Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٣٤) - بَابُ بَيَانٍ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٨)
واخترعه، ثم تكلّم بذلك القول، فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين:
[أحدهما]: أنه خالف الشرع، فإنه قد حذّر من ذلك الإطلاق.
[ثانيهما]: أنه قد تشبّه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز؛ لأنا قد
أُمرنا بمخالفتهم، فقال ◌َّ: ((خالفوا المشركين))(١)، وقال: ((خالفوا
اليهود))(٢)، ونُهينا عن التشبّه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال،
والأقوال على ما يأتي - إن شاء الله تعالى -، ولأن الله تعالى قد منعنا من
التشبّه بهم في النطق بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾
[البقرة: ١٠٤] لَمّا كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبيّ وَّل، يقصدون ترعينه،
منعنا الله تعالى من إطلاقها، وقولها للنبيّ ونَ ﴿ وإن قصدنا بها الخير سدّاً
للذريعة ومنعاً من التشبه بهم، فلو قال غير هذا اللفظ الممنوع يُريد به الإخبارَ
عمّا أجرى الله تعالى به سنّته جاز، كما قال رَاليه: ((إذا نشأت بحريّة، ثم
تشاءمت، فتلك عينٌ غُدَيقةٌ))(٣). انتهى كلام القرطبيّ(٤)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ،
وسيأتي البحث فيه مستوفىّ في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، أي نزل علينا المطر، يقال:
مَطَرَتِ السماءُ تَمْطُرُ مَطَراً من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت
بالألف أيضاً لغة، قال الأزهريّ: يقال: نبتَ الْبَقْلُ وأنبت، كما يقال: مَطَرَت
السماءُ وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غيرُ في العذاب، ثم سُمّي القَظْرُ
بالمصدر وجمعه أمطارٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسبابٍ، قاله الفيّوميّ(6) (بِفَضْلِ اللهِ
وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي
مصدّق بأن المطر خَلْقي لا خَلْقُ الكوكب، أرحم به عبادي وأتفضّل عليهم به،
(١) أخرجه البخاريّ (٥٨٩٢)، والمصنّف (٢٥٩) من حديث ابن عمر
(٢) حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود (٦٥٢) من حديث شدّاد بن أوس
(٣) قال الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى: رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وقال: تفرّد به
الواقديّ، قلت: وفي الواقديّ كلام، وقد وثّقه غير واحد، وبقيّة رجاله لا بأس
بهم، وقد وُثّقوا. انتهى. ((مجمع الزوائد)) ٢١٧/٢.
(٤) ((المفهم)) ٢٥٩/١ - ٢٦٠.
(٥) ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢.

٤٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ اُلْوَلِىُّ
ج
(١)
.
[الشورى: ٢٨]. انتهى"
اُلْحَمِیدُ
(وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءٍ كَذَا وَكَذَا) أي بطلوع نجم، وسقوط آخر،
وفي حديث أبي سعيد ◌َظُه عند النسائيّ: ((مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْمِجْدَح)) بكسر الميم،
وسكون الجيم، وفتح الدال بعدها مهملة، ويقال: بضم أوله، هو الدَّبَرَانُ،
بفتح المهملة والموحدةِ بعدها، وقيل: سُمِّي بذلك لاستدباره الثَُّيًّا، وهو نجم
أحمر صغير مُنِير، قال ابن قتيبة: كُلُّ النجوم المذكورة له نَوْءٌ، غير أن بعضها
أحمر وأغزر من بعض، ونَوْءُ الدَّبَرَان غير محمود عندهم. انتهى.
وكأن ذلك وَرَدَ في الحديث تنبيهاً على مبالغتهم في نسبة المطر إلى
النوء، ولو لم يكن محموداً، أو اتَّفَقَ وقوع ذلك المطر في ذلك الوقت، إن
كانت القصة واحدةً.
وفي ((مغازي الواقدي)): إن الذي قال في ذلك الوقت: ((مُطِرنا بنوء
الشِّعْرَى)) هو عبد الله بن أبيّ، المعروف بابن سَلُولَ، أخرجه من حديث أبي
قتادة رَظُه، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: ((النَّوْءُ)) في أصله ليس هو
نفس الكوكب، فإنه مصدرُ نَاءَ النجمُ يَنُوءُ نَوْءاً: أي سَقَطَ وغاب، وقيل: أي نَهَضَ
وطَلَعَ، وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجماً معروفةَ المطالع في أزمنة السنة كُلِّها،
وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يَسقُط في كل ثلاث عشرة ليلة منها
نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكان
أهلُ الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال
الأصمعيّ: إلى الطالع منهما، قال أبو عبيد: ولم أسمع أحداً ينسب النوء للسقوط
إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد يُسَمَّى نَوْءاً تسميةً للفاعل بالمصدر، قال
أبو إسحاق الزجاج في بعض ((أماليه)): الساقطة في الغرب هي الأنواء، والطالعة
في المشرق هي البوارح، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح(٣).
(١) ((المفهم)) ٢٦٠/١.
(٣) ((الصيانة)) ص ٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) ((الفتح)) ٦٧٦/٢.

٤٨٣
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٨)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي في المسألة الخامسة استيفاء ما قيل
في النَّوء - إن شاء الله تعالى -.
(فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبٍ))) أي حيث نسب للمخلوق ما هو من
خصوصيّات الخالق، فجحد نعمة الله تعالى في ذلك، وظلم بنسبتها لغير المنعم
بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافراً ظالماً حقيقةً، وإن كان عن غير
اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
رَُّبِهِ هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٣٨/٣٤] (٧١)، و(البخاريّ) في
((الأذان)) ٢١٤/١ (٨٤٦) و((الاستسقاء)) ٤١/٢ (١٠٣٨) و((المغازي)) ١٥٥/٥
(٤١٤٧) و((التوحيد)» ١٧٧/٩ (٧٥٠٣)، وفي ((الأدب المفرد)) (٩٠٧)، و(أبو
داود) في ((الطبّ)) ٢٢٧/٤ (٣٩٠٦)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (١٥٢٥)، وفي
((الكبرى)) (١٨٣٤/١٤)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٩٢٤ و٩٢٥)، و(مالك) في
((الموطأ)) (١٣٦)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢١٠٠٣)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٨١٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) ١١٥/٤ و١١٦ و١١٧، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٦٦ و٦٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٩)، و(الطبرانيّ)
(٥٢١٣ و٥٢١٤ و٥٢١٥ و٥٢١٦)، و(ابن منده) (٥٠٣ و٥٠٤ و٥٠٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١١٦٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن قول «مُطرنا بنوء كذا وكذا)) كفر ينافي الإيمان،
وهذا هو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له في هذا الباب.
٢ - (ومنها): تحريم الاستمطار بالكواكب.
٣ - (ومنها): طَرْحُ الإمام المسألة على أصحابه وإن كانت لا تُدْرَك إلا
بدِقَّة النظر.

٤٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٤ - (ومنها): وجوب شكر الله وَلَ على إنزاله المطر.
٥ - (ومنها): تحريم نسبة نعمة من نعم الله تعالى إلى أحد من عباده، لا
إلى ملك مقرّب، ولا إلى نبيّ مرسل، ولا إلى وليّ، أو أيّ مخلوق كان، فلا
ينبغي للمسلم إذا حصلت له نعمة أن يقول: هذه مما أعطاني الشيخ الفلانيّ،
بل ينسبها إلى خالقها، ومما ابتُلي به كثير ممن يعتقد بالأولياء والمشايخ الكبار
نسبة ذلك إليهم، فإذا أجدبت الأرض أو حصلت أمراض في البلد يتضرعون
بالدعاء، فإذا أزال الله ذلك عنهم قالوا: هذا من شيخنا الفلانيّ، أو لولا
شيخنا لما حصل هذا، أو كانت امرأة أحدهم عقيماً، ثم رزقه الله تعالى ولداً
منها قال: هذا من شيخي، بل كثيراً ما نسمع منهم من يقول لأيّ أمر كان: إن
أراد الله وأراد شيخنا سيكون هذا الأمر، وإلا فلا، بل بلغ الأمر ببعضهم أن لا
يشرك شيخه بالله تعالى، بل يفرده بنسبة الأشياء إليه، فيقول: إن أراد شيخنا
كذا فسيحصل لنا، وما أشبه ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أكثر غفلة كثير
من الناس، وهذا من غربة الإسلام، فلقد عاد الكثيرون إلى الجاهليّة الأولى،
بل إلى أشدّ وأطمّ منها كما أشرت إليه آنفاً، وهذا مصداق قوله وَلقال: ((بدأ
الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء))، كما سيأتي للمصنّف،
فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
٦ - (ومنها): استحباب أن يقول عند نزول المطر: ((مُطرنا بفضل الله
تعالى وبرحمته))، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر في ((الفتح)): أنه يستنبط من هذا الحديث أن للولي المتمكن
من النظر في الإشارة أن يأخذ منها عباراتٍ، ينسبها إلى الله تعالى، قال: كذا
قرأت بخط بعض شيوخنا، وكأنه أخذه من استنطاق النبي وَلّ أصحابه عما قال
ربهم، وحَمَلَ الاستفهام فيه على الحقيقة، لكنهم ظَّ فَهِموا خلافَ ذلك،
ولهذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إلى الله ورسوله وَله. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا استنباط عجيب، فأين هو من
الحديث؟ وأعجب منه سكوت الحافظ عليه بل توجيهه له، إن هذا لهو العجب
(١) ((الفتح)) ٦٧٦/٢.

٤٨٥
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٨)
العجاب، قال بعض المحققين معلقاً على قوله: ((ينسبها إلى الله تعالى)) ما
نصّه: هذا خطأٌ، وقول على الله بغير علم، فلا يجوز لمسلم أن يتعاطى ذلك،
بل عليه أن يقول إذا سئل عما لا يعلم: الله أعلم، كما فعل الصحابة
انتهى، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بالكفر في
هذا الحديث :
قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في كفر من قال: مُطِرنا
بنوء كذا على قولين:
[أحدهما]: هو كفر بالله ◌ُعَلَ، سالب لأصل الإيمان، مُخْرِج من ملة
الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك مُعتقداً أن الكوكب فاعلٌ مُدَبِّرٌ مُنشىءٌ
للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يَزْعُم ذلك، ومن اعتقد هذا فلا شكّ في
كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء والشافعيّ منهم، وهو
ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا لو قال: مُطِرِنا بنوء كذا، مُعْتقداً أنه من الله
تعالى وبرحمته، وأن النَّوْء ميقاتٌ وله علاقةٌ اعتباراً بالعادة، فكأنه قال: مُطِرنا
في وقت كذا، فهذا لا يَكفُر، واختلفوا في كراهته، والأظهر كراهته، لكنها
كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره،
فيُسَاءُ الظنُّ بصاحبها، ولأنها شِعَار الجاهلية ومن سلك مسلكهم.
[والقول الثاني]: في أصل تأويل الحديث أن المراد كفر نعمة الله تعالى؛
لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب،
ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب: ((أصبح من الناس شاكرٌ
وكافر ... ))، وفي الرواية الأخرى: ((ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح
فريق منهم بها كافرين))، وفي الرواية الأخرى: ((ما أنزل الله تعالى من السماء
من بركة، إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين))، فقوله: ((بها)) يدل على أنه
كفر بالنعمة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((مؤمن بي وكافر)) يحتمل أن يكون المراد بالكفر
(١) ((شرح مسلم)) ٦٠/٢ - ٦١.

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
هنا كفرَ الشرك، بقرينة مقابلته بالإيمان، ولأحمد من رواية نصر بن عاصم
الليثيّ، عن معاوية الليثيّ، مرفوعاً: (يكون الناس مُجْدِبِين، فيُنْزِل الله عليهم
رزقاً من السماء من رزقه، فيُصبحون مشركين، يقولون: مُطِرنا بنوء كذا)).
ويحتمل أن يكون المراد به كفرَ النعمة، ويُرشد إليه روايةُ أبي هريرة
الآتية بعدُ: ((قال الله: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلا أصبح فريق منهم
كافرين بها ... ))، وفي حديث ابن عباس الآتي بعده: ((أصبح من الناس شاكرٌ
ومنهم كافرٌ ... ))، وفي رواية النسائيّ: ((فأما من آمن بي وحمدني على سُقياي،
فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب))، ونحوه في رواية أبي عوانة والإسماعيليّ،
وقال في آخره: ((وكفر بي، أو قال: كَفَرَ نعمتي)).
قال: وعلى الأول حمله كثير من أهل العلم، قال: وأعلى ما وقفت عليه
من ذلك كلام الشافعي رحمه الله تعالى، قال في ((الأمّ)): من قال: ((مُطِرنا بنوء
كذا وكذا)) على ما كان بعض أهل الشرك يَعنُون من إضافة المطر إلى أنه مطر
نَوْء كذا، فذلك كُفْرٌ، كما قال رسول الله وَلّر؛ لأن النوء وقت، والوقت
مخلوق، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ومن قال: مُطِرنا بنوء كذا، على معنى
مُطِرِنا في وقت كذا، فلا يكون كُفْراً، وغيره من الكلام أحبُّ إليّ منه - يعني
حسماً للمادّة - وعلى ذلك يُحْمَل إطلاق الحديث.
وحَكَى ابنُ قتيبة في ((كتاب الأنواء)): أن العرب كانت في ذلك على
مذهبين، على نحو ما ذكره الشافعيّ، قال: ومعنى النوء سقوط نجم في
المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، قال: وهو مأخوذ
من ناء: إذا سقط، وقال آخرون: بل النَّوْء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من
ناء: إذا نَهَضَ، ولا تخالف بين القولين في الوقت؛ لأن كل نجم منها إذا طلع
في المشرق وقع حال طلوعه آخر في المغرب، لا يزال ذلك مستمرّاً إلى أن
تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإن لكل واحد منها ثلاثة عشر يوماً
تقريباً، قال: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النَّوْء، إما
بصُنْعه على زعمهم وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم وجعله كُفْراً، فإن اعتقد
قائل ذلك أن للنوء صنعاً في ذلك، فكفره كفرُ تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من
قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة؛

٤٨٧
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٨)
لأنه لم يقع في شيء من طُرُق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل
الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم.
ولا يَرِدُ الساكت؛ لأن المعتقد قد يَشْكُر بقلبه أو يكفر، وعلى هذا فالقول
في قوله: ((فأما من قال)) لِمَا هو أعمّ من النطق والاعتقاد، كما أن الكفر فيه
لِمَا هو أعمّ من كفر الشرك وكفر النعمة. انتهى ما في ((الفتح)) ببعض
تصرّف(١) .
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ما جاء في «النَّوْءِ)):
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: ((النَّوْء)): النجم إذا مال للمغيب،
والجمع أنواء ونُؤْآن، حكاه ابن جني مثل عَبْد وعُبْدَان، وبَطْنٍ وبُظْنَان. قال
حسان بن ثابت ظُه [من المتقارب]:
وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا
إِذَا قَحَطَ الْغَيْثُ نُوَانُهَا
وقيل: معنى النَّوْء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع
رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق، في كل ليلة إلى ثلاثة عشر
يوماً، وهكذا كلُّ نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الْجَبْهَةَ، فإن لها أربعة
عشر يوماً، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وإنما سُمِّ نَوْءاً؛ لأنه إذا سقط
الغارب ناء الطالع، وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النَّوء السقوط،
كأنه من الأضداد، قال أبو عبيد: ولم يُسْمَع في النوء أنه السقوط إلا في هذا
الموضع، وكانت العرب تُضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط
منها، وقال الأصمعيّ: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مُطِرنا بنوء كذا.
وقال الزجاج في بعض ((أماليه)): معنى مُطِرنا بِنَوء كذا: أي مُطِرنا بطلوع
نجم وسقوط آخر، قال: والنَّوءُ على الحقيقة سقوط نجم في المغرب، وطلوع
آخر في المشرق، فالساقطة في المغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي
الْبَوَارِحُ، قال: وقال بعضهم: النوء ارتفاع نجم من المشرق وسقوط نظيره في
المغرب، وهو نظير القول الأول، فإذا قال القائل: مُطِرنا بنوء الثُّرَيّا، فإنما
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٧٥/٢ - ٦٧٦.

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تأويله: أنه ارتفع النجم من المشرق وسقط نظيره في المغرب، أي مطرنا بما
ناء به هذا النجم.
وقال أبو عبيد: الأنواء ثمانية وعشرون نجماً معروفةَ المطالع في أزمنة
السنة كلها، من الصيف، والشتاء، والربيع، والْخَرِيف يَسْقُط منها في كل ثلاث
عشرة ليلةً نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من
ساعته، وكلاهما معلومٌ مُسَمّى، وانقضاء هذه الثمانية وعشرين كلها مع انقضاء
السنة، ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، وكانت
العرب في الجاهلية إذا سَقَط منها نجم وطلع آخر، قالوا: لا بُدّ من أن يكون
عند ذلك مطرٌ أو رياحٍ، فينسبون كلَّ غيب يكون عند ذلك إلى ذلك النجم،
فيقولون: مُطرنا بنوء الثُّرَيّا، والدَّبَران، والسِّمَاك، والأَنْوَاء واحدها نَوْءٌ.
قال: وإنما سُمِّي نَوْءاً؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع
بالمشرق، يَنُوءُ نَوْءاً: أي نَهَضَ وطَلَع، وذلك النهوض هو النوء، فسُمِّي النجم
به، وذلك كلُّ ناهض بِثِقَلِ وإبطاء فإنه ينوء عند نهوضه، وقد يكون النَّوءُ
السقوطَ، قال: ولم أَسْمَع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع.
وقال شَمِر: هذه الثمانية وعشرون التي أراد أبو عبيد هي منازل القمر،
وهي معروفة عند العرب وغيرهم من الفرس والروم والهند، لم يختلفوا في أنها
ثمانية وعشرون، يَنْزِل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاُلْقَمَرَ
قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، قال شمر: وقد رأيتها بالهندية والرومية والفارسية
مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أخبرني به ابن الأعرابيّ: الشَّرَطَانِ، والْبَطِينُ،
والنَّجْم، والدَّبَرَانُ، والْهَفْعَة، والْهَنْعَةُ، والذِّرَاعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والْجَبْهَةُ،
والْخَرَاتَانِ، والصَّرْفَةُ، والْعَوَّاءُ، والسِّمَاكُ، والْغَفْرُ، والزُّبَانَى، والإِكْلِيلُ،
والْقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعَائِمُ، والْبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذَّابِح، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ
السُّعُودِ، وسَعْدُ الأَخْبِيَةِ، وفَرْغُ الدَّلْوِ الْمُقَدَّمُ، وفَرْغُ الذَّلْوِ الْمُؤَخَّرُ، والْحُوتُ،
قال: ولا تَسْتَنِيء العرب بها كُلِّها، إنما تَذْكُر بالأنواء بعضَها، وهي معروفة في
أشعارهم وكلامهم.
وكان ابن الأعرابي يقول: لا يكون نَوْءٌ حتى يكون معه مطر وإلا فلا
نَوْء.

٤٨٩
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٩)
قال أبو منصور: أولُ المطر الْوَسْمِيُّ، وأنواؤه الْعَرْقُوتانِ المؤَخَّرتان، قال
أبو منصور: هما الفَرْغُ المؤخّر، ثم الشَّرَطُ، ثم الثُّرَيًّا، ثم الشَّتَوِيُّ، وأنواؤه
الجوزاء، ثم الذُّراعان ونَثْرَتهما، ثم الجبهة وهي آخر الشَّتْوِيّ وأول الدَّفَئِيِّ
والصَّيْفِيِّ، ثم الصَّيْفِيُّ، وأنواؤه السِّمَاكان: الأوّل الأعزل، والآخر الرَّقِيب،
وما بين السِّمَاكين صَيْفٌ، وهو نحوٌ من أربعين يوماً، ثم الْحَمِيمُ، وهو نَحْوٌ من
عشرين ليلةً، عند طلوع الدَّبَرَان، وهو بين الصَّيفِ والْخَرِيف، وليس له نَوْءٌ، ثم
الْخَرِيفِيُّ، وأنواؤه النَّسْرَانِ، ثم الأخضر، ثم عُرْقُوَتَا الدَّلْوِ الأُولَيَان، قال أبو
منصور: وهما الْفَرْع الْمُقَدَّم، قال: وكُلُّ مَطَرٍ من الْوَسْمِيِّ إلى الدَّفْئِيِّ رَبِيعٌ.
انتهى المقصود من كلام ابن منظور بتصرّف(١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩] (٧٢) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ،
وَقَالَ الْآَخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّى:
((أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ، إِلَّا أَصْبَحَ
فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ، وَبِالْكَوَاكِبِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التُّجِيبيّ المصريّ المذكور قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) هو: عمرو بن سَوّاد - بتشديد الواو - بن
الأسود بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرْح العامريّ السَّرْحيّ
العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١].
(١) راجع: ((لسان العرب)) ١٧٥/١ - ١٧٧.

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رَوَى عن ابن وهب، والشافعيّ، وأشهب، وعبد الله بن كُليب المراديّ،
ومؤمل بن عبد الرحمن الثقفيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن ابنه أبو الْغَيْدَاق إبراهيم بن
عُمَر بن عَمْرو بن سَوّاد القرشيّ، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ في ((أسماء شيوخه)): لا بأس به،
وقال مسلمة في ((الصلة)): ثقة، وقال الحاكم: ثقةٌ مأمونٌ، وذكره أبو عليّ
الغسانيّ في شيوخ أبي داود، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان رَاوِياً
لابن وهب، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال ابن يونس: كان ثقةً صدوقاً، تُوُفي
يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة خمس وأربعين ومائتين.
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٢٤)
حديثاً(١).
[تنبيه]: قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: ((عمرو بن سوّاد))
بدال آخره، والواو منه مشدّدة، قَطَعَ به عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ بَلَديّهُ وأبو
نصر ابن ماكولا وغيرهما، ومايَزَ أبو بكر الخطيب بينه وبين أبي جدّ أبي الْيَسَر
كعب بن عمرو بن عبّاد بن عمرو بن سَوَاد الصحابيّ الأنصاريّ الخزرجيّ
البدريّ، آخر أهل بدر وفاةً، فذاك بتخفيف الواو وهذا بتشديدها. انتهى(٢).
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) هو: محمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة
الْمُرادِيّ الْجَمَليّ - بفتح الجيم والميم - أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١].
رَوَى عن ابن وهب، وابن القاسم، وزياد بن يونس، وعبد الله بن كُليب،
ويونس بن تميم، وأبي الأزهر، والحجاج بن سليمان الرُّعَينيّ وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو حاتم،
والحسن بن علي الْمَعْمَريّ، وعليّ بن أحمد بن سليمان عَلّان المصريّ، وعبد
-
(١) وفي (تهذيب التهذيب)) ٢٧٦/٣ نقلاً عن ((الزهرة)): روى عنه مسلم ستة وعشرين
حديثاً .
(٢) ((صيانة صحيح مسلم)) ص ٢٥٤ - ٢٥٥.

٤٩١
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٣٩)
الكريم بن إبراهيم المراديّ، والحسن بن سفيان، والباغنديّ، وأبو بكر بن أبي
داود، وغيرهم.
قال أبو سعيد بن يونس: كان ثَبْتاً في الحديث، ذكره النسائيّ يوماً ونحن
عنده، فقال: كان ثقةً ثقةً، وقال أبو عمر الكنديّ: كان فقيهاً، واستكتبه
الحارث بن مسكين القاضي، وقال مسلمة في ((الصلة)): ثقةٌ.
قال ابن يونس: تُوفي لستُّ خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين
ومائتين .
أخرج له الجماعة سوى البخاريّ والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٤)
حديثاً .
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) الحافظ العابد الفقيه المصريّ المذكور قبل باب.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم
المصريّ، ثقة يَهِمُ قليلاً، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [٤]
(ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٧ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٨ - (أبو هريرة) ظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيوخه الثلاثة، فالأول تفرّد
به هو والنسائيّ، وابن ماجه، والأخيران ما أخرج لهما البخاريّ والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن في قوله: ((قال المراديّ: حدّثنا عبد الله بن وهب،
وقال الآخران: أخبرنا ابن وهب ... إلخ)) احتياطاً، وتدقيقاً من المصنّف ◌َظُّهُ
في المحافظة على صيغ الأداء التي اختلف فيها شيوخه، وإن كان لا يختلف
المعنى بذلك، إلا أن هناك فرقاً دقيقاً من حيث الصناعة الحديثيّة.
فقول المراديّ: حدّثنا عبد الله بن وهب عن يونس، فيه إشارة إلى أنه

٤٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سمعه من لفظ عبد الله مع غيره، وذكر اسم شيخه أيضاً، ولم يصرّح أيضاً
بتحدیث یونس لشيخه .
وقول حرملة، وعمرو بن سوّاد: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس،
فيه إشارة إلى أنهما سمعا قراءة من يقرأ على ابن وهب، ولم يسمعاه من لفظه،
وأيضاً لم يصرّحا باسم شيخهما، وإنما ذكراه بكنيته ابن وهب، وقد صرّحا
بإخبار يونس لشيخهما، وكلّ هذا مما يُستحسن في الأداء وليس بواجب، وإلى
هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال:
وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ ((أَخْبَرَنِي))
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ ((حَدَّثَنِي))
وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئاً (أَخْبَرَنَا))
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً ((حَدَّثَنَا))
٣ - (ومنها): أن شيخيه عمرو بن سوّاد ومحمد بن سلمة، هذا أول محلّ
ذكرهما في الكتاب، وقد ذكرت جملة ما رواه لكلّ منهما آنفاً .
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى ابن شهاب، ومنه مدنيّون.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب عن عبيد الله.
٦ - (ومنها): أن فيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظله أحفظ من روى الحديث في دهره،
وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (من نعمة) ((من)) زائدة، و((نعمة)) مفعول به لـ((أنعمت))، قال
الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: ((من نعمة)) فيه تقصير من الراوي
من حيث اللفظ، والمراد به خصوص نعمة الغيث بدلالة الرواية الأخرى
المذكورة بعده. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا مانع من أن يكون المراد جميع النعم،
فيدل على أن بعض الناس ينسبون جميع نعم الله تعالى إلى الكواكب ونحوها
وذلك محرّم؛ لأنه لا يجوز نسبة نعم الله تعالى لخلقه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كافرين) منصوب على أنه خبر لـ((أصبح))؛ لأنها من أخوات
((كان)) ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، واسمها ((فريق))، وجملة ((أصبح ... إلخ))
(١) ((الصيانة)) ص٢٥٢.

٤٩٣
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤٠)
في محلّ نصب على الحال من الفاعل أو المفعول، فالاستثناء مفرّغ، أي إلا
في حال إصباح فريق ... إلخ.
وقوله: (يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ، وَبِالْكَوَاكِبِ) قال الشيخ ابن الصلاح
رحمه الله تعالى: قد روينا الثاني دون الأول بصيغة الجمع، وكلاهما في
الأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر الْعَبْدريّ من بين أصولنا بصيغة الواحد،
والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدير الكلام: أي أنزلت الكواكبُ
الغيثَ، أو أنعمت علينا الكواكب، وبالكوكب نزلت الأمطار، أو حصلت
النعم، وتمام شرح الحديث مضى في الذي قبله.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيُه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله
تعالی.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٣٩/٣٤ و٢٤٠] (٧٢)،
و(النسائيّ) في ((الاستسقاء)) (١٥٢٤)، وفي ((الكبرى)) (١٨٣٥)، وفي ((عمل
اليوم والليلة)) (٩٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٢/٢ و٣٦٨ و٤٢١ و٥٢٥)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٧٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٣٠ و٢٣١)،
و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٥٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ
(١) ((الصيانة)) ص٢٥٢.

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ، إِلَّا
أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا
وَكَذَا))، وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ: ((بِكَوْكَبٍ كَذَا وَكَذَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ،
ثقة فقيةٌ حافظٌ [٧] (مات قديماً قبل ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٦٩.
٢ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير، ويقال: ابن جُبَيرة الدَّوْسِيُّ، مولى أبي
هريرة، المصريّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي أُسيد الساعديّ، وَرَوَى عنه عمرو بن
الحارث، وحَيْوَة بن شُرَيح، والليث بن سعد، وابن لَهِيعة، وحَرْمَلة بن عمران
التجيبي المصريون.
قال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال ابن يونس: قال
أحمد بن يحيى بن وزير: تُوُفّي سنة ثلاث وعشرين ومائة.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً.
والباقون تقدّموا في السند السابق.
ومن لطائف الإسناد أنه مسلسل بثقات المصريين، إلا الصحابيّ فمدنيّ.
[تنبيه]: إنما ذكر المصنّف رحمه الله تعالى في هذا الإسناد عبد الله بن
وهب وعمرو بن الحارث أوّلاً، ثم أعادهما ثانياً، ولم يكتف بقوله: وحدّثني
محمد بن سلمة، وعمرو بن سوّاد؛ لاختلاف لفظ الروايات، كما نبّهنا عليه في
السند الماضي.
وقوله: (مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ) أي من غيث، كما يأتي بعده
تفسيره.
وقوله: (يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ) بضم أول ((يُنزل)) من الإنزال، بيان وتوضيح
لمعنى البركة.
و((الغيثُ)): المطر، وغاث الله البلادَ غَيْئاً، من باب ضَرَبَ أنزل بها

٤٩٥
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١)
الغيث، فالأرضُ مَغِيثَةٌ ومَغْيُونَةٌ، ويُبنَى للمفعول، فيقال: غِيثَتِ الأرضُ تُغَاثُ،
قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت ذَا الرُّمّة يقول: قاتل الله أَمَةَ بني فلان ما
أفصحها، قلتُ لها: كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غِثْنَا ما شِئنا. وغاثَ
الغيثُ الأرضَ غَيْئاً، من باب ضَرَبَ أيضاً: نَزَلَ بها، وسُمّي النبات غَيْئاً تسميةً
باسم السبب، ويقال: رَعَيْنَا الغيثَ، قاله الفيّوميّ(١).
وقوله: (فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا) أي الكوكب أنزل الغيث.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ: ((بِكَوْكَبٍ كَذَا وَكَذَا))) يعني أن شيخه
محمد بن سلمة المرادي قال بدل قول عمرو بن سوّاد: ((الكوكب كذا وكذا):
((بكوكب كذا وكذا))، وتقديره: نزل الغيث بكوكب كذا وكذا، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٤١] (٧٣) - (وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ،
قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ بََّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ
وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَ))،
قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:
﴿ فَلَآّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ (٢٥ - حَتَّى بَلَغَ -
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) هو: عباس بن عبد العظيم بن
إسماعيل بن تَوْبَة الْعَنْبَريّ، أبو الفضَل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١].
رَوَى عن عبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن
عامر الضُّبَعيّ، وأبي داود الطيالسيّ، وصفوان بن عيسى، وعبد الرزاق،
والأصمعيّ وإسحاق بن منصور السَّلُولي، وأسود بن عامر شاذان، وشَبابة بن
(١) ((المصباح المنير)) ٤٥٨/٢.

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سَوّار، وأبي بكر الحنفيّ، وعثمان بن عمر بن فارس، وعمر بن يونس
اليماميّ، والنضر بن محمد الْخُرَيبيّ، ويزيد بن هارون، ومحمد بن جَهْضَم،
وبشر بن عُمر الزَّهْرانيّ وجماعة.
ورَوَى عنه الجماعة، لكن البخاري تعليقاً، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو بكر
الأثرم، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وعبد الله بن أحمد، وزكرياء الساجيّ، وأبو
بكر بن أبي عاصم، وأبو حاتم الرازيّ، والحسين بن إسحاق التُّسْتريّ، وعَبْدان
الأَهْوَازيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقة مأمون، وقال محمد بن
المثنى السِّمْسَار: كنا عند بشر بن الحارث، وعنده العباس بن عبد العظيم،
وكان من سادات المسلمين، وقال معاوية بن عبد الكريم الزياديّ: أدركت
الناس وهم يقولون: ما جاءنا بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن
خَلاد، وبعده عباس بن عبد العظيم، وقال مسلمة: بصريّ ثقةٌ.
قال البخاريّ والنسائيّ: ومات سنة ست وأربعين ومائتين.
وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث
(١١٨٥): ((ويلكم قد قد ... ))، و(١٢٣٦): ((من كان معه هدي فليُقم ... ))،
و(٢٣٦٢): ((ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه ... ))، و(٢٤٢٣): «لقد قُدت
بنبيّ الله وَر ... ))، و(٢٥٠١): ((نعم عندي أحسن العرب ... ))، و(٢٧٨٣):
((ألا أخبركم بأشدّ حرّاً منه ... ))، و(٢٩٦٥): ((إن الله يحب العبد التقيّ الغني
الخفيّ)).
[تنبيه]: قوله: ((الْعَنْبَريّ)) - بالعين المهملة، والنون، بعدها مُوَخَّدة -:
نسبة إلى بني الْعَنْبَر، ويُخفّف، فيقال: بلعنبر، وهو: العنبر بن عمرو بن تميم بن
مُرّ بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار، قاله في ((الأنساب))(١).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وضبطه الْعُذْريّ ((الْغُبَريّ)) - بالغين
المعجمة - وهو تصحيف، والأول الصحيح. انتهى (٢).
(١) ((الأنساب)) ٢٤٥/٤، و((لب اللباب)) ١٢٣/٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٧٦/١.

٤٩٧
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرٍ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١)
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ - بضمّ الجيم، وفتح الشين
المعجمة - أبو محمد اليماميّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، ربّما انفرد [٩].
رَوَى عن عكرمة بن عمار، وأبي أُويس، وصَخْر بن جُويرية، وشعبة،
وحماد بن سلمة.
ورَوى عنه العباس بن عبد العظيم الْعَنْبريّ، وأبو الليث شجاع بن الوليد
البخاريّ، وعبد الله بن محمد بن الرُّوميّ، وأحمد بن جعفر الْمَعْقِريّ،
وأحمد بن عبد الله بن صالح العجليّ، ومُؤَمَّل بن إِهاب، وأحمد بن عمر بن
يونس اليماميّ أحد الضعفاء، وغيرهم.
قال العجليّ: ثقةٌ، روى عن عكرمة بن عمار ألفَ حديث، رحلتُ إليه،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما انفرد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، أصله من البصرة،
ثقة، إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فقد ضعّفوه فيه لاضطرابه [٥]
(ت قبيل ١٦٠) (خت م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٤ - (أَبُو زُمَيْلٍ) - بضمّ الزاي، مصغّراً - هو: سِمَاك - بكسر السين
المهملة، وتخفيف الميم - ابن الوليد الْحَنَفيّ، اليماميّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، ومالك بن مَرْثَد، وعروة بن الزبير.
وروى عنه ابنه زُميل، وابن ابنه عبد ربه بن بارق، وشعبة، ومِسْعَر،
وعكرمة بن عمار، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس
به، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
الدار قطنيّ: وقيل: سماك بن زيد، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة.
أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في
هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٤): ((إني رأيته في
النار ... ))، و(١١٨٥): ((ويلكم قد قد ... ))، و(١٤٧٩): ((ألا ترضى أن تكون

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لنا الآخرة ... ))، و(١٧٦٣): ((اللهم أنجز لي ما وعدتني ... ))، و(٢٥٠١):
((نعم قال: عندي أحسن العرب ... )).
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر ظنّهًا تقدم في ((الإيمان)) ٦/
١٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): قوله في أوله: ((حدّثني)) بالإفراد، وفيما بعده: ((حدّثنا))
بالجمع، إشارة إلى أنه سمع الحديث من شيخه وحده، وأما من عداه فسمعوه
من شيوخهم مع غيرهم.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل باليماميين، غير شيخه والصحابيّ، فبصريّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عكرمة، عن أبي زُميل.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: ((وهو ابن عمّار))، وذلك أن النضر لم ينسُب
شيخه، فأراد المصنّف، أو شيخه إيضاحه بنسبه، فزاد لفظة ((وهو)) فصلاً بين ما
رواه وبين ما زاده من عنده، وهذا من شدّة ورعه، وقد تقدّم غير مرّة.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
روى (١٦٩٦) حديثاً، وأحد المشهورين بالفتوى، وآخر من مات من
الصحابة نظرته بالطائف، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ابْنِ عَبَّاسِ ◌َُّهَا أنه (قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ) وفي رواية ابن منده من طريق
أحمد بن يوسف السلميّ، عن النضر بن محمد: استسقى رسول الله وَ له، فمُطر
الناس، حتى سالت قَنَاةُ أربعين يوماً، فقال رسول الله وَلخير: ((أصبح من الناس
شاكرٌ ومنهم كافر، يقولون: لقد صَدَق نَوءُ كذا، ومنهم من يقول: رحمة
وضعها الله)) (١).
(١) راجع: ((الإيمان)) ٢/ ٥٩٣ الحديث رقم (٥٠٩).

٤٩٩
(٣٤) - بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ - حديث رقم (٢٤١)
فقوله: (مُطر الناس)) ببناء الفعل للمفعول، وقد تقدّم أن مَطَرَ ثلاثيّاً
للرحمة، وأما أمطر بالهمزة فللعذاب، قال في ((القاموس)): المطر: ماء
السحاب، جمعه: أمطارٌ، ومطَرَتهم السماء مَظْراً، - من باب نصر - ويُحَرَّك:
أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله لا يقال إلا في العذاب. انتهى(١). وقال
الشارح المرتضى: وهذا على رأي الأكثرين، وقال جماعة من أهل اللغة: مَطَرَ
وأمطر بمعنى، كما تقدّم، وقال قبل ذلك: ومطَرَتهم السماء كأمطرتهم، وهو
أقبحها. انتهى(٢). (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ) أي في وقته (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((أَصْبَحَ)
هي من أخوات ((كان)) ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وقوله: (مِنَ النَّاسِ) خبرها
مقدّماً، و(شَاكِرٌ) اسمها مؤخّراً، وعند أبي عوانة: ((أصبح من الناس منهم شاكرٌ
ومنهم كافر، قال بعضهم: هذه رحمةٌ وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق
نوء كذا وكذا ... )).
ومعنى: ((شاكر)) أي معترف بنعمة الله تعالى، يقال: شكرت الله: اعترفتُ
بنعمته، وفعلتُ ما يجب من فعل الطاعة وترك المعصية، ولهذا يكون الشكر
بالقول والعمل، ويتعدّى في الأكثر باللام، فيقال: شكرتُ له شُكراً، وشُكراناً،
وربّما تعدّى بنفسه، فيقال: شكرته، وأنكره الأصمعيّ في السَّعَة، وقال: بابه
الشعر، ذكره الفيّوميّ(٣).
[تنبيه]: بين الشكر والحمد عموم وخصوص من وجه؛ إذ الشكر يخصّ
النعمة، والحمد يعمّها وغيرها، وهو خاصّ باللسان، والشكر يكون باللسان
والقلب، والجوارح، كما قال بعضهم [من الطويل]:
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً .
وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أوائل شرح المقدّمة، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وَمِنْهُمْ كَافِرٌ) معطوف على ((من الناس شاكر))، وهو من عطف
المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز بالاتّفاق، يعني أن بعض
(١) ((القاموس المحيط)) ص٤٢٩.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣١٩/١ _ ٣٢٠.
(٢) (تاج العروس)) ٥٤٥/٣.

٥٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الناس كافر بالنعمة، فالمراد بالكفر هنا كفر دون كفر، فهو كفران النعمة؛ إذ
هو ظاهر السياق، حيث أتبعه بقوله: ((قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ)) فإنه يؤيّد التفسير
المذكور .
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فمقابلته لـ(شاكر)) بـ((كافر)) يدلّ على
أن المراد كفر النعمة وجَحْدها؛ إذ لم يُضفها إلى ربّه ويشكره عليها، ولا وَلَّى
الأمر أهله، واقتصر على ذكر عادة غير مؤثّرة ومخلوقات مسخّرة، وآلات
مُدَبَّرة، غير مُدَبِّرَة. انتهى(١).
ويحتمل أن يكون المراد كفر الجحد، لكنه محمول على المستحلّ، كما
سبق إيضاحه.
والكفر في الأصل: الستر، والتغطية، يقال: كفر الشيءَ، من باب نصر:
إذا غطّاه وستره، قال لبيد [الكامل]:
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِراً فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
أي ستره، ويقال: كَفَرَ بالله، يكفُرُ كُفْراً، وكُفراناً، وكَفَرَ النعمة، وبالنعمة
أيضاً: جحدها، وكفر بكذا: تبرّأ منه، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنِ كَفَرْتُ بِمَا
أَثْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وكفر بالصانع: نفاه وعَطّل، وهو الذَّهريّ
والملحد، وهو كافرٌ، وكَفَرَةٌ، وكُفّار، وكافرون، أفاده الفيّوميّ(٢) .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل الشكر: الظهور، ومنه قوله: دابّة
شَكُور، إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكله من العلف، والشاكر هو الذي
يُثني بالنعمة، ويُظهرها، ويَعترف بها للمنعم، وجَحْدُها: كُفرانها، فمن نسب
المطر إلى الله تعالى، وعَرَف مِنَّته فيه، فقد شكر الله تعالى، ومن نسبه إلى
غيره، فقد جَحَد نعمة الله تعالى في ذلك، وظَلَم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن
كان ذلك عن اعتقاد كان كافراً ظالِماً حقيقةً، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد
تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ، كما قلناه آنفاً، وقد قابل في هذا الحديث
بين الشكر والكفر، فدلّ ظاهره على أن المراد بالكفر هنا كفران النعم لا الكفر
بالله تعالى.
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٧٢/١ - ٣٧٣.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٣٥/٢.