Indexed OCR Text
Pages 541-560
(٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ◌ُه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٧) ٥٤١ فلمّا خصّ الله تعالى نبيّنا محمداً وَ له بعلوم الأولين والآخرين من غير كتابة ولا مُدارسة، كان ذلك خارقاً للعادة في حقّه، ومن أوصافه الخاصّة به الدالّة على صدقه التي نُعِت بها في الكتب القديمة، وعُرف بها في الأمم السابقة، كما قال تعالى: ﴿الَِّينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فقد صارت الأمّيّة في حقّه من أعظم معجزاته، وأجلّ كراماته، وهي في حقّ غيره نقصٌ ظاهرٌ، وعجزٌ حاضرٌ، فسبحان الذي صيّر نقصنا في حقّه كمالاً، وزاده تشريفاً وجلالاً وَِّ. انتهى(١). (إِلَيَّ) متعلّق بـ«عهد)) (أَنْ) بفتح الهمزة، وسكون النون هي المصدريّة الناصبة للمضارع، قال القرطبيّ: ويحتمل أن تكون المخفّفةَ من الثقيلة، وكذلك رُوي (يُحبّني)) بضم الباء وفتحها، وكذلك ((يُبغضني))؛ لأنه معطوف (٢) عليه. انتهى ٠ (لَا) نافية (يُحِبَّنِي) بضم أوله، من أحبّه رباعيّاً، ويجوز فتح أوله، وكسر ثالثه، من حبّه ثلاثيّاً، قال الفيّوميّ: أحببت الشيءَ بالألف، فهو مُحَبّ، وحَبَيتُه أَحِبّه، من باب ضرب، والقياس أَحُبُّه بالضمّ، لكنه غير مستعمل(٣)، وحَبِبْتُهُ أَحَبُّهُ، من باب تَعِب لغة. انتهى (٤). (إِلَّا مُؤْمِنٌ) أي خالص الإيمان من النفاق. والمراد بحبه الحبّ اللائق به، لا على وجه الإفراط، فإن الخروج عن الحدّ غير مطلوب، وليس من علامات الإيمان، بل قد يؤدّي إلى الكفر والطغيان، فإن قوماً قد خَرَجُوا عن الإيمان بالإفراط في حبّ عيسى ◌ِلَّا. قاله .(٥) السنديّ(٥) . (١) ((المفهم)) ٢٦٧/١ ((كتاب الإيمان)). (٢) ((المفهم)) ٢٦٧/١. (٣) هكذا قال، ومثله قول ابن مالك في ((لاميّته)) حينما يذكر ما خرج عن القياس: ذَا وَجْهَيْنِ هَرَّ وَشَدَّ عَلّهُ عَلَلَا فَذُو الثَّعَدِّي بِکَسْرٍ حَبَّهُ وَعِ يعني أن يحِبه بالكسر شاذٌ، والقياسَ الضم؛ لأنه مضاعف معدّى. لكن ذكر شراح (اللامية)) المذكورة، أنه سمع ((يَحُبّه)) بالضم أيضاً، فيكون مما فيه الوجهان، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. (٤) ((المصباح المنير)) ١/ ١١٧. (٥) ((شرح السنديّ)) ١/ ٨١. ٥٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال القاري: المعنى: لا يُحبّني حبّاً مشروعاً مُطابقاً للواقع من غير زيادة ونقصان؛ ليخرُج النصيريّ(١) والخارجيّ. انتهى(٢). (وَلَا يُبْغِضَنِي) بضم أوله، وكسر ثالثه رباعيّاً من أبغضه بالألف لا غيرُ، قال الفيّوميّ: وأبغضته إبغاضاً، فهو مُبغَضٌ، قالوا: ولا يُقال: بَغَضته بغير ألف(٣). انتهى (٤). (إِلَّا مُنَافِقٌ) أي إلا من ليس مؤمناً باطناً، وإن تظاهر بمظهر الإسلام. والمنافق اسم فاعل من النفاق، وهو - كما قال ابن الأثير - اسم إسلاميّ، لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستُر كفره، ويُظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً، يقال: نافق ينافق منافقةً ونفاقاً، وهو مأخوذ من النافقاء، أحد جِحَر اليربوع، إذا طُلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه. وقيل: من النَّفَق، وهو السَّرَب الذي يُستَتر فيه؛ لِسَتْرِهِ كُفْرَهُ(٥) . والمراد بالبغض هو البغض لأجل مزاياه الدينيّة، وأما البغض الناشئ بسبب أمر دنيويّ يفضي إليه بالطبع، كما يجري في التعامل، فليس نفاقاً أصلاً، (١) ((النصيريّ)) بالتصغير نسبة إلى نُصير اسم رجل، والنصيريّة طائفة من غلاة الشيعة، ينتسبون إلى رجل اسمه نُصير، وكان من جماعة قريباً من سبعة عشر نفساً، كانوا يزعمون أن علياً هو الله، وهؤلاء شرّ الشيعة، وكان ذلك في زمن عليّ، فحذّرهم، وقال: إن لم ترجعوا عن هذا القول، وتجدّدوا إسلامكم، وإلا عاقبتكم عقوبة ما سمعوا مثلها في الإسلام، ثم أمر بأخدود، وحفر في رحبة جامع الكوفة، فأشعل فيه النار، وأمرهم بالرجوع فما رجعوا، فأمر غلامه قنبر حتى ألقاهم في النار، فهرب واحد من الجماعة، اسمه نُصير، واشتهر هذا الكفر منه، وأن عليّاً لما ألقاهم في النار التفت واحد، وقال: الآن تحقّقت أنه هو الله؛ لأنه بلغنا عن النبيّ وَالر أنه قال: ((لا يعذّب بالنار إلا ربها)). انتهى. ((الأنساب)) ٤٩٨/٥ - ٥٠٠. (٢) ((المرقاة)) ٤٥٧/١٠. (٣) وقال في ((القاموس)) و((شرحه)) ٩/٥: قال أبو حاتم: وقولهم: أنا أبغُضُه، ويَبْغُضُني بالضمّ لغة رديئة. انتهى. (٤) (المصباح)) ٥٦/١. (٥) راجع: ((النهاية)) ٩٨/٥. ٥٤٣ (٣٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ ◌ِظُه ... إلخ - حديث رقم (٢٤٧) وقد سبّ العبّاس عليّاً ◌ّا بسبب ما جرى بينهما من التعامل في مجلس عمر رَّه أشدّ سبّ(١)، وهو مشهور في ((الصحيحين)) وغيرهما، فلم ينقص ذلك من إيمانه (٢). وقال القرطبيّ تَّتُ: من أحبّ عليّاً ظُبه لسابقته في الإسلام، وقِدَمه في الإيمان، وغَنَائه فيه، وذَوْده عنه، وعن النبيّ ◌َّ، ولمكانته من النبيّ وقرابته، ومصاهرته، وعلمه، وفضائله، كان ذلك منه دليلاً قاطعاً على صحّة إيمانه ويقينه، ومحبّته للنبيّ بَّر، ومن أبغضه لشيء من ذلك كان على العكس. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ رَبُّه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالی . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٤٧/٣٥] (٧٨)، و(الترمذيّ) في (المناقب)) (٣٧٣٦)، و((النسائيّ)) في ((الإيمان)) (٥٠٢٠ و٥٠٢٤ و٥٠٣٧)، و((الكبرى)) في ((فضائل الصحابة)) (٨٠٩٧)، وفي ((الخصائص)) (٨٤٣١ و٨٤٣٢ و٨٤٣٣)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١١٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٥٦/١٢ و٥٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٤/١ و٩٥ و١٢٨)، وفي ((فضائل الصحابة)) (٩٤٨ و٩٦١)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنة)) (١٣٢٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩١)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٧)، و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (٦٩٢٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٣٩٠٨ و٣٩٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ولفظه عند مسلم (١٧٥٧): فقال عبّاس: ((يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ... )) الحديث. (٢) راجع: ((شرح السنديّ)) ١/ ٨١. (٣) ((المفهم)) ٢٦٤/١ ((كتاب الإيمان)). ٥٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ١ - (منها): بيان علامة الإيمان، وهو أن الإنسان إذا أحبّ عليّاً نظُبه دلّ ذلك على أنه مؤمن بشهادة النبيّ وَلّ له بذلك في هذا الحديث، وهذا وجه إدخال المصنّف رحمه الله تعالى له في هذا الباب. ٢ - (ومنها): أن بغض عليّ ، علامة من علامات النفاق، أعاذنا الله ضُرُ عَبْه تعالى منه . ٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعليّ ◌َظُله، حيث كان حبّه من جمّة، قد كتب العلماء فيها كتُباً ضرعنه الإيمان، وبغضه من النفاق، ومناقبه كثيرة، ومنها ((خصائص عليّ رَظُّه)) للإمام النسائيّ رحمه الله تعالى. ٤ - (ومنها): فضل السبق إلى الإسلام، وفضل بذل المال والنفس في نشره والذّبّ عنه، فإن عليّاً نظُبه وغيره من أفاضل الصحابة وظ﴿ه ما نالوا الفضائل العظيمة، والمناقب الجسيمة إلا بسبب مسارعتهم إلى الإسلام، وإبلائهم فيه بلاءً حسناً، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللهم اهدنا كما هديتهم، وارزقنا اتّباع آثارهم، واحشرنا في زمرتهم، إنك أنت السميع العليم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣٦) - (بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ، وَبَيَانِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْكُفْرِ عَلَى غَيْرِ الْكُفْرِ بِاللهِ، كَكُفْرِ النِّعْمَةِ وَالْحُقُوقِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٨] (٧٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ِّ أَنَّهُ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَأَكْثِرْنَ الإِسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ))، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٤٥ أَغْلَبَ لِذِي لُبِّ مِنْكُنَّ))، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: ((أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنٍ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ) التَّجِيبِيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدَويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيخه، فتفرّد به هو وابن ما جه . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، سوى شيخه والليث فمصریّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن الهاد عن عبد الله بن دینار. ٥ - (ومنها): أن فيه ((ابن الهاد))(١) سُمّي بالهاد؛ لأنه كان يوقد ناراً؛ (١) وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، فالهاد والد لأسامة، هكذا في كتب الرجال، فما قاله النوويّ في ((شرحه)) من أن الهاد هو أسامة، محلّ نظرٌ، والله تعالى أعلم. ٥٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ليهتدي إليها الأضياف، ومن سلك الطريق، وهكذا يقوله المحدّثون ((الهاد))، وهو صحيح على لغة، والمختار في العربيّة ((الهادي)) بالياء؛ لأن الأفصح في المنقوص إذا كان بـ((أل)) الوقف عليه بالياء، كما أشار ابن مالك إلى ذلك في ((الخلاصة» بقوله: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي نَحْوِ ((مُرٍ)) لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبالة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً، ومن المشهورين بالفتوى من الصحابة ه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ◌َّا (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) (الْمَعْشَرُ)) كلُّ جماعة أمرهم واحد، ونُقِل عن ثعلب أنه مخصوص بالرجال، وهذا الحديث يَرُدّ عليه، إلا إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)): ((المعشر)) الجماعة، متخالطين كانوا أو غير ذلك، قال الأزهريّ: أخبرني المنذر، عن أحمد بن يحيى، قال: المعشر، والنفر، والقوم، والرَّهْطُ هؤلاء معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، للرجال دون النساء، وعن الليث: المعشر كلُّ جماعة أمرهم واحد، وهذا هو الظاهر، وقول أحمد بن يحيى مردود بالحديث، ويُجمع على معاشر. انتهى(١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: ((المعشر)): هم الجماعة الذين أمرهم واحد، أي مُشترِكون، وهو اسم يتناولهم، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والنساء معشر، ونحو ذلك، وجمعه معاشر. انتهى (٢). وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((يا معشر النساء)). هذا خطاب عامّ، غُلِّبت فيه الحاضراتُ على الغائبات، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، واللام للاستغراق. انتهى (٣). (١) ((عمدة القاري)) ٢٧٠/٣. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢/ ٤٦٤. (٢) ((شرح مسلم)) ٦٦/٢. ٠ ٥٤٧ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: (يا معشر النساء)) هذا نداء لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشاد لهنّ إلى ما سيُخلّصهنّ من النار، وهو الصدقة مطلقاً واجبها وتطوّعها، والظاهر أن المراد هنا القدر المشترك بين الواجب والتطوّع؛ لقوله في بعض طرقه: ((ولو من حليّكن))، متّفقٌ عليه. (تَصَدَّقْنَ) أمرٌ لهنّ بالصدقة، وهي ما تُعطَى للفقراء في ذات الله تعالى(١). (وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ) أي طَلَبَ سَتْرٍ ذنوبكنّ، قال القرطبيّ: الاستغفار سؤال المغفرة، وقد يُعبّر به عن التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، أي توبوا، وإنما عبّر عن التوبة بالاستغفار؛ لأنه إنما يصدُر عن الندَم وترك (٢) الإصرار، وذلك هو التوبة، فأما الاستغفار مع الإصرار فحال المنافقين والأشرار، وهو جدير بالردّ وتكثير الأوزار، وقد قال بعض العارفين: الاستغفار باللسان توبة الكذابين. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف(٣). (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (رَأَيْتُكُنَّ) الظاهر أنه أراد رؤية صِنْفِهِنّ لا نفس المخاطبات، قال القرطبيّ: اطّلع على نساء آدميّات من نوع المخاطبات لا نفس المخاطبات، كما قال في الرواية الأخرى: ((اطّلعت على النار، فرأيتُ أكثر أهلها النساء)»، متّفقٌ عليه. [تنبيه]: يَحْتَمِلُ أن تكون رؤيته ◌َّ﴿ إياهنّ في النار ليلة الإسراء، ويَحْتَمِلُ أن یکون رآهنّ في صلاة الکسوف، کما سيجيء ذلك في حديث ابن عباس . بلفظ: ((ورأيت النارَ، فلم أر كاليوم منظراً قطّ، ورأيت أكثر أهلها النساء ... ))، والله تعالى أعلم. وفي حديث أبي سعيد نظ ◌ُه: ((أُريتكنّ)) بصيغة الماضي المبنيّ للمفعول، قال الطيبيّ: (أريتكنّ)) بمعنى أُخبرتُ، وأُعلمتُ بأنكنّ أكثر أهل النار، فهو يتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل: الأول ضمير المتكلّم المتّصل به، والثاني: ضمير (١) راجع: ((اللسان)) ١٩٦/١٠. (٢) وقع هنا في ((المفهم)): ((وجل الإصرار)) والظاهر أنه مصحّف، والله تعالى أعلم. (٣) ((المفهم)) ٢٦٨/١. ٥٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان المخاطبات، وهو ((كُنّ))، والثالث: قوله: ((أكثر))، و((من)) في قوله: ((من ناقصات)) مزيدة استغراقيّةٌ؛ لمجيئها بعد النفي، ومن ثمّ قيل: ((من إحداكنّ))، و((من)) فيه متعلّقةٌ بـ((أذهب))، والمفضّل عليه مقدّرٌ، ويحتمل أن تكون ((من)) بياناً لـ(ناقصات)) على سبيل التجريد (١)، كقولك: رأيتُ منك أَسَداً، جَرَّدَ من ((إحداكنّ)) ناقصات، ووصفها بالجمع على طريقة ﴿شِهَابًا رَّصَدًا﴾(٢) [الجنّ: ٩] و((أذهب)) لمطلق الزيادة، صفة موصوف محذوف، أي ما رأيت أحداً، و((أذهب)) صفة ((أحداً))، و((ذلكَ)) إشارة إلى الحكم المذكور، والكاف فيه للخطاب العامّ، وإلا لقال: ((ذلكنّ))؛ لأن الخطاب للنساء. انتهى(٣). (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) بنصب ((أكثر)) إما على أن هذه الرؤية تتعدى إلى مفعولين، وإما على الحال على مذهب ابن السرّاج وأبي علي الفارسي وغيرهما ممن قال: إن أفعل لا يتعرف بالإضافة، وقيل: هو بدل من الكاف في ((رأیتکن)). وأما قولها: ((وما لنا أكثرَ أهل النار؟))، فمنصوب إما على الحكاية، وإما على الحال(٤). (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ) - بفتح الجيم، وإسكان الزاي - قال ابن الأثير: أي تامّة الخلق، ويجوز أن تكون ذات کلام جَزْل: أي قويّ شدید. انتهى (٥)، وقال القاضي عياض: أي ذات عقل ورأيٍ، قال ابن دُرَيد: الْجَزَالة الْعَقْلُ والْوَقَار، وفي ((العين)): امرأة جَزِيلة: أي ذاتَ عَجِيزة عَظيمة، وأصله: العظيم من كلّ شيء، ومنه: عطاء جَزْل. انتهى (٦)، وقال القرطبيّ: الجَزَالة: الشَّهامة والْجِدَةُ مع العقل والرفق. انتهى(٧) . (١) التجريد: أن يُنتزع من متّصف بصفة آخرُ مثلُهُ فيها مبالغةً في كمالها . (٢) وجهه أنه وصف ((شهاباً)) وهو مفرد باسم الجمع، وهو ((رصداً)). (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٦٥/٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ٦٦/٢. (٥) ((النهاية)) ٢٧٠/١. (٦) ((إكمال المعلم)) ٣٧٨/١ - ٣٧٩، و((الصيانة)) ص٢٥٨. (٧) ((المفهم)) ٢٦٩/١. (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٤٩ فلما سمع النساء ذلك علمن أن ذلك كان بسبب ذنب لهنّ، فبادرت هذه المرأة لجزالتها وشدّة حرصها على ما يُخلّص من هذا الأمر العظيم، فسألت عن ذلك، فقالت: (وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟) فأجابها نَّهِ فـ (قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) بضم حرف المضارعة، من الإكثار، والجملة في معنى التعليل، والمعنى لأنكنّ تكثرن اللعن. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((اللعن)) في اللغة: الطرد والإبعاد، ومعناه في الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى. انتهى(١). وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أصل اللعن: إبعاد الله تعالى العبد من رحمته بسخط، ومن الإنسان الدعاء عليه بالسخط. انتهى (٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((تُكثرن اللعن)): أي يدور اللعنُ على ألسنتهنّ كثيراً لمن لا يجوز لعنه، وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب، كما غلب بعد ذلك على النساء والرجال، حتى إنهم إذا استحسنوا شيئاً ربّما لعنوه، فيقولون: ما أشعره لعنه الله!، وقد حَكَى بعضهم أن قصيدة ابن دُريد تُسمّى عندهم الملعونةَ؛ لأنهم كانوا إذا سمعوها قالوا: ما أشعره لعنه الله!، وقد تقدّم أن اللعن: الطرد والبعد. انتهى (٣). (وَتَكْفُرْنَ) قال الراغب: الكُفر في اللغة: ستر الشيء، وكُفر النعمة وكُفرانها سترها بترك أداء شُكرها، قال: ﴿فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وأعظم الكفر جحود الوحدانيّة، والربوبيّة، والنبوّة، والشريعة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالاً، والكفر في الدين أكثر، والْكُفُور فيهما جميعاً، قال: ﴿فَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠]. انتهى (٤). (الْعَشِيرَ) بفتح العين وكسر الشين: هو في الأصل: المعاشر مطلقاً، والمراد هنا الزوج، قاله النوويّ(٥). وقال الشيخ ابن الصلاح: وهذا قاض بأن نفس إكثار اللعن، ونفس (١) ((إكمال المعلم)) ٣٧٩/١. (٣) ((المفهم)) ٢٦٩/١. (٥) ((شرح مسلم)) ٦٦/٢. (٢) راجع: ((الكاشف)) ٤٦٥/٢. (٤) راجع: ((الكاشف)) ٢ /٤٦٤ - ٤٦٥. ٥٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان كفرهنّ إحسان الأزواج من الكبائر، أما اللعن فمن أعظم الجنايات القوليّة، وقد ثبت عنه ◌َّ﴿ أن لعن المؤمن كقتله، متَّفقٌ عليه، وأما كفرانهنّ إحسان الزوج، فقد كان يمكن أن يقال: ليس هو نفسه السبب في ذلك، بل ما يستصحبه من معصية الزوج ونحو ذلك، لولا تفسيره سلو ذلك في الحديث الآخر بقوله: ((لو أحسنت إلى إحداهنّ الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيتُ منك خيراً قطّ))، متّفقٌ عليه. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): أي تجحدن حقّ الخليط، وهو الزوج، أو أعمّ من ذلك(٢) . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((العشير)) هنا الزوج، يُسمّى بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كلّ واحد منهما يُعاشر صاحبه، و(العشير)) أيضاً الخليط والصاحب، وقد قال الباجيّ: يحتمل أن يريد به الزوج خاصّةً، ويحتمل أن يريد به كلّ من يُعاشرهنّ، ودليل الحديث خلاف ما قاله من شرحه بمعنى الزوج بعد هذا دون غيره، واستحقاقهنّ النار بكفران العشير وجحد حقّه يدلّ على أنه الزوج؛ لعظيم حقّه عليهنّ. انتهى(٣). (وَمَا) نافية (رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ) صفة موصوف محذوف: أي ما رأيت أحداً من ناقصات، قاله الطيبيّ(٤) (عَقْلِ وَدِينٍ) المراد نُقصان كمالهما، قال الطيبيّ: العقل غريزة في الإنسان، يُدركَ بها المعنى، ويمنعه عن القبائح، وهو نور الله في قلب المؤمن. انتهى(٥). وقال القرطبيّ: والعقل الذي نقصه النساء هو: التثبّت في الأمور، والتحقيق فيها، والبلوغ فيها إلى غاية الكمال، وهنّ في ذلك غالباً بخلاف الرجال، وأصل العقل: العلمُ، وقد يقال على الهدوء، والوقار، والتثبّت في الأمور، وللعلماء خلاف في حدّ العقل المشترط في التكاليف، ليس هذا موضع ذكره. (١) ((الصيانة)) ٢٥٨ - ٢٥٩. (٣) ((إكمال المعلم)) ٣٧٩/١ - ٣٨٠. (٢) ((الفتح)) ١/ ٤٨٤. (٤) ((الكاشف)) ٤٦٥/٢. (٥) ((الكاشف)) ٤٦٥/٢. ٥٥١ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) قال: والدين هنا يُراد به العبادات، وليس نقصان ذلك في حقّهنّ ذمّاً لهنّ، وإنما ذكر النبيّ ◌َ﴿ ذلك من أحوالهنّ على معنى التعجّب من الرجال، حيث يغلبهم مَن نَقَصَ عن درجتهم، ولم يَبلُغ كمالهم، وذلك هو صريح قوله : ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنّ)) (١). انتهى(٢). (أَعْلَبَ لِذِي لُبِّ) أي صاحب عقل، ومنه تكرار النبيّ وََّ(٣) قولَ الأعشى في امرأته: وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غُلِبْ وقول صاحبة أم زرع: ((وَأَغْلِبُهُ، والنَّاسَ يَغْلِبُ)) (٤)، وقول معاوية (٥): (يَغْلِبْنَ الكرامَ، ويَغْلِبُهُنّ اللَّئَامُ))، قاله في ((الإكمال))(٦). وقال الطيبيّ: اللبّ: العقل الخالص من الشوائب، وسُمّي بذلك؛ لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زَكَى من العقل، وكلُّ لُبِّ عقلٌ، وليس كلُّ عقل لُبّاً. انتهى(٧). (مِنْكُنَّ)) وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه عند البخاريّ: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبّ الرجل الحازم من إحداكنّ)). قال في ((الفتح)): قوله: ((أذهب)) أي أشد إذهاباً، واللَّبُّ أخص من العقل، وهو الخالص منه، والحازم: الضابط لأمره، وهذه مبالغةٌ في وصفهن بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهنّ، فغير الضابط أولى، واستعمال (١) راوه البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ ضُله (٣٠٤). (٢) ((المفهم)) ٢٦٩/١ - ٢٧٠. (٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في ((المسند)) من زياداته (٢٠١/٢ و٢٠٢). قال الحافظ الهيمثيّ في ((مجمع الزوائد» (٣٣١/٤ - ٣٣٢): رجاله ثقات، وصححه العلامة أحمد محمد شاكر فى ((تحقيقه للمسند)) (١٠٠/٦). (٤) هذه الزيادة ليست في رواية ((الصحيحين))، بل هي عند النسائيّ في ((الكبرى))، والطبرانيّ، والزبير بن بكار، قاله في ((الفتح)) ٩/ ٢٦٤. (٥) ذكره الميدانيّ في ((مجمع الأمثال)) ٤٢٦/٢ غير معزوّ لمعاوية. (٦) ((إكمال المعلم)) ١/ ٣٨١ - ٣٨٢. (٧) ((الكاشف)) ٤٦٥/٢. ٥٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أفعل التفضيل من الإذهاب جائز عند سيبويه، حيث جَوَّزه من الثلاثي والمزيد. (١) . انتھی (قَالَتْ) تلك المرأة الجَزْلة مستفسرة عن وجه نقصان دينهنّ وعقلهنّ، وفي حديث أبي سعيد: ((وقلن: وما نقصان ديننا)) (يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟) وفي حديث أبي سعيد: ((قُلْنَ: وما نقصان ديننا؟))، قال في ((الفتح)): كأنه خفي عليهنّ ذلك، حتى سألن عنه، ونفس السؤال دالّ على النقصان؛ لأنهن سَلَّمن ما نُسِبَ إليهن من الأمور الثلاثة: الإكثار، والكفران، والإذهاب(٢) ثم استشكلن كونهنّ ناقصات، وما ألطف ما أجابهنّ به بَّ من غير تعنيف ولا لَوْم. (قَالَ) ◌ِ (َأَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لأن الاستظهار بأخرى مُؤْذِن بقلة ضبطها، وهو مُشْعِرٌ بنقص عقلها . [تنبيه]: حَكَى ابنُ التين عن بعضهم أنه حَمَلَ العقل هنا على الدية، فقال: المراد أن دية المرأة على نصف دية الرجل، وهذا باطلٌ يُبطله قوله: ((أما نُقصان العقل ... إلخ))، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وفي حديث أبي سعيد: ((أليس شهادة المرأة ... إلخ)) وهذا جواب منه وَّ بلطف، وإرشادٌ من غير تعنيف ولا لوم، حيث خاطبهنّ على قدر فهمهنّ؛ لأنه ◌َُّ جُبل على اللين والرحمة، كما تعالى: ﴿فَمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] (فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ) أي هذا أمارة نقصان العقل، أو أثره. قال المازريّ: هذا تنبيهٌ منه وَّر على ما وراءه؛ لأنه ليس في الوصف بقصور شهادتها عن شهادة الرجل بمجرّد دليلٌ على نقص العقل حتى يتمّ بما نَبَّهَ الله وَلَ عليه في كتابه من أن ذلك لأجل قلّة ضبطها، وذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. (١) ((فتح)) ٤٨٤/١. (٢) أي في قوله في حديث أبي سعيد: «أذهب للبّ الرجل الحازم ... )). ٥٥٣ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) (وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّ) أي تمكث ليالي وأياماً لا تصلي بسبب الحيض (وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ) أي تُفطر أياماً من رمضان بسبب الحيض (فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ))) وفي حديث أبي سعيد: ((فذلك من نقصان دينها)»، وهو بكسر الكاف خطاباً للواحدة، التي تولّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنه للخطاب العامّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ها هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالی . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٤٨/٣٦ و٢٤٩] (٧٩)، و(أبو داود) (٤٦٧٩)، و(ابن ماجه) (٤٠٠٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٦/٢ - ٦٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٩ و٢٤٠ و٢٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نقصان الدين الدالّ على إثبات نقصان الإيمان وزيادته، وما فيه من استعمال لفظ الكفر لا في الكفر السالب للإيمان، وهذا هو وجه إيراد المصنّف له في كتاب الإيمان. ٢ - (ومنها): الحثّ على الصدقة، وأفعال البرّ، والإكثار من الاستغفار، وسائر الطاعات. ٣ - (ومنها): بيان أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفّر الذنوب التي بين المخلوقين، وأن إكثار الحسنات سببٌ لتكفير السيئات، كما قال الله رحمت : ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ٤ - (ومنها): بيان أن كفران العشير والإحسان من الكبائر، فإن التوعد بالنار من علامة كون المعصية كبيرةً، كما سيأتي إيضاحه قريباً - إن شاء الله تعالى -. (١) ((فتح)) ٤٨٤/١، و((عمدة القاري)) ٢٧٢/٣. ٥٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٥ - (ومنها): بيان أن اللَّعْن أيضاً من المعاصي الشديدة القبح، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وليس فيه أنه كبيرة، فإنه ◌َ لل قال: (تكثرن اللعن))، والصغيرة إذا أُكثرت صارت كبيرة، وقد قال ◌َّر: ((لعن المؤمن كقتله). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر هذا الحديث أن لعن المؤمن كبيرة؛ لأنه شبّهه بقتله، وقتله كبيرة بلا خلاف، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: واتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة الإبعاد والطرد، وفي الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى، فلا يجوز أن يُبْعَد من رحمة الله تعالى مَن لا يُعْرَف حاله، وخاتمة أمره معرفةً قطعيّةً، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه، مسلماً كان أو كافراً أو دابة، إلا من عَلِمْنا بنص شرعيّ أنه مات على الكفر أو يموت عليه، كأبي جهل، وإبليس، وأما اللعن بالوصف، فليس بحرام، كلعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصَوِّرين، والظالمين، والفاسقين، والكافرين، ولَعْنِ مَن غيّر مَنَارَ الأرض، ومن تولّى غير مواليه، ومَن انتَسَبَ إلى غير أبيه، ومن أَحْدَث في الإسلام حَدَثاً أو آوى مُحْدِثاً، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف، لا على الأعيان، والله تعالى أعلم. انتهى(١). ٦ - (ومنها): أن فيه إطلاقَ الكفر على غير الكفر بالله تعالى، ككفر العَشِير، والإحسان، والنعمة، والحقّ، وغيرها من الذنوب التي لا تُخرِج من الملة؛ تغليظاً على فاعلها، وهو كإطلاق نفي الإيمان، ويؤخذ من ذلك صحةٌ تأويل الكفر في الأحاديث المتقدّمة في الأبواب السابقة على ما تأولناها . ٧ - (ومنها): أن فيه وعظَ الإمام، وأصحاب الولايات، وكُبَراء الناس رَعَاياهم، وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم على الطاعات. ٨ - (ومنها): مشروعيّة مراجعة المتعلم العالمَ، والتابع المتبوعَ فيما قاله، إذا لم يظهر له معناه، كمراجعة هذه الْجَزْلَة ضَّا . ٩ - (ومنها): جواز إطلاق ((رمضان)) من غير إضافة إلى الشهر، وفيه ردّ على من كره ذلك كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى -. (١) ((شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ٦٧/٢. ٥٥٥ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ١٠ - (ومنها): أن قوله: ((وتمكث الليالي ما تصلّي)) يدلّ على أن منع الحائض من الصوم والصلاة كان ثابتاً بحكم الشرع قبل ذلك المجلس. ١١ - (ومنها): بيان مشروعيّة أمر الإمام الناسَ بالصدقة. ١٢ - (ومنها): جواز عِظَة الإمام النساءَ على حِدَةٍ. ١٣ - (ومنها): بيان أن جَحْدَ النعم حرام، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح، كاللعن والشتم. ١٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة الإغلاظِ في النصح بما يكون سبباً لإزالة الصفة التي تُعَابُ، وأن لا يواجه بذلك الشخص المعين؛ لأن في التعميم تسهيلاً على السامع. ١٥ - (ومنها): بيان أن العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان كما تقدم، وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهنّ على ذلك؛ لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيراً من الافتتان بهنّ، ولهذا رَتَّبَ العذاب على ما ذُكِر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين مُنحصِراً فيما يَحصُل به الإثم بل في أعم من ذلك. ١٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه وَ﴿ه من الْخُلُق العظيم، والصفح الجميل، والرفق والرأفة، فقد ظهر مصداق قوله رَك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (!)﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، [الأنبياء: ١٠٧]، صلى الله عليه وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً، وزاده تشريفاً وتكريماً وتعظيماً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما وصفه وَالّ النساء بنقصان الدين لتركهنّ الصلاة والصوم في زمن الحيض، فقد يُسْتَشْكَل معناه، وليس بمشكل، بل هو ظاهرٌ، فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد، كما قدمناه في مواضع، وقد قدمنا أيضاً في مواضع أن الطاعات تُسَمَّى إيماناً وديناً، وإذا ثَبَتَ هذا عَلِمنا أن من كثُرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نَقَّصت عبادته نقص دينه، ثم نَقْصُ الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك ٥٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه، كمن ترك الجمعة، أو الغزو، أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون على وجه هو مُكَلَّف به، كترك الحائض الصلاة والصوم. [فإن قيل]: فإن كانت معذورةً فهل تثاب على الصلاة في زمن الحيض، وإن كانت لا تقضيها، كما يثاب المريض والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره مثلُ نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته وحضره؟. [فالجواب]: أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنيّة الدوام عليها مع أهليته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض، فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلي النافلة في وقت ويترك في وقتٍ، غير ناو الدوام عليها، فهذا لا يُكتَب له في سفره ومرضه في الزمن الذي لم يكن يتنفل فيه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ(١). وقال الحافظ رحمه الله تعالى بعد نقله كلام النوويّ هذا ما نصّه: وعندي في كون هذا الفرق مستلزماً لكونها لا تُثاب وقفةٌ. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أيضاً توقّف كما قال الحافظ، وذلك أن الحائض في هذا مثل المريض الذي منعه مرضه عن أداء ما كان يفعله في صحّته، وهذا المعنى موجود فيها؛ لأن من نيتها أن تُصلّ لولا مانع الحيض الذي هو عذرٌ شرعيّ، ربما يكون المسافر أهون منها في ذلك؛ لأنه يمكنه أن يترك سفره ويؤدي العبادة، ومع ذلك عذره الشرع وجعل له ثواب ما كان يعمله في الحضر، فالحائض التي لا يمكنها أن تتخلّى عن الحيض حتى تؤدي الصلاة أولى بأن يعذرها الشرع، ويجعل لها ثواب ما كانت تعمله لولا المانع الشرعيّ، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى ((العقل)) وفي مقرّه: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قد اختَلَف الناس في العقل ما هو؟ (١) ((شرح مسلم)) ٦٨/٢. (٢) ((فتح)) ٤٨٥. (٣٦) - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) ٥٥٧ فقيل: العلم، وهذه طريقة من اتّبع حكم اللغة؛ لأن العلم والعقل في اللسان بمعنى واحد، ولا يُفرّقون بين قولهم: عَقَلتُ وعَلِمتُ، وقيل: العقل بعض العلوم الضروريّة، وقيل: هو قوّة يُميِّز بها بين حقائق المعلومات، فأما على قول من قال: هو العلم، فيكون وصفهنّ بنقص العقل لأجل النسيان وقلّة الضبط على ظاهره؛ لأن ذلك نقصٌ من العلوم، وعلى رأي من رأى أن العقل غير ذلك، يكون قلّةُ الضبط والنسيان وشِبْهُ ذلك عَلَماً على القصور والنقص في ذلك المعنى الطبيعيّ الذي هو شرطٌ في تلقّي التكاليف وكثرة العلوم. انتهى(١). واختلفوا أيضاً في محله، فقال المتكلمون: هو في القلب، وقال بعض العلماء: هو في الرأس، قاله النوويّ(٢). ولقد حقّق المسألة تحقيقاً بالغاً شيخ الإسلام الإمام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في رسالة قيّمة، لا نظير لها في بابها، أحببتُ إيرادها، وإن كانت طويلة إلا أن هذا الشرح ما وضعته إلا لاستيفاء المسائل حسب الإمكان، فلا يُستغرب طول مباحثه، كما أوضحته في أوائل شرح المقدّمة. ونصّ الرسالة: سئل شيخ الإسلام الإمام العلامة، تقيّ الدين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية حظيبه عن ((العقل)) الذي للإنسان، هل هو عَرَضٌ، وما هي ((الروح)) المدَبِّرة لجسده، هل هي النفس، وهل لها كيفيةٌ تُعْلَمُ، وهل هي عَرَضٌ أو جوهرٌ، وهل يُعْلَم مسكنها من الجسد، ومسكن العقل؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين، ((العقل)) في كتاب الله، وسنة رسوله وَّر، وكلام الصحابة والتابعين، وسائر أئمة المسلمين، هو أمرٌ يقوم بالعاقل، سواء سُمِّي عَرَضاً أو صفةً، ليس هو عيناً قائمةً بنفسها، سواءً سُمِّي جوهراً أو جسماً أو غير ذلك، وإنما يوجد التعبير باسم العقل عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس، ويَدَّعُون ثبوت عقول عشرة، كما يذكر ذلك مَنْ يذكره من أتباع أرسطو، أو غيره من المتفلسفة المشائين، ومن تَلَقَّى ذلك عنهم من المنتسبين إلى الملل. (١) ((إكمال المعلم)) ٣٨٣/١. (٢) (شرح مسلم)) ٦٨/٢. ٥٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقد بُسِطَ الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع، وبُيِّنَ أن ما يذكرونه من العقول، والنفوس، والمجردات، والمفارقات، والجواهر العقلية، لا يثبت لهم منه إلا نفس الإنسان، وما يقوم بها من العلوم وتوابعها، فإن أصل تسميتهم لهذه الأمور مفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس البدن بالموت، وهذا أمر صحيح، فإن نفس الميت تفارق بدنه بالموت، وهذا مبنيّ على أن النفس قائمة بنفسها، تبقى بعد فراق البدن بالموت مُنَعَّمةً أو مُعَذَّبةً، وهذا مذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم، وهو قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، وإن كان كثير من أهل الكلام يزعمون أن النفس هي الحياة القائمة بالبدن، ويقول بعضهم: هي جزء من أجزاء البدن، كالريح المترَدِّدة في البدن أو البخار الخارج من القلب. ففي الجملة النفس المفارقة للبدن بالموت ليست جزءاً من أجزاء البدن، ولا صفة من صفات البدن عند سلف الأمة وأئمتها، وإنما يقول هذا وهذا من يقوله من أهل الكلام المبتدع المحدث من أتباع الجهمية والمعتزلة ونحوهم، والفلاسفةُ المشاؤون يُقِرّون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن، لكن يَصِفون النفس بصفات باطلة، فيَدَّعُون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلاً، والعقل عندهم هو المجرد عن المادّة، وعلائقِ المادّة والمادّةُ عندهم هي الجسم، وقد يقولون: هو المجرد عن التعلق بالهيولى، والْهُيُولَى في لغتهم هو بمعنى المحلّ، ويقولون: المادة والصورة، والعقلُ عندهم جوهر قائم بنفسه، لا يوصف بحركة ولا سكون، ولا تتجدد له أحوال البتة. فحقيقة قولهم: إن النفس إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال، لا علوم، ولا تصورات، ولا سمع ولا بصر ولا إرادات، ولا فَرَحٌ وسرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلاً وأبداً، كما يزعمونه في العقل والنفس، ثم منهم من يقول: إن النفوس واحدة بالعين، ومنهم من يقول: هي متعددة، وفي كلامهم من الباطل ما ليس هذا موضع بسطه، وإنما المقصود التنبيه على ما يناسب هذا الموضع، فهم يسمون ما اقترن بالمادّة التي هي الهيولى، وهي الجسم في هذا الموضع نفساً كنفس الإنسان المدبرة لبدنه، ويزعمون أن للفلك نفساً تحركه، كما للناس ٥٥٩ (٣٦) - بَابُ بَيَانِ تُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٨) نفوس، لكن كان قدماؤهم يقولون: إن نفس الفلك عَرَضٌ قائم بالفلك كنفوس البهائم، وكما يقوم بالإنسان الشهوة والغضب، لكن طائفة منهم كابن سينا وغيره زعموا أن النفس الفلكية جوهر قائم بنفسه، كنفس الإنسان، وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه سَمَّوها نفساً، فإذا فارقت سَمَّوها عقلاً؛ لأن العقل عندهم هو المجرد عن المادّة وعن علائق المادّة، وأما النفس فهي المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف. وأصل تسميتهم هذه مجردات، هو مأخوذ من كون الإنسان يُجَرِّد الأمور العقلية الكلية عن الأمور الحسية المعينة، فإنه إذا رأى أفراداً للإنسان كزيد وعمرو، عَقَلَ قدراً مشتركاً بين الأناسي وبين الإنسانية الكلية المشتركة المعقولة في قلبه، وإذا رأى الخيل والبغال والحمير وبهيمة الأنعام وغير ذلك من أفراد الحيوان عَقَلَ من ذلك قدراً كليّاً مشتركاً بين الأفراد، وهي الحيوانية الكلية المعقولة، وإذا رأى مع ذلك الحيوان والشجر والنبات عَقَلَ من ذلك قدراً مشتركاً كليّاً، وهو الجسم النامي المغتذي، وقد يسمون ذلك النفس النباتية، وإذا رأى مع ذلك سائر الأجسام العلوية الفلكية، والسفلية العنصرية عَقَّلَ من ذلك قدراً مشتركاً كليّاً، هو الجسم العام المطلق، وإذا رأى ما سوى ذلك من الموجودات عَقَل من ذلك قدراً مشتركاً كليّاً، وهو الوجود العام الكلي، الذي ينقسم إلى جوهر وعرض، وهذا الوجود هو عندهم موضوع العلم الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه، وهي الفلسفة الأولى، والحكمة العليا عندهم، وهم يقسمون الوجود إلى جوهر وعَرَض، والأعراض يجعلونها تسعة أنواع. هذا هو الذي ذكره أرسطو وأتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق؛ لأن فيه المفردات التي تنتهي إليها الحدود المؤلفة، وكذلك من سلك سبيلهم، ممن صنف في هذا الباب، كابن حزم وغيره، وأما ابن سينا وأتباعه فقالوا: الكلام في هذا لا يختص بالمنطق، فأخرجوها منه، وكذلك من سلك سبيل ابن سينا كأبي حامد، والسهرورديّ المقتول، والرازيّ، والآمديّ، وغيرهم، وهذه هي المقولات العشر التي يُعَبِّرون عنها بقولهم: الجوهر، والكمّ، والكيف، والأين، ومتى، والإضافة، والوضع، والملك، وأن يفعل، وقد جمعت في بیتین، وهي: ٥٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فِي دَارِهِ بِالأَمْسِ كَانَ مُتَّكِي زَيْدُ الطَّوِيلُ الأَسْوَدُ بْنُ مَالِكِ فَهَذِهَ عَشْرُ مَقُولَاتٍ سَوَا فِي يَدِهِ سَيْفٌ نَضَاهُ فَانْتَضَا وأكثر الناس - من أتباعه، وغير أتباعه - أنكروا حصر الأعراض في تسعة أجناس، وقالوا: إن هذا لا يقوم عليه دليل، ويثبتون إمكان ردّها إلى ثلاثة وإلى غير ذلك من الأعداد، وجعلوا الجواهر خمسة أنواع: الجسم، والعقل، والنفس، والمادّة، والصورةُ، فالجسم جوهر حسّي، والباقية جواهر عقلية، لكن ما يذكرونه من الدليل على إثبات الجواهر العقلية إنما يدلّ على ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان، وهذه التي يسمونها المجردات العقلية، ويقولون: الجواهر تنقسم إلى مادّيّات ومجردات، فالمادّيّات القائمة بالمادّة، وهي الْهَيُولَى، وهي الجسم، والمجردات هي المجردات عن المادة، وهذه التي يسمونها المجردات أصلها هي هذه الأمور الكلية المعقولة في نفس الإنسان، كما أن المفارقات أصلها مفارقة النفس البدن، وهذان أمران لا يُنكران، لكن ادّعَوا في صفات النفس وأحوالها أموراً باطلةً، وادّعوا أيضاً ثبوت جواهر عقلية قائمة بأنفسها، ويقولون فيها: العاقل والمعقول والعقل شيء واحد، كما يقولون مثل ذلك في رب العالمين، فيقولون: هو عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ ولذة، ويجعلون الصفة عين الموصوف، ويجعلون كل صفة هي الأخرى، فيجعلون نفس العقل الذي هو العلم نفس العاقل العالم، ونفس العشق الذي هو الحب نفس العاشق المحب، ونفس اللذة هي نفس العلم ونفس الحب، ويجعلون القدرة والإرادة هي نفس العلم، فيجعلون العلم هو القدرة، وهو الإرادة، وهو المحبة، وهو اللذة، ويجعلون العالم المريد المحب الملتذ هو نفس العلم الذي هو نفس الإرادة، وهو نفس المحبة، وهو نفس اللذة، فيجعلون الحقائق المتنوعة شيئاً واحداً، ويجعلون نفس الصفات المتنوعة هي نفس الذات الموصوفة، ثم يتناقضون فيثبتون له علماً ليس هو نفس ذاته، كما تناقض ابن سينا في إشاراته وغيره من محققيهم، وبسط الكلام في الرد عليهم بموضع آخر. والمقصود أنهم يعبرون بلفظ العقل عن جوهر قائم بنفسه، ويثبتون جواهر عقلية يسمونها المجردات والمفارقات للمادّة، وإذا حقق الأمر عليهم لم يكن