((مسنده))، (٢٨/١)، فقال: (٣٤) حدثنا الذَّندَانيّ، واسمه موسى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام الدستوائيّ، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ وَّ قال: ((مَن لَقِيَ الله لا يشرك به شيئاً أدخله الجنة، ومن لقيه يُشرك به أدخله النار))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩] (٩٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلِ الْأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((أَثَانِي جِبْرِيلُ عََّ، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ، لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الْجَنَّةَ))، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ المعروف بالزّمِن المذكور في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف بيندار المذكور في الباب الماضي أيضاً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدر المذكور قبل باب. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور المذكور في الباب الماضي. ٥ - (وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بيّاعِ السّابِريّ(١) - بمهملة، وموحّدة - ثقةٌ ثبتٌ [٦]. رَوَى عن أبي وائل، وشُريح القاضي، والمعرور بن سُويد، وإبراهيم النخعيّ، وقَبيصة بن بُرْمة، وعبد الله بن أبي الْهُذيل، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وجرير بن حازم، ومغيرة بن مِقْسم، ومِسْعر، ومَهْديّ بن ميمون، والثوريّ، وشعبة، وآخرون. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن معين في رواية (١) نوع من الثياب. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أخرى: ثبتٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، صالح الحديث، وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال أبو نعيم: مات سنة عشرين ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقال خليفة: مات في ولاية مَرْوان بن محمد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٥): ((لا يدخل الجنة نمام))، و(٢٨٨): ((كنت أفركه من ثوب رسول الله وَ له ... ))، و(٣٧٢): ((إن المسلم لا ينجس))، و(٨٢٢): ((سمعنا القرائن، وإني لأحفظ القرائن ... ))، و(٨٦٩): ((إن طول صلاة الرجل ... ))، و(١٦٦١): ((إنك امرؤ فيك جاهلية ... ))، و(٢٣٨٣): ((لو كنت متّخذاً من أهل الأرض خليلاً ... )). ٦ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أُميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن عُمَر، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وخُريم بن فاتك، وأم سلمة. ورَوى عنه واصل الأحدب، وسالم بن أبي الجعد، والأعمش، والمغيرة بن عبد الله الْيَشْكُريّ، وعاصم بن بَهْدلة، وبكر بن الأخنس، وجَّاب التيميّ، وإسماعيل بن رجاء الزُّبَيديّ. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ من أصحاب عبد الله، وقال ابن مَهْديّ، عن شعبة، عن واصل: كان المعرور يقول لنا: تَعَلَّمُوا مني يا بَنِي أخي، وكان كثير الحديث، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال الأعمش: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة أسود الرأس واللحية (١)، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٩٠): ((إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة ... ))، و(٩٩٠): ((هم الأكثرون أموالاً ... ))، و(١٦٦١): ((إنك امرؤ فيك جاهليّة ... ))، وأعاده بعده، و(٢٦٦٣): ((قد سألتِ الله لآجال مضروبة ... ))، وأعاده بعده، و(٢٦٨٧) ((من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها ... )). (١) قوله: ((أسود الرأس واللحية)) سقط من نسخة ((تهذيب التهذيب))، فاستدركته من شرح النوويّ على مسلم. ١٣٧ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩) ٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغِفَاريّ، واسمه جُندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير ظه، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه له شيخان قرن بينهما، وفيه من صِيَغ الأداء: التحديث، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما مرّ قريباً . ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني مسلسل بالکوفیین. ٥ - (ومنها): أن معروراً من طُرَفِهِ ما سبق آنفاً من قول الأعمش: رأيته وهو ابن (١٢٠) سنة أسود الرأس واللحية. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُله ذو مناقب جمّة، فإنه من السابقين الأولين في الإسلام، وإن تأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً، يقال: إنه قال: أنا رابع أربعة، ويقال: خامس خمسة، أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلده، وحديث إسلامه، وإقامته بماء زمزم مشهور في ((الصحيحين))، فمناقبه أكثر من أن تُحصَى، وأخبار زهادته، ورفضه الدنيا أشهر من أن يُسْتَقْصَى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْمَعْرُورِ) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وبراء مهملة مكرّرة (بْنِ سُوَيْدٍ) بضمّ المهملة، مصغّراً، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) ◌َظُبهِ (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وعلى قول من يقول: إن سمع من أخوات (ظنّ)) فالجملة في محلّ نصب مفعول ثان له (عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَّا) هكذا صرّح في هذه الرواية بأنه جبريل عل*، ووقع في رواية للبخاريّ في ((الجنائز)) بلفظ: ((أتاني آت))، وزاد الإسماعيليّ من طريق مهدي في أوله قصةً، قال: «كنا مع رسول الله بَّرَ في مَسِير له، فلما كان في بعض ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الليل تَنَخَّى، فَلَبِثَ طويلاً، ثم أتانا، فقال ... )) فذكر الحديث (فَبَشَّرَنِي) وفي رواية: ((فأخبرني)) (أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ) أي من أمة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعمّ من ذلك، أي أمة الدعوة، وهو مُتَّجِهٌ (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه بحكم أصل الوضع: أن لا يتّخِذ معه شريكاً في الألوهيّة، ولا في الخلق، كما قدّمناه، لكن هذا القول صار بحكم العرف عبارةً عن الإيمان الشرعي، ألا ترى أنّ من وحّد الله تعالى، ولم يؤمن بالنبيّ ◌َّ لن ينفعه إيمانه بالله تعالى، ولا توحيده، وكان من الكافرين بالإجماع القطعيّ؟. انتهى(١). (دَخَلَ الْجَنَّةَ))) أي صار إليها إما ابتداءً من أول الحال، وإما بعد أن يقع ما يقع عليه من العقاب، قاله العينيّ رحمه الله تعالى(٢). وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى أن عاقبته دخول الجنّة، وإن كان له ذنوب جمّة، أو ترك من الأركان شيئاً، لكن أمره إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنّة، وإن شاء عذّبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنّة (٣) بفضله. انتهى . (قُلْتُ) القائل هو أبو ذرّ ◌َُّبه، وفي رواية الترمذيّ: قال أبو ذرّ: يا رسول الله ... وقال في ((الفتح)): ويمكن أن يكون النبيّ مَّ قاله مُسْتوضحاً، وأبو ذرّ قاله مُستبْعِداً، وقد جَمَع بينهما في ((الرقاق)) من طريق زيد بن وهب، عن أبي ذَرّ رَظُه. انتهى (٤). . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه الحافظ بأنه جمع بين قولي النبيّ وَّه وأبي ذرّ ◌َُّه: ((وإن زنى، وإن سرق))، هو ما أخرجه البخاريّ في (كتاب الرقاق)) من ((صحيحه))، وسيأتي لمسلم أيضاً في ((كتاب الزكاة))، قال البخاريّ رحمه الله تعالى: (٦٤٤٣) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ ظُه قال: خرجت ليلةً من الليالي، فإذا (١) ((المفهم)) ٢٩١/١ - ٢٩٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٨/ ٧. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢ /٤٧٨ - ٤٧٩. (٤) ((الفتح)) ١٣٣/٣. ١٣٩ (٤٢) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩) رسول الله وَلا يمشي وحده، وليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يَكْرَه أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظلّ القمر، فالتفت فرآني، فقال: ((من هذا؟)) قلت: أبو ذرّ ــ جعلني الله فداءك - قال: ((يا أبا ذرّ تعالَ))، قال: فمشيت معه ساعةً، فقال: ((إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيراً، فَنَفَحَ فيه يمينَهُ وشمالَهُ، وبين يديه، ووراءه، وعَمِلَ فيه خيراً))، قال: فمشيت معه ساعةً، فقال لي: ((اجلس ها هنا))، قال: فأجلسني في قاع حوله حجارةٌ، فقال لي: ((اجلس ها هنا حتى أرجع إليك))، قال: فانطلق فيّ الحرَّة حتى لا أراه، فَلَبِثَ عني، فأطال اللَّيْث، ثم إني سمعته، وهو مُقبل، وهو يقول: ((وإن سَرَق، وإن زنى))، قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله - جعلني الله فداءك ــ مَن تُكَلِّم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحداً يَرْجِعُ إليك شيئاً، قال: (ذلك جبريل ظلَّ عَرَضَ لي في جانب الحرة، قال: بَشِّر أمتك، أنه من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سَرَق، وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن سَرَق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شَرِب الخمر)). انتهى. (وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟) قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: حرف الاستفهام فيه مقدّر، وتقديره، أيدخل الجنّة وإن زنى وإن سرق؟، والشرط حال. [فإن قلت]: ليس في الجواب استفهام، فيلزم منه أن من لم يسرق، ولم يَزن لم يدخل الجنّة؛ إذ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط. [قلت]: هو من باب ((نعم العبد صُهيب، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه))، والحكم في المسكوت عنه ثابتٌ بالطريق الأولى. انتهى(١). (قَالَ) بِهِ ((وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ))) قال الزين ابن الْمُنِّير رحمه الله تعالى: حديث أبي ذرّ رَظُه من أحاديث الرجاء التي أفضى الاتّكال عليها ببعض الْجَهَلَة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره، فإن القواعد استقرّت على أن حقوق الآدميين لا تَسقُط بمجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يَلزم من عدم سقوطها أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يُدخله الجنة، ومن ثَمَّ رَدّ ◌َِله على أبي ذر ◌ُله استبعاده. (١) ((شرح صحيح البخاري)) للكرمانيّ ٤٩/٦. ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((دخل الجنة)) أي صار إليها، إما ابتداءً من أول الحال، وإما بعد أن يَقع ما يقع من العذاب - نسأل الله العفو والعافية -(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذَرّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [٢٧٩/٤٢ و٢٨٠] (٩٤)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٣٧ و١٤٠٨)، و((الاستقراض)) (٢٣٨٨)، و((بدء الخلق)) (٣٢٢٢)، و((اللباس)) (٥٨٢٧)، و((الاستئذان)) (٦٢٦٨)، و((الرقاق)) (٦٤٤٣ و٦٤٤٤ و٧٤٨٧)، و(أبو داود) (٢٦٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الإيمان)) (٢٦٤٤)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (١١١٦ و١١١٧ و١١١٨ و١١١٩ و١١٢٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦١/٥ و١٥٢ و١٥٩ و١٦١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥ و٣٦)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٢٧٠ و٢٧١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٩ و١٧٠ و١٩٥ و٢١٣)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٨ و٨٠ و٨١ و٨٢ و٨٤ و٨٥ و٨٦ و٨٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥١ و٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الكبائر لا تسلُب اسم الإيمان، فإن غير المؤمن لا يدخل الجنّة، وأن أربابها من المؤمنين لا يخلّدون في النار. ٣ - (ومنها): أنه إنما ذكر من الكبائر نوعين فقط؛ إشارةً إلى أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: حقّ لله تعالى، وأشار إليه بالزنا، وحقُّ للعباد، وأشار إليه بالسرقة. (١) ((الفتح)) ١٣٣/٣.