Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) عندهم غير نفس الإنسان التي يسمونها الناطقة وغير ما يقوم بها من المعنى الذی یسمی عقلاً. وكان أرسطو وأتباعه يسمون الرب عقلاً وجوهراً، وهو عندهم لا يَعْلَم شيئاً سوى نفسه، ولا يريد شيئاً، ولا يفعل شيئاً، ويسمونه ((المبدأ)) و((العلة الأولى))؛ لأن الفلك عندهم متحرك للتشبه به، أو متحرك للشبه بالعقل، فحاجة الفلك عندهم إلى العلة الأولى من جهة أنه متشبه بها، كما يتشبه المؤتم بالإمام، والتلميذ بالأستاذ، وقد يقول: إنه يحركه كما يحرك المعشوق عاشقه، ليس عندهم أنه أبدع شيئاً، ولا فعل شيئاً، ولا كانوا يسمونه واجب الوجود، ولا يقسمون الوجود إلى واجب وممكن، ويجعلون الممكن هو موجوداً قديماً أزلياً كالفلك عندهم. وإنما هذا فعل ابن سينا وأتباعه، وهم خالفوا في ذلك سلفهم وجميعَ العقلاء، وخالفوا أنفسهم أيضاً فتناقضوا، فإنهم صرّحوا بما صرّح به سلفهم وسائر العقلاء من أن الممكن الذي يمكن أن يكون موجوداً وأن يكون معدوماً لا يكون إلا محدثاً مسبوقاً بالعدم، وأما الأزليّ الذي لم يزل ولا يزال، فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء أن يكون ممكناً يقبل الوجود والعدم، بل كل ما قَبِل الوجود والعدم لم يكن إلا مُحْدَثاً، وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله فهو محدث، مسبوق بالعدم، كائن بعد أن لم يكن، كما بُسِط في موضعه. لكن ابن سينا ومتبعوه تناقضوا فذكروا في موضع آخر أن الوجود ينقسم إلى: واجب وممكن، وأن الممكن قد يكون قديماً أزلياً لم يزل ولا يزال يمتنع عدمه، ويقولون: هو واجب بغيره، وجعلوا الفلك من هذا النوع، فخرجوا عن إجماع العقلاء الذين وافقوهم عليه في إثبات شيء ممكن، يمكن أن يوجد وأن لا يوجد، وأنه مع هذا يكون قديماً أزلياً أبدياً، ممتنع العدم واجب الوجود بغيره، فإن هذا ممتنع عند جميع العقلاء، وذلك بَيِّن في صريح العقل، لمن تصور حقيقة الممكن الذي يقبل الوجود والعدم، كما بُسِط في موضعه. وهؤلاء المتفلسفة إنما تسلطوا على المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم؛ لأن هؤلاء لم يَعْرِفوا حقيقة ما بَعَثَ الله به رسوله بَّه، ولم ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان يَحتجّوا لما نصروه بحجج صحيحة في المعقول، فقصر هؤلاء المتكلمون في معرفة السمع والعقل، حتى قالوا: إن الله لم يزل لا يفعل شيئاً ولا يتكلم بمشيئته، ثم حَدَث ما حَدَث من غير تجدد سبب حادث، وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلماً بمشيئته فَعّالاً لما يشاء؛ لزعمهم امتناع دوام الحوادث، ثم صار أئمتهم كالجهم بن صفوان وأبي الْهُذيل العلاف إلى امتناع دوامها في المستقبل والماضي، فقال الجهم بفناء الجنة والنار، وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما، وأنهم يبقون دائماً في سكون، ويزعم بعض من سلك هذه السبيل أن هذا مقتضى العقل، وأن كل ما له ابتداء، فيجب أن يكون له انتهاء. ولما رأوا الشرع قد جاء بدوام نعيم أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَآئِهٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ٥٤ [صّ: ٥٤] ظنوا أنه يجب تصديق الشرع فيما خالف فيه أهل العقل، ولم يعلموا أن الحجة العقلية الصريحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة، بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة، سواء كانت عقلية أو سمعية أو سمعية وعقلية، بل اذا تعارضت حجتان دلّ على فساد إحداهما أو فسادهما جميعاً. وصار كثير منهم إلى جواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، وذكروا فروعاً عَرَف حُذّاقهم ضعفها، كما بُسط في غير هذا الموضع، وهو لزومهم أن يكون الربّ كان غير قادر، ثم صار قادراً من غير تجدد سبب يوجب كونه قادراً، وأنه لم يكن يمكنه أن يفعل ولا يتكلم بمشيئته، ثم صار الفعل ممكناً له بدون سبب يوجب تجدد الإمكان، وإذا ذُكر لهم هذا، قالوا: كان في الأزل قادراً على ما لم يزل، فقيل لهم: القادر لا يكون قادراً مع كون المقدور ممتنعاً، بل القدرة على الممتنع ممتنعة، وإنما يكون قادراً على ما يمكنه أن يفعله، فإذا كان لم يزل قادراً فلم يزل يمكنه أن يفعل . ولما كان أصل هؤلاء هذا صاروا في كلام الله على ثلاثة أقوال: فرقةٌ قالت: الكلام لا يقوم بذات الربّ، بل لا يكون كلامه إلا مخلوقاً، لأنه إما قديم وإما حادث، ويمتنع أن يكون قديماً؛ لأنه متكلم بمشيئته وقدرته، والقديم لا يكون بالقدرة والمشيئة، وإذا كان الكلام بالقدرة والمشيئة كان مخلوقاً لا (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٦٣ يقوم بذاته، إذ لو قام بذاته كانت قد قامت به الحوادث، والحواث لا تقوم به؛ لأنها لو قامت به لم يَخْلُ منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، قالوا: إذ بهذا الأصل أثبتنا حدوث الأجسام، وبه ثبت حدوث العالم، قالوا: ومعلوم أن ما لم يَسبِق الحادث لم يكن قبله، إما معه، وإما بعده، وما كان مع الحادث أو بعده فهو حادث. وكثير منهم لم يتفطن للفرق بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين فإن الحادث المعين، والحوادث المحصورة يمتنع أن تكون أزلية دائمة، وما لم يكن قبلها فهو إما معها وإما بعدها، وما كان كذلك فهو حادث قطعاً، وهذا لا يخفى على أحد، ولكن موضع النظر والنزاع نوع الحوادث، وهو أنه هل يمكن أن يكون النوع دائماً، فيكون الربّ لا يزال يتكلم، أو يفعل بمشيئته وقدرته، أم يمتنع ذلك؟ فلما تفطن لهذا الفرق طائفة، قالوا: وهذا أيضاً ممتنع؛ لامتناع حوادث لا أول لها، وذكروا على ذلك حُجَجاً، كحجة التطبيق، وحجة امتناع انقضاء ما لا نهاية له وأمثال ذلك، وقد ذُكِر عامة ما ذكر في هذا الباب وما يتعلق به في مواضع غير هذا الموضع، ولكل مقام مقال. وأولئك المتفلسفة لما رأوا أن هذا القول مما يُعْلَم بطلانه بصريح العقل، وأنه يمتنع حدوث الحوادث بدون سبب حادث، ويمتنع كون الرب يصير فاعلاً بعد أن لم يكن، وأن المؤثر التام يمتنع تخلف أثره عنه، ظنوا أنهم إذا أبطلوا هذا القول، فقد سَلِمَ لهم ما ادّعوه من قدم العالم كالأفلاك وجنس المولدات وموادّ العناصر، وضلوا ضلالاً عظيماً، خالفوا به صرائح العقول وكذّبوا به كلَّ رسول، فإن الرُّسُل مطبقون على أن كلَّ ما سوى الله محدَث مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، ليس مع الله شيء قديم بقدمه، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والعقول الصريحة تعلم أن الحوادث لا بدّ لها من مُحْدِث، فلو لم تكن إلا العلة القديمة الأزلية المستلزمة لمعلولها، لم يكن في العالم شيء من الحوادث، فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة أزلية مستلزمة لمعلولها ممتنع، فإنه إذا كان معلولها لازماً لها كان قديماً معها لم يتأخر عنها، فلا يكون لشيء من الحوادث سبب اقتضى حدوثه، فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث، وهؤلاء فَرُّوا من أن يحدثها القادر بغير ٥٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان سبب حادث، وذهبوا إلى أنها تحدث بغير مُحدِث أصلاً، لا قادر ولا غير قادر، فكان ما فَرُّوا إليه شرّاً مما فرّوا منه، وكانوا شَرّاً من المستجير من الرمضاء بالنار، واعتقد هؤلاء أن المفعول المصنوع المبتدع المعين كالفلك، يقارن فاعله أزلاً وأبداً، لا يتقدم الفاعل عليه تقدماً زمانياً، وأولئك قالوا: بل المؤثر التام يتراخى عنه أثره، ثم يحدث الأثر من غير سبب اقتضى حدوثه، فأقام الأولون الأدلة العقلية الصريحة على بطلان هذا، كما أقام هؤلاء الأدلة العقلية الصريحة على بطلان قول الآخرين، ولا ريب أن قول هؤلاء أهل المقارنة أشد فساداً ومناقضة لصريح المعقول وصحيح المنقول من قول أولئك أهل التراخي. [والقول الثالث]: الذي يدل عليه المعقول الصريح، ويُقِرّ به عامة العقلاء، ودلّ عليه الكتاب والسنة، وأقوال السلف والأئمة، لم يهتد له الفريقان، وهو أن المؤثر التام يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام، لا يقترن به ولا يتراخى، كما إذا طَلّقتُ المرأة فطُلِّقت، وأعتقت العبد فعَتَقَ، وكَسَرتُ الإناء فانكسر، وقطعتُ الحبل فانقطع، فوقوع العتق والطلاق ليس مقارناً لنفس التطليق والإعتاق بحيث يكون معه، ولا هو أيضاً متراخ عنه، بل يكون عقبه متصلاً به، وقد يقال: هو معه، ومفارقٌ له باعتبار أنه يكون عقبه متصلاً به، كما يقال: هو بعده متأخر عنه، باعتبار أنه إنما يكون عقب التأثير التام، ولهذا قال [يسَ: ٨٢]، فهو ٨٢ تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ سبحانه يكوّن ما يشاء تكوينه، فإذا كوّنه كان عقب تكوينه متصلاً به، لا يكون مع تكوينه في الزمان، ولا يكون متراخياً عن تكوينه، بينهما فصل في الزمان، بل يكون متصلاً بتكوينه، كاتصال أجزاء الحركة والزمان بعضها ببعض، وهذا مما يُستَدَلُّ به على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن، وإن قيل مع ذلك بدوام فاعليّته ومتكلميته، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن هذا هو أصل من قال: القرآن محدَث، ومن قال: إن الربّ لم يقم به كلام ولا إرادة، بل ولا علم بل ولا حياة، ولا قدرة، ولا شيء من الصفات، فلما ظهر فساد هذا القول شرعاً وعقلاً، قالت طائفة ممن وافقتهم على أصل مذهبهم: هو لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل كلامه أمر لازم (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٦٥ لذاته، كما تلزم ذاته الحياة، ثم منهم من قال: هو معنى واحد؛ لامتناع اجتماع معاني لا نهاية لها في آن واحد، وامتناع تخصيصه بعدد دون عدد، وقالوا: ذلك المعنى هو الأمر بكل مأمور، والخبر عن كل مُخْبَر عنه، إن عُبِّر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عُبّر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وقالوا: إن الأمر والنهي صفات للكلام لا أنواع له، فإن معنى آية الكرسي، وآية الدين، وقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب معنى واحد. فقال جمهور العقلاء لهم: تصوّر هذا القول يوجب العلم بفساده، وقالوا لهم: موسى سمع كلام الله كلّه أو بعضه؟ إن قلتم: كله لزم أن يكون قد عَلِمَ عِلْمَ الله، وإن قلتم: بعضه فقد تبعض، وقالوا لهم: إذا جوَّزتم أن تكون حقيقة الخبر هي حقيقة الأمر، وحقيقة النهي عن كل منهي عنه والأمر بكل مأمور به هو حقيقة الخبر عن كل مخبر عنه، فجَوِّزوا أن تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة، وحقيقة القدرة هي حقيقة الإرادة، فاعترف حُذّاقهم بأن هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه، ولزمهم إمكان أن تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات، وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب الممكن، والتزم ذلك طائفة منهم، فقالوا: الوجود واحد، وعين الوجود الواجب القديم الخالق هو عين الوجود الممكن المخلوق المحدث. وهذا أصل قول القائلين بوحدة الوجود، كابن عربي الطائي، وابن سبعين، وأتباعهما كما بسط في مواضع. ومن هؤلاء القائلين بأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته مع قيام الكلام به، مَن قال: كلامه المعين حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، وزعموا أن كلّاً من القرآن والتوراة والإنجيل حروف وأصوات قديمة أزلية، لم تزل ولا تزال، فقال لهم جمهور العقلاء: معلوم بالاضطرار أن الباء قبل السين، والسين قبل الميم، فكيف يكونان معاً أزلاً وأبداً، ومعلوم أن الصوت المعين لا يبقى زمانين، فكيف يكون أزلياً لم يزل ولا يزال. فقالت الطائفة الثالثة ممن سلك مسلك أولئك المتكلمين: بل نقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً بذاته، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، وإن لزم من ذلك قيام الحوادث به، فلا محذور في ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ذلك لا شرعاً ولا عقلاً، بل هذا لازم لجميع طوائف العقلاء، وعليه دلّت النصوص الكثيرة، وأقوال السلف والأئمة، ونقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي، وإنه نادى موسى بصوت سمعه موسى، كما دلّت على ذلك النصوص، وأقوال السلف، لكن نقول: إنه لم يكن في الأزل متكلماً، ويمتنع أن يكون لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته؛ لأن ذلك يستلزم حوادث لا أول لها، وهو أصل هؤلاء. فقيل لهم: معلوم أن الكلام صفة كمال لا صفة نقص، وأن من يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون قادراً على الكلام بمشيئته وقدرته، وحينئذ فمن لم يزل متكلماً بمشيئته أكمل ممن صار قادراً على الكلام بعد أن كان لا یمکنه أن يتكلم. وقالوا لهم: إذا قلتم تكلم بعد أن كان الكلام ممتنعاً من غير أن يكون هناك سبب أوجب تجدد قدرته وتجدد إمكان الكلام له، قلتم: إنه لم يزل غير قادر على الكلام، ولم يزل الكلام غير ممكن له، ثم صار قادراً يمكنه أن يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء، وهذا مخالفة لصريح العقل، وسلب لصفات الكمال عن الباري، وجعله مثل المخلوق الذي صار قادراً على الكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه. والسلف والأئمة نَصّوا على أن الربّ تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء وكما شاء، كما نَصّ على ذلك عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة الدين وسلف المسلمين، وهم الذين قالوا بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، لم يقل أحد منهم: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم: إنه مخلوق بائن عنه، ولا قال أحد منهم: إنه صار متكلماً أو قادراً على الكلام بعد أن لم يكن كذلك، وقد بسطت هذه الأمور في موضع آخر. والمقصود أن هذه الأقوال التي قالها هؤلاء المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية والسالمية ومن وافقهم من المتأخرين الذين انتسبوا إلى بعض الأئمة الأربعة، وخالفوا بها إجماع السلف والأئمة، وما جاء به الكتاب والسنة، وخالفوا بها صريح المعقول الذي فطر الله عليه عباده هي التي سَلَّطت أولئك المتفلسفة الدهرية عليهم، لكن قول الفلاسفة أعظم فساداً في المعقول والمنقول. (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٦٧ فصل: والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة، وهو الذي يُسَمَّى عرضاً قائماً بالعاقل، وعلى هذا دلّ القرآن في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وقوله: ﴿قَدْ بَيِّنَّا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]، ونحو ذلك مما يدلّ على أن العقل مصدر عَقَلَ يَعْقِل عَقْلاً، وإذا كان كذلك فالعقل لا يُسَمَّى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يُسَمَّى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم، ولهذا قال أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَسْخَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، والعقل المشروط في التكليف لا بُدّ أن يكون علوماً يُمَيِّز بها الإنسان بين ما ينفعه وما يضره، فالمجنون الذي لا يُمَيِّز بين الدراهم والفلوس، ولا بين أيام الأسبوع، ولا يفقه ما يقال له من الكلام ليس بعاقل، أما مَن فهم الكلام، ومَيّز بين ما ينفعه وما يضره فهو عاقل، ثم من الناس من يقول: العقل هو علوم ضرورية، ومنهم من يقول: العقل هو العمل بموجب تلك العلوم. والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا، وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان التي بها يعلم ويميّز ويَقْصِد المنافع دون المضار، كما قال أحمد بن حنبل والحارث المحاسبيّ، وغيرهما: إن العقل غريزة، وهذه الغريزة ثابتة عند جمهور العقلاء، كما أن في العين قوّة بها يُبْصِر، وفي اللسان قوة بها يذوق، وفي الجلد قوة بها يلمس عند جمهور العقلاء. ومن الناس من يُنكر الْقُوَى والطبائع، كما هو قول أبي الحسن، ومن اتبعه من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وهؤلاء المنكرون للقوى والطبائع، ينكرون الأسباب أيضاً، ويقولون: إن الله يفعل عندها لا بها، فيقولون: إن الله لا يُشبع بالخبز، ولا يُروي بالماء، ولا يُنبت الزرع بالماء، بل يفعل عنده لا به، وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف مع مخالفة صريح العقل والحسّ، فإن الله قال في كتابه: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّةٍ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدِ مَّيِّتٍ فَلْنَا بِهِ الْمَآءَ ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [الأعراف: فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَّتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥٧]، فأخبر أنه يُنزل الماء بالسحاب، ويخرج الثمر بالماء، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَ قَتِلُوهَمْ [قَ: ٩]، وقال: مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ الَْصِيدِ ( يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقال: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِنَ اَللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُّ ◌ُبِيثٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]، وقال: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِی بِهِ، كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ومثل هذا في القرآن كثير، والناس يعلمون بحسِّهم وعقلهم أن بعض الأشياء سبب لبعض، كما يعلمون أن الشِّبَعَ يحصل بالأكل لا بالعدّ، ويحصل بأكل الطعام لا بأكل الحصى، وأن الماء سبب لحياة النبات والحيوان، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيٍ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وأن الحيوان يُرْوَى بشرب الماء لا بالمشي، ومثل ذلك كثير، ولِبَسْطِ هذه المسائل موضع آخر. فصل والروح المدبِّرة للبدن التي تفارقه بالموت، هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت، قال النبي و # لما نام عن الصلاة: ((إن الله قبض أرواحنا حيث شاء، ورَدّها حيث شاء))، وقال له بلال: يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْ تَّمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ اَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَ أَجَلِ﴾ [الزمر: ٤٢]. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: يقبضها قبضين: قبض الموت وقبض النوم، ثم في النوم يقبض التي تموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، حتى يأتي أجلها وقت الموت، وقد ثبت في ((الصحيحين)) عن النبيّ وَّل أنه كان يقول إذا نام: ((باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين»، وقد ثبت في ((الصحيح)): ((أن الشهداء جَعَل الله أرواحهم في حواصل طير خضر، تَسْرَحُ في الجنة، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش))، وثبت أيضاً بأسانيد صحيحة: «إن الإنسان إذا قُبِضت روحه، فتقول الملائكة: اخرجي أيتها (٣٦) - بَابُ بَيَانِ تُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٦٩ النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي راضية مرضياً عنك، ويقال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك))، وفي الحديث الآخر: ((نَسَمَة المؤمن طائرٌ تَعْلُق من ثمر الجنة، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش))، فسمّاها نَسَمَةً. وكذلك في الحديث الصحيح حديثٍ المعراج: ((إن آدم ظلَّ قِبَلَ يمينه أسودة، وقبل شماله أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، وإن جبريل قال للنبيّ وَلقر: هذه الأسودة نسم بنيه، عن يمينه السعداء، وعن يساره الأشقياء))، وفي حديث عليّ ظُه: ((والذي فَلَقَ الحبة وبرأ النسمة ... ))، وفي الحديث الصحيح: ((إن الروح إذا قُبض تبعه البصر))، فقد سَمَّى المقبوض وقت الموت، ووقت النوم روحاً ونفساً، وسَمَّى المعروج به إلى السماء روحاً ونفساً لكن يُسَمّى نفساً باعتبار تدبيره للبدن، ويسمى روحاً باعتبار لطفه، فإن لفظ الروح يقتضي اللطف، ولهذا تسمى الريح روحاً، وقال النبيّ وَلات : ((الريح من روح الله))، أي من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك لا إضافة وصف؛ إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عيناً قائمة بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله. فالأول كقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوْحَنَا﴾ [مريم: ١٧]، وهو جبريل ﴿فَتَمَثَلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِّ قَالَ إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا ® [مريم: ١٧ - ١٩]، وقال: ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ الَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]، وقال عن آدم ظلَّ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ [الحجر: ٢٩]. لَهُ سَجِدِينَ والثاني كقولنا: علم الله، وكلام الله، وقدرة الله، وحياة الله، وأمر الله، لكن قد يُعَبَّر بلفظ المصدر عن المفعول به، فيسمى المعلوم علماً، والمقدور قدرةً، والمأمور به أمراً، والمخلوق بالكلمة كلمة، فيكون ذلك مخلوقاً، كقوله: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ومن ٥٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان هذا الباب قوله ◌َله: ((إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمةً، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها عباده))، ومنه قوله في الحديث الصحيح للجنة: ((أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي))، كما قال للنار: ((أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكلّ واحدة منكما ملؤها)). فصل ولكن لفظ الروح والنفس يعبّر بهما عن عِدّة معان، فيراد بالروح الهواء الخارج من البدن، والهواء الداخل فيه، ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق، وهو الذي تسميه الأطباء الروح الحيواني، فهذان المعنيان غير الروح التي تفارق بالموت التي هي النفس. ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال: رأيت زيداً نفسه، وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكٌ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وفي الحديث الصحيح إنه قال لأم المؤمنين: ((لقد قلتُ بعدك أربع كلمات لو وُزنّ بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته))، وفي الحديث الصحيح الإلهيّ عن النبيّ وَّر: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)). فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتاً منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفةً للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ . وقد يُراد بلفظ النفس الدم يكون في الحيوان، كقول الفقهاء: ما له نَفْسٌ سائلة، وما ليس له نفس سائلة، ومنه يقال: نُفِست المرأة إذا حاضت، ونُفِست إذا نفسها ولدها، ومنه قيل: النفساء، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظُّبَاةِ نُفُوسُنَا وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاةِ تَسِيلُ ٥٧١ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) فهذان المعنيان بالنفس ليسا هما معنى الروح، ويراد بالنفس عند كثير من المتأخرين صفاتها المذمومة، فيقال: فلان له نفسٌ، ويقال: اترك نفسك، ومنه قول أبي مَرْئَد: رأيت رب العزة في المنام، فقلت: أي رب كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك، ومعلوم أنه لا يترك ذاته، وإنما يترك هواها وأفعالها المذمومة، ومثل هذا كثير في الكلام، يقال: فلان له لسان، فلان له يد طويلة، فلان له قلب، يراد بذلك لسان ناطق، ويد عاملة صانعة، وقلب حيّ عارف بالحق مريد له، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (®)﴾ [قّ: ٣٧]. كذلك النفس لما كانت حال تعلقها بالبدن، يكثر عليها اتّباع هواها صار لفظ النفس يعبّر به عن النفس المتبعة لهواها، أو عن اتباعها الهوى بخلاف لفظ الروح، فإنها لا يعبر بها عن ذلك إذا كان لفظ الروح ليس هو باعتبار تدبيرها للبدن. ويقال: النفوس ثلاثة أنواع: وهي: النفس الأمّارة بالسوء التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي. والنفس اللوامة، وهي التي تُذنب وتتوب، فعنها خير وشر، لكن إذا فعلت الشر تابت وأنابت، فتسمى لوّامة؛ لأنها تلوم صاحبها على الذنوب، ولأنها تتلوم أي تتردد بين الخير والشر. والنفس المطمئنة، وهي التي تُحب الخير والحسنات وتريده، وتبغض الشر والسيئات وتكره ذلك، وقد صار ذلك لها خُلُقاً وعادةً وملكةً، فهذه صفات وأحوال لذات واحدة، وإلا فالنفس التي لكل إنسان هي نفس واحدة، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه. وقد قال طائفة من المتفلسفة الأطباء: إن النفوس ثلاثة: نباتية محلها الكبد، وحيوانية محلها القلب، وناطقية محلها الدماغ، وهذا إن أرادوا به أنها ثلاثُ قُوَى تتعلق بهذه الأعضاء، فهذا مُسَلَّمٌ، وإن أرادوا أنها ثلاثة أعيان قائمة بأنفسها فهذا غلطٌ بَيِّنٌ. ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فصل وأما قول السائل: ((هل لها كيفية تعلم؟)) فهذا سؤال مُجْمَلٌ، إن أراد أنه يعلم ما يُعلم من صفاتها وأحوالها فهذا مما يُعلم، وإن أراد أنها هل لها مثل من جنس ما يَشهده من الأجسام، أو هل لها من جنس شيء من ذلك؟ فإن أراد ذلك فليس كذلك، فإنها ليست من جنس العناصر: الماء والهواء والنار والتراب، ولا من جنس أبدان الحيوان والنبات والمعدن، ولا من جنس الأفلاك والكواكب، فليس لها نظير مشهود ولا جنس معهود، ولهذا يقال: إنه لا يُعلم كيفيتها، ويقال: إنه مَن عَرَف نفسه عَرَف ربه، من جهة الاعتبار، ومن جهة المقابلة، ومن جهة الامتناع. فأما الاعتبار، فإنه يعلم الإنسان أنه حيّ علیم قدیر سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه، من أنه حيّ عليم قدير سميع بصير، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه، لم يمكن أن يَفْهَم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لِمَا في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب، لَمَا أمكنه أن يتصور ما أُخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس ظًا: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. فإن هذه الحقائق التي أُخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا، بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع عليها ما يمتنع عليها، وتكون مادّتها مادّتها، وتستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يَفسد ويَأْسَنُ، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يُصَدَّع شاربها ولا يُنْزَف عقله، فإن ماءها ليس نابعاً من تراب ولا نازلًا من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقاً من أنعام كما في الدنيا، وأمثال ذلك، فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم، وبينهما قدر مشترك وتشابه عُلِم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق جَلّ جلاله أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وَصَفَ نفسه بأنه حيّ عليم سميع بصير قدير، لم يَلْزَم أن يكون مماثلاً لخلقه؛ إذ كان بُعْدُه عن مماثلة خلقه أعظم من بُعْد مماثلة كل مخلوق (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٧٣ لكل مخلوق، وكلُّ واحد من صغار الحيوان لها حياة وقوة وعمل، وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئاً من المخلوقين !. والله وَجَ سَمَّى نفسه وصفاته بأسماء، وسَمّى بها بعض المخلوقات، فسمى نفسه حيّاً عليماً سميعاً بصيراً عزيزاً جباراً متكبراً ملكاً رؤوفاً رحيماً وسَمّى بعض عباده عليماً، وبعضهم حليماً رؤوفاً رحيماً، وبعضهم سميعاً بصيراً، وبعضهم مَلِكاً، وبعضهم عزيزاً، وبعضهم جباراً متكبراً، ومعلوم أنه ليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، وهكذا في سائر الأسماء، قال وَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقال: ﴿إِنَُّ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ (٣)﴾ [الصافات: ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْشَاجِ بَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]، وكذلك سائر ما ذُكر، لكن الإنسان يعتبر بما عَرَفه ما لم يَعْرِف، ولولا ذلك لانسدت عليه طُرُق المعارف للأمور الغائبة. وأما من جهة المقابلة، فيقال: من عَرَف نفسه بالعبودية عَرَف ربه بالربوبية، ومن عرف نفسه بالفقر عرف ربه بالغنى، ومن عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة، ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم، ومن عرف نفسه بالذلّ عرف ربه بالعزّ، وهكذا أمثال ذلك، لأن العبد ليس له من نفسه إلا العدم، وصفات النقص كلها ترجع إلى العدم، وأما الرب تعالى فله صفات الكمال، وهي من لوازم ذاته يمتنع انفكاكه عن صفات الكمال أزلاً وأبداً، ويمتنع عدمها؛ لأنه واجب الوجود أزلاً وأبداً، وصفات كماله من لوازم ذاته، ويمتنع ارتفاع اللازم إلا بارتفاع الملزوم، فلا يُعْدَم شيء من صفات كماله إلا بعدم ذاته، وذاته يمتنع عليها العدم، فيمتنع على شيء من صفات كماله العدم. وأما من جهة العجز والامتناع، فإنه يقال: إذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه، بل هي هويته، وهو لا يَعْرِف كيفيتها ولا يُحيط علماً بحقيقتها، فالخالق لل أولى أن لا يَعلم العبد كيفيته ولا يحيط علماً بحقيقته، ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم بربه رَّار: ((اللهم إني أعوذ برضاك من ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك))، وثبت في ((صحيح مسلم)) وغيره أنه ◌ّ كان يقول هذا في سجوده، وقد رَوَى الترمذيّ وغيره أنه كان يقوله في قنوت الوتر، وإن كان في هذا الحديث نظر، فالأول صحيح ثابت. فصل وأما سؤال السائل: ((هل هو جوهرٌ أو عرضٌ؟))، فلفظ ((الجوهر)) فيه إجمال، ومعلوم أنه لم يُرِد بالسؤال الجوهر في اللغة، مع أنه قد قيل: إن لفظ الجوهر ليس من لغة العرب وإنه مُعَرَّب، وإنما أراد السائل الجوهر في الاصطلاح من تقسيم الموجودات إلى جوهر وعَرَض، وهؤلاء منهم من يُريد بالجوهر الْمُتَحَيِّز، فيكون الجسم المتحيز عندهم جوهراً، وقد يريدون به الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ، والعقلاء متنازعون في إثبات هذا، وهو أن الأجسام هل هي مركبة من الجواهر المفردة أم من المادّة والصورة، أم ليست مركبة من هذا ولا من هذا؟ على ثلاثة أقوال: أصحها الثالث أنها ليست مركبةً لا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام، كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية، وهو قول جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم، بل هو قول أكثر العقلاء، كما قد بُسِط في موضعه. والقائلون بأن لفظ الجوهر يقال على المتحيِّز، متنازعون هل يمكن وجود جوهر ليس بمتحيز؟ ثم هؤلاء منهم من يقول: كل موجود فإما جوهر وإما عَرَضٌ، ويُدخل الموجود الواجب في مسمى الجوهر، ومن هؤلاء من يقول: كل موجود فإما جسم أو عرض، ويُدخل الموجود الواجب في مسمى الجسم، وقد قال بهذا وبهذا طائفة من نظّار المسلمين وغيرهم، ومن المتفلسفة والنصارى مَن يسميه جوهراً ولا يسميه جسماً، وحَكَى عن بعض نظّار المسلمين أنه يسميه جسماً ولا يسميه جوهراً إلا أن الجسم عنده هو المشار إليه أو القائم بنفسه، والجوهر عنده هو الجوهر الفرد. ولفظ ((العرض)) في اللغة له معنى وهو ما يَعْرِض ويزول، كما قال ٥٧٥ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وعند أهل الاصطلاح الكلامي قد يراد بالعَرَض ما يقوم بغيره مطلقاً، وقد يراد به ما يقوم بالجسم من الصفات، ويراد به في غير هذا الاصطلاح أمور أخرى. ومعلوم أن مذهب السلف والأئمة وعامة أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله، وأن له علماً وقدرةً وحياةً وكلاماً، ويسمون هذه الصفات، ثم منهم من يقول: هي صفات وليست أعراضاً؛ لأن العرض لا يبقى زمانين وهذه باقية، ومنهم من يقول: بل تسمى أعراضاً؛ لأن العرض قد يبقى، وقول من قال: إن كل عرض لا يبقى زمانين قول ضعيف، وإذا كانت الصفات الباقية تُسمى أعراضاً جاز أن تسمى هذه أعراضاً، ومنهم من يقول: أنا لا أُطلق ذلك بناءً على إن الإطلاق مستنده الشرع. والناس متنازعون هل يُسَمَّى الله بما صَحّ معناه في اللغة والعقل والشرع، وإن لم يَرِد بإطلاقه نصّ ولا إجماع، أم لا يُطلَق إلا ما أطلَقَه نصّ أو إجماع؟ علی قولین مشهورين. وعامة النظّار يُطلقون ما لا نَصَّ في إطلاقه ولا إجماع، كلفظ القديم والذات(١) ونحو ذلك. ومن الناس مَن يُفَصِّل بين الأسماء التي يُدْعَى بها، وبين ما يُخْبَر به عنه للحاجة، فهو سبحانه إنما يُدعَى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنَ فَأَدَعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. (١) في هذا نظر لا يخفى، فقد ورد إطلاق الذات، والقديم في بعض الأحاديث الصحيحة، فلا مانع من إطلاقهما، فأما الذات ففيما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من الحديث الطويل في قصّة خبيب نظره، وقوله: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأُ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعَ عَلَى أَيِّ شِقِّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِ وأما ((القديم)) ففيما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيّ ◌َ﴿ أنه كان إذا دخل المسجد قال: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ... )) الحديث. والحاصل أن إطلاق الذات، والقديم على الله جائزٌ؛ لأنه وارد في النصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٥٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: هو سبحانه قديم موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: ليس بشيء، فقيل: بل هو شيء، فهذا سائغ، وإن كان لا يُدْعَى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يَدُلُّ على المدح، كقول القائل: يا شيء، إذا كان هذا لفظاً يعم كل موجود، وكذلك لفظ ذات وموجود ونحو ذلك، إلا إذا سُمِّي بالموجود الذي يجده من طلبه، كقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩]، فهذا أخصّ من الموجود الذي يعم الخالق والمخلوق. إذا تبيّن هذا فالنفس وهي - الروح المدبرة لبدن الإنسان - هي من باب ما يقوم بنفسه التي تُسَمَّى جوهراً وعيناً قائمة بنفسها، ليست من باب الأعراض التي هي صفات قائمة بغيرها . وأما التعبير عنها بلفظ الجوهر والجسم، ففيه نزاع، بعضه اصطلاحي وبعضه معنويّ، فَمَن عَنَى بالجوهر القائم بنفسه فهي جوهر، ومن عَنَى بالجسم ما يشار إليه، وقال: إنه يشار إليها فهي عنده جسم، ومن عَنَى بالجسم المركب من الجواهر المفردة أو المادّة والصورة، فبعض هؤلاء قال: إنها جسم أيضاً، ومَن عَنَى بالجوهر المتحيز القابل للقسمة، فمنهم من يقول: إنها جوهر، والصواب أنها ليست مركبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها، فإنه يشار إليها، وتَصْعَد وتنزل، وتخرج من البدن، وتُسَلُّ منه كما جاءت بذلك النصوص، ودلت عليه الشواهد العقلية. فصل وأما قول القائل: ((أين مسكنها من الجسد؟))، فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد، كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة. ٥٧٧ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) فصل وأما قوله: ((أين مسكن العقل فيه؟))، فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل، وأما من البدن فهو متعلق بقلبه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ اُلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وقيل لابن عباس: بماذا نِلْتَ العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، لكن لفظ القلب قد يراد به المضغة الصَّنَوْبَريّة الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوادء، كما في ((الصحيحين)) عن النبيّ وَّر: ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه))، وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقاً، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه سُمِّي القليب قليباً؛ لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقلُ متعلق بدماغه أيضاً، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ، كما يقوله كثير من الأطباء، ونُقِل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: إن أصل العقل في القلب، فإذا كَمُلَ. انتهى إلى الدماغ. والتحقيق أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقلُ يراد به العلم، فالعلم والعمل الاختياريّ أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريداً إلا بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصوراً، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء، وكلا القولين له وجه صحيح، وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، لا تجده مفصّلاً عند غيره فاغتنمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٢٧١/٩ - ٣٠٤. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله تقدّم قريباً . ٣ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم بن سَلْمان، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الملك المصريّ، مولى ربيعة بن شُرَحبيل، ثقةٌ ثبتٌ [٨]. رَوَى عن جعفر بن ربيعة، وعمرو بن الحارث، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان، وأبي قَبِيل، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه إسحاق، وابن وهب، وقتيبة، وابن عبد الحكم الأكبر، وأبو صالح، ویحیی بن بكير، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ، ليس به بأسٌ، وقال أيضاً: كان رجلاً صالحاً، وقال عثمان عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وأبو حاتم، وزاد: هو أحبّ إليّ من الْمُفَضّل بن فَضَالة، وبكر بن مضر ونافع بن يزيد متقاربان، وقال الخليليّ: هو وابنه ثقتان، وقال البخاريّ: كناه قتيبة، وأثنى عليه خيراً، وقال العجليّ: مصريّ ثقةٌ. وقال سعيد بن عُفَير: مولده سنة (١٠٢)، وقال غيره: سنة (١٠٠)، وقال يحيى بن عثمان بن صالح: مات سنة (١٧٣)، وقال ابن عُفَير وابن بُكير: سنة (٧٤)، وكذا قال ابن يونس، وزاد: يوم الثلاثاء، وكان عابداً، وكذا قال ابن حبان في ((الثقات)). روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً. ٤ - (ابْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله المذكور في السند الماضي. ٥٧٩ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥٠) وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الماضي، وهو عن ابن الهادي، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر حقًا. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل المتن السابق. [تنبيه]: رواية بكر بن مضر هذه ساقها الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في ((سننه)) بسند المصنّف، فقال: (٤٦٧٩) حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله وَ﴾ قال: ((ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين، أغلبَ لذي لُبُّ منكنّ))، قالت(١): وما نقصان العقل والدين؟ قال: ((أما نقصان العقل فشهادة امرأتين شهادةُ رجل، وأما نقصان الدين، فإن إحداكنّ تُفطر رمضان، وتقيم أياماً لا تصلي)). وأخرجها الإمام أحمد في ((مسنده)) ٦٦/٢ - ٦٧، فقال: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، وقال مرّة: حيوة، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله وسلم قال: ((يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار؛ لكثرة اللعن، وكُفْر العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أغلب لذي لُبّ منكنّ))، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: ((أما نقصان العقل والدين، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٢٥٠] (٨٠) - (وحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ). (١) الرواية فيها اختصار، كما تقدّم في حديث ابن عمر ◌ًُّا. ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكّة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤. ٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧. ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقة فقيه، كان يرسل [٥]. رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وجابر، وربيعة بن عباد الدِّيلي، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وأبي صالح السمان، وبسر بن سعيد، والأعرج، وغيرهم. ورَوَى عنه أولاده الثلاثة: أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومالك، وابن عجلان، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وحفص بن ميسرة، وداود بن قيس الفراء، وأيوب السختياني، وجرير بن حازم، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومعمر، وهشام بن سعد، والسفيانان، والدَّرَاوَرْديّ، وجماعة. قال الدُّوريّ عن ابن معين: لم يسمع من جابر ولا من أبي هريرة، وقال مالك عن ابن عجلان: ما هِبْتُ أحداً قط هيبتي زيد بن أسلم، وقال العطاف بن خالد: حَدّث زيد بن أسلم بحديث، فقال له رجل: يا أبا أسامة عمّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي ما كنا نجالس السفهاء، وقال أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي، وابن خراش: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، وكان عالماً بتفسير القرآن. وقال البخاري في ((تاريخه)): قال زكريا بن عدي: ثنا هشيم، عن محمد بن عبد الرحمن القرشي،