Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٧٣) وروي عن عُتبة الغلام أنه قال: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم تلذّذت بها باقي عمري. ومحبة العبد ربه تُقَالَ التزام طاعته، وترك مخالفته، كما قال تعالى: ﴿قُلٌ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك محبة رسول الله وَّل هي التزام شريعته، واتّباع طاعته، ولَمّا لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسولِ وَس 9 كانت محبّته من الإيمان. وقد سئل بعضهم عن المحبّة ما هي؟ فقال: مواطأة القلب لمراد الربّ، أن توافق الله ◌َ، فتُحبّ ما أحبّ، وتكره ما كره، ولبعضهم في هذا المعنى شعراً [من الكامل]: هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِیعُ تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِیعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ. وقال القاضي رحمه الله تعالى: هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد بَل﴿ رسولاً))، وذلك أنه لا تصح المحبة لله تعالى ورسوله وَ ل﴿ حقيقةً، وحبُّ الآدمي في الله تعالى ورسوله وَّة، وكراهةُ الرجوع إلى الكفر إلا لمن قَوِيَ بالايمان يقينه، واطمأنّت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وَجَدَ حلاوته، قال: والحب في الله من ثمرات حب الله، قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يُرْضِي الربِّ نَّلَ، فيحبّ ما أحبّ، ويَكْرَه ما كَرِهَ، واختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا في اللفظ . وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقاً، وقد يكون لإحسانه إليه، ودفعه المضارّ والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في النبيّ وَّهِ لِمَا جَمَعَ من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النِّعَم، والإبعاد من الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أن هذا متصوَّر في حق الله تعالى، فإن الخير كله منه ◌ُعَلَ، قال مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى. وقال في ((الفتح)): فيه استعارة تخييلية، شَبَّه رَغْبةَ المؤمن في الإيمان، بشيء حُلْوٍ، وأثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي، يجد طعم العسل مُرّاً، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكُلَّما نقصت الصحة شيئاً ما، نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوّي استدلال البخاريّ على الزيادة والنقص، أي على زيادة الإيمان ونقصه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب ((الفتح)) من دعوى الاستعارة في الحلاوة، فيه نظرٌ؛ لأنه إخراج للفظ الحديث إلى معنى مجازيّ من غير حاجة إليه، بل الأولى أن تكون الحلاوة على معناها الحقيقيّ، كما قال بعض المحقّقين رحمه الله تعالى : اختلف العلماء هل الحلاوة محسوسة، أو معنويّةٌ؟ فحملها قوم على المعنى، وحملها قوم على المحسوس، وأَبْقَوُا اللفظ على ظاهره، من غير أن يتأولوه، قال: والصواب معهم في ذلك - والله أعلم - لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره، من غير تأويل، وهو أحسن من التأويل، ما لم يُعارِض لظاهر اللفظ معارضٌ، ويشهد لما ذهبوا إليه أحوال الصحابة ظنّه، والسلف الصالح، وأهل المعاملات؛ لأنه قد حُكِي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة، فمن جملة ما حُكي في ذلك حديث بلال ◌َظُهُ حين صُنِعَ به ما صُنِع في الرمضاء إكراهاً على الكفر، وهو يقول: أَحَدٌ أحدٌ، فمزَجَ مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضاً عند موته أهله يقولون: واكرباه، وهو يقول: واطرباه. غَداً أَلْقَى الأَحِبَّهْ مُحَمَّداً وَصَحْبَهْ فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابيّ الذي سُرِق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يَقْطَع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما كنت فيه أكبر من ذلك، وما ذاك إلا للحلاوة التي وجَدَها محسوسة في وقته ذلك. ١٢٣ (١٧) - بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٧٣) ومنها: حديث الصحابيّين اللذين جعلهما النبيّ وَّ في بعض مغازيه ليلةً يحرُسان جيش المسلمين، فنام أحدهما، وقام الآخر يصليّ، فإذا الجاسوس من قبل العدوّ، وقد أقبل، فرآهما، فكبد الجاسوس القوس، ورمى الصحابيّ، فأصابه، فبقي على صلاته، ولم يقطعها، ثم رماه ثانيةً، فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثةً، فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه، وقال: لولا أني خِفتُ على المسلمين ما قطعت صلاتي، وما ذاك إلا لشدّة ما وَجَدَ فيها من الحلاوة، حتى أذهبت عنه ما يجده من ألم السهام. انتهى. وقال أيضاً ما حاصله: إنما عَبَّرَ بالحلاوة؛ لأن الله شبَّهَ الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية، فالكلمة الطيبة: هي كلمة الإخلاص، وهي أسّ الدين، وبها قِوَامه، فكلمةُ الإخلاص في الإيمان، كأصل الشجرة لا بدّ منه أوّلاً، وأغصان الشجرة في الإيمان عبارة عما تضمّنته كلمة الإخلاص، من اتّباع الأمر، واجتناب النهي، والزهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطنه من أفعال البر، وما ينبت في الشجرة من الثمرة هو في الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات، وحلاوة الثمرة في الشجرة هي في الإيمان عبارة عن كماله، وعلامة كماله هو ما ذكره النبيّ ◌َّر في هذا الحديث؛ لأن غاية فائدة الثمرة في تناهي حلاوة ثمرها، وكماله، ولهذا قال تعالى: ﴿تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]. انتهى (١). (مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ) بنصب ((أحبَّ))؛ لأنه خبر ((كان))، وإنما لم يُثنّيه حتى يُطابق اسم ((كان)) لأن أفعل التفضيل إذا استعمل بـ(من)) يكون مفرداً مذكّراً لا غير، كما بيّن ابن مالك رحمه الله تعالى أحواله في ((الخلاصة)) حیث قال: تَقْدِيراً اوْ لَفْظاً بِ «مِنْ)) إِنْ جُرِّدَا وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدًا لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى ((مِنْ)) وَإِنْ (١) راجع: ((بهجة النفوس)) للشيخ ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى ٢٦/١ - ٢٧. ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى: المراد بالحبّ هنا الحب العقلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقلُ السليمُ رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يَعاف الدواء بطبعه، فيَنفِر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله، فَيَهْوَى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر، ولا ينهى إلا بما فيه صلاحٌ عاجل، أو خلاصٌ آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تَمَرَّن على الائتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعاً له، ويلتذ بذلك التذاذاً عقلياً؛ إذ الالتذاذ العقلي: إدراك ما هو كمال، وخير من حيث هو كذلك، وعَبَّر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة. قال: وإنما جَعَلَ هذه الأمور الثلاثة عنواناً لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح، ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول # هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقّن أن جملة ما وَعَد، وأوعد حقّ يقيناً، ويُخَيَّل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار. انتهى ملخصاً. وشاهد الحديث من القرآن، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم هَدَّد على ذلك، وتوعد بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. ذكره في ((الفتح)) ١/ ٨٧. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز إضافة المحبّة لله تعالى، وإطلاقها علیه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك علیه صحيحٌ، مُحِبّاً، ومحبوباً، كما قال تعالى: ﴿فَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ لُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وهو في السنّة كثير، ولا يختلف النظّار من أهل السنّة، وغيرهم أنها مؤوّلة في حقّ الله تعالى؛ لأن المحبّة المتعارفة في حقّنا، إنما هي ميلٌ لما فيه غَرَض يستكمل به الإنسان ما نقصه، وسكون لما تلتذّ به النفس، وتكمل بحصوله، والله تعالى منزّه عن ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أنه لا يختلف النظار من أهل السنة ... إلخ أراد به المتكلّمين، فليس هذا مذهب أهل السنة ١٢٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٧٣) من السلف، ومن تبعهم من أهل الحديث، فإنهم لا يؤوّلون صفة المحبّة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، بل يثبتونها كما أثبتها على ظاهرها، على الوجه الذي يليق بجلاله جان، وأما تفسيره المحبّة بأنها ميلٌ لما فيه غَرَض ... إلخ فليس أحد ممن له عقل صريح يتخيّل المحبّة التي ثبتت لله ◌ُعَلَ بهذا المعنى، فإنها هي المحبّة الثابتة للمخلوق، وهذا التصوّر هو الذي حَمَل هؤلاء المؤولين على ما صاروا إليه من تحريف صفات الله تعالى، فلو أنهم نظروا إلى الحقيقة لوجدوا الفرق بين صفات الخالق، والمخلوق، فالله ◌ُ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ومنها المحبّة والرضا، والغضب، ونحوها، على الوجه الذي يليق بجلاله عال، (تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً). ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل. قال: وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حقّ الله تعالى، فمنهم من صرفها إلى إرادته تعالى إنعاماً مخصوصاً على من أخبر أنه يحبّه من عباده، وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته، ومنهم من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات الفعل، وعلى هذا المنهاج يتمشّى القول في الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما كان في معناها . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ جوابه ما تقدّم قبله، فمذهب السلف، وأهل الحديث أن هذه الصفات من الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما في معناها، صفات أثبتها الله ◌ُعَلَ لنفسه، فهم يثبتونها له كما أثبتها لنفسه، من غير تشبيه، ولا تحريف، ومن غير تعطيل، ولا تأويل، بل هي على ظاهرها، على ما يليق بجلاله على؛ لأنه لا داعي لتأويلها، ولأن المعاني التي يؤولون إليها يوجد فيها من المحذور على قولهم ما يلزم فيها؛ فإن الإنعام الذي أولت به المحبّة، أو إرادته هو أيضاً من صفات المخلوق، فإذا لزم التشبيه في المحبّة، لزم فيه أيضاً، فيفرّون من وَرْطَة، ويقعون في أخرى. والحاصل أن التأويل مذهب فاسد؛ لأنه لا يحصل به التخلّص من المحذور الذي زعموه، فالحقّ أن تُثْبَت هذه الصفات لله تعالى، على ظاهرها الحقيقيّ، كما أثبتها ◌ُخَلَ لنفسه، على ما يليق بجلاله، ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق. ١٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال: فأما محبّة العبد لله تعالى، فقد تأوّلها بعض المتكلّمين؛ لأنهم فسّروا المحبّة بالإرادة، والإرادةُ إنما تتعلّق بالحادث، لا بالقديم. ومنهم من قال: لأن محبتنا إنما تتعلّق بمستلذّ محسوس، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهؤلاء تأولوا محبة العبد لله تعالى بطاعته له، وتعظيمه إياه، وموافقته له علی ما یُرید منه. وأما أرباب القلوب، فمنهم من لم يتأول محبّة العبد لله تعالى، حتى قال: المحبّة لله تعالى هي الميل الدائم بالقلب الهائم، وقال أبو القاسم القشيريّ: أما محبّة العبد لله تعالى، فحالة يجدها العبد من قلبه، تَلْطُف عن العبارة، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم الله تعالى، وإيثار رضاه، وقلّة الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعدم الفرار عنه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره. قال: فهؤلاء قد صرّحوا بأن محبّة العبد لله تعالى هي ميلٌ من العبد، وتَوَقَانٌ، وحالٌ يجدها المحبّ من نفسه، من نوع ما يجده في محبوباته المعتادة له، وهو صحيح، والذي يوضّحه أن الله تعالى قد جبلنا على الميل إلى الحسن، والجمال، والكمال، فبقدر ما ينكشف للعاقل من حسن الشيء، وجماله، مال إليه، وتعلّق قلبه به، حتى يُفضي الأمر إلى أن يستولي ذلك المعنى عليه، فلا يقدر على الصبر عنه، وربّما لا يشتغل بشيء دونه. ثم الحسن، والكمال نوعان: محسوسٌ، ومعنويّ، فالمحسوس، كالصور الجميلة المشتهاة لنيل اللذّة الجسمانيّة، وهذا في حقّ الله تعالى محال قطعاً. وأما المعنويّ، فكمن اتّصف بالعلوم الشريفة، والأفعال الكريمة، والأخلاق الحميدة، فهذا النوع تميل إليه النفوس الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلاً عظيماً، فترتاح لذكره، وتتنعّم بخُبْرِهِ، وخَبَرِهِ، وتهتزّ لسماع أقواله، وتتشوّف لمشاهدة أحواله، وتلتذّ بذلك لذّة روحانيّة، لا جسمانيّةً، كما تجده عند ذكر الأنبياء، والعلماء، والفضلاء، والكرماء، من الميل، واللذّة، والرّقّة، والأُنس، وإن كنّا لا نعرف صورهم المحسوسة، وربّما قد نسمع أن بعضهم من غير الأنبياء قبيح الصورة الظاهرة، أو أعمى، أو أجزم، ومع ذلك، فذلك الميلُ والأنس، والتشوّق موجودٌ لدينا، ومن شكّ في وجدان ذلك، أو أنكره، كان عن جبِلّة الإنسانيّة خارجاً، وفي غمار المعتوهين والجاً. ١٢٧ (١٧) - بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٧٣) وإذا تقرّر ذلك، فإذا كان هذا الموصوف بذلك الكمال، قد أحسن إلينا، وفاضت نعمه علينا، ووصلنا ببرّه، وعطفه، ولطفه، تضاعف ذلك الميل، وتجدّد ذلك الأنس، حتى لا نصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال إلى أن نَذْهَل عن جميع الأشغال، بل ويطرأ على المشتهر بذلك نوع اختلال، وإذا كان ذلك في حقّ من كماله، وجماله، مقيّداً مشوباً بالنقص، معَرَّضاً للزوال، كان مَنْ كماله وجماله واجباً مطلقاً، لا يشوبه نقصٌ، ولا يعتريه زوال، وكان إنعامه، وإحسانه أكثر بحيث لا ينحصر، ولا يُعدّ، أولى بذلك الميل، وأحقّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلا لله وحده، ثم لمن خصّه الله تعالى بما شاء من ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمد بَّر، فمن تحقّق ما ذكرناه، واتّصف بما وصفناه، كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، ومن كان كذلك تأهّل للقائهما بالاتصاف بما يُرضيهما، واجتناب ما يُسخطهما، ويستلزم ذلك كلّه الإقبال بالكلّيّة عليهما، والإعراض عمّا سواهما إلا بإذنهما، وأمرهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو كلام نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)) عن بعضهم: محبة الله على قسمين: فرض، وندب. [فالفرض]: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يُقَدّره، فمن وقع في معصية، مِن فِعْلِ مُحَرَّم، أو ترك واجب، فلتقصيره في محبة الله، حيث قَدَّم هَوَى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات، والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيُقْدِم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يُسرع إلى الإقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: ((لا يَزْنِي الزاني، حين يزني، وهو مؤمن)) . [والندب]: أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عموماً بذلك نادر، قال: وكذلك محبة الرسول على قسمين، كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئاً من المأمورات والمنهيات، إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حَرَجاً بما قضاه، (١) ((المفهم)) ٢١٢/١ - ٢١٤. ١٢٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ويتخلق بأخلاقه في الجود، والإيثار، والحلم، والتواضع، وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك، وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. انتھی(١). (مِمَّا سِوَاهُمَا) لم يقلِ: ((ممن)) لكون ((ما)) أعمّ (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ) بالنصب على المفعوليّة (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ) جملة حاليّةٌ تحتمل أن تكون من الفاعل، أو المفعول، أو كليهما معاً، أفاده الكرمانيّ(٢). قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بالمرء هنا: المسلم المؤمن؛ لأنه هو الذي يمكن أن يُخْلَصَ لله تعالى في محبّته، وأن يُتقرَّب لله تعالى باحترامه، وحرمته، فإنه الموصوف بالأخوّة الإيمانيّة، والمحبّة الدينيّة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقد أفاد هذا الحديث أن محبّة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالأعراض الدنيويّة، ولا الحظوظ البشريّة، فإن من أحبّه لذلك انقطعت محبّته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة على الدوام، وُجدت الأعراض، أو عُدمت. ولَمّا كانت المحبّة للأعراض هي الغالبة قَلّ وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لا سيّما في هذه الأزمان التي قد امّحَى فيها أكثر رسوم الإيمان. وعلى الجملة فمحبّة المؤمنين من العبادات التي لا بدّ فيها من الإخلاص في حسن النّات. انتهى(٣). وقال يحيى بن معاذ: حقيقة الحبّ في الله أن لا يزيد بالبرّ، ولا ينقص بالجفاء، ذكره في ((الفتح)) (٤). (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي أن يرجع (فِي الْكُفْرِ) أي يصير فيه، أو يرجع إليه (بَعْدَ أَنْ) بفتح الهمزة: هي المصدريّة (أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ) أي خلّصه، ونجّاه، وهو (١) ((فتح)) ١/ ٨٧ - ٠٨٨ (٣) ((المفهم)) ٢١٤/١ - ٢١٥. (٢) ((شرح البخاريّ)) ١٠٠/١. (٤) ((فتح)) ٨٩/١. ١٢٩ (١٧) - بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٧٣) من الإنقاذ، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]، وثلاثيّه النَّقْذُ، قال ابن دُريد: النَّقْذُ مصدر نَقِذَ بالكسر يَنقَذ نَقَذاً بالتحريك: إذا نجى. وفي رواية للبخاريّ: ((وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يُقذف في النار)): قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الكراهية مُوحِيَةٌ لما انكشف للمؤمن من حسن الإسلام، ولِمَا دخل قلبه من نور الإيمان، ولِمَا خلّصه من الله تعالى من رذائل الجهالات، وقُبْح الكفران، والحمد لله. انتهى. وقال في ((الفتح)): والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً، بأن يولد على الإسلام ويستمرّ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيُحْمَل قوله: (يعود)) على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره. [فإن قيل]: فلِمَ عَدَّى العودَ بـ((في))، ولم يُعَدِّه بـ((إلى))؟. [فالجواب]: أنه ضمّنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه . (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [١٧٣/١٧] (٤٣)، وفي [١٧ /١٧٤]، وفي [١٧٥/١٧] بالأسانيد المذكورة. و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (١٦ و٢١) و((الأدب)) (٦٠٤١)، و((الإكراه)) ٦٩٤١، و(الترمذيّ) في ((الإيمان)) (٢٦٢٤) عن ابن أبي عمر، عن عبد الوهاب به، و(النسائيّ) في ((الإيمان)) ٩٦/٨، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٣٣)، (١) ((فتح)) ٨٩/١. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان و(الطيالسيّ) (١٩٥٩)، و(أحمد) ١٠٣/٣ و١٧٤/٣ و٢٤٨، و(ابن حبّان) ٢٣٧ و٢٣٨، و(ابن منده) ٢٨٣، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٢٤)، و(الصغير) ٢٥٧/١ و٢٥٨، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حلاوة الإيمان، وهي من الأمور المحسوسة التي يجدها العبد المؤمن في باطنه، كما مضى تحقيقه، وليست من المجاز، كما ادُعِي . ٢ - (ومنها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم، وأصل من أصول الدين، وكيف لا، وفيه محبّة الله تعالى، ورسوله وَ ل التي هي أصل الإيمان، بل عينه. ٣ - (ومنها): أن لهذه الحلاوة علامة تتحقّق بها، وتحصل عندها، وهي الأمور المذكورة في هذا الحديث. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على فضل من أُكره على الكفر، فترك البتة إلى أن قُتل. ٥ - (ومنها): ما قيل: إنما قال: ((مما سواهما))، ولم يقل: ((ممن))؛ ليعم من يعقل، ومن لا يعقل. ٦ - (ومنها): ما قيل أيضاً: إن في قوله: ((مما سواهما)) دليلاً على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله ◌َ * للذي خطب، فقال: ومن يعصهما: ((بئس الخطيب أنت))، فليس من هذا؛ لأن المراد في الْخُطَب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ؛ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي ◌ّ، قاله في موضع آخر، حيث قال: ((ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه)). [واعتُرض]: بأن هذا الحديث إنما ورد أيضاً في حديث خطبة النكاح. [وأجيب]: بأن المقصود في خطبة النكاح أيضاً الإيجاز، فلا نقض، وثَمَّ أجوبة أخرى : [منها]: دعوى الترجيح، فيكون حَيِّزُ المنع أولى؛ لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبنيّ على الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل. ورُدَّ بأن احتمال التخصيص في القول أيضاً حاصل، بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلاً. ١٣١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٧٣) [ومنها]: دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي وص ®، ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جَمَعَ أَوْهَم إطلاق التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. [ومنها]: دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه وَال هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مكان المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر. وتُعُقِّب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، أن يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب، مع أنه هو بَّر جمع كما تقدم؟. ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا، ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس مَن يُخشَى عليه توهم التسوية، كما تقدم. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب، وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية، إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله تعالى مثلاً، ولا يحب رسوله وَ له لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد، ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإفراد، فلأن كل واحد من العصيانين، مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة، كاستقلال الرسول. انتهى مُلَخَّصاً من كلام البيضاوي، والطيبي . [ومنها]: أجوبة أخرى فيها تكلف، منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه . ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [ومنها]: أن له أن يجمع بخلاف غيره. ذكره في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّ سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ، بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ)). رجال هذا الإسناد: ستةٌ : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ((غُنْدَر)) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة ثبتٌ حجة إمام عابدٌ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبتٌ رأس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: ((وجد طعم الإيمان)) هو بمعنى ((حلاوة الإيمان))، قال ابن الأثير: الطَّعْم بالفتح: ما يُؤدّيه ذَوقُ الشيء من حلاوة، ومَرارة، وغيرهما، وله حاصلٌ ومَنْفَعَةٌ، والطُّعْمُ بالضمّ: الأكل. انتهى(٢). وقال الفيّوميّ: ((الطَّعْم)) بالفتح: ما يُؤدّيه الذَّوْقُ، فيقال: طَعْمه حُلْوٌ، أو (١) راجع: ((الفتح)) ٨٨/١ - ٨٩. (٢) ((النهاية)) ١٢٥/٣. ١٣٣ (١٧) - بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ - حديث رقم (١٧٥) حامضٌ، وتغيَّرَ طَعْمُهُ: إذا خَرَجَ عن وصفه الْخِلْقِيّ. انتهى (١). وقوله: ((بعد أن أنقذه الله)) أي بعد أن خلّصه الله، ونجّاه من الكفر؛ لأن أنقذ بمعنى حَفِظ بالعصمة ابتداءً بأن يولد على الإسلام، ويستمرّ بهذا الوصف على الدوام، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وتمام شرح الحديث، وما يتعلّق به من المسائل قد تقدّم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِنَحْوٍ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بَهُودِيّاً، أَوْ نَصْرَانِيّاً)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. ٣ - (حَمَّاد) بن سلمة بن دينار، أبو أسامة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤]، مات سنة بضع ومائة وعشرين، وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. والصحابيّ سبق في السند الماضي. وقوله: (بنحو حديثهم) الضمير لمشايخ المصنّف المذكورين في السندين السابقين، يعني حديث إسحاق بن منصور كنحو حديثهم. [تنبيه]: طريق حماد هذه أخرجها أحمد في ((مسنده)) ٢٣٠/٣ و٢٨٨ فقال: (١) ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢. ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (١٢٩٢٧) حدثنا يونس، وحسن بن موسى قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَلَه: ((ثلاثٌ من كُنّ فيه وَجَدَ بهنّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ورجل يُحِبّ رجلاً لا يحبه إلا لله، ورجل أن يُقْذَف في النار أحبُّ إليه من أن يَرْجِع يهوديّاً، نصرانيّاً))، قال حسن: ((أو نصرانياً)). (١٣٥٥٦) حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله وَّل﴿ قال: ((ثلاث من كُنّ فيه وَجَد حلاوة الإيمان: من كان الله رَّتْ، ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجل يُحب الرجل لا يحبه إلا الله، والرجل أن يُقْذَف في النار أحب إليه من أن يَرْجِع يهوديّاً، أو نصرانياً)). وقوله: (غير أنه قال ... إلخ) يعني أن إسحاق قال: ((من أن يرجع يهوديّاً، أو نصرانيّاً)) بدل قول الأوَّلِين: ((وأن يكره أن يعود في الكفر ... إلخ))، وقول الآخِرَينِ: ((من أن يرجع في الكفر))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ . (١٨) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ وَِّ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [١٧٦] (٤٤) - (وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ... (ح) وحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّدُ الْوَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي حَدِيثٍ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ١٣٥ (١٨) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ ... إلخ - حديث رقم (١٧٦) ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم، وعُليّة أمه، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: شيبان بن فَرُّوخ الْحَبَطيُّ(١)، أبو محمد الأُبُلّيّ(٢)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٢٣٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٧. ٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَْوَان الْعَنْبَريّ مولاهم، أو عُبيدة التَّنُّوريّ - بفتح المثنّاة، وتشديد النون - البصريّ، أحد الأعلام، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ويقال: لم يثبت عنه [٨]. رَوَى عن عبد العزيز بن صُهيب، وشعيب بن الحبحاب، وأبي التياح، ويحيى بن إسحاق الحضرمي، وأيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وحسين المعلم، وسعيد الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابنه عبد الصمد، وعَفّان بن مسلم، ومُعَلَّى بن منصور، ومسدد، وعارم، وأبو معمر الْمُقْعَد، وحَبّان بن هلال، وحميد بن مسعدة، وأبو عاصم النبيل، وقتيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وشيبان بن فَرُّوخ، وغيرهم. قال معاذ بن معاذ: سألت أنا ويحيى بن سعيد شعبة عن شيء من حديث أبي التَّاح، فقال: ما يمنعكم من ذاك الشابّ؟ - يعني عبد الوارث - فما رأيت أحداً أحفظ لحديث أبي التياح منه، وقال القواريري: كان يحيى بن سعيد يُثَبِّته، فإذا خالفه أحد من أصحابه، قال: ما قال عبد الوارث، وقال أحمد: كان عبد الوارث أصح حديثاً عن حسين المعلم، وكان صالحاً في الحديث، وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: مَن أثبت شيوخ البصريين؟ فقال: عبد الوارث، مع جماعة سماهم، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: هو مثل حماد بن زيد في أيوب، قلت: فالثقفي أحب إليك أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، قلت: فابنُ (١) بمهملة، وموحّدة مفتوحتين. (٢) بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان علية أحب إليك في أيوب أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، وقال أبو عمر الْجَرْميّ: ما رأيت فقيهاً أفصح منه، إلا حماد بن سلمة، وقال أبو علي الْمَوْصِلي: قَلّمَا جلسنا إلى حماد بن زيد، إلا نهانا عن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان، وقال البخاري: قال عبد الصمد: إنه لمكذوب على أبي، وما سمعتُ منه يقول قط في القدر، وكلام عمرو بن عبيد، وقال أبو زُرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، ممن يُعَدُّ مع ابن علية، ووهيب، وبشر بن المفضل، يُعَدّ من الثقات، هو أثبت من حماد بن سلمة، وقال النسائي: ثقةٌ ثَبْتُ. وقال ابن سعد: كان ثقةً حجةً، تُوُفّي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة، وقال ابن حبّان في ((الثقات)): بلغ ثمانياً وسبعين سنة وشهراً، قال: وكان قَدَريّاً متقناً في الحديث، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الحسن بن الربيع: سألت عبد الله بن المبارك، فقلت: كنا نأتي عبد الوارث بن سعيد، فإذا حضرت الصلاة، تركناه وخرجنا، فقال: ما أعجبني ما فعلت، وكان يُرْمَى بالقدر، ثنا عبيد الله بن عمير قال: قال لي إسماعيل ابن علية: إذا حدثك عبد الوارث بحديث، وشَدَّ إسماعيل يده، أي خُذه، قال عبيد الله: لولا الرأي لم يكن به بأس، سمعته يقول: لولا أني أعلم أن كل شيء رَوَى عمرو بن عبيد حَقٌّ لما رويتُ عنه شيئاً أبداً، قال عبيد الله: ومات في آخر ذي الحجة سنة (٧٩)، وقال الساجي: كان قدريّاً صدوقاً متقناً، ذُمَّ لبدعته، كان شعبة يُظْرِيه، وقال ابن معين: ثقة، إلا أنه كان يَرَى القدر، ويظهره، حدثني علي بن أحمد: سمعت هُذْبة بن خالد، سمعت عبد الوارث: يقول: ما رأيت الاعتزال قط، قال الساجيّ: الذي وَضَعَ منه الْقَدَرُ فقط، ووثقه ابن نمير، والعجلي، وغير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثاً. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهَيب الْبُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. وأما أَنَس ◌َظُبه فقد تقدّم في الحديث الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو أعلى أسانيده، كما سبق بيانه في ((شرح المقدّمة))، وهذا هو (٥) من رباعيات الكتاب. ١٣٧ (١٨) - بَابُ قَوْلِ النَّبِّ ◌ََّ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ ... إلخ - حديث رقم (١٧٦) ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول لم يُخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود والنسائيّ. ٠ ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه زُهير، فإنه نسائيّ، ثم بغداديّ، وأما شيبان، فإنه أُبُلّيّ، وهي من البصرة، قال في ((القاموس)): وأُبُلَّة، كعُتُلّة: موضع بالبصرة، أحد جِنان الدنيا(١)، وأما ضبط السيوطيّ له في ((لبّ اللباب)) ٣٥/١ بضم الهمزة، وفتح الموحّدة، فإنه محلّ نظر، فتنبّه. ٤ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة. ٥ - (ومنها): قوله في السند الأول: حدّثني زهير، وفي الثاني: حدّثنا شيبانُ، إشارة إلى أنه سمعه من شيخه زُهير وحده، ومن شيخه شيبان مع غيره، وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث)) بقوله: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ ((حَدَّثَنِي)) وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ (أَخْبَرَنِي)) وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئاً ((أَخْبَرَنَا)) وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً ((حَدَّثَنَا)) ٦ - (ومنها): أن فيه ((إسماعيل ابن عُلَيّة)) فـ((عليّة)) أمه، ولذا تكتب همزة الوصل في ((ابن))؛ لعدم توفّر شروط حذفها، وهي التي نظمها الأجهوريّ بقوله : فِي وَسَطِ اسْمَيْنِ تَكُنْ مُتَّبِعَا احْذِفْ مِنِ ((ابْنٍ)) أَلِفاً إِنْ وَقَعَا إِلَّا إِذَا أُضِيفَ لَلضَّمِيرٍ وَمِثْلُهُ إِنِ اسْمُهُ قَدْ حُذِفَا قُلْتُ وَفِي اسْتِثْنَاءِ ذَيْنٍ نَظَرُ كَذَاكَ مَكْتُوبٌ بِصَدْرِ السَّطْرِ أَوْ مَنْ لِغَيْرِ أَبِيهِ قَدِ انْتَسَبْ وَمَا بِهِ لِصِفَةٍ قَدْ عُدِلَا مَوْصُوفُهُ مِنْهُ وَمَا يُثَنَّى فَالأَلِفَ اكْتُبْ فِيهِ يَا سَمِيرِي كَـ((أَكْرَمَ ابْنُ عُمَرٍ مَنْ أَنْصَفَا)) إِذْ لَيْسَ بَيْنَ اسْمَيْنٍ مَنْ يُذَكَّرُ أَوْ مَا نَسَبْتَهُ لِجَدِّ فَادْرِ كَخَالِهِ فَالْحُكْمُ ذَا لَهُ وَجَبْ لِخَبَرٍ كَذَلِكَ اللَّذْ فُصِلَا أَوْ عَدْلُ الاسْتِفْهَامِ صَدَّ عَنَا (١) راجع: ((القاموس)) ص ٨٦٣. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان كَ((الابْنِ)) فِي ذَا وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ(١) قَدْ قَالَ ذَا الشَّامِي وَبَعْضٌ ((ابْنَةُ)). والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك ◌َظَه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ -) بدل ((عبدٌ))، وفي الرواية التالية: ((أحدكم))، قال في ((الفتح)): قوله: ((الرجل)) أشمل من جهة، و((أحدكم)) أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيليّ: ((لا يؤمن أحدٌ)). انتهى. (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ) هو أفعل تفضيل بمعنى المفعول، وهو مع کثرته على خلاف القياس، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل وفُصِل بينه وبين معموله بقوله: (إِلَيْهِ) لأن الممتنع الفصل بأجنبيّ، لا مطلقاً، مع أنه يُتوسّع في الظرف ما لا يُتوسَّع في غيره قاله الكرماني(٢)، (مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))) من عطف العامّ على الخاصّ، وهل تدخل النفس في هذا العموم؟ الظاهرُ دخولها، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام، كما سيأتي. قال الإمام أبو سليمان الخطابيّ رحمه الله تعالى: لم يُرِد به حُبَّ الطبع، بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه لا تَصْدُق في حبي حتى تُقْنِي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك. انتهى. قال الطيبيّ: قوله: (ولا سبيل إلى قلبه)) ليس بمطلق، وذلك أن المحبّ ينتهي في المحبّة إلى أن يتجاوز عن الهوى، فيؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه، فضلاً عن محبة ولده، بل يُحبّ أعداء نفسه؛ لمشابهتهم بمحبوبه، قال الشاعر [من البسيط]: أَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمُ إِذْ صَارَ حَظِّيَ مِنْكَ حَظَّ مِنْهُمُ(٢ (١) راجع: ((تحفة الحبيب حاشية إقناع الخطيب)) ١٥/١. (٢) ((شرح البخاري)) ١ / ٩٧. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٤٣/٢ ١٣٩ (١٨) - بَابُ قَوْلِ النَِّيِّ ◌َّهِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ ... إلخ - حديث رقم (١٧٦) وقال ابن بَطّال، والقاضي عياض وغيرهما رحمهم الله تعالى: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام، كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة، كمحبة الولد، ومحبة مُشاكلة واستحسان، كمحبة سائر الناس، فجمع النبيّ وَّ أصناف المحبة في محبته. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث أن من استكمل الإيمان عَلِمَ أن حَقَّ النبيّ وََّ آكد عليه من حَقِّ أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به وَلّ استُنْفِذنا من النار، وهُدِينا من الضلال. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ومن محبته نُصْرَة سنته، والذّبّ عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل مالَهُ ونفسه دونه، قال: وإذا تَبَيَّن ما ذكرناه تبيّن أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبيّ وََّ، ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه، فليس بمؤمن. انتهى، ذكره النوويّ في ((شرحه))(١). وقال في ((الفتح)): والمراد بالمحبة هنا حبّ الاختيار، لا حب الطبع، قاله الخطابي، وقال الطيبي: فيه إشعارٌ بالموازنة والترجيح، وتلميح إلى قضية النفس الأمّارة، واللوّامة، والمطمئنة، فإن الأمّارة مائلة إلى اللذّات، وحبّ العاجلة، والمطمئنّة مقابلة بها، مرجّحة لحبّ الآجلة، فإن من رَجَّح جانب الأمّارة كان حب أهله ووالده راجحاً على حبه وَله، ومن رجّح جانب المطمئنة كان حكمه أَرْجِعِىّ إِلَى رَیَّكِ بالعكس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ٢٠ ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، ولا ارتياب وَأَدْخُلِ جَنَّی ٢٩٠ فَادْخُلِ فِ عِبَدِی ٢٨ رَضِيَةٌ تَرْضِيَّةً أن من دخل في زمرة عباده المرتَضَينِ، وانخرط في سلك الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين لا يُحبّ أن ينكُص على عقبيه، فيُرجّح جانب الأهل والأولاد على جانبه مصر، وهذا محال، وفي هذا التقرير أيضاً معنى قوله: ((وجد حلاوة الإيمان))، وذلك أن النفس الأمارة موءوفة، كمن غلبت عليه الصفراء، فإنه لا يجد حلاوة العسل، فإذا صحّت واطمأنت زال عنه ذلك المرض، فيجد حلاوة الإيمان. انتهى كلام الطيبيّ(٢). (١) ((شرح مسلم)) ١٥/٢ - ١٦. (٢) ((الكاشف)) ٢/ ٤٤٣. ١٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال. وتعقبه صاحب ((المفهم)) بأن ذلك ليس مراداً هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية، ليس مستلزماً للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل، لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر نظريته الذي رواه البخاريّ في ((الأيمان والنذور)) من حديث عبد الله بن هشام: كنا مع النبيّ وَلَّ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رَظُته، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ وَّ: ((لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبيّ وَلّى: ((الآن يا عمر)) (١). انتهى. فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعاً . ومن علامة الحب المذكور: أن يَعرِض على المرء أن لو خُيِّر بين فقدٍ غرض من أغراضه، أو فقدٍ رؤية النبي وَ ﴿، أن لو كانت ممكنةً، فإن كان فقدها، أن لو كانت ممكنة أشد عليه، من فقدِ شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) قال في ((الفتح)) ٣٧٥/١٣: أي الآن عرفت، فنطقت بما يجب، وأما تقرير بعض الشرّاح: الآن صار إيمانك معتدّاً به، إذ المرء لا يُعتدّ بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول وَ﴿، ففيه سوء أدب في العبارة، وما أكثر ما يقع مثل هذا في كلام الكبار عند عدم التأمل، والتحرّز؛ لاستغراق الفكر في المعنى الأصليّ، فلا ينبغي التشديد في الإنكار على من وقع ذلك منه، بل يُكتفى بالإشارة إلى الردّ، والتحذير من الاغترار به؛ لئلا يقع المنكر في نحو مما أنكره. انتهى.