Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٦)
ادَّعَى إلى غير أبيه، وهو يَعْلَم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام))، وقال: ((من
ادَّعَى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين، لا يَقْبَل الله منه صرفاً ولا عدلاً))، حديث صحيح، وقَضَى أن الولد
للفراش، وهو من الأحكام المجمع عليها، فنحن نعلم أن مَن انتسب إلى غير
الأب الذي هو صاحب الفراش، فهو داخل في كلام الرسول بَّر، مع أنه لا
يجوز أن يُعَيَّن أحد دون الصحابة فضلاً عن الصحابة، فيقالَ: إن هذا الوعيد
لاحق به؛ لإمكان أنه لم يبلغهم قضاء رسول الله و # بأن الولد للفراش،
واعتقدوا أن الولد لمن أحبل أمه، واعتقدوا أن أبا سفيان هو الْمُحْبِل لسُمَيّة،
أم زياد، فإن الحكم قد يَخْفَى على كثير من الناس، لا سيما قبل انتشار السنة،
مع أن العادة في الجاهلية كانت هكذا، أو لغير ذلك من الموانع المانعة هذا
المقتضَى للوعيد، أن يَعْمَل عمله من حسنات تمحو السيئات، وغير ذلك.
وهذا باب واسع، فإنه يدخل فيه جميع الأمور المحرمة بكتاب أو سنة،
إذا كان بعض الأمة لم يبلغهم أدلة التحريم، فاستحلَّوها، أو عارض تلك الأدلة
عندهم أدلة أخرى، رأوا رجحانها عليها، مجتهدين في ذلك الترجيح، بحسب
عقلهم وعلمهم، فإن التحريم له أحكام من التأثيم والذم والعقوبة والفسق،
وغير ذلك، لكن لها شروط وموانع، فقد يكون التحريم ثابتاً، وهذه الأحكام
منتفية؛ لفوات شرطها، أو وجود مانع، أو يكون التحريم منتفياً في حقّ ذلك
الشخص، مع ثبوته في حق غيره.
وانما ردّدنا الكلام؛ لأن للناس في هذه المسألة قولين:
[أحدهما]: وهو قول عامّة السلف، والفقهاء أن حكم الله واحد، وأن
من خالفه باجتهاد سائغ مخطئٌ معذورٌ مأجورٌ، فعلى هذا يكون ذلك الفعل
الذي فعله المتأول بعينه حراماً، لكن لا يترتب أثر التحريم عليه؛ لعفو الله
تعالى عنه، فإنه لا يُكَلِّف نفساً إلا وسعها .
٠
[والثاني]: في حقه ليس بحرام؛ لعدم بلوغ دليل التحريم له، وإن كان
حراماً في حقّ غيره، فتكون نفس حركة ذلك الشخص، ليست حراماً،
والخلاف متقارب، وهو شبيه بالاختلاف في العبارة.
فهذا هو الذي يمكن أن يقال في أحاديث الوعيد، إذا صادفت محل

٤٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
خلاف؛ إذ العلماء مُجْمِعُون على الاحتجاج في تحريم الفعل المتوَعَّد عليه،
سواء كان محلَّ وفاق، أو خلاف، بل أكثر ما يحتاجون إليه الاستدلال بها في
موارد الخلاف، لكن اختلفوا في الاستدلال بها على الوعيد، إذا لم تكن قطيعة
على ما ذكرناه. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو شافٍ كافٍ في
إزالة مشكلة حديث الباب لمن تأمّله بإنصاف ذوي الألباب. وقد ضرب على
هذا أمثلة كثيرة قبل هذا يوضّح المسألة، حيث قال في معرض البحث عن
نصوص الوعيد:
وهذه القاعدة تظهر بأمثلة منها :
أنه قد صَحّ عن النبيّ وَ ﴿ أنه قال: ((لَعَن الله آكل الربا، وموكله،
وشاهديه، وكاتبه))، وصحّ عنه من غير وجه أنه قال لمن باع صاعين بصاع يداً
بيد: ((أَوَّهْ عينُ الربا))، كما قال: ((البر بالبر رباً إلا هاءَ وهاءَ ... )) الحديث،
وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل، وربا النسأ في الحديث.
ثم إن الذين بلغهم قولُ النبيّ وَلَّه: ((إنما الربا في النسيئة)»، فاستَحَلُّوا بيع
الصاعين بالصاع يداً بيد، مثل ابن عباس ﴿هَا، وأصحابه: أبي الشَّعْثاء،
وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم، من أعيان المكيين
الذين هم من صفوة الأمة، علماً وعملاً، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحداً
منهم بعينه، أو مَن قَلَّده بحيث يجوز تقليده تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فَعَلوا
ذلك متأولين تأويلاً سائغاً في الجملة.
وكذلك ما نُقِل عن طائفة من فُضلاء المدنيين، من إتيان الْمَحَاش(١) مع
ما رواه أبو داود عن النبيّ وَلّر أنه قال: ((من أتى امرأة في دبرها، فهو كافر بما
أنزل على محمد وَليّ)»، أفيستحلُّ مسلم أن يقول: إن فلاناً وفلاناً كانا كافرين
بما أنزل على محمد وَلّ؟ .
. وكذلك قد ثبت عنه وَ﴿ أنه لَعَن في الخمر عشرةً: عاصرَ الخمر،
ومعتصرها، وشاربها، وثبت عنه من وجوه أنه قال: ((كلُّ شراب أسكر فهو
خمر))، وقال: ((كل مسكر خمر))، وخطب عمر نظُه على منبره، فقال بين
(١) أي وطء الزوجات في الدبر.

٤٢٣
(٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٦)
المهاجرين والأنصار: ((الخمر ما خامر العقل))، وأنزل الله تحريم الخمر، وكان
سبب نزولها ما كانوا يشربونه في المدينة، ولم يكن لهم شراب إلا الفَضِيخ، لم
يكن لهم من خمر الأعناب شيء.
وقد كان رجال من أفاضل الأمة علماً وعملاً، من الكوفيين يعتقدون أن لا
خمر إلا من العنب، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا مقدار ما
يُسْكِر، ويشربون ما يعتقدون حِلّه، فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت
الوعيد؛ لما كان لهم من العذر الذي تأوّلُوا به، أو لموانع أُخَر، فلا يجوز أن
يقال: إن الشراب الذي شربوه ليس من الخمر الملعون شاربها، فإن سبب القول
العامّ لا بُدّ أن يكون داخلاً فيه، ولم يكن بالمدينة خمر من العنب.
ثم إن النبيّ وَّ قد لَعَنَ البائع للخمر، وقد باع بعض الصحابة خمراً،
حتى بَلَغَ عمر ◌َظُه فقال: قاتل الله فلاناً، ألم يعلم أن رسول الله وَ ل قال:
((لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها))؟ ولم يكن
يَعْلَم أن بيعها مُحَرَّمٌ، ولم يمنع عمر رَظُه علمه بعدم علمه أن يُبَيِّن جزاء هذا
الذنب؛ ليتناهى هو وغيره عنه بعد بلوغ العلم به، وقد لَعَنَ العاصر والمعتصر،
وكثير من الفقهاء يُجَوِّزون للرجل أن يَعْصِر لغيره عِنَباً، وإن عَلِم أن من نيته أن
يتخذه خمراً، فهذا نصٌّ في لعن العاصر، مع العلم بأن المعذور تَخَلَّف الحكمُ
عنه لمانع.
وكذلك لَعَن الواصلة والموصولة في عِدّة أحاديث صحاح، ثم من الفقهاء
من يكرهه فقط .
وقال النبيّ وَّ: ((إن الذي يَشْرَب في آنية الفضة، إنما يُجَرجِر في بطنه
نار جهنم))، ومن الفقهاء من يَكْرَهه كراهة تنزيه.
وكذلك قوله وَله: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في
النار))، يجب العمل به في تحريم قتال المؤمنين بغير حقّ، ثم إنا نَعلم أن أهل
الْجَمَل وصِفِّين ليسوا في النار؛ لأن لهما عُذْراً، وتأويلاً في القتال، وحسناتٍ
مَنَعَتِ الْمُقْتَضَى أن يَعْمَلِ عَمَله.
وقال ◌َّ في الحديث الصحيح: ((ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله، ولا ينظر إليهم
يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضل ماءٍ، يمنعه ابنَ

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
السبيل، فيقول الله له: اليومَ أمنعُك فضلي، كما مَنَعتَ فضل ما لم تَعْمَل
يداك، ورجل بايع إماماً، لا يبايعه إلا لدنيا، إن أعطاه رضي، وإن لم يُعطه
سَخِطَ، ورجل حَلَف على سِلعة بعد العصر كاذباً، لقد أَعْطَى بها أكثر مما
أَغْطَى)).
فهذا وعيدٌ عظيمٌ لمن منع فضل مائه، مع أن طائفة من العلماء يُجَوِّزون
للرجل أن يمنع فضل مائه، فلا يمنعنا هذا الخلافُ أن نعتقد تحريمَ هذا،
محتجين بالحديث، ولا يمنعنا مجيء الحديث، أن نعتقد أن المتأَوِّل معذورٌ في
ذلك، لا يَلْحَقه هذا الوعيد.
وقال وَّر: ((لَعَنَ الله المحلل، والمحلل له))، وهو حديث صحيح، قد
رُوي عنه من غير وجه، وعن أصحابه، مع أن طائفة من العلماء، صَحَّحوا نكاح
المحلِّل مطلقاً، ومنهم من صححه إذا لم يُشْتَرط في العقد، ولهم في ذلك أعذار
معروفة، فإن قياس الأصول عند الأول أن النكاح لا يَبْطُل بالشروط، كما لا
يبطل بجهالة أحد العوضين، وقياس الأصول عند الثاني أن العقود المجرّدة عن
شرط مُقْتَرِن لا تغير أحكام العقود، ولم يبلغ هذا الحديث مَن قال هذا القول،
هذا هو الظاهر، فإن كتبهم المتقدمة لم تتضمنه، ولو بلغهم لذكروه، آخذين به،
أو مجيبين عنه، أو بلغهم وتأوَّلوه، أو اعتقدوا نسخه، أو كان عندهم ما
يُعارضه، فنحن نعلم أن مثل هؤلاء لا يصيبه هذا الوعيد، لو أنه فَعَل التحليل
معتقداً حِلّه على هذا الوجه، ولا يمنعنا ذلك أن نَعلم أن التحليل سبب لهذا
الوعيد، وإن تخلف في حق الأشخاص؛ لفوات شرط، أو وجود مانع. انتهى
كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ وتحقيق أنيسٌ، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ
أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ وَأَبِي بَكْرَةَ،
(١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٢٦٣/٢٠ - ٢٦٩.

٤٢٥
(٢٩) - بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ - حديث رقم (٢٢٧)
كِلَاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذْنَاءَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، مُحَمَّداً وَّهِ يَقُولُ: ((مَنَ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ
أَبِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ، أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريباً .
٢ - (يَحْبَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) خالد أو هُبَيرة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد
الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٤ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ، لم
يتكلّم فيه إلا القطّان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و((أبو عثمان)) هو: النَّهْديّ، وسعدٌ
هو ابن أبي وقّاص، وأبو بكرة هو: نُفيع بن الحارث.
وقوله: (مُحَمَّداً وَّةِ) نُصب على أنه بدل من الضمير المنصوب في
((سمعته أُذناي))، كما قال في ((الخلاصة)):
وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا
التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا
واعْرِفْهُ حَقَّهُ وَخُذْ نَبْلاً مُدَى))
كَـ«زُرْهُ خَالِداً وَقَبِّلْهُ الْيَدَا
ومعنى قوله: ((وعاه قلبي)): أي حَفِظه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) رواية عاصم هذه،
وفيها قصّة، فقال:
(٤٣٢٦) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عاصم،
قال: سمعت أبا عثمان، قال: سمعت سعداً - وهو أول مَن رَمَى بسهم في
سبيل الله - وأبا بكرة، وكان تَسَوَّر حصن الطائف في أناس فجاء إلى النبيّ وَّ،
فقالا: سمعنا النبيّ وََّ يقول: ((مَن ادَّعَى إلى غير أبيه، وهو يَعْلَم فالجنة عليه
حرام)).

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(٤٣٢٧) وقال هشام: وأخبرنا معمر، عن عاصم، عن أبي العالية، أو
أبي عثمان النَّهْديّ، قال: سمعت سعداً وأبا بكرة، عن النبيّ وَّ، قال عاصم:
قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما، قال: أجل، أما أحدهما، فأوَّلُ
مَن رَمَى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنَزَل إلى النبيّ وَ ◌ّ ثالثَ ثلاثة
وعشرين من الطائف.
قال في ((الفتح)) ما ملخّصه: قوله: ((عن عاصم)) هو ابن سليمان، وأبو
عثمان هو النَّهديّ، وأبو بكرة: اسمه نُفيع بن الحارث، وكان مولى الحارث بن
كَلَدة الثقفيّ، فَتَدَلَّى من حصن الطائف ببكرة، فكُنِيَ أبا بكرة لذلك، أخرج
ذلك الطبرانيّ بسند لا بأس به، من حديث أبي بكرة ر ◌ُته.
وكان ممن نَزَل من حِصْن الطائف من عبيدهم، فأسلم فيما ذَكَر أهل
المغازي منهم مع أبي بكرة: الْمُنْبَعِث، وكان عبداً لعثمان بن عامر بن مُعَتِّب،
وكذا مرزوق، والأزرق زوج سُمَيّة والدة زياد بن عُبيد الذي صار يقال له: زياد
ابن أبيه، والأزرق أبو عُقبة وكان لكَلَدة الثقفي، ثم حالف بني أمية؛ لأن
النبيّ ◌َّ﴾ دفعه لخالد بن سعيد بن العاص ليعلّمه الإسلام، ووَرْدان وكان
لعبد الله بن ربيعة، ويُحَنَّس النبال وكان لابن مالك الثقفيّ، وإبراهيم بن جابر
وكان لِخَرَشة الثقفيّ، وبشّار وكان لعثمان بن عبد الله، ونافع مولى الحارث بن
كَلَدة، ونافع مولى غيلان بن سلمة الثقفيّ، ويقال: كان معهم زياد ابن سُمَيَّة،
والصحيح أنه لم يَخرُج حينئذ؛ لصغره، قال الحافظ: ولم أعرف أسماء
الباقين.
قال: ورَوَى ابن أبي شيبة وأحمد، من حديث ابن عباس ظّما قال: أعتق
رسول الله وَلُّ يومَ الطائف كلَّ مَن خَرَج إليه من رقيق المشركين، أخرجه ابن
سعد مرسلاً من وجه آخر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٧/٨ - ٥٨ ((كتاب المغازي)) رقم الحديث (٤٣٢٦ - ٤٣٢٧).

٤٢٧
(٣٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَِّّ وََّ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ نُسُوقٌ ... إلخ - حديث رقم (٢٢٨)
٣٠ - (بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٢٢٨] (٦٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ وَعَوْنُ بْنُ سَلَّام، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحَّمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ؛ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)، قَالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي
وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ يَرْوِبِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي
حَدِيثٍ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) - بالراء المفتوحة، وتشديد الياء التحتانيّة -
الهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وفُليح بن سليمان، وقيس بن
الربيع، وفَرَج بن فَضَالة، وجعفر بن سليمان، ومحمد بن طلحة بن مصرف
وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابنه إبراهيم، وأبو زرعة، وأبو حاتم،
ومحمد بن إسحاق الصغاني، وموسى بن هارون، وحنبل بن إسحاق،
وعبد الله بن أحمد وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد: كان أبي لا يَرَى بالكتابة عن هؤلاء الشيوخ
بأساً، وقد حدّثنا عن بعضهم منهم محمد بن بكار، وقال عثمان الدارميّ عن
ابن معين: لا بأس به، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال
صالح بن محمد: صدوق يُحَدِّث عن الضعفاء، وقال الدارقطنيّ: ثقة، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)).

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال ابن أبي خيثمة: سمعته يقول في سنة ثنتين وثلاثين: أنا اليوم ابن
(٨٧) سنة، وقال البخاري وغيره: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف وأبو داود، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط(١)،
هذا الحديث، وحديث رقم (٤٠٦): ((قولوا: اللهم صلّ على محمد ... ))،
و(٦٤٩): ((صلاة الرجل في جماعة تزيد ... ))، و(١٣٤٦): ((أُتي وهو في
مُعَرَّسه من ذي الحليفة ... ))، و(٢٣٤١): ((لم يبلغ الخضاب، كان في لحيته
شعرات ... ))، و(٢٤٠٨): ((أما بعد، ألا أيها الناس ... )).
٢ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّام) - بتشديد اللام - القرشيّ، أبو جعفر الكوفيّ، مولى
بني هاشم، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وزهير بن معاوية، وأبي بكر النَّهْشليّ،
وأبي زبيد عَبْثَر بن القاسم، وإسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وأحمد بن عثمان بن حكيم،
وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، وموسى بن هارون الحمّال، وموسى بن
إسحاق الأنصاريّ وغيرهم.
قال صالح بن محمد: لا بأس به، وقال البغويّ: وكان ضرير البصر،
وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) وقال: مستقيم الحديث، وفي ((الميزان)): كان صدوقاً، وقد لُيِّنَ شيئاً.
وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثلاثين ومائتين، وكان ثقةً.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط(٢)، هذا
الحديث، وحديث رقم (٥٧٢): ((إنما أنا بشر مثلكم ... ))، و(٦١٩): ((فشكونا
إليه حرّ الرمضاء ... ))، و(٦٢٨): ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ... ))،
و(٧٠٥): ((صلى رسول الله (وَ ل﴿ل الظهر ... ))، و(٩٧٨): ((أَتِي النبيّ وَّل
برجل ... ))، و(١٠١٦): ((من استطاع منكم أن يستتر من النار ... )).
(١) هذا هو الذي في برنامج الحديث، وفي ((الزهرة)): روى عنه مسلم تسعة أحاديث،
فليُحرّر.
(٢) وفي ((الزهرة)): رَوَى عنه مسلم ثمانية أحاديث. انتهى، ولا تخالف بينهما.

٤٢٩
(٣٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِّ ◌َّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ نُسُوقٌ ... إلخ - حديث رقم (٢٢٨)
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) بن مُصَرِّف الياميّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وحميد الطويل، وزُبَيد الياميّ، والأعمش، وعبد
الأعلى بن عامر، وحميد بن وهب، وعثمان بن يحيى، والعلاء بن عبد الكريم
الياميّ وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسماعيل بن
عيّاش، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسيّ، وإسحاق بن منصور السَّلُولي،
وأسد بن موسى، وشبابة بن سَوّار، وحجاج بن محمد، وأبو نعيم، وعون بن
سلام وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لا بأس به، إلا أنه كان لا يكاد يقول
في شيء من حديثه: حَدَّثنا، وقال ابن معين: كان يقال: ثلاثة يُتَّقَى حديثهم:
محمد بن طلحة، وأيوب بن عُتبة، وفُليح بن سليمان، سمعت هذا من أبي
كامل، مُظَفَّر بن مُدْرِك، وكان رجلاً صالحاً، وعن أبي كامل قال: قال
محمد بن طلحة: أدركت أبي كالحلم، وقد رَوَى عن أبيه أحاديث صالحة،
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: محمد بن طلحة صالح، وقال إسحاق بن
منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة: صالح، وقال النسائيّ: ليس
بالقوي، وقال عفان: كان محمد بن طلحة يروي عن أبيه - وأبوه قديم الموت -
وكان الناس كأنهم يكذبونه، ولكن مَن يجترئ أن يقول له: أنت تكذب، كان
من فضله وكان، قال أبو داود: كان يخطئ، وقال العقيليّ: قال أحمد: ثقة،
وقال العجليّ: ثقة، إلا أنه سمع من أبيه وهو صغير، وقال بشر بن الوليد:
كان سيداً كريماً .
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان يخطئ، مات سنة سبع وستين
ومائة، وفيها أَرَّخه ابن سعد، وقال: كانت له أحاديث منكرة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في
((مسند علي))، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا
الحديث، وحديث رقم (٦٢٨): ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ... ))،
و(٢٥٤٨): ((أمّك، ثم أمك، ثم أمك ... )).
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزِيّ، تقدّم قريباً.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨.
٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، الإمام الحجة
الحافظ الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب
[٩] (١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٨ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الحافظ المشهور، أبو بسطام
الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨١.
٩ - (زُبَيْد) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ -
بالتحتانيّة - ويقال: الأَيَاميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ،
ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن مُرّة بن شَرَاحيل، وسعد بن عُبيدة، وذَرّ بن عبد الله، وسعيد بن
عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعُمارة بن عُمير، وأبي
وائل، وإبراهيم النخعيّ، وإبراهيم التيميّ، ومجاهد وجماعة.
ورَوَى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وجرير بن حازم، وشعبة،
والثوريّ، وزُهير، والحسن بن حي، وشَريك، ومالك بن مَغْوَل، ومِسْعر،
ومنصور، ومغيرة، والأعمش ـ وهم من أقرانه - وغيرهم.
قال القطان: ثبتٌ، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال
ليث عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة فيهم زُبيد، وقال ابن شُبْرمة: كان
يصلي الليل كله، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة ثقة خيارٌ، إلا أنه كان يميل إلى
التشيع، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وكان في عداد الشيوخ، وليس
بكثير الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبت في الحديث، وكان علويّاً، وحَكَى ابن
أبي خيثمة عن شعبة قال: ما رأيت بالكوفة شيخاً خَيْراً من زُبيد، وقال سعيد بن
جبير: لو خُيِّرت عبداً ألقى اللهَ في مِسْلاخه اخترتُ زُبيداً الياميّ، وقال البخاريّ
في ((تاريخه)): قال عمرو بن مُرّة: كان زُبيد صدوقاً، وقال ابن حبان في
((الثقات)): كان من العباد الْخشُن مع الفقه في الدين، ولزوم الورع الشديد، وقال

٤٣١
(٣٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ نُسُوقٌ ... إلخ - حديث رقم (٢٢٨)
محمد بن طلحة بن مُصَرِّف: ما كان بالكوفة ابنُ أبٍ وأخٌ أشدَّ مُجانباً من
طلحة بن مُصَرِّف وزبيد اليامي، كان طلحةُ عثمانيّاً، وكان زُبيد علويّاً.
قال أبو نعيم: مات سنة (١٢٢)، وقال ابن نُمير: مات سنة (٢٤)،
وأرَّخه الإمام أحمد، وابن قانع سنة (٢٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا
الحديث، وحديث رقم (٦٢٨): ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ... ))، و(٩٧٧):
(نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ... ))، و(١١٢٧): «كنا نصومه، ثم تُرك)»،
و(١٢٢٤): ((لا تصلح المتعتان إلا لنا ... ))، و(١٨٤٠): ((لو دخلتموها لم
تزالوا فيها ... ))، و(١٩٦١): ((إن أول ما نبدأ في يومنا هذا نصلي ... ))،
و(٢٧٢٣): ((أمسينا وأمسى الملك لله ... )) وأعاده.
١٠ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمُ [٢] مات
في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٧/٦.
١١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) رَّه تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣، والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة إلى السند
الأول، ومن سداسيّاته بالنسبة إلى السندين الأخيرين.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من عون.
٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) مرتين إشارة إلى تحويل الإسناد،
فللمصنّف فيه ثلاثة أسانيد، كلها تلتقي في زُبيد، والأول أعلى بدرجة،
والباقيان متساويان.
٤ - (ومنها): أنه وقع في هذا السند قوله: ((كلهم عن زُبيد ... إلخ))،
فقال النوويّ: هكذا ضبطناه، وكذا وقع في أصلنا وبعض الأصول، ووقع في
الأصول التي اعتمدها الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى بطريقي
محمد بن طلحة وشعبة، ولم يقع فيها طريق محمد بن المثنّى، عن ابن مهديّ،
عن سفيان، وأنكر الشيخ قوله: ((كلّهم)) مع أنهما اثنان: محمد بن طلحة

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وشعبة، وإنكاره صحيح على ما في أصوله، وأما على ما اعتمدنا فلا إنكار،
فإن سفيان ثالثهما. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى.
٥ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستّة من يُسمّى زُبيداً غير ابن الحارث
الياميّ هذا، ويوجد في ((الموطأ)) ((زُييد)) بضم الزاي وكسرها، وبتحتانيتين،
وهو ابن الصلت بن مَعْدي كَرِب الكنديّ التابعيّ، ولا ذكر له في الكتب الستة،
كما أنه لا ذكر لزُبيد بن الحارث في ((الموطأ)» أيضاً.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من أكابر الصحابة ﴿ه، ومن السابقين
للإسلام، ومن المجوّدين للقرآن، أثنى عليه النبيّ ◌َّ في القراءة، وحثّ على
تلقّي القراءة منه، فقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح (٣٥) من
طريق زِرّ بن حُبَيش، عن عبد الله، أن أبا بكر وعمر شَّا بشّراه، أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضّاً كما أنزل، فليقرأه على قراءة
ابن أم عبد».
وأخرج أيضاً (١٧٠) من طريق الأعمش، عن خيثمة، عن قيس بن
مروان، أنه أَتَى عمر نظُله، فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركت
بها رجلاً يُملي المصاحف عن ظهر قلبه. فغَضِب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين
شعبتي الرحل، فقال: ومن هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود. فما زال
يُظْفَأُ ويُسَرَّى عنه الغضب، حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك
والله ما أعلمه بقي من الناس أحد، هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك،
كان رسول الله وَ﴿ لا يزال يَسمُر عند أبي بكر ◌ُّبه الليلة كذاك في الأمر من
أمر المسلمين، وإنه سَمَر عنده ذات ليلة، وأنا معه، فخرج رسول الله وَل
وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله وَل يستمع
قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول الله وَ يقول: ((من سره أن يقرأ القرآن رطباً
كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل
رسول الله ﴿﴿ يقول له: ((سل تعطه، سل تعطه))، قال عمر بنظاه: قلت: والله
لأغدوَن إليه، فلأبشّرنه، قال: فغدوت إليه لأبشّره، فوجدت أبا بكر قد سبقني
إليه فبشّره، ولا والله ما سبقته إلى خير قط إلا وسبقني إليه. وهذا إسناد
صحيح، والله تعالى أعلم.

٤٣٣
(٣٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ... إلخ - حديث رقم (٢٢٨)
شرح الحديث:
(عَنْ زُبَيْدٍ) تقدم أنه بالزاي والموحدة مُصَغّراً، وهو ابن الحارث الياميّ
بياء تحتانية وميم خفيفة(١).
[تنبيه]: قد رَوَى هذا الحديث شعبة أيضاً عن منصور وعن الأعمش،
وهي الرواية التالية هنا، ورواه ابن حبّان من طريق سليمان بن حرب، عن
شعبة، عن الثلاثة جميعاً، عن أبي وائل.
وقال الحافظ في ((كتاب الإيمان)) (٦٧٢/٢): رَوَى هذا الحديث عن أبي
وائل سبعةُ نَفَر، فأما الأعمش فرفعه عنه بعضهم، وأوقفه بعضٌ، وكذلك
منصور، ولم يَخْتَلف أصحاب زُبيد في رفعه، ورواه جماعة عن عبد الملك بن
عُمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبيّ وَل
مرفوعاً (٢)، ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن
ابن مسعود مرفوعاً، وأوقفه يحيى القطان، وجماعة، ورواه أبو الأحوص(٣)،
وأبو الزَّعراء(٤)، والأسود، وهُبَيْرَة بن مُرّة، وأبو عبد الرحمن السلميّ،
والقاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود رَبُّه موقوفاً، وفي رفع مَن رفعه
شيء.
ورُوي من حديث سعد(٥) والنعمان بن مقرن(٦)، وأبي هريرة(٧)، وابن
مغفل(٨)، وعقبة بن عامر، وأنس رفعه. انتهى(٩) كلام ابن منده رحمه الله تعالى.
(١) نسبة إلى بطن من همدان، ويقال له: الأياميّ.
(٢) أخرجه النسائيّ ١٢١/٧ - ١٢٢.
(٣) النسائيّ ٧/ ١٢١. واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة.
(٤) النسائيّ ١٢٢/٧. واسم أبي الزعراء: عمرو بن عمرو، أو ابن عامر.
(٥) هو ابن أبي وقّاص ظُه، أخرج حديثه النسائيّ ١٢٢/٧، والبخاريّ في ((الأدب
المفرد)» (٤٢٩).
(٦) عند الطبرانيّ في ((الكبير)) ٨٠/١٧.
(٧) عند ابن ماجه (٣٩٤٠).
(٨) هو عبد الله بن مغفّل، رواه الطبرانيّ في ((الأوسط)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ٨/
٧٣: وفيه کثیر بن يحيى، وهو ضعيف.
(٩) الإيمان لابن منده ٦٧٣/٢.

٤٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيه آخر]: قد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أخرجه الترمذيّ مصحّحاً، ولفظه: ((قتال المسلم
أخاه كفرٌ، وسبابه فسوقٌ))، ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفاً
ومرفوعاً(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ورواه أيضاً النسائيّ (٤١٠٦/٢٧) من حديث
سعد بن أبي وقّاص أيضاً مرفوعاً، فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل
تفرّد به .
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) تَُّه أنه قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: (سِبَابُ الْمُسْلِم) كذا هو في معظم الروايات، ولأحمد عن
غُنْدَر، عن شعبة: ((المؤمن))، فكأنه رواه بالمعنى، قاله في ((الفتح)).
والسِّباب والقتال بالكسر مصدرا سابّه وقاتله، كما قال في ((الخلاصة)):
لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
و((السّبَابُ)) - بكسر السين وتخفيف الموحدة - بمعنى السبّ، وهو الشتم،
وهو التكلّم في عرض الإنسان بما يَعِيبه، وفي ((المطالع)): السباب: المشاتمة،
وهي من السبّ، وهو القطع، وقيل: من السَّبّة(٢)، وهي حلقة الدبر، وسُمّي
الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، كأنها على القول الأول قطع المسبوب
عن الخير والفضل، وعلى الثاني كشف عورته وما ينبغي أن يُستَرَ، لأن من
شأن السابّ إبداء عورة المسبوب، وفي ((العباب)): التركيب يدلّ على القطع،
ثم اشتقّ منه الشتم، وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السبّ، وهو أن
يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه(٣)، وقال غيره: السباب
هنا مثل القتال، فيقتضي المفاعلة (٤).
(١) ((فتح)) ١/ ١٥٤ ((كتاب الإيمان)) حديث ٤٨.
(٢) ((السَّبَّةُ)) بالفتح: الاستُ، قاله في ((القاموس)).
(٣) نقله ابن منده في ((كتاب الإيمان)) ٦٧٢/٢.
(٤) راجع: ((عمدة القاري)) ٣١٩/١، و((فتح الباري)) ١٢١/١ و١٥٤ (كتاب الإيمان))
حديث رقم (٣٠ و ٤٨).

٤٣٥
(٣٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ وَهَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ نُسُوقٌ ... إلخ - حديث رقم (٢٢٨)
وإضافة ((سباب)) إلى ((المسلم)) وكذا ((قتال)) إلى ضميره من إضافة المصدر
إلى مفعوله.
فقوله: ((سبابُ المسلم)) مبتدأ خبره قوله: (فُسُوقٌ) - بضم فسكون -
مصدر فَسَقَ يفسُق بالضمّ، من باب نَصَر، وحكى الأخفش يَفسِق بالكسر، من
باب ضرب: أي فجور، يعني أن سبابه خروجٌ عن الذي يجب من احترام
المسلم وحُرْمة عرضه وسبّه، أو هو من أعمال أهل الفسوق.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: ((فسوق)): أي خروج
عن الطاعة وواجبٍ الشرع، وبه سُمّي الفاسق فاسقاً لخروجه عن ثِقاف
الإسلام وانسلاخه عن أعمال البرّ، يقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَة: إذا خرجت من
قشرها(١).
وقال في ((الفتح)): ((الفسق)) - في اللغة -: الخروج، وفي الشرع: الخروج
عن طاعة الله تعالى ورسوله ◌َ ﴿، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان،
قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ الآية [الحجرات: ٧].
ففي الحديث تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق
بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعُرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل
للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقّاً والنبي وَّ يقول هذا؟.
انتھی.
(وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))) أي من أعمال أهل الكفر، فإنهم الذين يَقصدون قتال
المسلم، وأما تأويله بحمله على القتال مستحلّاً فيؤدّي إلى عدم صحّة المقابلة؛
لكون السباب مستحلّاً كفراً أيضاً.
وقال عياض رحمه الله تعالى: أي قتاله من أجل إسلامه، واستحلالُ
ذلك منه كفرٌ، وقيل: ذلك من أفعال أهل الكفر، أو يكون كفرَ طاعة، وكفرَ
نعمة وغَمْطَها، بأن جعلهما الله تعالى مسلمين، وأَلّف بين قلوبهما، ثم صار هو
بعدُ يقاتله، وقيل: كفرٌ بحقّ المسلم وجَحْدٌ له بالمعنى؛ لإظهاره إباحة ما
أنزل الله من تحريم دمه وقتاله، وترك ما أُمر به من محبّته وصِلَته وإكرامه، فهو
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٥٤/١ - ٣٥٥.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
كفرٌ بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده، وقد يكون القتال الْمُشَارّةَ - يعني
المخاصمة والمدافعة - كما قال في الحديث الآخر في المارّ بين يدي المصليّ:
((فليُقاتله))(١)، وكلّه منهيّ عنه، وفاعله جاحد حقّ أخيه المسلم وحقَّ الله تعالى
فيه. انتهى كلام القاضي(٢).
وقال في ((الفتح): ولا متمسّك في هذا الحديث للخوارج الذين يُكفّرون
بالمعاصي لأن ظاهره غير مراد؛ وإنما عبّر بلفظ الكفر لكون القتال أشدّ من
السباب؛ لأنه يفضي إلى إزهاق الروح، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي
الخروج عن الملّة، بل أطلق عليه الكفر مبالغةً في التحذير، مُعْتَمِداً على ما
تقرّر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرج عن الملّة، مثلُ حديث الشفاعة ومثل
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الآية
[النساء: ٤٨].
أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر.
وقيل: المراد هنا الكفر اللغويّ وهو التغطية؛ لأن حقّ المسلم على
المسلم أن يُعينه، ويَنصره، ويكُفّ عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطّى على هذا
الحقّ.
وقيل: أراد بقوله ((كفر)) أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر،
وهذا بعيد وأبعد منه حمله على المستحلّ لذلك؛ لأنه يلزم منه أن لا يحصُل
التفريق بين السِّبَاب والفسوق، فإن مستحلّ لعن المسلم بغير تأويل يكفر
أيضاً .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أولى ما قيل في معنى هذا الحديث أنه
أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير من ذلك؛ ليَنْزجر السامع عن الإقدام عليه،
أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك من فعل الكفّار(٣).
(١) حمل القاضي عياض حديث المار على المشارّة فيه نظر، إلا أن يريد أنه يبدأ
بالأسهل فالأسهل، وإلا فالظاهر حمله على القتال المعروف، كما سيأتي تحقيقه
في محله.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٥٥/١ - ٣٥٦.
(٣) راجع: ((الفتح)) ١٤/ ٥٢١.

٤٣٧
(٣٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَِّّ وَّهِ: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ نُسُوقٌ ... إلخ - حديث رقم (٢٢٨)
ويأتي هذا أيضاً في قوله وَله: ((لا ترجعوا بعدي كُفّاراً يضرب بعضكم
رقاب بعض))، كما سيأتي بيان الأقوال التي قيلت في تأويله، وهي عشرة
أقوال، في الباب التالي - إن شاء الله تعالى ..
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍٍ﴾ بعد
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ﴾ الآية
[البقرة: ٨٥]، فدلّ على أن بعض الأعمال يُطلق عليه الكفر تغليظاً.
وأما قوله {وَ ل ◌ّ فيما رواه المصنّف: ((لعن المسلم كقتله)) فلا يُخالف هذا
الحديث؛ لأن المشبّه به فوق المشبّه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في
التأثير، هذا في الْعِرْض وهذا في النفس. أفاده في ((الفتح)) (١).
[تنبيه]: ورد لهذا الحديث سببٌ، أخرجه البغويّ والطبريّ، من طريق
أبي خالد الوالبيّ، عن عمرو بن النعمان بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، قال: انتهى
رسول الله وَل﴿ إلى مجلس من مجالس الأنصار - ورجلٌ من الأنصار، كان
عُرِف بالبذاء ومشاتمة الناس - فقال رسول الله وَّ: ((سباب المسلم فسوقٌ،
وقتاله كُفرٌ))، زاد البغويّ في روايته: فقال ذلك الرجل: والله لا أُسابُ
رجلاً(٢)
(قَالَ زُبَيْدٌ) الياميّ (فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلِ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ) بن
مسعود رضيُهُ (يَرْوِيِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من
المفعول (قَالَ) أبو وائل (نَعَمْ) أي سمعته منه، وإنما قال زُبيد هذا للتأكّد، وله
سبب ذكره البخاريّ من طريق محمد بن عرعرة، عن شعبة، عن زبيد، قال:
سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ وَلّ قال: ((سباب
المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((سألت أبا وائل عن المرجئة)): أي عن مقالة
المرجئة، ولأبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظَهَرت
المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له، فظهر من هذا أن سؤاله كان عن
(١) ((فتح)) ١٥٥/١ ((كتاب الإيمان)) حديث رقم (٤٨).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٣٠/١٣ ((كتاب الفتن)) رقم (٧٠٧٥ - ٧٠٨٠).

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مُعْتَقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع
وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء
قديمة. انتهى(١).
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ) يعني أن شعبة رواه
عن زُبيد بدون قوله: ((فقلت لأبي وائل ... إلخ))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضيُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٢٢٨/٣٠ و٢٢٩] (٦٤)
و(البخاريّ) في (الإيمان)) (٤٨) و((الأدب)) (٦٠٤٤) و((الفتن)) (٧٠٧٦)، وفي
((الأدب المفرد)) (٤٣١)، و(الترمذيّ) في ((البر والصلة)) (١٩٨٣) و((الإيمان))
(٢٦٣٤) و(٢٦٣٥)، و(النسائيّ) في ((كتاب المحاربة)) (٤١١١/٢٧ و٤١١٢
و٤١١٣ و٤١١٤ و٤١١٥)، وفي ((الكبرى)) (٣٥٧٤/٢٧ و٣٥٧٥ و٣٥٧٦
و٣٥٧٧ و٣٥٧٨)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٦٩) و((الفتن)) (٣٩٣٩)، و(أبو
داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٨ و٢٥٨ و٣٠٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١٠٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٣٩ و٣٨٩٣ و٣٩٤٧ و٤١١٥ و٤١٦٧
و٤٢٥٠ و٤٣٣٢ و٤٣٨٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٩٨٨ و٤٩٩١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٣٩)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٦٥٣ و٦٥٤ و٦٥٥
و٦٥٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٨ و٥٩ و٦٠)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٢١٩ و٢٢٠ و٢٢١) وفي («الحلية)) (٣٤/٥)، و(الطحاويّ) في
(شرح معاني الآثار)) (٣٦٥/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠١٠٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠/٨ و٢٠٩/١٠)، و(الخطيب البغدادي) في
((تاريخه)) ١٨٥/١٣، والله تعالى أعلم.
(١) ((فتح)) ١٥٤/١.

٤٣٩
(٣٠) - بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِّ ◌َّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ نُسُوقٌ ... إلخ - حديث رقم (٢٢٨)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم سباب المسلم وهو أنه فسوق، وقتاله وهو أنه كفرٌ
على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا .
٢ - (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على من سبّه بغير حقّ
بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع
الإيمان، وفي ((صحيح البخاريّ)) من طريق شعبة، عن زُبيد، قال: سألت أبا
وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله - يعني ابن مسعود - رضي الله تعالى
عنه، أن النبيّ وَّر قال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))، يعني أن مذهبهم
هذا باطلٌ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقّاً، وقد خالف قول النبيّ
هذا؟ فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور.
[فإن قيل]: هذا - وإن تضمّن الردّ على المرجئة - لكن ظاهره يقوّي
مذهب الخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي.
[أجيب]: بأن المبالغة في الرّدّ على المبتدعة اقتضت ذلك، ولا متمسّك
للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لَمّا كان القتال أشدّ من السباب - لأنه
مفض إلى إزهاق الروح - عبّر عنه بلفظ أشدّ من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم
يُرِد به الكفر المخرج عن الملّة، وإنما أراد المبالغة في الحديث، معتمداً على
ما تقرّر من القواعد أن مثله لا يُخرج عن الملّة، مثل أحاديث الشفاعة
وغيرها(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج النسائيّ من طريق أَبِي دَاوُدَ الطيالسيّ، عن شُعْبَةَ، قَالَ:
قُلْتُ لِحَمَّادِ: سَمِعْتُ مَنْصُوراً، وَسُلَيْمَانَ، وَزُبَيْداً، يُحَدِّثُونَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ، قَالَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))، مَنْ
تَتَّهِمُ؟ أَتَتَّهِمُ مَنْصُوراً؟، أَتَتَّهِمُ زُبَيْداً؟، أَتَتَّهِمُ سُلَيْمَانَ؟، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَنَّهِمُ
أَبَا وَائِلٍ .
(١) راجع: ((الفتح)) ١٥٥/١ ((كتاب الإيمان)) حديث رقم (٤٨).

٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن حمّاداً هنا هو ابن أبي
سُليمان، وهو شيخٌ لشعبة وكان مرجئاً، والظاهر أنه جرى بينه وبين شعبة
النِّقَاش في الإرجاء فذكر له شعبة هذا الحديث محتجّاً عليه، ثم قال له: أتتّهم
هؤلاء الرواة أنهم حدّثوا بحديث غير ثابت عن النبيّ وَّ؟، فقال: لا أتّهمهم،
وإنما أتّهم شيخهم أبا وائل.
وإنما اتّهم أبا وائل لأنه كان يردّ على هذا الرأي الباطل، ويذكر حديث
ابن مسعود به هذا احتجاجاً على إبطاله، كما سبق من رواية البخاريّ في
((صحيحه)) عن شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال:
حدّثني عبد الله أن النبيّ وَّر قال: ((سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر)). وفي
رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظهرت المرجئة،
أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم،
وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة (٩٩)، وقيل: سنة
(٨٢)، ففي ذلك دليلٌ على أن بدعة الإرجاء قديمة. انتهى(١).
ثمّ إن اتّهام حماد لأبي وائل بهذا الحديث اتّهام باطلٌ، وذلك لأن أبا
وائل من العدول الثقات، الذين شهد لهم أهل عصرهم ومن بعدهم بالعدالة
والصيانة، وبَرّؤوهم من وصمة الاتهامات، فقال الأعمش عن إبراهيم: عليك
بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم ليعدّونه من خيارهم، وقال
إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، لا يُسأل عنه، وقال وكيع: كان ثقة،
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن حبّان: سكن الكوفة، وكان
من عُبّادها، وقال العجليّ: رجل صالح، وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه
ثقة(٢)
وأيضاً، فلم ينفرد أبو وائل برواية هذا الحديث عن ابن مسعود نقڅته،
فقد تابعه أبو الأحوص وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، كما هو عند
(١) ((فتح)) ١٥٤/١.
(٢) راجع ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) ١٧٨/٢ - ١٧٩، وغيره.