Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
إلا الله دخل الجنة، من مات، وهو يَعْلَم أن لا إله إلا الله، دَخَلَ الجنّة، ولا
يَلْقَى الله تعالى عبد بهما غير شاكٌ، فيحجبَ عن الجنة))، وحديث: ((حَرَّم الله
على النار من قال: لا إله إلا الله))، وغير ذلك.
واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ
فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله وهي: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا
إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فَعَلُوا ذلك عَصَمُوا مني
دماءهم وأموالهم))، وتأولوا قوله ويلشير: ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)) على
معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر، وهي القتل، أو أنه محمول على
المستحلّ، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار، قاله
النوويّ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل، فليس
كلّ من ترك الصلاة كافراً كفراً يخرج به عن الملّة، ويُحكم عليه بالردّة، بل
الذي يظهر أن تارك الصلاة لا يكفر كفراً مخرجاً عن الملّة إلا أن يجحدها، أو
يتركها تركاً كليّاً، أو يُصرّ على الترك، وإن أفضى إلى قتله، وقد رأيت شيخ
الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى، قد فصّلها تفصيلاً حسناً، فقال خلال
تحقيقه لمسألة الإيمان ما حاصله:
ولهذا فَرَضَ متأخرو الفقهاء مسألةً يمتنع وقوعها، وهو أن الرجل إذا كان
مُقِرّاً بوجوب الصلاة، فدُعِي إليها، وامتنع، واستتيب ثلاثاً مع تهديده بالقتل،
فلم يُصَلّ حتى قُتِل هل يموت كافراً أو فاسقاً؟ على قولين.
وهذا الفرض باطلٌ، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله
فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة
من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بَشَرٌ قط، بل ولا يُضرَب أحد ممن يُقِرّ
بوجوب الصلاة إلا صلى، لا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل
ضَرَرٌ عظيم، لا يصبر عليه الإنسان إلا لأمر عظيم، مثل لزومه لِدِين يعتقد أنه
إن فارقه هلك، فيصبر عليه حتى يُقْتَل، وسواء كان الدِّين حقّاً أو باطلاً، إما
(١) ((شرح مسلم)) ٧٠/٢ - ٧١.

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطناً وظاهراً، فلا يكون فعل الصلاة أصعب
عليه من احتمال القتل قط. انتهى (١).
وقال أيضاً في موضع آخر: فأما من كان مصرّاً على تركها لا يصلي قطّ،
ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلماً، بل أكثر الناس
يصلّون تارةً، ويتركونها تارةً، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت
الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في ((السنن))، حديث عبادة
عن النبيّ ◌َّر أنه قال: ((خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة،
من حافظ عليهنّ، كان له عهد عند الله أن يُدخله الجنة، ومن لم يُحافظ عليهنّ
لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له)).
فالمحافظ عليها الذي يُصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي
ليس يؤخّرها أحياناً عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى،
قد يكون لهذا نوافل تكمّل بها فرائضهم، كما جاء في الحديث. انتهى (٢).
وقال في ((شرح العمدة)): فأما إذا لم يُدْعَ، ولم يمتنع فهذا لا يجري عليه
شيء من أحكام المرتدّين في شيء من الأشياء، ولهذا لم يُعلم أن أحداً من
تاركي الصلاة تُرك غسله، والصلاة عليه، ودفنه مع المسلمين، ولا منع ورثته
ميراثه، ولا إهدار دمه بسبب ذلك، مع كثرة تاركي الصلاة في كلّ عصر،
والأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد حَمَل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على
هذا الضرب.
[فإن قيل]: فالأدلّة الدالّة على تكفيره عامّة عُمُوماً مقصوداً، وإن
حملتموها على هذه الصور كما قيل قلّت فائدتها، وإدراك مقصودها الأعظم،
وليس في شيء منها هذه القيود.
[قلنا]: الكفر على قسمين:
[قسم]: تنبني عليه أحكام الدنيا، من تحريم المناكح، والذبائح، ومنع
التوارث، والعقل، وحِلّ الدم والمال، فهذا إنما يثبت لنا كفره إما بقول يوجب
الكفر، أو عمل، مثل السجود للصنم، وإلى غير القبلة، والامتناع عن الصلاة،
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٢١٩/٧.
(٢) ((مجموع الفتاوى)) ٤٩/٢٢.

(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمُ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
٦٠٣
وشبه ذلك، فهذا النوع لا نُرتّبه على تارك الصلاة حتى يحقّق امتناعه الذي هو
الترك؛ لجواز أن يكون قد نوى القضاء فيما بعد، أو له عذر، وشبه ذلك.
[والثاني]: ما يتعلّق بأحكام الآخرة، والانحياز عن أمة محمد عليه،
واللحاق بأهل الكفر، ونحو ذلك، فهذا قد يجوز على كثير ممن يَدّعي
الإسلام، وهم المنافقون الذين أمرُهُم بالكتاب والسنة معلوم الذين قيل فيهم:
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَفْتِسْ مِن نُوْرِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَغَرَّكُمْ
بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٤].
فمن لم يصلّ، ولم يُرد أن يصلي قط، ومات على ذلك من غير توبة،
فهذا تارك الصلاة، مندرج في عموم الأحاديث، وإن لم يظهر في الدنيا حكم
كفره، ومن قال من أصحابنا: لا يُحكم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع، فينبغي
أن يُحمل قوله على الكفر الظاهر، فأما كفر المنافقين، فلا يُشترط له ذلك،
فإن أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط.
فأما إن أخّرها عن وقتها، وفعلها فيما بعدُ فمات، أو كان ممن يلزمه أن
يفعلها فيما بعدُ فمات، فهذا مع أنه فاسقٌ من أهل الكبائر، ليس بكافر،
كالأمراء الذي يؤخّرون الصلاة عن وقتها حتى يخرج الوقت، ولذلك أمرنا
النبيّ وَّ أن نُصلّي معهم النافلة، ولذلك قال ابن مسعود رُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ
صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ [الماعون: ٥]: أخّروها حتى يخرج وقتها، ولو تركوها
لكانوا كفّاراً.
وهذا الضرب كثير في المسلمين، وهم من أهل الكبائر الذين ادّخرت
لهم الشفاعة، وما جاء من الرجاء لمن يتهاون في الصلاة، فإليهم ينصرف،
ولهذا قال النبيّ وَّر: ((ومن لم يُحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد))، ونفيُ
المحافظة لا ينفي الفعل، بخلاف من لم ..... (١) فإنه يكون تاركاً بالكليّة
كما تقدّم.
فأما من يترك الصلاة بعض الأوقات لا يقضيها، ولا ينوي قضاءها، أو
(١) قال محقق الكتاب في الحاشية: فراغ في المخطوط، ولعل تقديره: من لم يصلّ
مطلقاً . اهـ.

٦٠٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يُخلّ ببعض فرائضها، ولا يقضيها، ولا ينوي قضاءها، فمقتضى ما ذكره كثير
من أصحابنا أنه يكفر بذلك، فإن دُعي إليها وامتنع، حُكم عليه بالكفر الظاهر،
وإلا لحقه حكم الكفر الباطن بذلك، ثم إذا صلّى الأخرى صار مؤمناً، كما دلّ
على ذلك قوله وَله: ((من ترك صلاة العصر متعمّداً حبط عمله))، وقوله: ((من
ترك الصلاة عمداً فقد برئت منه الذمّة))، ولا يلزم من ذلك أحكام الكفر في
حقّه، كالمنافقين، والأشبه في مثل هذا أنه لا يكفر بالباطن أيضاً حتى يعزِمَ
على تركها بالكليّة، كما لم يكفر في تأخيرها عن وقتها كما تقدّم من
الأحاديث، ولأن الفرائض تُجبر يوم القيامة بالنوافل، ولأنه متى عزم على
بعض الصلاة فقد أتى بما هو مجرّد إيمان. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله
تعالى(١)، وهو بحث دقيق، وتحرير أنيق(٢) .
وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر خلال تحقيقه لهذه المسألة أيضاً ما
نصّه: وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيراً من الناس، بل أكثرهم في
كثير من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم
تاركيها بالجملة، بل يصلون أحياناً، ويَدَعُون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان
ونفاق، وتَجرِي عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من
الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض، كابن أُبَيّ وأمثاله
من المنافقين، فلأن تَجري على هؤلاء أولى وأحرى.
وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيراً من الفقهاء يَظُنّ أن مَن
قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد رِدّةً ظاهرةً، فلا يرث،
(١) ((شرح عمدة الأحكام)) ٢/ ٩٢ - ٩٣.
(٢) قال الشيخ أبو الحسن في ((سبيل النجاة)) ص٢١٩: وقد نصر هذا المذهب أيضاً
الإمام ابن القيّم تَخْثُ تعالى. انظر: ((الصلاة)) ص ٦٠ - ٨٢، وقوّاه المرداويّ في
((الإنصاف)) ٣٧٨/١، واحتمله الإمام أحمد في حديث: ((بين العبد وبين الكفر ترك
الصلاة))، فقال: فقد يحتمل أن يكون تاركاً أبداً. اهـ. من ((الجامع)) للخلال ٢/
١٣٩٤/٥٤٣، وذهب إليه شيخنا ابن عثيمين ◌َّهُ كما في ((الشرح الممتع)) ٢٦/٢،
و((فتاوى منار الإسلام)) ٩٩/١٣٠/١، وعزاه ابن رشد في ((البيان والتحصيل)) ١٦/
٣٩٣ لأصبغ، وعدّ الإصرار جحوداً، والله أعلم. انتهى.

٦٠٥
(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
ولا يورث، ولا يناكَح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفّروه بالتأويل من
أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف:
مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في
المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكّون في نفاقه،
ومن نزل القرآن ببيان نفاقه، كابن أُبَيّ وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء
ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تُعصَم
دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته. انتهى كلامه
رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
وقد لخّص بعض المحقّقين(٢) كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى،
فقال: المتتبّع لكلام شيخ الإسلام ابن تيميّة في هذه المسألة يجد الآتي:
١ - أن شيخ الإسلام يكفّر من جحد وجوب الصلاة وإن صلى، وعلى
هذا إجماع أهل العلم كما نقله غير واحد.
٢ - أن من أقرّ بوجوبها، لكنه لم يلتزمها، أي يقرّ بأنها لازمة له، فهو
كافرٌ أيضاً اتفاقاً، وانظر: ((مجموع الفتاوى)) (٩٧/٢٠ - ٩٨).
٣ - أن من أقرّ بوجوبها، والتزمها، لكنه لم يفعلها بالكلّة، فمات، ولم
يسجد لله سجدةً، فهو كافر أيضاً باطناً، طالما أنه يُدْعى إليها، ويُصرّ على
الترك، ويرضى بالقتل، انظر: ((شرح العمدة)) (٩٤/٢) مع أنه قد أطلق التكفير،
أي في الظاهر والباطن في غير هذا الموضع، انظر: ((مجموع الفتاوى)) (٢٢/
٤٩) إلا أن يُحمل كلامه هنا على أنه أراد الكفر الباطن، لا الظاهر، فيلتئم
الكلام إذاً، والله أعلم.
قال الجامع: هذا التأويل متعيّنٌ؛ لأن شيخ الإسلام قد صرّح به في كثير
من المواطن، فينبغي حمل ما أطلقه عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - أنه إذا دُعي إلى الصلاة، وأصرّ على تركها، حتى قُتل، فهو كافر ظاهراً
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٧/ ٦١٧.
(٢) هو الشيخ الفاضل أبو الحسن المصريّ، ثم اليمانيّ في كتابه ((سبيل النجاة في بيان
حكم تارك الصلاة)) ص٢٢٩.

٦٠٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وباطناً، كما مرّ في غير موضع، وانظر: ((مجموع الفتاوى)) (٤٨/٢٢ - ٤٩).
٥ - أن من أقرّ بوجوبها، ولم يفعلها بالكليّة، لكنه عازم على القضاء،
فلا يُكفّر باطناً، ولا ظاهراً، كما في ((شرح العمدة)) (٩٤/٢). انتهى(١)، وهو
تفصيلٌ حسنٌ جدّاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي(٢) أن تارك الصلاة
متعمّداً كافر مطلقاً، كما وردت النصوص الصحيحة الصريحة بذلك، لكن كفره
يختلف، فمنه ما يكون كفراً دون كفر، ومنه ما يكون كفراً مخرجاً عن الملّة
فلا بدّ من تفصيله، على الوجه المذكور.
والحاصل أن تارك الصلاة عمداً كافرٌ يُقاتل على تركها، لكن إن كان
مقرّاً بوجوبها، بل أحياناً يصلي بعضها، فيكون كفره كفراً دون كفر، وإن كان
جاحداً لوجوبها، فهو كافر مطلقاً بلا خلاف، وإن كان مقرّاً بوجوبها إلا أنه
تارك لها تركاً كلّاً عازماً على تركها فهو كافرٌ مطلقاً أيضاً، وإن كان يصلي
بعضاً، ويترك بعضاً، ودعاه الإمام أو من أمره إلى الصلاة، فأبى، وأصرّ على
الترك حتى قُتل، فإنه يكون كافراً مطلقاً أيضاً؛ لأن إصراره على تركها حتى
يُقتل دليل على عدم إقراره بوجوبها، وأما إذا تركها، ولم يُدْعَ إليها، ولم يصرّ
على تركها حتى القتل، فإنه يكون كافراً ظاهراً، لا باطناً، فيرث ويورث،
ويُدفن في مقابر المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم من امتنع من فعل
بقيّة الأركان غير الشهادتين :
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة دَخَّهُ: قد تنازع العلماء في تكفير من يترك
شيئاً من هذه الفرائض الأربع - يعني الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ - بعد
(١) راجع: ((سبيل النجاة في بيان حكم تارك الصلاة)) للشيخ الفاضل أبي الحسن
المأربيّ.
(٢) قد سبق لي أن رجّحت في ((شرح النسائيّ)) أن تارك الصلاة كافر، يُقتل، ولكن
كفره كفر دون كفر، من غير تفصيل، ثم ترجّح لديّ الآن التفصيل الذي ذكرته هنا،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
٦٠٧
الإقرار بوجوبها، فأما الشهادتان، إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق
المسلمين، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير
علمائها، وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة، كجهم والصالحيّ،
وأتباعهما، إلى أنه إذا كان مُصَدِّقاً بقلبه كان كافراً في الظاهر دون الباطن، وقد
تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام، لم يقله أحد
من الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر، بل وغيره،
وأن وجود الإيمان الباطن تصديقاً وحُبّاً وانقياداً بدون الإقرار الظاهر ممتنع.
وأما الفرائض الأربع، فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة،
فهو كافر، وكذلك مَن جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر
تحريمها، كالفواحش، والظلم، والكذب، والخمر، ونحو ذلك، وأما مَن لم
تَقُم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم
تبلغه فيها شرائع الإسلام، ونحو ذلك، أو غَلِطَ فظَنّ أن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات يُستثنَوْن من تحريم الخمر، كما غَلِطَ في ذلك الذين استتابهم
عمر رَُّته، وأمثال ذلك، فإنهم يُستتابون، وتُقام الحجة عليهم، فإن أصرُّوا
كفروا حينئذ، ولا يُحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يَحكُم الصحابة
بکفر
قُدامة بن مظعون وأصحابه لَمّا غَلِطُوا فيما غَلِطوا فيه من التأويل.
وأما مع الإقرار بالوجوب، إذا ترك شيئاً من هذه الأركان الأربعة، ففي
التكفير أقوال للعلماء، هي روايات عن أحمد:
[أحدها]: أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحجّ، وإن كان في
جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عَزَمَ على تركه بالكلية كَفَرَ، وهذا قول
طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد، اختارها أبو بكر.
[والثاني]: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك، مع الإقرار بالوجوب، وهذا
هو المشهور عند كثير من الفقهاء، من أصحاب أبي حنيفة، ومالك،
والشافعيّ، وهو إحدى الروايات عن أحمد، اختارها ابن بَطّة وغيره.
[والثالث]: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد،
وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعيّ، وطائفة من
أصحاب أحمد.

٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[والرابع]: يكفر بتركها، وترك الزكاة فقط.
[والخامس]: يكفر بتركها وترك الزكاة، إذا قاتل الإمامَ عليها، دون ترك
الصيام والحج، وهذه المسألة لها طرفان:
[أحدهما]: في إثبات الكفر الظاهر.
[والثاني]: في إثبات الكفر الباطن، فأما الطرف الثاني، فهو مبنيّ على
مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً
إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش
دهره لا يسجد لله سجدةً، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاةً، ولا
يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا
مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار،
خَشِعَةٌ أَضَرُهُ
كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
[القلم: ٤٢، ٤٣]، وقد ثبت في
٤١
تَرْهَقُهُمْ زِلٌَّ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِمُونَ(
((الصحيحين)) وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما ﴿ه في
الحديث الطويل، حديث التجلي: أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سَجَد
له المؤمنون، وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة مثل الطبق، لا
يستطيع السجود، فإذا كان هذا حال من سجد رياءً، فكيف حال من لم يسجد
قط؟ وثبت أيضاً في ((الصحيح)): أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع
السجود، فإن الله حَرّم على النار أن تأكله، فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله
النار كله، وكذلك ثبت في ((الصحيح)) أن النبيّ وَّهُ يَعْرِف أمته يوم القيامة غُرّاً
محجلين من آثار الوضوء، فدلّ على أن من لم يكن غُرّاً محجلاً لم يعرفه
٤٦
النبيّ وَّ، فلا يكون من أمته، وقوله تعالى: ﴿كُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِلًا إِنَّكُ تُجْزِمُونَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرَكَعُواْ لَا يَزَّكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٨]،
وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِيِنَ ◌َ
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ [٨] بَلِ
٢٣ ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢٣]،
الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ﴿َ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ (
[القيامة: ٣١،
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَ صَدَّقَ وَلَا صَلَى ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
٤٣
(٨) قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ
٣٢]، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَڪَكُمْ فِ سَقَرَ
٤٦
حَتَّة
وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَّوْمِ اُلْدِينِ
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴿﴿ وَكُنَّا تَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ

(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْم الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
٦٠٩
12﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، فوصفه بترك الصلاة كما وصفه بترك
أَتَلِنَا أَلْيَقِيْنُ
التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي، والمتولي هو العاصي الممتنع من
الطاعة، كما قال تعالى: ﴿سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ نُقَدِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن
تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرً حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
[الفتح: ١٦]، وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، وكذلك
قرن التكذيب بالتولي في قوله: ﴿أَرَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىّ ﴿﴿ أَوْ أَمَرَ بِلنَّقْوَى
كَلَّا لَبِ لَّمْ بَهِ لَنَسْفَمَا بِالنَّاصِيَةِ ﴿ فَاصِيَةٍ
أَرَيْتَ إِن كَذَّبَ وَّ ٣ أَلَمْ يَعْلَ بِأَنَّ الَّهَ يَرَ (3)
كَفِيَةٍ خَاطِئَةِ ﴾ [العلق: ١١ - ١٦]، وأيضاً في القرآن علق الأُخُوَّة في الدين
على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما عَلَّق ذلك على التوبة من الكفر فإذا
انتَفَى ذلك انتفت الأخوّة، وأيضاً فقد ثبت عن النبيّ وَلقر أنه قال: ((العهد الذي
بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر))، وفي ((المسند)): ((من ترك الصلاة
مُتَعَمِّداً فقد برئت منه الذمة))، وأيضاً فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يُعَبَّر
عنهم بها، فيقال: اختَلَفَ أهل الصلاة، واختَلَف أهل القبلة، والمصنفون
المقالات المسلمين، يقولون: مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين، وفي
(الصحيح)): ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم،
له ما لنا، وعليه ما علينا))، وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة.
وأما الذين لم يُكَفِّروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي
متناولة للجاحد، كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد، كان جواباً
لهم عن التارك، مع أن النصوص عَلَّقَت الكفر بالتولي كما تقدم، وهذا مثل
استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة، كقوله وَله: ((من شهد أن لا إله
إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها
إلى مريم وروح منه، أدخله الله الجنة))، ونحو ذلك من النصوص.
وأجود ما اعتمدوا عليه قوله وَّ: ((خمسُ صلوات كتبهن الله على العباد في
اليوم والليلة، فمن حافظ عليهنّ، كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم
يحافظ عليهنّ، لم يكن له عند الله عهدٌ، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة))،
قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافرُ لا يكون تحت المشيئة، ولا
دلالة في هذا، فإن الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظةُ فعلها في أوقاتها كما أُمِر،

٦١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
كما قال تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وعدم
المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخّر النبيّ وَيّ صلاة العصر يوم
الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات، وقد
٤ ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
قال تعالى :
[مريم: ٥٩]، فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن
وقتها، فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفاراً، وكذلك
قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِِّنَ جَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾﴾ [الماعون: ٤، ٥]،
ذمهم مع أنهم يصلون لأنهم سَهَوْا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت، وإتمام
أفعالها المفروضة، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن النبيّ وَّ أنه قال: ((تلك
صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يَرْقُب الشمس حتى إذا
كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً))، فجعل هذه
صلاة المنافقين؛ لكونه أخّرها عن الوقت، ونقرها، وقد ثبت في ((الصحيح)) عن
النبيّ ◌َّ أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما يُنكَر، وقالوا: يا رسول الله، أفلا
نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوا))، وثبت عنه وَليل أنه قال: ((سيكون أمراء يؤخرون
الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة))، فنَھَی
عن قتالهم إذا صَلَّوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وبَيَّن
أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها، لا تركها .
وإذا عُرِف الفرق بين الأمرين، فالنبيّ وَله إنما أدخل تحت المشيئة من لم
يحافظ عليها، لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صَلَّوا، ولم يحافظوا
عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو تناول ذلك قُتِلوا كفاراً مرتدين بلا ريب،
ولا يُتَصَوَّر في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه مُقِرّاً بأن الله أوجب عليه الصلاة،
ملتزماً الشريعة النبيّ وَّر، وما جاء به، يأمره وليّ الأمر بالصلاة، فيمتنع حتى يُقْتَل،
ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن قط، لا يكون إلا كافراً، ولو قال: أنا مُقِرّ بوجوبها
غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه، كما لو أخذ يُلقي
المصحف في الْحُشّ، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيّاً من
الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان
القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي، مع هذه الحال، كان كاذباً فيما أظهره من القول.

٦١١
(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
فهذا الموضع ينبغي تدبُّره، فَمَن عَرَف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه
الشبهة في هذا الباب، وعَلِمَ أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقرّ بالوجوب،
وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي
دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على مَن جَعل الإرادة الجازمة مع
القدرة التامة، لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا
من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من
الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب
التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواءٌ جُعِل الظاهر من لوازم
الإيمان، أو جزءاً من الإيمان، كما تقدم بيانه.
وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ويترك بعضها، كان معه
من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان
ونفاق، كما ثبت عنه في ((الصحيح)) أنه وَلّ قال: ((أربع من كُنّ فيه كان منافقاً
خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها :
إذا حَدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).
وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيراً من الناس، بل أكثرهم في
كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها
بالجملة، بل يصلون أحياناً ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري
عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه
الأحكام إذا جَرَت على المنافق المحض، كابن أُبيّ وأمثاله من المنافقين، فلأن
تَجْرِي على هؤلاء أولى وأحرى.
وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيراً من الفقهاء يَظُنّ أن مَن
قيل: هو كافرٌ، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتدّ ردةً ظاهرةً، فلا يَرِث،
ولا يورث، ولا يناكَح، حتى أَجْرَوا هذه الأحكام على مَن كَفّروه بالتأويل، من
أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف:
مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في
المنافقين مَن يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل مَن لا يشكّون في نفاقه،
ومَن نَزَل القرآن ببيان نفاقه، كابن أُبيّ وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء

٦١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تُعْصَم
دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.
ولَمّا خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب ظُه، واعتزلوا جماعة
المسلمين، قال لهم: إن لكم علينا أن لا نَمْنَعكم المساجد، ولا نمنعكم
نصيبكم من الفيء، فلَمّا استحلوا قتل المسلمين، وأخذ أموالهم، قاتلهم بأمر
النبيّ وَل حيث قال: ((يَحْفِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم،
وقراءته مع قرائتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يَمْرُقون من الإسلام
كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً
عند الله لمن قتلهم يوم القيامة))، فكانت الحرورية قد ثَبَت قتالهم بسنة النبيّ وََّ،
واتفاق أصحابه، ولم يكن قتالهم قتالَ فتنة، كالقتال الذي جرى بين فئتين
عظيمتين من المسلمين، بل قد ثبت عن النبيّ ◌َّ في الحديث الصحيح الذي
رواه البخاري، أنه قال للحسن ابنه: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين
فئتين عظيمتين من المسلمين))، وقال في الحديث الصحيح: ((تَمْرُق مارقة على
حين فرقة من المسلمين، فتقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ))، فدَلَّ بهذا على أن
ما فعله الحسن من ترك القتال، إما واجباً أو مستحبّاً لم يمدحه النبيّ وَّ على
ترك واجب أو مستحب، ودَلّ الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج،
وهم عليّ وأصحابه، كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتال
الخوارج أمر به النبيّ وَ طّ ليس قتالهم كالقتال في الجمل وصفين، الذي ليس
فيه أمر من النبيّ ◌َل﴾ .
والمقصود أن علي بن أبي طالب وغيره من أصحابه ﴿ه لم يَحْكُموا
بكفرهم، ولا قاتلوهم حتى بدؤوهم بالقتال.
والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء، وتخليدهم في النار،
وما من الأئمة إلا مَن حُكي عنه في ذلك قولان، كمالك، والشافعيّ، وأحمد،
وغيرهم، وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي
تخليدهم حتى التزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وفي هذا من الخطأ
ما لا يُخْصَى، وقابله بعضهم، فصار يَظُنّ أنه لا يُظْلَق كفر أحد من أهل
الأهواء، وإن كانوا قد أَتَوا من الإلحاد، وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.

٦١٣
(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفراً، كمقالات الجهمية، الذين
قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى في الآخرة، ولكن قد يَخفى على بعض
الناس أنه كُفْرٌ، فيُطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: القرآن
مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يُكَفَّر
الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جَحَد وجوب الصلاة
والزكاة، واستحل الخمر والزنا، وتأَوَّل، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين
أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوِّل المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا
بعد البيان له، واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر،
ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يُخَرَّج الحديث الصحيح في الذي قال:
((إذا أنا مُتُّ، فأحرقوني، ثم اسحقوني، في اليمّ، فوالله لئن قدر الله عليّ
ليعذبني عذاباً ما عذّبه أحداً من العالمين))، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له
من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حَرّقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا
الموضع.
[فإن قيل]: فالله قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيتين من القرآن،
فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن
مجاهدته؟ .
[قيل]: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق، لابد أن يَظْهَر موجبه في
القول والعمل، كما قال بعض السلف: ما أَسَرَّ أحد سريرةً إلا أبداها الله على
صفحات وجهه، وفَلَتات لسانه، وقد قال تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ
لَأَرَبْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي ◌َحْنِ الْقَوْلِّ﴾ [محمد: ٣٠]، فإذا أظهر
المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات، ما يستحق عليه العقوبة عوقب
على الظاهر، ولا يعاقب على ما يُعْلَم من باطنه بلا حجة ظاهرة، ولهذا كان
النبيّ وَّهِ يعلم من المنافقين مَنْ عَرَّفه الله بهم، وكانوا يحلفون له، وهم
كاذبون، وكان يَقْبَل علانيتهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله، وأساس النفاق الذي
بني عليه، وإن المنافق(١) لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه،
(١) هكذا النسخة، ولعل الأولى حذف الواو، وأنه خبر ل((أساسُ))، والله تعالى أعلم.

٦١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب، كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى:
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وأمثال هذا كثير، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلِهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْقَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ
[الحجرات: ١٥] وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
هُمُ الصَّدِّقُونَ (@)
وَالْمَغْرِبِ﴾ [:]، إلى قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وبالجملة فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر
نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في
أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.
وقد تبيّن أن الدين لا بُدّ فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل
مؤمناً بالله تعالى ورسوله وَله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤدِّ واجباً ظاهراً ولا
صلاةً ولا زكاةً ولا صياماً، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله
أوجبها مثل أن يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه،
من غير إيمان بالله ورسوله ولو لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين،
وأهل الكتاب، يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله
ورسوله ◌ّيل مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد وله.
ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء
جعل فعل تلك الواجبات لازماً له، أو جزءاً منه، فهذا نزاع لفظيّ، كان مخطئاً
خطأً بَيِّناً، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلفُ والأئمةُ الكلام في أهلها،
وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروفٌ، والصلاة هي أعظمها،
وأعمّها، وأوّلها، وأجلّها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(١)، وهو
بحثٌ دقيقٌ، وتحقيق أنيقٌ، فتمسّك به، تُرشَدْ سواء السبيل، والله تعالى وليّ
التوفيق، وهو الهادي لأقوم الطريق.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عقوبة تارك الصلاة:
(اعلم): أن القائلين بعدم كفر تارك الصلاة اختلفوا في عقوبته، وأما من
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٧ / ٦٠٩ - ٦٢١.

٦١٥
(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
كفّره، فلا خلاف عندهم في قتله على تفاصيل في قتله - ستأتي إن شاء الله
تعالى -، وقد عزا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى القول بقتله إلى أكثر
السلف(١).
وأما القائلون بعدم كفره، فقد ذهب مالك، والشافعيّ، وجماعة إلى قتل
تارك الصلاة، وإن كان مسلماً عندهم.
وذهب أبو حنيفة، والزهريّ، والْمُزَنيّ من الشافعيّة، وأهل الظاهر إلى أنه
لا يُقتل، ولكن يُحبس، ويُعزّر.
واحتجّ الأولون بأدلّة:
(الأول): قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدتُُّوهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ
سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فأمر بالقتل مطلقاً، واستثنى منه ما إذا
تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فمن لم يفعل ذلك بقي على العموم؛ لأنه
علّق تخلية السبيل على ثلاثة شروط، والحكم المعلّق بشرط ينعدم عند عدمه،
ولأن الحكم المعلّق بسبب عُرِف أنه يدلّ على أن ذلك السبب علّة له، فإذا كان
علّة التخلية هذه الأشياء الثلاثة لم يجُز أن تُخَلَّى سبيلهم دونها. انتهى من
((شرح العمدة)) (٦٠/٢)، وبنحوه مختصراً قاله ابن القيّم في ((الصلاة)) (ص٣١ -
٣٢)، والقرافيّ في ((الذخيرة)) (٤٨٣/٢) وغيرهم.
وأجاب القائلون بعدم قتله بأجوبة:
(منها): أن المراد بذلك الالتزام بالصلاة، لا مجرّد الأداء والفعل(٢).
وأجيب بأن هذا خلاف ظاهر الآية، فإنها ظاهرة في الإقرار والالتزام
والفعل، لا في الالتزام فقط.
(ومنها): أن الآية عامّة في الصلاة والزكاة، وهم لا يرون قتل تارك
الزكاة .
وأجيب بأن الزكاة يمكن أخذها منه بالقوّة، فإن نصب قتالاً قوتل، وإن
(١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٣٠٨/٢٨.
(٢) ((المحلّى)) ٣٧٨/١١.

٦١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أفضى ذلك إلى قتله، بخلاف الصلاة، فلا تكون إلا بإقامته إياها .
(ومنها): ما قاله أبو حيّان في ((البحر المحيط)) (١٣/٥): والظاهر أن
مفهوم الشرط لا ينهض أن يكون دليلاً على تعيين قتل من ترك الصلاة والزكاة
متعمّداً، غير مستحلّ، ومع القدرة؛ لأن انتفاء تخلية السبيل تكون بالحبس
وغيره، فلا يتعيّن القتل. انتهى.
والجواب أن الآية تتكلّم عن قتلهم إن يقوموا بعدّة أمور، فإن لم يقوموا
بها كلّها، فلا يُخلّى سبيلهم من القتل، فليس الكلام مطلقاً؛ فتأمّل.
(الثاني): مارواه عُبيد الله بن عديّ بن الخيار، أن عبد الله بن عديّ
الأنصاريّ حدّثه، أن النبيّ وَلّ بينما هو جالس بين ظهراني الناس، إذ جاءه
رجلٌ يستأذنه أن يُسارّه، فسارّه في قتل رجل من المنافقين، فجهر النبيّ وَل
بكلامه، وقال: ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟)) قال: بلى يا رسول الله، ولا
شهادة له، قال: ((أليس يشهد أني رسول الله؟))، قال: بلى يا رسول الله، ولا
شهادة له، قال: ((أليس يُصلي؟))، قال: بلى، ولا صلاة له، فقال النبيّ وَل:
((أولئك الذين نُهيت عنهم))، وفي رواية: ((عن قتلهم))، أخرجه مالك، وأحمد،
والشافعيّ، وسنده صحيح(١).
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولو كانت الشهادتان موجبة للعصمة
مع ترك الصلاة، لم يسأل النبيّ وَ﴿ عنها، ولم يسقها مع الشهادتين مساقاً
واحداً، وقوله بعد ذلك: ((أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم)» يوجب حصر
الذين نُهي عن قتلهم في هذا الصنف. انتهى (٢).
وأجاب ابن حزم عن هذا بأن هذا استدلال بالمفهوم.
وتُعُقّب بأن الاستدلال بالمفهوم قول المحقّقين من العلماء، كما هو
مبسوط في محلّه من أصول الفقه، فلا التفات إلى ما قاله.
(الثالث): حديث أبي سعيد الخدريّ رَظ ◌ُّه في حديث الخوارج، فقال ذو
الخويصرة التميميّ للنبيّ وَله: يا رسول الله اتّق الله، فقال وَّ: (ويلك، ألست
(١) انظر تخريجه والكلام عليه عند محقّق: ((صحيح ابن حبّان)) ٣٠٩/١٣ و٣١٠.
(٢) (شرح العمدة)) ٦٣/٢ - ٦٤.

(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
٦١٧
أحقّ أهل الأرض أن يتّقي الله؟))، قال: ثم ولّى الرجل، فقال خالد بن الوليد:
يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟، فقال: ((لا لعلّه أن يكون يصلّي)»، قال خالد:
وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله وَ له: ((لم أُومَر أَنْ
أَنْقُب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم))، متّفق عليه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فلما نُهي عن قتله، وعلّل ذلك
باحتمال صلاته، عُلم أن ذاك هو الذي حقَنَ دمه، لا مجرّد الإقرار
بالشهادتين، فإنه قد قال: يا رسول الله، ومع هذا لم يجعل النبيّ وَّ ذلك
وحده موجباً لحقن الدم. انتهى(١).
وتعقّبه ابن حزم كسابقه بأنه مفهوم، وردّ بأنه دليل على الراجح.
(الرابع): حديث الاستئذان في الخروج على الأمراء، فقال النبيّ
((لا ما صلّوا))، أخرجه مسلم.
قال الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: فدلّ أنهم لا يُقاتلون، ولا
يُقتَلون إذا صلّوا الخمس، ودلّ ذلك على أن من لم يُصلّ الخمس قوتل،
وقُتِل. انتهى(٢).
وتُعُقّب بأن الإذن في المقاتلة، ولا يلزم من الإذن فيه الإذن في القتل(٣).
وأجيب بأن المقاتلة قد تُفضي إلى القتل، فلو كان القتل غير مأذون فيه
أصلاً لَمَا أذن في المقاتلة من باب سدّ الذرائع.
(الخامس): قول أبو بكر الصدّيق ◌َُّله: ((لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة
والزكاة ... )) الحديث، متّفقٌ عليه.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وفي هذا إشارة إلى أن قتال
تارك الصلاة أمر مُجمع عليه؛ لأنه جعله أصلاً مقيساً عليه. انتهى (٤).
واحتجّ القائلون بالحبس والتعزير، دون القتل بأدلّة:
(الأول): حديث أبي هريرة ◌َظ ◌ُه أن رسول الله وَ لَه قال: «أُمرتُ أن أقاتل
(١) ((شرح العمدة)) ٦٤/٢.
(٢) ((الاستذكار)) ٣٥١/٥.
(٣) ((الفتح)) ٧٦/١، و((عمدة القاري)) ٢٧٣/١.
(٤) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٣٣/١، وأشار إليه القرافيّ في ((الذخيرة)) ٢٨٣/٢.

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم،
وأموالهم، إلا بحقّها))، متّفقٌ عليه، حيث لم تُذكر فيه الصلاة.
وأجيب بأن الصلاة والزكاة قد ثبت ذكرهما في روايات أخرى، في
((الصحيحين))، فيُحمل المطلق على المقيّد، بل هذا من أدلّة الفريق الأول، كما
لا يخفى على بصير.
(الثاني): حديث ابن مسعود رُّه مرفوعاً: ((لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا
بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق
للجماعة(١)))، متّفقٌ عليه.
وأجيب بأن هذا عامّ، يُخصّص بالأدلّة السابقة(٢).
وأجيب أيضاً بأن مفهوم العدد لا يُعمل به هنا؛ لثبوت أدلّة أخرى بقتل
من عَمِل عَمَل قوم لوط، والمحارب، ونحوهما، وقد ثبتت أدلّة بقتل تارك
الصلاة، وحمله بعضهم على أن التارك لدينه هو تارك الصلاة، وعدّه ابن القيّم
من أدلّة من قال بقتل تارك الصلاة، بل من أقوى الأدلّة في ذلك(٣).
(الثالث): ما ذكره الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى من أن تارك
الصلاة قد كان مؤمناً عند الجميع بيقين، فلا يجب قتله إلا بيقين، ولا يقين مع
الاختلاف، فالواجب القول بأقلّ ما قيل في ذلك، وهو الضرب والسجن، وأما
القتل ففيه اختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات. انتهى(٤).
وأجيب بأن من قتله بالأدلّة السابقة لم يقتله برأي ولا بهوى، والعمل
بغلبة الظنّ معمول به في الشرع، والقول بأنه لا يُقتل إلا بيقين فيه توسّع؛ إذ
ثبت في الشرع أنه لو شهد عدلان على قتل رجل لآخر، يقتل القاتل
(١) [فائدة]: الحكمة من قتل المرتدّ دون الكافر الأصليّ، أنه لو لم يُقتل لكان الداخل
في الدين يخرج منه، فقتله حفظ لأهل الدين وللدين، فإن ذلك يمنع من النقص،
ويمنعهم من الخروج عنه، بخلاف من لم يدخل فيه، أفاده شيخ الإسلام ◌َّثهُ
تعالى. انظر: ((مجموع الفتاوى)) ٢٠/ ١٠٢.
(٢) قاله القرافي في ((الذخيرة)) ٤٨٣/٢، وصاحب ((الشرح الكبير)) ١٨٨/١.
(٤) ((التمهيد)) ٢٤١/٤ - ٢٤٢.
(٣) انظر: ((الصلاة)) ص٣٦.

٦١٩
(٣٧) - بَابُ إِطْلَاقٍ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١)
بشهادتهما، مع أن المتيقّن أنه معصوم الدم قبل القتل، وإنما قُتل بغلبة الظنّ،
وما سبق من أدلّة قتل تارك الصلاة كافٍ للعمل به؛ فتأمّل، والله تعالى أعلم.
واستدلّوا أيضاً بأدلّة أخرى عقليّة، لكنها مما لا يُلتفت إليها؛ لكونها في
مقابلة النصوص السابقة .
وخلاصة القول أن قول من قال بقتل تارك الصلاة بعد استتابته هو
الأرجح؛ لما سبق من الأدلّة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السابعة): في حكم من ترك شرطاً، أو رُكناً من الصلاة عمداً
ذاكراً :
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما من أخلّ بشيء من شرائطها،
وأركانها التي لا يسوغ فيها الخلاف، فهذا بمنزلة التارك لها، فيما ذكره
أصحابنا، كما ثبت في حديث حذيفة بنظُه(٢)، ولأن هذه الصلاة وجودها
كعدمها في منع الاكتفاء بها، فأشبه من آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض.
(٣)
انتھی(٣) .
وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى: حكم ترك الوضوء والغسل من
الجنابة، واستقبال القبلة، وسترة العورة حكم ترك الصلاة، وكذلك حكم ترك
القيام للقادر عليه، وكذلك ترك الركوع والسجود، وإن ترك ركناً أو شرطاً
مختلفاً فيه، وهو يعتقد وجوبه، فقال ابن عقيل: حكمه حكم تارك الصلاة،
ولا بأس أن نقول بوجوب قتله، وقال الشيخ أبو البركات ابن تيميّة: عليه
الإعادة، ولا يُقتل من أجل ذلك بحال، قال ابن القيّم: فوجه قول ابن عقيل:
أنه تارك الصلاة عند نفسه، وفي عقيدته، فصار كتارك الزكاة، والشرط المجمع
(١) وقد أجاد الشيخ الفاضل أبو الحسن المأربيّ في كتابه «سبيل النجاة في بيان حكم
تارك الصلاة)) وساق أدلّة الفريقين، وأطال في ذلك، فجزاه الله خير الجزاء.
(٢) أي حيث قال عندما رأى رجلاً يصلي صلاةً، ولا يتمّ ركوعها، ولا سجودها: ((إن
متّ على هذا متّ على غير الفطرة)).
(٣) ((شرح العمدة)) ٢/ ٩٤.

٦٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عليه، ووجه قول أبي البركات أنه لا يباح الدم بترك المختلف في وجوبه. قال
ابن القيّم: وهذا أقرب إلى مأخذ الفقه، وقول ابن عقيل أقرب إلى الأصول،
فإن تارك ذلك عازم وجازم على الإتيان بصلاة باطلة، فهو كما لو ترك مجمعاً
عليه. انتهى(١).
وقال الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله تعالى في ((أضوائه)): والظاهر أن ترك ما
لا تصحّ الصلاة دونه، كالوضوء، وغسل الجنابة، كتركها، وجحد وجوبه
(٢)
کجحد وجوبها . انتهى
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله أبو البركات أرجح،
فمن ترك ما لا خلاف فيه من الشروط والأركان فهو كمن تركها، وأما من ترك
مختلفاً فيه، فإنه لا يُقتل، بل يؤمر بإعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٥٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ
بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ)).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور في الباب
الماضي.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الْجَرّاح المذكور في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أشار به إلى الإسناد الذي قبله، وهو: ((عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﴿ته)).
وقوله: (مِثْلَهُ) يعني رواية زهير بن حرب مثل رواية أبي بكر بن أبي
شيبة، وأبي ◌ُريب.
(١) انظر: ((الصلاة)) ص ٤٢ - ٤٣.
(٢) ((أضواء البيان)) ٣١١/٤.