Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِتَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥٠) قال: كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم، ويتخطى مجالس قومه، فقال له نافع بن جبير بن مُطعِم: تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب؟ فقال علي: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، وقال حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر: لا أعلم به بأساً إلا أنه يفسر برأيه القرآن ويكثر منه، وقال الساجي: ثنا أحمد بن محمد المعيطي، قال: قال ابن عيينة: كان زيد بن أسلم رجلاً صالحاً، وكان في حفظه شيء، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، تُوُفي قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وقال أبو زرعة: لم يسمع من سعد، ولا من أبي أمامة، قال: وزيدُ بنُ أسلم عن عبد الله بن زياد، أو زياد عن علي مرسل، وقال أبو حاتم: زيد عن أبي سعيد مرسل، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكر ابن عبد البر في مقدمة ((التمهيد)) ما يدل على أنه كان يدلس، وقال في موضع آخر: لم يسمع من محمود بن لبيد. قال خليفة وغير واحد: مات سنة ست وثلاثين ومائة، زاد بعضهم: في العشر الأول من ذي الحجة، وقيل غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثاً. ٦ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن سعد بن أبي سَرْح - بفتح السين المهملة، وسكون الراء، بعدها حاء مهملة - ابن الحارث بن حَبيب بن جَذِيمة بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ القرشيّ العامريّ المكّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمرو، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر. ورَوَى عنه زيد بن أسلم، ومحمد بن عجلان، وسعيد المقبري، وبكير بن الأشجّ، وداود بن قيس الْفَرّاء، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب، وإسماعيل بن أمية، وسعيد بن أبي هلال، وعبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حکِیم، وغيرهم. قال ابن معين والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن يونس: وُلِد بمكة، ثم قَدِمَ مصر مع أبيه، ثم رجع إلى مكة، فلم يزل بها حتى مات. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا الحديث، وحديث (٨٨٩): ((تصدّقوا تصدّقوا ... ))، و(٩٨٥): ((كنا نخرج زكاة ٥٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الفطر ... ))، وكرره خمس مرّات، و(١٠٥٢): ((لا والله ما أخشى عليكم ... ))، و(١٥٥٦): ((تصدّقوا عليه ... )). ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان نيّ المذكور في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له النسائيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين من محمد بن جعفر. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد عن عياض، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: لم يسق المصنّف متن حديث أبي سعيد نظُبه ولا أحاله كعادته، وقد ساقه البخاريّ في ((صحيحه)) من رواية سعيد بن أبي مريم: (٣٠٥) حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد - هو ابن أسلم - عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرج رسول الله وَّر في أضحى، أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: ((يا معشر النساء تصدقن، فإني أُريتكنّ أكثر أهل النار))، فقلنَ: وبم يا رسول الله؟ قال: ((تُكثرن اللعن وتَكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنّ))، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» قلن: بلى، قال: ((فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟)) قلن: بلى، قال: ((فذلكِ من نقصان دينها))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رَضُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: ٥٨٣ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥٠) أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٥٠/٣٦] (٨٠)، ويأتي من طريق آخر في ((العيدين)) (٨٨٩)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣٠٤) و((العيدين)) (١٤٦٢) و((الصوم)) (١٩٥١) و((الزكاة)) (٢٦٥٨)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (١٥٧٦ و١٥٧٩) وفي ((الكبرى)) (١٧٨٥ و١٨٠١)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٢٨٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١/٣ و٣٦ و٤٢ و٥٤ و٥٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٤٢)، و(ابن خزيمة) (١٤٣ و١٤٤٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال : [ ... ] ( .. ) - (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (قُتَيْيَةُ) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر بن إياس السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقة ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٥ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) واسمه ميسرة، مولى المطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَب المخزوميّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن أنس بن مالك، ومولاه المطَّلِب، وعكرمة، وأبي سعيد المقبريّ، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن جبير، والأعرج، وعاصم بن عُمر بن قتادة، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن سُوَيد بن حَيَّان، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، ٥٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ويزيد بن الهاد، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وفضيل بن سليمان، والدَّراوَرْديّ، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: في حديثه ضعفٌ ليس بالقويّ، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال البخاريّ: روى عن عكرمة في قصة البهيمة، فلا أدري سمع أم لا؟ وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه؟ فقال: ليس هو بذاك، حَدَّث عنه مالك بحديثين، رَوَى عن عكرمة، عن ابن عباس: ((من أَتَى بهيمة، فاقتلوه))، وقد رَوى عاصم، عن أبي زرعة، عن ابن عباس: ((ليس على من أتى بهيمة حَدّ))، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: لا بأس به؛ لأن مالكاً يروي عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صاحب مراسيل، وقال عثمان الدارميّ في حديثٍ رواه في الأطعمة: هذا الحديث فيه ضعف؛ من أجل عمرو بن أبي عمرو، وقال ابن حبان في ((الثقات)): ربما أخطأ، يُعْتَبر حديثه من رواية الثقات عنه، وقال العجليّ: ثقة، يُنْكَر عليه حديث البهيمة، وقال الساجيّ: صدوق إلا أنه يَهِمُ، وكذا قال الأزديّ، وقال الطحاويّ: تُكُلُّم في روايته بغير إسقاط، وقال الذهبيّ: حديثه حسنٌ مُنْحَظّ عن الرتبة العُلْيا من الصحيح، قال الحافظ: كذا قال، وحَقُّ العبارة أن يحذف العُلْيا . قال ابن سعد: مات في أول خلافة أبي جعفر، وزيادُ بن ◌ُبيد الله على المدينة . وأَرَّخَ ابنُ قانع وفاته سنة (١٤٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٣٦٥): ((هذا جبلٌ يُحبّنا ونحبه ... ))، و(١٦٤٠): ((إن النذر لا يُقرّب من ابن آدم شيئاً ... ))، و(١٦٤٣): ((اركبها أيها الشيخ ... )). ٦ - (الْمَقْبُرِيُّ) سعيد بن أبي سعيد كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، وكان أبوه مكاتباً لامرأة من بني ليث، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاوراً ٥٨٥ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥٠) لها، ثقة تغيّر قبل موته بأربع سنين(١) [٣]. رَوَى عن سعد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة، وأم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي شُريح، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وعن أبيه أبي سعيد، ويزيد بن هرمز، وأخيه عباد بن أبي سعيد، وعبد الله بن رافع مولى أم سلمة، وخلق كثير. ورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وعبد الحميد بن جعفر، وعبيد الله بن عمر، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطَّلِب وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وخلق كثير. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: سعيد أوثق - يعني من العلاء بن عبد الرحمن -، وقال ابن المدينيّ، وابن سعد، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن خِرَاش: ثقة جليل أثبت الناس فيه الليث بن سعد، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: قد كان تغير وكَبِرَ، واختلط قبل موته، يقال: بأربع سنين، وكان شعبة يقول: ثنا سعيد المقبريّ بعدما كَبِرَ، وقال الواقديّ: اختَلَط قبل موته بأربع سنين. وقال ابن عديّ: إنما ذَكَرته لقول شعبة هذا، وأرجو أن يكون من أهل الصدق، وما تَكَلَّم فيه أحد إلا بخير، وقال البخاري: رَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، فقال: عن أبي سعد، عن أبي شُريح، وقال ابن حبان في ((الثقات)): اختَلَط قبل موته بأربع سنين، وقال الساجي: قال ابن معين: أثبت الناس في سعيدِ ابنُ أبي ذئب، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: هل سمع المقبريّ من عائشة؟ فقال: لا، وذَكَر عبد الحق الإشبيليّ أنه لم يسمع من أم سلمة أيضاً، وقال ابن عساكر: قَدِم الشام مُرابطاً، وحَدّث بساحل بيروت، قال: وقد فَرّق الخطيب بين سعيد بن أبي سعيد الذي حَدّث ببيروت وبين المقبريّ، ووَهِمَ في ذلك(٢). (١) سيأتي الكلام على اختلاطه قريباً. (٢) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ٢٢/٢ ما نصّه: وذكر الحافظ سعد الدين= ٥٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال البخاريّ: مات بعد نافع، وقال نوح بن حبيب: مات سنة (١١٧)، وقال يعقوب بن شيبة وغيره: مات في أول خلافة هشام، وقال ابن سعد وابن أبي خيثمة: مات في آخر خلافة هشام سنة (١٢٣)، وقال أبو عبيد: مات سنة (٢٥)، وقال خليفة: سنة (٢٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثاً. [تنبيهات]: (الأول): أنه اختُلِف في المراد بـ((المقبريّ)) هنا هل هو أبو سعيد المقبريّ أو ابنه سعيد؟، فإن كل واحد منهما يقال له: المقبريّ، وإن كان المقبريّ في الأصل هو أبا سعيد، فقال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ الجيانيّ عن أبي مسعود الدمشقيّ: هو أبو سعيد المقبريّ والد سعيد، قال أبو عليّ: وهذا إنما هو في رواية إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: خالفه سليمان بن بلال، فرواه عن عمرو، عن سعيد المقبريّ، قال الدار قطنيّ: وقول سليمان بن بلال أصحّ. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: رواه أبو نعيم الحارثيّ أن ابن عساكر لم يُصِب في توهيم الخطيب، قد جاء في كثير من = الروايات، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد الساحليّ، عن أنس، والرواية التي وقعت لابن عساكر، وفيها: عن ابن جابر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، كأنها وَهَمٌ من أحد الرواة، وهو سليمان بن أحمد الواسطي، فإنه ضعيفٌ جدّاً، وأن المقبري لم يقل أحدٌ أنه يُدعَى الساحلي، وهذا الساحليّ غير معروف، تفرد عنه ابن جابر، وقد روى ابن ماجه في ((الجهاد))، عن عيسى بن يونس الرَّمليّ، عن محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن خالد بن الصيداوي، ويقال: البيروتي، عن أنس، حديثاً فيحتمل أن يكون سعيد بن أبي سعيد الساحليّ هو سعيد بن خالد هذا، فقد أخرج له ابن ماجه حديثين، من رواية ابن شعيب، عن ابن جابر عنه، فيحتمل أن يكون ابن جابر سقط في حديث سعيد بن خالد، والله أعلم. وفي الرواة سعيد بن أبي سعيد غير هذا أربعة عشر رجلاً، ذكر أكثرهم الخطيب في ((المتفق والمفترق))، وتركتهم تخفيفاً. انتهى كلام الحافظ تَتُهُ تعالى. (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥١) ٥٨٧ الأصفهانيّ في كتابه ((المخرّج على صحيح مسلم)) من وجوه مَرْضيّة، عن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ هكذا مُبَيّناً، لكن رَوَيْناه في ((مسند أبي عوانة: المخرّج على صحيح مسلم)) من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سعيد، ومن طريق سليمان بن بلال عن سعيد، كما سبق عن الدارقطنيّ، فالاعتماد عليه إذاً. انتهى كلام ابن الصلاح(١). وقال الحافظ المزّي رحمه الله تعالى: حديث ((يا معشر النساء تصدّقن ... إلخ)) أخرجه مسلم في ((الإيمان)) ... إلخ، ثم قال: قال أبو مسعود: هو أبو سعيد المقبريّ، وقال ابن الفَلَكيّ: رواه إسماعيل بن أبي أُويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبريّ. انتهى (٢). وكتب الحافظ في ((نكته)): الرواية التي أشار إليها أخرجها أبو عوانة في ((صحيحه المستخرج على صحيح مسلم)) عن محمد بن يحيى، عن إسماعيل بن أبي أويس المذكور، وكذا أخرجها من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، وصرّح بأنه ((عن سعيد المقبريّ))، فبطل ما قاله أبو مسعود، ثم وجدته في ((الإيمان)) لابن منده من طريق أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس كذلك. انتهى كلام الحافظ(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول الحافظ: ((ثم وجدته ... إلخ)) الذي وجدته في ((الإيمان)) لابن منده (٦٨٣/٢) من الوجه الذي ذكره بلفظ (المقبريّ))، ولم يصرّح باسمه، إلا أن يكون لاختلاف النسخ. والحاصل أن الصواب في ((المقبريّ)) في هذا السند - كما أشار إليه الدارقطنيّ في كلامه السابق - أنه سعيد بن أبي سعيد لا أبوه كيسان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص٢٥٩ - ٢٦٠. (٢) (تحفة الأشراف)) ٤٨٢/٩ - ٤٨٣. (٣) ((النكت الظراف)) من هامش ((التحفة)) ٩/ ٤٨٢ - ٤٨٣. ٥٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (التنبيه الثاني): قال الإمام الذهبيّ في ((التاريخ)) في ترجمة سعيد المقبريّ: ثقة لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين، وما أظنّه رَوَى شيئاً في الاختلاط، ولذلك احتجّ به مطلقاً أرباب الصحاح. انتهى. وقال في ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٧/٥): قلت: ما أحسبه رَوَى شيئاً في مدّة اختلاطه، وكذلك لا يوجد له شيء منكر. انتهى. وقال في («ميزان الاعتدال)» (١٤٠/٢): ما أحسب أن أحداً أخذ عنه في الاختلاط، فإن ابن عيينة أتاه فرأى لُعابه يسيل، فلم يَحمِل عنه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه فائدة جليلة، لم أظفَر بها إلا عن هذا الإمام الذي له اليد الطولى في سبر أحوال الرجال، وفَحْص مروياتهم، فتمسّك به ينفعك في مواطن كثيرة، والله تعالى أعلم. (التنبيه الثالث): «الْمَقُريّ» ۔ بضم الباء، وفتحها - وجهان مشهوران فيه، وهي نسبة إلى الْمَقْبُرة، وفيها ثلاث لغات: ضم الباء، وفتحها، وكسرها، والثالثة غريبة، قال إبراهيم الحربيّ وغيره: كان أبو سعيد يَنْزِل المقابر، فقيل له: المقبريّ، وقيل: كان مَنْزِله عند المقابر، وقيل: إن عمر بن الخطاب جعله على حَفْر القبور، فقيل له: المقبريّ، وجَعَلَ نُعيماً على إجمار المسجد، فقيل له: نعيم الْمُجْمِر، واسم أبي سعيد كَيْسان الليثيّ المدنيّ، والله تعالى أعلم(١). ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُه تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢. قوله: (بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ﴾ يعني أن معنى حديث أبي هريرة ◌َظُّه مثل معنى حديث ابن عمر ظها، وإن اختلف لفظهما. [تنبيه]: حديث أبي هريرة به هذا قد ساقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في («مسنده)) (٤٣٧٣/٢)، فقال: (٨٨٦٢) حدثنا سليمان(٢)، أنبأنا إسماعيل، أخبرني عمرو - يعني ابن (١) ((شرح النوويّ)) ٦٩/٢. (٢) هو ابن داود العتكيّ، أبو الربيع الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد الثقة، وإسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير. (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥١) ٥٨٩ أبي عمرو - عن سعيد (١) المقبريّ، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّ انصرف من الصبح يوماً، فأتى النساء في المسجد، فوَقَفَ عليهنّ، فقال: ((يا معشر النساء، ما رأيت من نواقص عقول ودين أذهب لقلوب ذوي الألباب منكنّ، وإني قد رأيتكن أكثر أهل النار يوم القيامة، فتقرّبن إلى الله ما استطعتنّ))، وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود، فأتت إلى عبد الله بن مسعود، فأخبرته بما سمعت من رسول الله وَ ل#، وأخذت حليّاً لها، فقال ابن مسعود: فأين تذهبين بهذا الحليّ؟ فقالت: أتقرب به إلى الله وَت ورسوله(٢)، لعلّ الله أن لا يجعلني من أهل النار، فقال: ويلك هَلُمِّي، فتصدقي به عليّ وعلى وَلَدِي فإنا له موضع، فقالت: لا والله حتى أذهب به إلى النبيّ وَل﴿، فذهبت تستأذن على النبيّ وَ﴿، فقالوا للنبيّ وَلّ: هذه زينب، تستأذن يا رسول الله، فقال: ((أَيُّ الزيانب هي؟)) فقالوا: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال: ائذنوا لها، فدخلت على النبيّ وَّر، فقالت: يا رسول الله، إني سمعت منك مقالةً، فرجعت إلى ابن مسعود، فحدثته، وأخذت حليّاً أتقرب به إلى الله وإليك، رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار، فقال لي ابن مسعود: تصدقي به عليّ وعلى وَلَدي، فإنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن النبيّ و له، فقال النبيّ وَّ: ((تصدقي به عليه وعلى بنيه، فإنهم له موضع))، ثم قالت: يا رسول الله، أرأيتَ ما سمعتُ منك حين وقفتَ علينا: ((ما رأيتُ من نواقص عقول قط ولا دين أذهب بقلوب ذوي الألباب منكنّ))؟ قالت: يا رسول الله، فما نقصان ديننا وعقولنا؟ فقال: ((أما ما ذكرتُ من نقصان دينكنّ، فالحيضة التي تصيبكنّ تمكث إحداكن ما شاء الله أن تمكث لا تصلي ولا تصوم، فذلك من نقصان دينكنّ، وأما ما (١) ووقع في بعض نسخ ((المسند)) بلفظ: ((عن أبي سعيد))، والصواب الأول، فتنبّه. (٢) كتب بعض من حقّق ((المسند)) على هذا، فقال: هذا لفظ منكر، فإنه لا يجوز التقرّب إلى غير الله م بشيء من القربات والطاعات. انتهى. قال الجامع: هذا تعليق منكر، فإن هذا ثبت بهذا الحديث، وغيره، وليس معنى التقرب إلى النبيّ وَ﴿ إلا امتثال أمره، وهذا نظير الطاعة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ذكرتُ من نقصان عقولكن فشهادتكنّ، إنما شهادة المرأة نصف شهادة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى(١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٦/ ٢٥٠]، و(الترمذيّ) (٢٦١٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٥٨٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٠٠٠ و٢٤٦١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٦٧٥ و٦٧٦ و٦٧٧)، و(أبو نعيم) في (المستخرج)) (٢٤٣) و((الحلية)) (٦٩/٢)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٧٢٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾ . (٣٧) - (بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥١] (٨١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَّ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِ، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيْلِي -، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريباً . (١) أي لم يخرجه البخاريّ. ٥٩١ (٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْم الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١) ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) هو: محمد بن خازم الضرير المذكور قريباً. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور قبل باب. ٥ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان المذكور قبل باب. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةً) رَله المذكور في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر فما أخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير أبي صالح وأبي هريرة ◌ُه فمدنيّان. ٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى غير الأعمش، وهو ممن اشتهر باللقب. ٦ - (ومنها): أنه اجتمع فيه الرواة الذين هم أثبت الناس في شيوخهم: أبو معاوية في الأعمش، وهو في أبي صالح، وهو في أبي هريرة رُته. ٧ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن أبي صالح. ٨ - (ومنها): أن صحابيه أحفظ من روى الحديث في دهره نظرته، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهُ أَنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ) أي آية السجدة (فَسَجَدَ) قال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: السجود في اللغة: التذلّل والخضوع، وغايته وضع الجبهة على الأرض، قال ابن السّكّيت: هو الميل، قال زيد الخيل [من الطويل]: بِجَمْعِ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدَاً لِلْحَوَافِرِ ٥٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أي خاضعةً، و((الأُكْم)): الجبال الصغار، جعلها سُجّداً للحوافر؛ لقهر الحوافر إياها، وأنها لا تمتنع عليها، يعني أن الحوافر تطأ الأرض، فتجعل تأثّر الأُكْم للحوافر سُجُوداً، وقال آخر [من المتقارب]: فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسْجَدَتْ سُجُودَ النَّصَارَى لِأَحْبَارِهَا وقال: قال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابيّ من بني أسد: وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا يعني أن البعير طأطأ رأسه لأجلها، ودَرَاهِمُ الأَسْجاد دراهمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال الشاعر [من الكامل]: مِنْ خَمْرِ ذِي نُطَفٍ أَغَنَّ مُنَظَّقٍ وَافَى بِهَا كَدَرَاهِم الأَسْجَادِ (١) ويُطلق السجود أيضاً على الميل، يقال: سجدت النخلة: أي مالت، وسجدت الناقة: طأطأت رأسها، قال ابن السكّيت: أسجد الرجل: إذا طأطأ رأسه، وسجد: إذا وضع جبهته في الأرض، وقال ابن دُريد: أصل السجود: إدامة النظر مع إطراق إلى الأرض. قال القرطبيّ: والحاصل أن أصل السجود: الخضوع، وسُمّيت هذه الأحوال سُجوداً؛ لأنها تُلازم الخضوع غالباً، ثم قد صار في الشرع عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض على نحوٍ مخصوص، والسجود المذكور في هذا الحديث هو سجود التلاوة؛ لقوله: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد)). (٢) ١ ٠ انتھی (اعْتَزَلَ) بالبناء للفاعل، قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أي تباعد، وكلُّ من عَدَلَ إلى جانب، فهو معتزل، ومنه سُمّيت الْفِرْقَةُ الْعَدْليّة معتزلةً، ورُوي أن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى كان يُقرّر يوماً مع أصحابه مسألةً من الأصول، فاعترض عليه جماعة من أصحابه، فلَمّا قام الحسن من مجلسه اعتزل المعترضون إلى ناحية يُقرِّرون تلك المسألة على خلاف قول الحسن، فلما عاد الحسن ورآهم جالسين في ناحية قال: من المعتزلة؟، وفي رواية: فلما تكرّر (١) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٢٧٤/١ - ٢٧٥. (٢) ((المفهم)) ١/ ٢٧٣. (٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١) ٥٩٣ نكيرهم على قول الحسن قال لهم: اعتزلوا عنّا. انتهى كلام الطيبيّ(١). (الشَّيْطَانُ) قال الأبّيّ رحمه الله تعالى: الأظهر في الشيطان أنه إبليس؛ لقوله: ((فأبيتُ))، قال: ولا يمتنع أن يكون بكاؤه حقيقةً لأنه جسم، ولا يتّفق له هذا دائماً؛ لأن ((إذا)) ليست من ألفاظ العموم. انتهى(٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وبكاء إبليس المذكور في الحديث ليس نَدَماً على معصية ولا رجوعاً عنها، وإنما ذلك لفرْطِ حسده وغيظه، وألمه مما أصابه من دخول أحد من ذرّيّة آدم ◌َلَّه الجنّة ونجاته بالسبب الذي عصى هو به، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذان والإقامة ويوم عرفة، على ما يأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى _ (٣). [تنبيه]: قال السمين الحلَبيّ رحمه الله تعالى: ((الشيطان)): المتمرّد من الجنّ، وقال أبو عُبيدة: الشيطان اسم لكلّ عارم من الجنّ والإنس والحيوانات، وقد يُطلَقُ على كلّ قُوّة ذميمة في الإنسان، كما رُوي: ((الحسدُ شيطان، والغضبُ شيطان))(٤)، وذلك لأنهما ينشآن عنه. واختَلَفَ أهل اللغة في اشتقاقه، فقال جمهورهم: هو مشتقّ من شَطَنَ يَشْطُنُ: أي بَعُدَ؛ لأنه بعيد من رحمة الله تعالى، وأنشدُوا [من الوافر]: فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا رَهِينٌ نَأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ شَطُونٌ وقال آخر [من الخفيف]: أَيُّمَا شَاطِنِ عَصَاهُ عَكَاهُ ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالأَكْبَالِ وحَكَى سِيبويه: تَشَيْطَنَ: أي فعل فعل الشياطين، فهذا كلّه يدلّ على أنه من شَطَنَ؛ لثبوت النون وسقوط الألف في تصاريف الكلمة، ووزنه على هذا فَيْعَالٌ. وقيل: هو مشتقّ من شاط يَشيطُ: أي هاج، واختَرَقَ، ولا شكّ أن هذا المعنى موجود فيه، فأخذوا بذلك أنه مشتقّ من هذه المادّة، لكن لم يُسمع في (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٢٦/٢. (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) ١/ ١٨٧. (٤) لم أر من أخرجه. (٣) ((المفهم)) ٢٧٤/١. ٥٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان تصاريفه إلا ثابتَ النون محذوف الألف كما تقدّم، ووزنه على هذا فَعْلان، ويترتّب على القولين صرفه وعدم صرفه إذا سُمّي به، وأما إذا لم يُسمّ به فإنه منصرفٌ البتّةَ؛ لأن من شرط امتناع فَعْلان الصفةِ أن لا يُؤَنَّثَ بالتاء، وهذا يؤنّث بها، فيقال: شيطانٌ. انتهى(١). وقوله: (يَبْكِي) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((اعتَزَلَ))، وكذا قوله: (يَقُولُ) فهما حالان مترادفان أو متداخلان. (يَا وَيْلَهُ) دُعاءٌ بالويل، وأصل الكلمة ((وَيْ)) وُصلت بـ(له))، و((الويل)): الحزن والهلاك، وهي كلمة تقال: لمن وقع في هَلَكَة، ومعنى النداء فيه: یا حزني، ويا هلاكي احضر فهذا أوانك، كأنه ناداه لما عَرَضَ له من الأمر الفظيع، وهو الندم على ترك السجود لآدم عليَّا، ولعلّ نداء الويل للتحزّن على ما فاته من الكرامة، وحصول اللعن والطرد والخيبة في الدارين، وللحسد على ما حصل لابن آدم من القرب والكرامة والفوز في الدارين(٢). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((يا ويله)) هو من آداب الكلام، وهو أنه إذا عَرَضَ في الحكاية عن الغير ما فيه سُوء واقتضت الحكايةُ رجوعَ الضمير إلى المتكلم، صَرَفَ الحاكي الضمير عن نفسه تصاوناً عن صورة إضافة السوء إلى نفسه. انتهى(٣). وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ) أراد به بيان الخلاف بين شيخيه، فأما أبو بكر فقال في روايته: ((يا ويله)) بضمير الغائب، وأما أبو كُريب، فقال في روايته: (يَا وَيْلِي) بضمير المتكلّم، ويجوز فيه من حيث اللغة فتح لامه وكسرها، كما في نظائره(٤). ووقع في ((مختصر القرطبيّ لصحيح مسلم)) بلفظ: ((يا ويلتا))، فقال القرطبيّ: والألف فيه للندبة والتفجّع. انتهى (٥). (١) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ١٠/١ - ١١. (٢) راجع: ((لسان العرب)) ٧٣٩/١١، و((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٢٦/٢ - ١٠٢٧. (٤) ((الصيانة)) ص٢٦٠. (٣) ((شرح مسلم)) ٧١/٢. (٥) («المفهم)) ٢٧٤/١. ٥٩٥ (٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمُ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١) (أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ) ببناء الفعل للمفعول (فَسَجَدَ) أي امتثالاً لأمر الله وَجَ له (فَلَهُ الْجَنَّةُ) أي جزاءً على امتثاله لأمره. (وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ) ببناء الفعل للمفعول أيضاً، أي أمرني الله تعالى بالسجود لآدم عليّ مع الملائكة الكرام لّل (فَأَبَيْتُ) أي امتنعتُ من فعل ما أمرتُ به، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: أَبَى الرجلُ يَأْبَى إِباءً بالكسر والمدّ، وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبِيٍّ على فاعل، وفَعِيل، وتأتى مثله، وبناؤه شاذّ؛ لأن باب فَعَلَ يَفْعَلُ - بفتحتين - يكون حلقيَّ العين أو اللام، ولم يأت من حلقيّ الفاء إلا أبى يأبى، وعضَّ يَعَضُّ في لغة، وأثّ الشعرُ يَأَثُّ: إذا كثُر والْتَفَّ، وربما جاء في غير ذلك، قالوا: وَدّ يودّ في لغة، وأما لغةُ طيّئ في باب نَسِيَ يَنْسَ إذا قلبوا، وقالوا: نَسَى يَنْسَى، فهو تخفيف. انتهى(١). وقد حَكى ابن سِيدهْ عن قومٍ: أَبِيَ يَأْبَى، كنَسِيَ يَنْسَى، وحكى ابن جني وصاحب ((القاموس)): أَبَى يَأْبِي، كضرب يضرب، فعلى هذا يجوز أن يكون أَبَى يَأْبَى - بالفتح فيهما - من باب تداخل اللغتين، أي أن المتكلّم بالفتح فيهما أخذ الماضي من لغةٍ والمضارع من لغةٍ. انتهى(٢). وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: ((الإباء)): الامتناع، قال الشاعر [من الطويل]: وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا قَدْ أَبَيْنَا وَشَرُّ مَوَاطِنِ الْحَسَبِ الإِيَاءُ قال: والمشهور أَبَى يَأْبَى بالفتح فيهما، وكان القياس كسر عين المضارع، ولذلك اعتبره بعضهم، فكسر حرف المضارعة، فقال: تِثْبِي، ونِثْبِي، وقيل: لَمّا كانت الألف تُشبه حروف الحلق فُتِح لأجلها عين المضارع، وقيل: أَبَى يَأْبَى، بالفتح فيهما، وكان القياس كسر عين المضارع، ونُقل أَبِيَ يأَبَى بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع، وهذا قياسٌ، فيحتَمِلُ أن يكون مَن قال: أَبَى يَأْبَى - بالفتح فيهما - استَغنَى بمضارع مَن قال: أَبِيَ بالكسر، ويكون من التداخل، نحوُ رَكِنَ يَرْكَنُ وبابِهِ. انتهى كلام السمين باختصار(٣). (١) ((المصباح المنير)) ٣/١. (٢) منقول من هامش ((المصباح)) ١٣. (٣) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٢٧٧/١. ٥٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (فَلِي النَّارُ))) أي فوجبت النار عليّ بسبب الامتناع عن امتثال الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالی . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٥١/٣٧ و٢٥٢] (٨١)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٠٥٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٤٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤٣/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٥٢١/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٩/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، وهو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له في ((كتاب الإيمان))؛ لأنه يدلّ على نقيض الإيمان وهو الكفر. ٢ - (ومنها): بيان فضل السجود لله تعالى، حيث يكون سبباً لدخول الجنّة. ٣ - (ومنها): بيان شؤم التكبّر والإباء لأمر الله تعالى؛ فإنه سبب لحرمان الجنّة ودخول النار، وقد أخرج المصنّف رحمه الله تعالى من حديث ابن مسعود ظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذَرّة من كِبْر))، قال رجل: إن الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنةً، قال: ((إن الله جميلٌ، يحب الجمال، الكبرُ بَطَرُ الحقّ، وغَمْظُ الناس)). ٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى قول الله وَالَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ [البقرة: ٣٤]. قال القاضي عياض: قال المفسّرون: إنما كان سجود الملائكة لآدم ظلّ تحيّةً، لا عبادةً له، وطاعةً لله تعالى، وقد كان فيما ذُكرٍ قبلُ السجود للتحيّة مباحاً، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] أي (٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْم الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١) ٥٩٧ ليوسف وظلَل*، وقيل: الله تَعَلَ، والهاء في ﴿لَّهُ﴾ عائدة عليه تعالى. وقيل: أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم عليَّا؛ ليَظْهَر فضله عليهم؛ إذ ظنّت الملائكة أنه لا يَفْضُلهم أحدٌ، وقيل: هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنُّمْ تَكْتُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] ذُكِر هذا عن قتادة، فلما خَلَق الله تعالى آدم فعلها، وعلّمه أسماء ما لم يعلموه، بان لهم أنه أعلم منهم، فلما أمرهم بالسجود له، بان فضله عليهم. انتھی(١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ في ((تفسيره)): اختَلَفَ الناسُ في كيفية سجود الملائكة لآدم ظلّ* بعد اتّفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، فقال الجمهور: كان هذا أمراً للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة؛ لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريماً لآدم، وإظهاراً لفضله، وطاعةً لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا، ومعنى ﴿لَدَمَ﴾ إلى آدم، كما يقال: صَلِّ للقبلة، أي إلى القبلة، وقال قوم: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولكنه مُبْقَّى على أصل اللغة فهو من التذلّل والانقياد، أي اخْضَعُوا لآدم، وأَقِرُّوا له بالفضل، فسجدوا، أي امتثلوا ما أمروا به. واختُلِفَ أيضاً هل كان ذلك السجود خاصّاً بآدمعلَّ*، فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم، إلا لله تعالى، أم كان جائزاً بعده إلى زمان يعقوب ظلّا؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين؟ والذي عليه الأكثر أنه كان مباحاً إلى عصر رسول الله وَله، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: ((لا ينبغي أن يُسْجَد لأحد إلا لله رب العالمين))، روى ابن ماجة في ((سننه))، والبستي في ((صحيحه)) عن عبد الله بن أبي أوفى رَظ ◌ُبه قال: لما قَدِمَ معاذ من الشام، سجد للنبيّ ◌َ ﴿ قال: ((ما هذا يا معاذ؟)) قال: أتيت الشام، فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فَوَدِدتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال (١) ((إكمال المعلم)) ٣٨٩/١ - ٣٩٠. ٥٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رسول الله وَّل: ((فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حقّ ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه))، لفظ ابن ماجه(١) . قال القرطبيّ: ومعنى ((القتب)) أن العرب يَعِزّ عندهم وجود كُرْسيّ للولادة، فيحملون نساءهم على القَتَبِ عند الولادة(٢). قال: وهذا السجود المنهي عنه، قد اتَّخَذه جُهّال المتصوفة عادةً في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فَيَرَى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقْدَم؛ لجهله، سواء أكان للقبلة أم غيرها، جهالةً منه، ضَلّ سعيهم، وخاب عملهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٣)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: مقصود مسلم رحمه الله تعالى بذكر هذين الحديثين - يعني حديث أبي هريرة رضيبه هذا، وحديث جابر رضي بعده ــ هنا أن من الأفعال ما تركه يوجب الكفر، إما حقيقةً، وإما تسميةً. فأما كفر إبليس بسبب السجود، فمأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أُسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ (٣٤) ﴾، قال الجمهور: معناه: وكان في علم الله تعالى من الكافرين، وقال بعضهم: وصار من الكافرين، كقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. وأما تارك الصلاة، فإن كان منكراً لوجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين، خارجٌ من ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط (١) حديث حسن صحيح، انظر: ((صحيح ابن ماجه)) للشيخ الألباني نَّتُهُ تعالى ١/ ٣١٢ حديث (١٥٠٣). (٢) هكذا فسّر القرطبيّ ((القَتَبَ))، والمشهور أن القتب بكسر، فسكون، أو بالتحريك، وهو الأكثر: الإكاف، أو الرَّحْلُ الصغير على قدر سَنَامِ البعير، جمعه أقتاب. انظر: ((القاموس)) ص١١٣. (٣) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٩٣/١ - ٢٩٤. (٣٧) - بَابُ إِطْلَاقِ اسْمُ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (٢٥١) ٥٩٩ المسلمين مُدّةً يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف العلماء فيه، وسيأتي تحقيقه بعد هذا، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه قد احتج أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله بقوله: ((أُمِر ابن آدم بالسجود)» على أن سجود التلاوة واجبٌ، ومذهب مالك، والشافعيّ، والكثيرين أنه سنةٌ، وأجابوا عن هذا بأجوبة: [أحدها]: أن تسمية هذا أمراً، إنما هو من كلام إبليس، فلا حجة فيها، فإن قالوا: حكاها النبيّ وَّل، ولم يُنكرها . قلنا: قد حَكَى غيرها من أقوال الكفار، ولم يبطلها حال الحكاية، وهي باطلة . [الوجه الثاني]: أن المراد أمر ندب لا إيجاب. [الثالث]: المراد المشاركة في السجود، لا في الوجوب، والله تعالى أعلم، قاله النوويّ، رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى عليك ما في الوجه الأول من الضعف، فالوجه الثالث هو الأقرب، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: وجه احتجاج الحنفيّة به على وجوب سجود التلاوة، أن إبليس عصى بترك ما أُمر به من السجود، فذُمّ، ولُعِنَ، وابن آدم أطاع بفعله، فمُدِح، وأُثيب بالجنّة، فلو تركه لعصى؛ إذ السجود نوع واحدٌ، فلزم من ذلك كون السجود واجباً . وذهب الجمهور إلى أنه مندوب وفضيلة، وليس بواجب، وأجابوا عما قاله الحنفيّة بأن ذمّ إبليس ولعنه لم يكن لأجل ترك السجود فقط، بل لتركه ◌ُتُوّاً على الله وَلَ وكبراً، وتسفيهاً لأمره تعالى، وبذلك كَفَرَ، لا بترك العمل بمطلق السجود، ألا ترى قوله تعالى مخبراً بذلك حين قال: ﴿أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]، وقال: ﴿أَنْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِن ثَارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]؟. (١) ((شرح النوويّ)) ٧١/٢ - ٧٢. ٦٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان سلّمنا أنه ذُمّ على ترك السجود، لكن لا نسلّم أن السجود نوع واحدٌ، فقد قال بعض المفسّرين: إن السجود الذي أمر الله تعالى به الملائكة إنما كان طأطأة الرأس لآدم عليّا تحيّةً له، وسجود التلاوة وضع الجبهة بالأرض على كيفيّة مخصوصة. سلّمنا أنه نوع واحدٌ، لكن منقسمٌ بالإضافة، ومتغايرٌ بها، فيصحّ أن يؤمر بأحدها، ويُنهَى عن الآخر، كما يؤمر بالسجود لله تعالى، ويُنهى عن السجود للصنم، فما أُمر به الملائكة من السجود لآدم مُحَرَّم على ذرّيّته، كما قد حُرِّم ذلك علينا، وكيف يُستدلّ بوجوب أحدهما على وجوب الآخر(١)، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في أبواب سجود القرآن - إن شاء الله تعالى -. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تارك الصلاة: ذهب الإمامان: مالك والشافعيّ رحمهما الله تعالى، والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يَكْفُر، بل يَفْسُقُ، ويستتاب، فإن تاب، وإلا قتلناه حدّاً، كالزاني المحصن، ولكنه يُقْتَل بالسيف. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يَكْفُر، وهو مرويّ عن علي بن أبي طالب ظُبه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وبه قال عبد الله بن المبارك، وإسحاق ابن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعيّ رحمه الله تعالى. وذهب أبو حنيفة، وجماعة من أهل الكوفة، والْمُزَنيّ، صاحب الشافعيّ رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يَكْفُر، ولا يُقْتَل، بل يُعَزَّر، ويُحبَس، حتى يُصلي. واحتَجَّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور، وبالقياس على كلمة التوحيد. واحتج من قال: لا يقتل، بحديث: ((لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... )) الحديث، وليس فيه الصلاة. واحتج الجمهور على أنه لا يَكْفُر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وبقوله ◌َّ: ((من قال: لا إله (١) ((المفهم)) ٢٧٣/١ - ٢٧٤.