Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٧) رَوَى له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه(١)، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٢١): ((هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها، فحسن ... )). ٧ - (أَبُو ذَرٍّ) اختُلِفَ في اسمه، فالأشهر جُنْدَب - بضم الدال وفتحها - ابن جُنَادة - بضم الجيم - وقيل: اسمه بُرَير - بضم الباء الموحدة، وبراءين مطالبه (ت٣٢) (ع) تقدم في مهملتين - والأول هو الأصحّ، الصحابيّ الشهير ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (٥٨٤/٤ - ٥٨٥) في ترجمة أبي مُراوح هذا ما نصّه: قال فيه أبو داود: إنه أبو مُراوح الليثيّ له صحبة، وذكره ابن منده في ((الصحابة))، لكن سماه واقد بن أبي واقد، وعزاه لأبي داود، فالله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع: هذا يخالف ما قاله في ((الفتح)) (١٧٧/٥) حيث جزم بأنه غيره، ونصّه: وفي الصحابة أبو مُراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقداً، وعزاه لأبي داود. انتهى. وهذا هو الذي رجحه في الإصابة)) (٣٠٥/٧) حيث قال: أبو مراوح الليثيّ، قال أبو داود: له صحبة، وذكره ابن منده، وعزاه لأبي داود، وسمّاه واقد بن أبي واقد، وهو غير أبي مُراوح الغفاريّ، فيُردّ على المزّيّ حيث قال في ترجمة الغفاريّ: الليثيّ، فجعلهما واحداً. انتهى ما في ((الإصابة)). قال الجامع: كونهما اثنين هو الذي يظهر لي، كما صرّح به الحافظ في (الفتح))، و((الإصابة))، وأما الردّ على المزيّ في قوله: ((الليثيّ)) فلا وجه له؛ لأنه يقال له: الليثيّ أيضاً، كما وقع التصريح به في رواية مسلم في هذا السند، ووقع عند أبي نعيم في ((المستخرج)) (١٦١/١) بلفظ ((الغفاريّ)) في الموضعين، وكذا وقع عند أبي عوانة في ((مسنده)) (٦٥/١) في رواية حبيب مولى عروة الآتية، فتبيّن بهذا أنه ينسب إلى كليهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) قال في ((تهذيب التهذيب)): له عندهم حديثان. ٦٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني تفرّد به هو، وأبو داود، وغير أبي مُراوح، فما أخرج له أبو داود والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن أبا ذرّ ◌َُّّه لا مشارك له في هذه الكنية، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه، والصحيح ما قدّمته، وكذلك أبو مُراوح لا يوجد له مشارك في هذه الكنية(١)، والصحيح أنه لا اسم له غيرها، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، ويأتي في ((كتاب الصيام))، وليس له غير هذين، كما أسلفته في ترجمته. ٤ - (ومنها): أن فيه شيخين للمصنّف، كالسند الماضي، وفيه كتابة (ح) وقد مرّ الكلام عليها . ٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فبغدادیّان. ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، ووقع في الإسناد التالي أربعة منهم يروي بعضهم عن بعض: الزهريّ، عن حبيب مولى عروة، عن عروة، عن أبي مُراوح. ٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن عروة من الفقهاء السبعة، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُرَاوِح) بضم الميم، بعدها راء خفيفة، وكسر الواو، بعدها حاء مهملة (اللَّيْئِيِّ) ويقال أيضاً: الغفاريّ، قال في ((الفتح)): هو مدنيّ من كبار التابعين، لا يُعرف اسمه، وشذّ من قال: اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبيّ وَّ، ولم يره، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث. انتهى(٢). (١) وذكر في ((الفتح)) ١٧٧/٥ ما نصّه: وفي الصحابة أبو مراوح الليثيّ غير هذا، سمّاه ابن منده واقداً، وعزاه لأبي داود. انتهى، فهذا ليس في الكتب الستة، فلا يعارض ما ذكرناه، فتنبه. (٢) ((الفتح)) ١٧٦/٥. ٦٤٣ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٧) قال الجامع: تقدّم أنه ليس له عند المصنّف سوى حديثين. (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ◌َظُه، ووقع عند أحمد في ((مسنده)) من طريق يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثني أبي، أن أبا مراوح الغفاريّ أخبره، أن أبا ذر أخبره، وكذا هو في رواية الإسماعيلي، وذكر الإسماعيلي عدداً كثيراً نحو العشرين نفساً رووه عن هشام بهذا الإسناد، وخالفهم مالك فأرسله في المشهور عنه، عن هشام، عن أبيه، عن النبيّ وَّر، ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ، وطائفة عنه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ورواه سعيد بن داود عنه، عن هشام، كرواية الجماعة، قال الدارقطنيّ: الرواية المرسلة عن مالك أصحّ، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة. انتهى(١). (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَُّّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ))) ولفظ البخاريّ: ((إيمان بالله، وجهاد في سبيله))، والواو هنا بمعنى ((ثُمّ))، كما قاله ابن حبّان، رحمه الله تعالى. وقال العينيّ رحمه الله تعالى: وإنما قرن الجهاد بالإيمان؛ لأنه كان عليهم أن يُجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي الْعُليا، وكان الجهاد في ذلك الوقت أفضل الأعمال(٢). (قَالَ) أبو ذرّ رَُه (قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) أي للعتق، حتى يكون ثوابها أكثر عند الله تعالى، ولأبي عوانة في ((مسنده)): ((فأيّ العتاقة أفضل؟)) (قَالَ) وَ ((أَنْفَسُهَا) خبر لمحذوف، أي هي أنفسها (عِنْدَ أَهْلِهَا) أي أغبطها، وأجودها، وأرفعها عندهم، والمال النفيس: هو المرغوب فيه، قاله الأصمعيّ، وأصله من التنافس في الشيء الرفيع(٣)، وإنما كان أنفسها أفضل؛ لأن عتق مثل ذلك ما يقع غالباً إلا خالصاً، وهو كقوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَا تُبُّونَ﴾(٤)، (وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً))) منصوب على التمييز، أي من حيث الثمن، وهذا تفسير لما وقع عند أكثر رواه البخاريّ بلفظ: ((أعلاها ثمناً)) بالعين المهملة، وهي رواية النسائيّ أيضاً، وللكشميهنيّ: بالغين المعجمة، وكذا (١) ((فتح)) ١٧٧/٥. (٣) ((المفهم)) ١/ ٢٧٧. (٢) ((عمدة القاري)) ١١٤/١٢. (٤) ((الفتح)) ١٧٧/٥. ٦٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان للنسفيّ، وهي رواية أبي عوانة في ((مسنده))، قال ابن قرقول: معناهما متقارب. انتهى. وعند أبي نعيم في ((المستخرج)): ((أغلاها ثمناً، وأنفعها عند أهلها)). وقال النووي رحمه الله تعالى: المراد به - والله أعلم - إذا أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أما إذا كان معه ألف درهم، وأمكن أن يشتري بها رقبتين مفضولتين، أو رقبة نفيسة مثمنة، فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية، فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن، قال البغويّ من أصحابنا رحمه الله تعالى في ((التهذيب)) بعد أن ذكر هاتين المسألتين كما ذكرتُ: قال الشافعيّ رحمه الله تعالى: في الأضحية استكثارُ القيمة مع استقلال العدد أحبّ إليّ من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي العتق استكثارُ العدد مع استقلال القيمة أحبّ إليّ من استكثار القيمة مع استقلال العدد؛ لأن المقصود من الأضحية اللحمُ، ولحمُ السمين أوفر وأطيب، والمقصود من العتق تكميلُ حال الشخص، وتخليصه من ذُلّ الرِّقّ، فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)) بعدما ذكر نحو هذا: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فربّ شخص واحد إذا أُعتق انتفع بالعتق، وانتفع به أضعاف ما يَحصُل من النفع بعتق أكثر عدداً منه، وربّ محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم. فالضابط أن ما كان أكثر نفعاً كان أفضل، سواء قلّ أو كثر، واحْتُجّ به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمناً من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ وغيره، وقالوا: المراد بقوله: ((أغلى ثمناً)) من المسلمين. ويؤيّد ما قالوه حديث أبي هريرة نظُله مرفوعاً: ((أيما رجل أعتق امرءاً مسلماً، استنقذ الله بكلّ عضو منه عضواً منه من النار))، متّفقٌ عليه(٢). قَالَ أبو ذرّ رَُّه (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) أي لم أقدر عليه، ولا تيسّر لي؛ لأن المعلوم من أحوالهم أنهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلا إذا تعذّر عليهم(٣). (١) ((شرح النوويّ)) ٧٩/٢. (٣) ((المفهم)) ٢٧٧/١. (٢) ((الفتح)) ١٧٧/٥. ٦٤٥ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٧) وفي رواية الإسماعيليّ: ((أرأيتَ إن لم أفعل))، أي إن لم أقدر على ذلك، فأطلق الفعل، وأراد القدرة، ولأبي عوانة في ((مسنده)): ((أفرأيت إن لم أجد))، ولأبي نعيم في ((المستخرج)): ((أرأيت إن ضعفت))، وللدارقطنيّ في (الغرائب) بلفظ «فإن لم أستطع)) (قَالَ) وَ («تُعِينُ) بضمّ أوله، من الإعانة رباعيّاً (صَانِعاً) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية المشهورة بالضاد المعجمة وبالياء من تحتها، ورواه عبد الغافر الفارسيّ ((صانعاً)) بالصاد المهملة، والنون، وهو أحسن؛ لمقابلته لأخرق، وهو الذي لا يُحسن العمل. انتهى(١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله: ((صانعاً))، وفي الرواية الأخرى: ((الصانع))، فُرُوِيَ بالصاد المهملة فيهما وبالنون من الصَّنْعَة، ورُوي بالضاد المعجمة، وبهمزة بدل النون، تُكتَب ياءً من الضَّيَاعِ، والصحيح عند العلماء رواية الصاد المهملة، والأكثر في الرواية بالمعجمة: ((فَتُعِين ضَائِعاً))(٢). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: روايتنا في هذا الحديث من طريق هشام أوّلاً (ضائعاً)) بالمعجمة، وبياء بعد الألف، وكذلك في الرواية الأخرى (فتعين الضائع)) من جميع طُرُقنا عن مسلم، في حديث هشام والزهريّ، إلا من رواية أبي الفتح الشاشيّ، عن عبد الغافر الفارسي، فإن شيخنا أبا بَحْر حَدَّثَنَا عنه فيهما بالصاد المهملة، كما تقدّم، وهو صوابُ الكلام؛ لمقابلته بالأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الضائع أيضاً صحيحاً، لكن صحت الرواية هنا عن هشام بالصاد المهملة، وكذلك رويناه في ((صحيح البخاريّ)). قال ابن المدينيّ: الزهريّ يقول: ((الصانع)) بالصاد المهملة، ويَرَون أنّ هشاماً صَخَّفَ في قوله: ((ضائعاً)) بالمعجمة. وقال الدارقطنيّ عن معمر: كان الزهريّ يقول: صَحَّفَ هشام، قال الدار قطنيّ: وكذلك رواه أصحاب هشام عنه بالضاد المعجمة، وهو تصحيف، والصواب ما قاله الزهريّ، وفي ((الموطّأ)) من رواية التِّنِّيسيّ، وابن وهب، وغيرهما عن الزهريّ: ((أن تصنع لضائع)) بالمعجمة، وقد يُصحّح هذه الرواية (١) ((المفهم)) ١/ ٢٧٧. (٢) ((شرح مسلم)) ٧٥/٢. ٦٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أيضاً قولُهُ في حديث أبي موسى: ((وأَعِنْ ذا الحاجة)). انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى(١). وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: في رواية هشام: ((تُعِين صانعاً)) هو بالمهملة والنون في أصل الحافظ أبي عامر العبدريّ، وأبي القاسم ابن عساكر، قال: وهذا هو الصحيح في نفس الأمر، ولكنه ليس رواية هشام بن عروة، إنما روايته بالمعجمة، وكذا جاء مقيداً هذا الوجه في كتاب مسلم، في رواية هشام، وأما الرواية الأخرى عن الزهريّ: ((فتُعِين الصانع))، فهي بالمهملة، وهي محفوظة عن الزهريّ كذلك، وكان يَنْسُبُ هشاماً إلى التصحيف، قال الشيخ: وذكر القاضي عياض أنه بالمعجمة في رواية الزهريّ لرواة كتاب مسلم، إلا رواية أبي الفتح السمرقنديّ، قال الشيخ: وليس الأمر على ما حكاه، في رواية أصولنا لكتاب مسلم، فكلها مُقَيَّدة في رواية الزهريّ بالمهملة على ما هو الصواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((تعين ضائعاً)) بالضاد المعجمة، وبعد الألف تحتانية، لجميع الرواة في البخاريّ، كما جزم به عياض وغيره، وكذا هو في مسلم إلا في رواية السمرقنديّ، كما قاله عياض أيضاً، وجزم الدارقطنيّ وغيره بأن هشاماً رواه هكذا، دون من رواه عن أبيه، وقال أبو عليّ الصدفيّ، ونقلته من خطه: رواه هشام بن عروة بالضاد المعجمة والتحتانية، والصواب بالمهملة والنون، كما قال الزهريّ. وإذا تقرر هذا فقد خَبَطَ من قال من شُرّاح البخاريّ: إنه رُوي بالصاد المهملة والنون، فإن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه، ورَوَى الدارقطنّي من طريق معمر، عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة، قال معمر: كان الزهريّ يقول: صَحَّفَ هشام، وإنما هو بالصاد المهملة والنون، قال الدارقطنيّ: وهو الصواب؛ لمقابلته بالأخرق، وهو الذي ليس بصانع، ولا (١) ((إكمال المعلم)) ٤٠٥/١ - ٤٠٦. (٢) ((الصيانة)) ص٢٦٦ - ٢٦٧، و((شرح النوويّ)) ٧٥/٢. ٦٤٧ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٧) يُحسن العمل، وقال علي ابن المدينيّ: يقولون: إن هشاماً صَخَّف فيه. انتهى. ورواية معمر عن الزهريّ عند مسلم كما تقدم، وهي بالمهملة والنون، وعكس السمرقنديّ فيها أيضاً، كما نقله عياض، وقد وُجِّهَت رواية هشام بأن المراد بالضائع ذو الضَّيَاعِ، من فَقْر أو عِيَال، فيرجع إلى معنى الأول. انتهى ما (١) في ((الفتح))(١). (أَوْ) الظاهر - والله أعلم - أنها للتنويع، لا للشكّ، أي تعين صانعاً، إن شئت، وإن شئت (تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ))) بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجمة، بالراء والقاف: هو الذي ليس بصانع، يقال: رجلٌ أخرق، وامرأة خرقاء، لمن لا صنعة له، فإن كان صانعاً حاذقاً قيل: رجل صَنَعُ بفتح النون، وامرأة صَنَاعٌ بفتح الصاد، قاله النوويّ(٢). وقال في ((الصيانة)): الأخرق ها هنا هو الذي لا يُحسن العمل، والأخرق أيضاً الذي لا رِفْقَ، ولا سياسة له في أمره، والمعنى: إذا رأيت من يُحاول عملاً، فإن كان يُحسنه فأعنه عليه، وإن لم يُحسن، فاعْمَلْه له. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قال أهل اللغة: رجل أخرق لا صنعة له، والجمع خُرْق بضم ثم سكون، وامرأة خرقاء كذلك، ورجل صانع وصَنَعٌ بفتحتين، وامرأة صَنَاعٌ بزيادة ألف. انتهى (٤). وقال في ((المفهم)): الأخرق: هو الذي لا يُحسن العمل، يقال: رجل أخرق، وامرأةٌ خرقاء، وهو ضدّ الحاذق بالعمل، ويقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأة صَنَاعٌ بألف بعد النون، قال أبو ذؤيب في المذكّر [من الكامل]: دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانٍ قَضَاهُمَا وقال آخر في المؤنّث [من الطويل]: جَوَادٌ بِقُوتِ الْبَطْنِ وَالْعِرْقُ زَاخِرُ(٥) صَنَاعٌ بِأَشْفَاهَا حَصَانٌ بِشَكْرِهَا (١) ((الفتح)) ١٧٧/٥ - ١٧٨. (٢) ((شرح مسلم)) ٢/ ٧٥. (٣) ((صيانة صحيح مسلم)) ص٢٦٦. (٤) (فتح)) ١٧٨/٥. (٥) البيت لأبي شهاب الهذلي يمدح هذه المرأة بالحذق والعفّة والجود والإيثار وعَرَاقة النسب. ٦٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان و(الشَّكْرُ)) بفتح الشين: الفرج، ويضمّها: الثناء بالمعروف(١). (قَالَ) أبو ذرّ ◌َظُه (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ ضَعَفْتُ) بضمّ العين المهملة، وفتحها، من بابي كرُمَ، ونَصَرَ (٢) (عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟) أي من الصناعة، أو الإعانة، أي فما ذا أعمل (قَالَ) وَلِهِ: («تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاسِ) أي تمنع وصول شرّك إليهم، يقال: كفّ عن الشيء يكفّ بضمّ الكاف كفّاً، من باب نصر: تركه، وكفَفْتُهُ كَفّاً: منعته، فَكَفَّ هو، يتعدَّى، ولا يتعدّى(٣). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليل على أن الكفّ عن الشرّ داخل في فعل الإنسان وكسبه، ويؤجرُ عليه، ويُعاقب على تركه؛ خلافاً لبعض الأصوليين القائل: إن الترك نفيٌ محضٍّ، لا يدخل تحت التكليف ولا الكسب، وهو قولٌ باطلٌ بما ذكرناه هنا، وبما بسطناه في الأصول، غير أن الثواب لا يحصل على الكف إلا مع النية والقصد، وأما مع الغفلة والذهول فلا . (٤) انتھی . (فَإِنَّهَا) أي فإن الخصلة التي هي كفّ الشرّ، وقال الطيبيّ: الضمير للمصدر الذي دلّ عليه الفعل، وأنّه التأنيث الخبر. انتهى(٥). (صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ))) ولفظ البخاريّ: ((تَصَدَّق بها على نفسك))، وهو: بفتح التاء والصاد المهملة الخفيفة، على حذف إحدى التاءين، والأصل تتصدق، ويجوز تشديدها على الإدغام، أي تتصدّق بهذه الصدقة على نفسك، أي تحفظها عما يُرديها، ويعود وباله عليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َظ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (١) ((إكمال المعلم)) ٤٠٣/١ - ٤٠٤، و((المفهم)) ٢٧٧/١. (٢) (القاموس)) ص٧٤٧. (٤) ((المفهم)) ٢٧٨/١. (٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٤٢٥/٨. (٣) راجع: ((المصباح)) ٥٣٦/٢. ٦٤٩ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٧) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٥٧/٣٨ و٢٥٨] (٨٤)، و(البخاريّ) في ((العتق)) (٢٥١٨)، و(النسائيّ) في (الجهاد)) (٣١٣٠)، وفي ((العتق)) من ((الكبرى)) (٤٣٣٧)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٥٢٣)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٢٩٨ و٢٠٢٩٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٣١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٠/٥ و١٦٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٧/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٨ و١٧٩ و١٨٠ و١٨١)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٢٥٠ و٢٥١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٣/٦ و٢٧٢/٩ و١٠/ ٢٧٣)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٢٣٢ و٢٣٣)، و(ابن الجارود) (٩٦٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٤١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الإيمان أفضل الأعمال على الإطلاق. ٢ - (ومنها): بيان كون الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، قال الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى: الواو في حديث أبي ذر ◌ُّه هذا بمعنى ((ثُمّ»، وهو كذلك في حديث أبي هريرة ظه، أي المتقدم قبل هذا، وقد تقدم الكلام فيه على طريق الجمع بين ما اختلف من الروايات في أفضل الأعمال هناك، وقيل: قَرَن الجهاد بالإيمان هنا؛ لأنه كان إذ ذاك أفضل الأعمال، وقال القرطبيّ: تفضيل الجهاد في حال تعيّنه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان، فلا يجاهد إلا بإذنهما، وحاصله أن الأجوبة اختَلَفَت باختلاف أحوال السائلين. ٣ - (ومنها): أن فيه حسنَ المراجعة في السؤال، وصبر المفتي والمعلم على التلميذ، ورفقه به، وقد رَوَى ابن حبان، والطبريّ، وغيرهما من طريق أبي إدريس الخولاني وغيره، عن أبي ذرّ ظله حدَّثنا حديثاً طويلاً، فيه أسئلة كثيرة وأجوبتها، تشتمل على فوائد كثيرة، منها سؤاله عن أيّ المؤمنين أكمل، وأيّ المسلمين أسلم، وأيّ الهجرة والجهاد والصدقة والصلاة أفضل، وفيه ذكر الأنبياء وعددهم، وما أنزل عليهم، وآداب كثيرة من أوامر ونواهي وغير ذلك. ٤ - (ومنها): بيان تفاضل الأعمال الصالحات فيما بينها، فبعضها لا يوازيه شيء، كالإيمان. ٦٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٥ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر: وفي الحديث إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع؛ لأن غير الصانع مَظِنَّة الإعانة، فكل أحد يُعينه غالباً، بخلاف الصانع، فإنه لشهرته بصنعته يَغْفُل عن إعانته، فهي من جنس الصدقة على المستور. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِّ، عَنْ حَبِيبٍ، مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَتُعِينُ الصَّانِعَ، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَّقَ))). رجال هذا الإسناد: تسعة، وكلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين، غير: ١ - (حَبِيبٍ، مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) هو: حبيبٌ الأعور المدنيّ، مقبول [٣]. رَوَى عن عروة بن الزبير، وعن أمه أسماء بنت أبي بكر، ونَدَبة مولاة ميمونة. ورَوَى عنه الزهريّ، وعبد الواحد بن ميمون، مولى عروة، وأبو الأسود يتيم عروة، وعبيد الله بن عروة، والضحاك بن عثمان. قال ابن سعد: مات قديماً في آخر سلطان بني أمية، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطئ، قال: وإن لم يكن هو ابن هند بن أسماء، فلا أدري من هو؟. روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . وقوله: (بِنَحْوِهِ) بنحو حديث هشام (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) يعني أن الزهري قال في روايته بدل قول هشام: ((فتعين صانعاً، أو تصنع لأخرق)) ((فَتُعِينُ الصَّانِعَ، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ) فذكر ((الصانع)) معرّفاً. (١) راجع: ((الفتح)) ١٧٨/٥. ٦٥١ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٩) [تنبيه]: روايةُ الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: (٢٠٥٢٤) - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، عن عروة، عن أبي مُراوح الغِفَاريّ، عن أبي ذرّ، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّ، فسأله، فقال: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله))، فقال: أيُّ الْعَتَاقة أفضل؟ قال: (أَنْفَسُها))، قال: أفرأيتَ إن لم أجد؟ قال: ((فتعين الصانع، أو تصنع لأخرق))، قال: أفرأيتَ إن لم أستطع؟ قال: ((فَدَع الناس من شرّك، فإنها صدقة، تَصَدَّق بها عن نفسك)) (١)، وكذا ساق هذه الرواية أبو عوانة في ((مسنده)) (١٨٠) إلا أنه وقع عنده: ((فتُعين الضائع)) بالضاد المعجمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٥٩] (٨٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ، أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ: أَبُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَبِّ؟ قَالَ: ((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَمِّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ))، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّ إِرْعَاءً عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور أول الباب. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القُرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان، واسمه فَيْرُوز، ويقال: (١) أي على نفسك، فـ(عن)) بمعنى ((على))، ووقع في ((مصنّف عبد الرزاق)) رقم (٢٠٩٨) بلفظ: ((على نفسك)). ٦٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان خاقان، ويقال: عمرو أبو إسحاق الشيبانيّ مولاهم الكوفي، وقيل: مولى ابن عباس، والأول أصح، ثقة، [٥]. رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وزِرَ بن حُبَيش، وأشعث بن أبي الشعثاء، وبكير بن الأخنس، وجَبَلَة بن سُحَيم، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي بردة بن أبي موسى، وابنه سعيد بن أبي بردة، وأبي الزناد، وعبد الله بن شداد بن الهاد، والوليد بن العيزار، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، وعاصم الأحول، وهو من أقرانه، وإبراهيم بن طهمان، وأبو إسحاق الفزاريّ، والثوريّ، وشعبة، والمسعوديّ، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وأبو بكر، والحسن ابنا عَيّاش، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وابن إدريس، وعباد بن العوام، وخالد بن عبد الله، وعليّ بن مُسْهِر، والعوّام بن حَوْشَب، ومحمد بن فُضيل، وأبو عوانة، وأسباط بن محمد، وجعفر بن عون، وهو خاتمة أصحابه. قال الْجُوزَجانيّ: رأيت أحمد يُعجبه حديث الشيباني، وقال: هو أهل أن لا نَدَعَ له شيئاً، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقة، من كبار أصحاب الشعبيّ، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الأخنسيّ، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كان الشيبانيّ فقيه الحديث، وقال ابن عبد البر: هو ثقة حجة عند جميعهم، وحَكَى الخطيب في ((المتفق)) أن اسم أبيه مِهْرَان. وقال يحيى بن بكير: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (٣٨)، وقال ابن نُمَير: مات سنة (٣٩)، وقال البخاريّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتب (٣٤) حديثاً. ٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَار) بن حُرَيث العبديّ الكوفيّ، ثقة [٥]. رَوَى عن أبيه، وأنس، وعكرمة، وأبي عمرو الشيبانيّ. ورَوَى عنه يونس بن أبي إسحاق، وأبو يعفور الصغير، ومالك بن مِغْوَل، وإسرائيل، والمسعوديّ، وشعبة، وغيرهم. ٦٥٣ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٩) قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: كوفي ثقة. أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتب هذا الحدیث فقط، کرره أربع مرّات. ٥ - (سَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ، أَبِو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ مخضرَمٌ [٢]، مات سنة (٩٨) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٩. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حَبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن، الصحابيّ المشهور بظلاله تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وغير الوليد بن العيزار، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، والسؤال. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الشيبانيّ، عن الوليد، عن أبي عمرو الشيبانيّ، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة. ٦ - (ومنها): أن الوليد بن الْعَيْزار روى عن الشيباني، وروى عنه الشيبانيّ، وهذا مما يُعتنى بمعرفته، فقد ذكره المحدّثون في كتب مصطلح الحديث، ونبّهوا على أن معرفته مهمّة؛ لكونه مما يوهم وقوع القلب والتكرار في السند، فقال السيوطيّ في ((ألفية الحديث)): يَرْفَعُ وَهْمَ الْقَلْبِ وَالنَّكْرَارِ أَوْ شَيْخَهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ الْجَارِي وَمُسْلِمٌ رَوَى عَنْهُ فَقَسِّمِ مِثْلُ الْبُخَارِي رَاوِيَا عَنْ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَيْزَارٍ عَنِ الشَّيْبَانِي وَفِي ((الصَّحِيحِ)) قَدْ رَوَى الشَّيْبَانِي فمسلم شيخ البخاريّ، فهو مسلم بن إبراهيم الأزديّ الفراهيديّ البصريّ، ٦٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ومسلم الراوي عن البخاريّ، فهو صاحب ((الصحيح))، و((الشيبانيّ)) الأول، هو سليمان بن فيروز، والثاني سعد بن إياس، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن أبا عمرو الشيبانيّ مخضرم، معمّر عاش مائة وعشرين سنة، قال الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) عقب هذا الحديث: أبو عمرو الشيباني كان من المخضرمين، والرجل إذا كان في الكفر ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، يُدعَى مخضرماً. انتهى (١). ٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد السابقين إلى الإسلام، ومن فقهاء الصحابة ﴿ه، وممن كان مشهوراً بتجويد القرآن، أثنى عليه النبيّ ◌َّ بذلك، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود أن أبا بكر وعمر ﴿ه بَشّراه أن رسول الله وسلم قال: ((من أحب أن يقرأ القرآن غَضّاً كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد))، وفي ((الصحيحين)) أنه وَّل قال: ((خذوا القرآن من أربعة ... ))، فذكره فيهم، وفيهما أيضاً أنه وَّ قال له: (اقرأ عليّ، فقرأ عليه سورة النساء ... ))، وكان رضُّه صاحب سرّ رسول الله وَل، ونعله، وطهوره ووساده في سفره وَّ، ومناقبه ظُهُ جمّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ◌َله أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ﴾ إنما سأل ظُبه عن أفضل الأعمال؛ طلباً لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها، وحرصاً على علم الأصل؛ ليتأكّد القصد إليه، وتشتدّ المحافظة عليه، قاله ابن دقيق العيد(٢). (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟) وفي رواية أبي يعفور التالية: ((قلت: يا نبيّ الله أيُّ الأعمال أقرب إلى الجنّة؟))، وفي رواية شعبة الآتية: ((أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟))، و((أي العمل أحب إلى الله))، وعزا في ((الفتح)) الرواية الأولى لأكثر الرواة، قال: فإن كان هذا اللفظ هو المسؤول به، فلفظ حديث الباب - يعني لفظ: ((أيّ العمل أحبّ إلى الله)) - ملزوم عنه. (١) ((صحيح ابن حبان)) بترتيب ابن بلبان ٣٤١/٤ - ٣٤٢ رقم الحديث (١٤٧٧). (٢) ((إحكام الأحكام)) بنسخة الحاشية ٦/٢ - ٧. ٦٥٥ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٩) قال: ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن لفظ أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد: من أفضل الأعمال، فحذفت ((من))، وهي مرادة. وقال ابن دقيق العيد: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذٍ بينه وبين حديث أبي هريرة ربه: ((أفضل الأعمال إيمان بالله ... )) الحديث . وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنه يتوقف على إذن الوالدين، فيكون برّهما مقدماً عليه. انتهى (١). وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ((الأعمال)) هنا لعلها محمولة على الأعمال البدنيّة، كما قال الفقهاء: أفضل عبادات البدن الصلاة، واحترزوا بذلك عن عبادة المال، وقد تقدّم لنا كلام في العمل، هل يتناول عمل القلب، أم لا؟، فإذا جعلناه مخصوصاً بأعمال البدن تبيّن من هذا الحديث أنه لم يُرد أعمال القلوب، فإن من عملها ما هو أفضل كالإيمان، وقد ورد في بعض الأحاديث(٢) ذكره مصرّحاً به - أعني الإيمان - فتبيّن بذلك الحديث أنه أريد بالأعمال ما يدخل فيه أعمال القلوب، وأريد بها في هذا الحديث ما يختصّ بعمل الجوارح. انتهى(٣). (١) ((الفتح) ١٣/٢. (٢) هو حديث أبي هريرة ربه المتقدّم أول الباب، وهو متّفقٌ عليه. (٣) ((إحكام الأحكام)) بنسخة الحاشية ٧/٢ - ٨. ٦٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (قَالَ) وَهِ ((الصَّلَاةُ) مبتدأ حُذف خبره؛ لدلالة السؤال عليه، كما قال في «الخلاصة)» : وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ ((زَيْدٌ)» بَعْدَ «مَنْ عِنْدَكُمَا؟)» أي أفضل العمل إلى الله تعالى الصلاة لوقتها . وقوله: (لِوَقْتِهَا))) قال القرطبيّ: هذه اللام للتأقيت، كما قال تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، و﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]، أي عند ذلك، كما قال في الرواية الآتية: ((الصلاة على مواقيتها)). انتهى(١). وقال الطيبيّ: اللام فيه مثلها في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي مستقبلات لعدّتهنّ، وقولك: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبل الثلاث، وليست كما في قوله تعالى: ﴿أَفِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، و﴿قَدَّمْتُ لِحَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤] بمعنى الوقت؛ لئلا يتكرّر الوقت. (٢) انتھی(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد الطيبيّ بكلامه هذا الردّ على قول القرطبيّ السابق من أن اللام للتوقيت، وأجاد في ذلك، ولكنه حملها على معنى فاسد؛ لأنه يؤدّي إلى أن يكون المراد إيقاع الصلاة قبل الوقت؛ لأن هذا هو معنى الآية التي مثّل بها؛ فإن تطليق المرأة لا يكون إلا قبل وقت العدّة، وهذا في الصلاة معنى فاسد، فالأولى أن تكون اللام بمعنى ((في))، أي في وقتها، أو بمعنى ((على))، كما هو الرواية الآتية، وهو راجع إلى معنى ((في)»، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن بطال رحمه الله تعالى: فيه أن البِدَار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شُرِط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. قال الحافظ: وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أوّلاً ولا آخراً، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاءً. (١) ((المفهم)) ٢٧٨/١ - ٢٧٩. (٢) ((الكاشف)» ٨٦٦/٣ - ٨٦٧. ٦٥٧ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٩) وتُعُقِّب بأن إخراجها عن وقتها مُحَرَّم، ولفظ ((أحب)) يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله تعالى من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور، كالنائم، والناسي، فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال، مع كونه محبوباً، لكن إيقاعها في الوقت أحب. [تنبيه]: اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب، وهو قوله: ((على وقتها))، وخالفهم عليّ بن حفص، وهو شيخ صدوق، من رجال مسلم، فقال: ((الصلاة في أول وقتها))، أخرجه الحاكم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريقه. قال الدارقطنيّ: ما أحسبه حفظه؛ لأنه كَبِر وتغير حفظه. قال الحافظ: ورواه الحسن بن عليّ المعمريّ في ((اليوم والليلة)) عن أبي موسى، محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة كذلك، قال الدارقطنيّ: تفرد به المعمريّ، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه، بلفظ: ((على وقتها))، ثم أخرجه الدارقطنيّ عن المحامليّ، عن أبي موسى، كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظاهر أن المعمريّ وَهِمَ فيه؛ لأنه كان يُحَدِّث من حفظه . وقد أطلق النووي في ((شرح المهذّب)) أن رواية: ((في أول وقتها)) ضعيفة. انتهى. لكن لها طريق أخرى، أخرجها ابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم وغيرهما، من طريق عثمان بن عُمر، عن مالك بن مِغْوَل، عن الوليد، وتفرد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مِغْول كرواية الجماعة، كذا أخرجه البخاريّ وغيره، وكأنّ مَن رواها كذلك ظَنَّ أن المعنى واحد. ويمكن أن يكون أخذه من لفظة ((على))؛ لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت، فيتعين أوله. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ١٣/٢ - ١٤. ٦٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [تنبيه آخر]: أخرج الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه))، فقال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدنيّ، عن عبد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَليون: ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله)). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. انتهى، وقال ابن حبّان في ((كتاب الضعفاء)): تفرّد به يعقوب بن الوليد، وكان يضع الحديث، وقال أبو حاتم الرازيّ: هو موضوع، وقال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعرف شيئاً يثبُتُ في أوقات الصلاة أولها كذا، وآخرها كذا، يعني مغفرة ورضواناً. (١) انتھی(١). (قَالَ) ابن مسعود رَُّه (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) قال الفاكهانيّ: إنه غير مُنَوَّنٍ؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفةً لطيفةً، ثم يؤتى بما بعده . وقال ابن الجوزيّ: في هذا الحديث ((أيّ)) غير مشدّد منوّنٌ، كذلك سمعتُ من ابن الخشاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه؛ لأنه معربٌ غير مضاف. وتُعُقّب بأنه مضاف تقديراً، والمضاف إليه محذوف لفظاً، والتقدير: ثم أيُّ العمل أحبّ؟، فيوقف عليه بلا تنوين. وقال العينيّ: قال النحاة: إن أيّا الموصولة، والشرطيّة، والاستفهاميّة معربة دائماً، فإذا كانت ((أيّ)) هذه معربةً عند الإفراد، فكيف يقال: إنها مبنيّة عند الإضافة؟، ولَمّا نَقَل عن سيبويه هذا أنكر عليه الزجّاج، فقال: ما تبيّن لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين: هذا أحدهما، فإنه يسلّم أنها تُعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أُضيفت؟. انتهى(٢). وإلى حالة بناء ((أَيّ)) الموصولة أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: وَصَدْرُ وَصْلِهَا ضَمِيرٌ انْحَذَفْ ((أَيٌّ)) كَـ((مَا)) وَأُعْرِبَتْ مَا لَمْ تُضَفْ ذَا الْحَذْفِ ((أَيّاً)) غَيْرُ ((أَيِّ)) يَقْتَفِي وَبَعْضُهُمْ أَعْرَبَ مُظْلَقَا وَفِي (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢١/٥. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٠/٥. (٣٨) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ - حديث رقم (٢٥٩) ٦٥٩ وأشار إلى لزوم إضافتها بقوله: ((أَيّا)) وَإِنْ كَرَّرْتَهَا فَأَضِفِ وَلَا تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفٍ مَوْصُولَةً ((أَيّا)) وَبِالْعَكْسِ الصِّفَهْ أَوْ تَنْوِ الاجْزَا وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ فَمُظْلَقاً كَمِّلْ بِهَا الْكَلَامَا وَإِنْ تَكُنْ شَرْطاً أَوِ اسْتِفْهَامَا (قَالَ) بَرِ ((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ))) إعرابه كسابقه، وفي رواية عند البخاريّ: ((ثم برّ الوالدين)) بزيادة (ثُمّ))، و((البِرّ)) بكسر الباء: الإحسان، قال أهل اللغة: يقال: بَرِرْتُ والدي بكسر الراء، أَبَرُّه بضمها، مع فتح الباء بِرّاً، وأنا بَرِّ به، بفتح الباء، وبارّ، وجمع البَرّ الأَبْرَار، وجمع البارّ الْبَرَرَة. فمعنى بِرّ الوالدين: الإحسان إليهما، وفِعْلُ الجميل معهما، وفِعْلُ ما يَسُرُّهما، ويَدْخُل فيه الإحسان إلى صديقهما، كما جاء في ((الصحيح)): ((إنّ من أَبَرِّ الْبِرّ أن يَصِلَ الرجلُ أهلَ وُدّ أبيه))، وضد الْبِرّ العقوق، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تفسيره، قاله النوويّ(١). وقال القرطبيّ: معنى بِرّ الوالدين: هو القيام بحقوقهما، والتزام طاعتهما، والرفق بهما، والتذلّل لهما، ومراعاة الأدب معهما في حياتهما، والترحّم عليهما، والاستغفار لهما بعد موتهما، وإيصال ما أمكنه من الخير والأجر لهما. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): قال بعضهم: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿أَنِ آشْكُرْ لِ وَلِوَالِدَيَّكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكأنه أخذه من تفسير ابن عيينة حيث قال: مَن صَلَّى الصلوات الخمس، فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه عقبها، فقد شكر لهما . انتهى(٣). (قَالَ) ابن مسعود ◌َُّه (قُلْتُ: ثُمَّ أَيِّ؟ قَالَ)ِهَ ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)) أي محاربة الكفّار؛ لإعلاء كلمة الله رم، وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال. رَُّه (فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال ابن مسعود (١) ((شرح مسلم)) ٧٦/٢. (٣) ((الفتح)) ١٤/٢. (٢) ((المفهم)) ٢٧٩/١. ٦٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان كذا هو في الأصول: ((تركتُ أستزيده)) من غير لفظ ((أَنْ)) بينهما، وهو صحيح، وهي مرادة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حذف ((أن)) ورفع الفعل واقع في فصيح الكلام، كما هو مذهب الأخفش من النحاة، وهو ظاهر مذهب ابن مالك في (شرح التسهيل))(٢)، وليس شاذّاً، كما ادّعاه بعض النحاة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية؛ إذ تقديره: ((أن يريكم ... إلخ))، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنِّيَّ أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] الآية، أي أن أعبد، وقولهم: ((تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه))، أي أن تسمع، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)) بقوله: وَشَذَّ حَذْفُ ((أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى فقوله: ((وشذّ ... إلخ)) إشارة أنه إنما يكون شاذّاً إذا نُصب الفعل بعد حذفها، وأما إذا رُفع كهذه الأمثلة فلا شذوذ، وهذا هو الأصحّ، فقول بعض النحاة: إنه شاذّ مع الرفع مردود بالآيتين السابقتين، وحديث الباب، ونحو ذلك من الأمثلة، فتفطّن، فإنه مهمّ جدّاً، والله تعالى أعلم. (إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ) بكسر الهمزة، إسكان الراء، وبالعينِ المهملة، والمدّ في آخره: أي إلا إبقاءً عليه، ورفقاً به؛ كي لا أُكثر عليه، فأُحرجه، وأنتقص من حُرمته، قال صاحب ((الأفعال))(٣): الإرعاء: الإبقاء على الإنسان، ففيه من الفقه احترام العالم والفاضل، ورعاية الأدب معه، وإن وَثِقَ بحلمه وصَفْحِه، قاله القرطبيّ(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظ به هذا متّفقٌ عليه. (١) ((شرح مسلم)) ٧٦/٢. (٢) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٨٣/٢. (٣) هو: علي بن جعفر المعروف بابن القطّاع، عالم بالأدب واللغة، تُوفّي سنة (٥١٥هـ). (٤) ((المفهم)) ٢٧٩/٢.