Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٨)
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ) بن الْمُحَرّر بن سالم التُّجِيبيّ مولاهم،
أبو عبد الله المصري الحافظ، ثقة ثبت [١٠].
رَوَى عن مسلمة بن علي الْخُشَنِيّ، وابن لَهِيعة، والليث، ومفضل بن
فضالة، ونعيم بن حماد، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم،
وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو الربيع سليمان بن داود الْمَهْري، وغيرهم.
قال ابن الجنيد: كان أوثق من ابن زُغْبَة. وقال أبو داود: ثقة ولم أكتب
عنه شيئاً، وقال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد، ولو كان كتب عن مالك
لأثبته في الطبقة الأولى من أصحابه. وقال ابن ماكولا: كان ثقة مأموناً، وقال
ابن يونس: ثقة ثبت في الحديث، وكان أعلم الناس بأخبار البلد وَوَقْفِهِ، وكان
إذا شهد في دار عَلِمَ أهلُ البلد أنها طيبة الأصل. وذكر ابن السمعاني في
(الأنساب)) أن البخاري روى عنه. وقال محمد بن وَضّاح: لقيته بمصر، وكان
نِعْمَ الشيخُ. وقال مسلمة: أنا عنه غير واحد، وهو ثقة، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وكذا أرّخه ابن أبي
عاصم. وقال البخاري وابن قُدَيد: مات في شوال سنة (٤٢). تفرّد به
المصنّف، وابن ماجه.
وفي ((الزهرة)): روى عنه مسلم مائة حديث، وإحدى وستين حديثاً. انتهى(١).
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة
ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسمه سُوَيد الأزدي مولاهم، وقيل غير ذلك
في ولائه، أبو رَجَاء المصريّ، ثقة فقيه، يُرسل [٥].
رَوَى عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، وأبي الطفيل، وأسلم بن
يزيد أبي عمران، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وخَيْر بن نُعيم الحضرمي،
وسويد بن قيس التجيبي، وعطاء بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وغيرهم.
(١) هكذا في ((تهذيب التهذيب))، والذي في برنامج الحديث أن مسلماً له عنه (١٥٠)
حديثاً، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار وعدمه، والله تعالى أعلم.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه سليمانُ التيميّ، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن الحارث،
وابنُ لَهيعة، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وآخرون.
قال ابن سعد: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليماً عاقلاً، وكان
أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، وكانوا قبل ذلك إنما
يتحدّثون بالفتن والملاحم، وهو أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن
عبد العزيز كَُّ الفتيا بمصر، وقال الليث: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا،
وقال الآجري عن أبي داود: لم يَسمع من الزهري، وقال ابن أبي حاتم: سألت
أبي عن يزيد بن أبي حبيب وموسى الْجُهَنِيّ أيهما أحب إليك؟ فقال: يزيد،
قال: وسئل أبو زرعة عن يزيد؟ فقال: مصريّ ثقة، وقال العجلي: مصري
تابعي ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يزيد بن أبي حبيب، عن عقبة بن عامر
مرسل، وقال الليث: ثنا يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، وهما
جَوْهَرِيّا البلد، وقال ابن وهب: لو جُعلا في ميزان ما رَجَحَ أحدهما على
الآخر، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن يونس: كان يزيد نُوبيّاً من أهل
دنقلة، فابتاعه شريك بن الطفيل العامريّ، فأعتقه، وُلد سنة ثلاث وخمسين.
وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة،
وقال غيره: بَلَغَ زيادةً على خمس وسبعين سنة، وفيها أَرّخه ابن يونس، وقال:
رَوَى عنه الأكابر من أهل مصر، ثم رَوَى عن ابن لهيعة أنه وُلد سنة ثلاث
وخمسين. وقال البخاري: قال يحيى بن بكير: هو ابن قيس، ويقال: سُوَيد،
وله أخ اسمه خليفة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثاً.
٥ - (أَبُو الْخَيْرِ) هو: مرثد بن عبد الله الْيَزَنيّ - بفتح التحتانيّة، والزاي،
بعدها نون _ (١) المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
(١) نسبة إلى ذي يزن، وهو عامر بن أسلم بن الحارث بن مالك بن زيد بن الغوث بن
سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سرد بن زرعة بن سبأ الأصغر، وإليه
تُنسب الأسنّة اليَزَنيّة، وهو أول من عمل سنان حديد، وإنما كانت أسنتهم صياصي
البقر، وقيل: يزن موضع، راجع: ((عمدة القاري)) ١٣٧/١ - ١٣٨.

٨٣
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٨)
رَوَى عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، وكان لا يفارقه، وعمرو بن العاص،
وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أيوب الأنصاريّ، وأبي بَصْرَة الغفاري،
وزيد بن ثابت، وغيرهم.
ورَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وكعب بن علقمة،
وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وعبيد الله بن أبي جعفر، وغيرهم.
قال ابنُ يونس: كان مُفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن
مروان يُحضِره، فيُجْلِسه للفتيا، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، وقال ابن
سعد: كان ثقةً، وله فضلٌ وعبادةٌ، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال ابن
معين: كان عند أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، وكان رجلَ صدقٍ،
ووَثَّقَهُ يعقوب بن سفيان، وذكره ابنُ حبّان في ((الثقات)).
قال سعيد بن عُفَير: تُوُفّي سنة تسعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثاً.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل السهميّ، أبو محمد،
وقيل: أبو عبد الرحمن، الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّ تقدّم في ((المقدمة)) ٤/
١٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن رُمح،
فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيّاً، إلا
أنه دخل مصر طالِباً للعلم، قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: وفي هذا الإسناد
لطيفة، وهو أن رواته كلهم مصريّون، وهذا من الغرائب؛ لأنه في غاية القلّة،
ويزداد قّةً باعتبار جلالتهم؛ لأنهم كانوا كلّهم أئمة جلّة. انتهى(١).
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء.
(١) ((شرح الكرمانيّ على البخاريّ)) ١/ ٩٢.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (ومنها): أن فيه الإمامَ الفقيه المجتهد المشهور الليث بن سعد، كان
الإمام الشافعي يراه أفقه من مالك رحمهم الله تعالى.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يزيد، عن أبي الخير.
٧ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، ومن المشهورين
بالفتوى، وهو صحابيّ ابن صحابيّ، وروى كثيراً من الأحاديث (٧٢٢) حديثاً .
(فائدة): ((عمرو)) يُكتب بالواو في الرفع والجرّ؛ تمييزاً بينه وبين ((عُمَر))،
ولم يُعكس؛ لخفّة ((عمرو)) بثلاثة أشياء: فتح أوله، وسكون ثانيه، وصرفه،
وأما في حالة النصب فالتمييز بالألف، قاله الكرمانيّ(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ﴿َهَا (أَنَّ رَجُلاً) قال في ((الفتح)): لم أعرف
اسمه، وقيل: إنه أبو ذرّ ظُه، وفي رواية ابن حبّان أن هانئ بن يزيد، والد
شُريح سأل عن معنى ذلك، فأُجيب بنحو ذلك. انتهى(٢). (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَِّ)
ولفظ البخاريّ: سأل النبيّ ◌َِّ (أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟) مبتدأ وخبره، أي: أيّ
خصال الإسلام خير؟ بدليل جوابه بقوله: ((تُطعم الطعام، وتقرأ السلام ...
إلخ))، وأنه وَ﴿ فَهِمَ من هذا السائل أنه يسأل عن أفضل خصال الإسلام
المتعدّية النفع إلى الغير، فأجابه بأعمّ ذلك، وأنفعه في حقّه، فإنه وَّ كان
يُجيب كلّ سائل على حسب ما يَفْهَمُ منه، وبما هو الأهمّ في حقّه، والأنفع
له، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى(٣).
وقال في ((الفتح)): التقدير: أي خصال الإسلام؟ قال: وإنما لم أَخْتَرْ تقدير
((خصال)) في الأول - يعني حديث ((أي المسلمين أفضل؟)) -؛ فراراً من كثرة
الحذف، وأيضاً فتنويع التقدير، يتضمن جواب من سأل، فقال: السؤالان بمعنى
واحد، والجواب مختلف؟، فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين، بَانَ الفرقُ.
(١) ((شرح البخاريّ)) ٩٢/١.
(٣) ((المفهم)) ٢٢٢/١.
(٢) ((الفتح)) ٧٢/١.

٨٥
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٨)
ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلامُ
لسلامة اللسان، قاله الكرماني، وكأنه أراد في الغالب.
ويحتمل أن يكون الجواب اختَلَفَ لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن
لُوحظ بين لفظ ((أفضل))، ولفظ ((خير)) فرق.
وقال الكرماني: الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلّة، والخير
بمعنى النفع في مقابلة الشرّ، فالأول من الكميّة، والثاني من الكيفيّة، فافترقا.
واعتُرِض بأن الفرق لا يتمّ، إلا إذا اختَصّ كلّ منهما بتلك المقولة، أما
إذا كان كل منهما يُعقَل تأتيه في الأخرى فلا، وكأنه بَنَى على أن لفظ ((خير))
اسم، لا أفعلُ تفضيل، وعلى تقدير اتّحاد السؤالين جواب مشهور، وهو
الحمل على اختلاف حال السائلين، أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب
الأول، تحذيرُ من خَشِيَ منه الايذاء بيد، أو لسان، فَأَرشد إلى الكفّ، وفي
الثاني ترغيبُ مَن رَجَى فيه النفع العام بالفعل والقول، فأَرشد إلى ذلك، وخَصّ
هاتين الخصلتين بالذكر؛ لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت؛ لما كانوا فيه
من الْجَهْد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه مرَِّ حَثّ عليهما أوّل ما
دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره، مُصَحِّحاً من حديث عبد الله بن
سلام نظافته(١).
(قَالَ) وَ (تُطْعِمُ الطَّعَامَ) خبر لمحذوف بتقدير ((أن)) المصدريّة، أي هو
أن تُطعم، أي إطعامك الطعام، فهو نظير قولهم: ((تسمع بالمعيديّ خير من أن
تراه))، أي أن تسمع، أي سماعك، غير أن في هذا المؤوّلُ مبتدأ، وفي
الحديث خبرٌ، وحَذْفُ ((أن)) ورفعُ الفعل جائز على الصحيح في سعة الكلام،
(١) أراد به ما أخرجه الترمذيّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن سلام ظُه قال: لَمّا قَدِمَ
رسول الله ﴿ المدينة انّجَفل الناس، إليه: وقيل: قَدِمَ رسول الله وَّرَ، قَدِم
رسول الله وَّ، قدم رسول الله وَّ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبَتُّ
وجهَ رسول الله وَ﴿ عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب، وكان أوّلُ شيء تكلم به أن
قال: ((أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا
الجنة بسلام))، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وهو مذهب الأخفش من النحاة، وقوّاه ابن مالك في ((التسهيل))، فقد جاء به
في التنزيل العزيز قولُهُ تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَنِهِ، يُرِيِكُمُ الْبَرَّقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية،
والتقدير: أن يُريكم، وأما نصب الفعل مع حذفها، فضرورة لا يقع في سعة
الكلام، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
وإليه أشار ابن مالك في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَشَذَّ حَذْفُ ((أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
(وَتَقْرَأُ) بفتح التاء، وضمّ الهمزة؛ لأنه مضارع قرأ، بمعنى: تقول، قال
أبو زيد: أقرئني خَبَراً: أخبرني به، وقال أبو حاتم السِّجِسَتاني: يقال: اقْرَأْ
عليه السلام، وأَقْرِتُهُ الكتابَ، ولا يقال: أَقْرِتُهُ السلامَ، إلا أن يكون مكتوباً في
كتاب، ويقال: أقرئه إياه، ولا يقال: أقرئه السلام، إلا في لغة شنوءة، نقله
ابنُ بَطّال في ((شرح البخاريّ)) ٦٤/١.
وقال الفيّوميّ: وقرأت على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه
قلت: اقْرَأُ عليه السلام، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يُقال: اقْرَأْهُ
السلامَ؛ لأنه بمعنى اتْلُ عليه، وحَکَی ابن القطّاعِ أنه يتعدّى بنفسه رباعيّاً،
فيقال: فلانٌ يُقْرِئك السلامَ. انتهى(١).
وقوله: (السَّلَامَ) بالنصب على المفعوليّة (عَلَى مَنْ عَرَفْتَ) متعلّقٌ بـ(تقرأ))،
و(مَنْ)) موصولة، وعائد الموصول محذوف، أي عرفته (وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))) أي لا
تَخْصَّ به أحداً تكبِّراً، أو تصنُّعاً، بل تعظيماً لشِعَار الإسلام، ومراعاة لأُخُوّة
المسلم، فهذا أفضل أنواع إفشاء السلام، ويخرج من عموم ذلك من لا يجوز
ابتداؤه بالسلام، كأهل الكتاب، عند جمهور العلماء، قاله ابن رجب رحمه الله
تعالى(٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): معنى: ((تقرأ السلام على مَن
عَرَفت ومن لم تعرف)) أي تُسَلِّم على كل مَن لَقِيته عرفته أم لم تعرفه، ولا
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٢.
(٢) انظر: ((شرح البخاري)) للحافظ ابن رجب ٤٤/١.

٨٧
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٨)
تَخُصَ به من تعرفه كما يفعله كثيرون من الناس، ثم إن هذا العموم مخصوص
بالمسلمين، فلا يُسَلَّم ابتداءً على كافر. انتهى(١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: جَمَعَ له النبيّ وَّهِ بين الإطعام وإفشاء
السلام؛ لاجتماعهما في استلزام المحبّة الدينيّة، والألفة الإسلاميّة، كما
قال ◌َ له: ((ألا أدلكم على شيء إذا فَعَلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم))،
رواه مسلم (٢)، وفيه دليلٌ على أن السلام لا يُقْصَرُ على من يُعرف، بل على
المسلمين كافّةً؛ لأنه كما قال ◌َِّ: ((السلام شعارٌ لملّتنا، وأمانٌ لذمّتنا))(٣)،
وردّ السلام أوكد من ابتدائه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٤).
وقال أيضاً: جَعَلَ النبيّ ◌َّ في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام،
وإفشاء السلام، وفي ((المسند) ٣٨٥/٤ عن عمرو بن عَبَسَة ◌ُه أنه سأل
النبيّ وَّ: ما الإسلام؟ قال: ((لِينُ الكلام، وإطعام الطعام))، ومراده الإسلام
التامّ الكامل، وهذه الدرجة في الإسلام فضلٌ، وليست واجبةً، وإنما هي
إحسان، وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد، فواجبة، إذا كانت من غير
حقّ، فإن كانت السلامة من حقّ كان أيضاً فضلاً.
وقد جمع الله تعالى بين الأَفْضَال بالنَّدَى(٥)، وترك الأذى في وصف
المتّقين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِينَ الْغَيْظَ
(١) ((شرح مسلم)) ٢/ ١٠.
(٢) رواه أحمد ٣٩١/٢، ومسلم (٥٤)، والترمذيّ (٢٥١٢).
(٣) هكذا احتجّ القرطبيّ بهذا الحديث، وهو غير صالح للاحتجاج به، فقد رواه
الطبرانيّ في ((الصغير)) ٧٥/١ بلفظ ((السلام تحيّة ... ))، وفي ((الكبير)) (٧٥١٨)،
والخطيب في ((تاريخه)) ٣٩٦/٤، والشهاب في ((مسنده)) (١٨٤)، وفي إسناده
طلحة بن زيد، وهو متهم، قال ابن عديّ: روى بهذا الإسناد ستة أحاديث
موضوعة، وأورده صاحب ((الدرّ الملتقط)) برقم (١٧)، وابن الجوزيّ في
((الموضوعات)) ٧٩/٣؛ لأن في سنده عصمة، وهو كذّاب.
(٤) ((المفهم)) ٢٢٢/١ - ٢٢٣.
(٥) وقع في النسخة بلفظ ((بالنداء)) والظاهر أنه ((بالندى)) بالفتح مقصوراً، وهو العطاء،
وعليه يدلّ آخر كلامه. والله أعلم.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[آل عمران: ١٣٤]، فهذا إحسان
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْيِنِينَ
وفضل، وهو بذل النَّدَى، واحتمال الأذى. وجمع في الحديث بين إطعام
الطعام، وإفشاء السلام؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل، وهو أكمل
الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام، وواجباته،
فمن أتى بفرائض الإسلام، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس، كان خيراً
ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة، وأفضل أيضاً، وليس المراد أن من اقتصر على
هذه الدرجة، فهو خير من غيره مطلقاً، ولا أن إطعام الطعام، ولين الكلام خير
من أركان الإسلام، ومبانيه الخمس، فإن إطعام الطعام، والسلام لا يكونان من
الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
وقد زعم الحكيميّ(١) وغيره أنه قال: خير الأشياء كذا، والمراد تفضيله
من وجه دون وجه، وفي وقت دون وقت، أو لشخص دون شخص، ولا يراد
تفضيله على الأشياء كلها، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء، لا خيرها
مطلقاً .
وهذا فيه نظرٌ، وهو مخالف للظاهر، ولو كان هذا حقّاً لما احتيج إلى
تأويل قول النبيّ وَ ﴿ لمن قال له: يا خير البريّة، فقال: ((ذاك إبراهيم ظلَّلام))،
وقد تأوله الأئمة، فقال الإمام أحمد: هو على وجه التواضع. ولكن هذا يقرب
من قول من تأول ((أفضل)) بمعنى ((فاضل))، وقال: إن ((أفعل)) لا تقتضي
المشاركة، وهذا غير مّرد عند البصريين، ويُتَأَوَّلُ ما ورد منه، وحكي عن
الكوفيين أنه مطّردٌ، لا يحتاج إلى تأويل. انتهى كلام ابن رجب (٢)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا
متّفقٌ عليه.
(١) هكذا النسخة ((الحكيميّ))، ولعله مصحّف من ((الْحَلِيميّ))، والله أعلم.
(٢) ((شرح البخاري)) ٤٢/١ - ٤٤.

٨٩
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٨)
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [١٦٨/١٦] (٣٩) عن قتيبة بن سعيد،
ومحمد بن رُمْح بن المهاجر، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن أبي الخير، عنه.
و(البخاريّ) في ((الإيمان)) ١٠/١ (١٢) عن عمرو بن خالد، وقتيبة،
فرّقهما، وفي ((الاستئذان)) ٦٥/٨ (٦٢٣٦) عن عبد الله بن يوسف، ثلاثتهم عن
الليث به، وفي ((الأدب المفرد)» (١٠١٣) عن قتيبة به.
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥١٩٤) عن قتيبة به.
و(النسائيّ) في ((الإيمان)) ٥٠٠٢/١٢، وفي ((الكبرى)) ١١٧٣١/١٢ عن
قتيبة به .
و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٢٥٣) عن محمد بن رُمح به.
و(ابن أبي شيبة) ٦٤/٩ - ٦٥، و(أحمد) في ((مسند المكثرين)) (٦٥٤٥
و٦٨٠٩)، و(أبو نعيم) في ((المستخرج)) ١٣٠/١ (١٥٥)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٠٠ و٥٠٥)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣١٦)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تفاضل الإسلام في خصاله.
٢ - (ومنها): بيان خير خصال الإسلام.
٣ - (ومنها): أن فيه حثّاً على إطعام الطعام، ومواساة المحتاجين،
واستجلاب قلوب الناس به، وببذل السلام؛ لأنه ليس شيء أجلب للمحبة،
وأثبت للمودّة منهما، وقد مَدَحَ الله ◌َّ المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ
عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية [الإنسان: ٨]، ثم ذكر الله تعالى جزيل ما أثابهم عليه، فقال:
﴿فَوَقَدْهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾﴾ الآيات [الإنسان: ١١]،
ووصف ◌ُولَ من لم يُطعم بقوله في وصف أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ
٤٣
الآية [المدّثّر: ٤٢ - ٤٤]،
قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ ﴿﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
وعاب من أراد أن يَحْرِم طعامه أهل الحاجة إليه، فذكر أهل الجنة: ﴿إِذْ أَقْتُواْ
لَيَصْرِمُنَهَا مُصْبِحِينَ﴾ إلى ﴿كَلسَّرِيمٍ﴾ - يعني المقطوع - فأذهب الله تعالى ثمارهم،

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وحَرَمَهُم إياها، حين قصدوا الاستئثار بها دون المساكين، أفاده ابن بطال(١).
٤ - (ومنها): أن فيه الحثّ على إفشاء السلام الذي هو دليل على خفض
الجناح للمسلمين، والتواضع، والحثّ على تألّف قلوبهم، واجتماع كلمتهم،
وتوادهم، ومحبّتهم.
٥ - (ومنها): الإشارة إلى تعميم السلام، وهو أن لا يخصّ به أحداً دون
أحد، كما يفعله الجبابرة؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة، وهم متساوون في رعاية
الأخوّة.
ثم إن هذا التعميم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلّم ابتداء على كافر؛
لقوله ويلقى: ((لا تبدءوا اليهود، ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتموهم في
الطريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه))، رواه البخاريّ، وكذلك خُصّ منه الفاسق
بدليل آخر، وأما من شُكّ فيه، فالأصل فيه البقاء على العموم، حتى يثبت
الخصوص .
ويمكن أن يقال: إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف،
ثم وَرَدَ النهي(٢) .
وقال النوويّ في ((شرحه)): وفي هذه الأحاديث جُمَلٌ من العلم، ففيها
الحثّ على إطعام الطعام، والجود، والاعتناء بنفع المسلمين، والكفّ عما
يؤذيهم بقول، أو فعل بمباشرة أو سبب، والإمساك عن احتقارهم، وفيها الحثّ
على تألُّف قلوب المسلمين، واجتماع كلمتهم، وتوادّهم، واستجلاب ما
يُحَصِّل ذلك، قال القاضي رحمه الله تعالى: والأَلْفَة إحدى فرائض الدين،
وأركان الشريعة، ونِظَام شَمْلِ الإسلام، قال: وفيه بذل السلام لمن عَرَفت
ولمن لم تعرف، وإخلاص العمل فيه لله تعالى، لا مصانعة، ولا مَلَقاً، وفيه
مع ذلك استعمال خُلُق التواضع، وإفشاء شعار هذه الأمة. انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الأسئلة والأجوبة التي ذكروها في هذا الحديث:
(١) راجع: ((شرح البخاريّ لابن بطال)) ٦٤/١.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٥٦/١ - ١٥٧.

٩١
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٨)
فـ(منها): ما قيل: لم قال: ((تطعم الطعام))، ولم يقل: تؤكل، ونحوه من
الألفاظ الدالة عليه؟.
[أجيب]: بأن لفظ الإطعام عامّ يتناول الأكل، والشرب، والذوق، قال
الشاعر :
وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَظْعَمْ نُقَاخاً وَلَا بَرْدَا
وَإِنْ شِئتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
فإنه عطف البرد الذي هو النوم، والُّقاخ - بضم النون، وبالقاف، والخاء
المعجمة -: الذي هو الماء العذب، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ﴾
[البقرة: ٢٤٩]: أي ومن لم يذقه، من طَعِم الشيءَ: إذا ذاقه، وبعمومه يتناول
الضيافة، وسائر الولائم، وإطعام الفقراء، وغيرهم.
(ومنها): ما قيل: إن باب أطعم يقتضي مفعولين، يقال: أطعمته الطعام،
فما هو المفعول الثاني هنا، ولم حذف؟.
[أجيب]: بأن المفعول الثاني مقدّر: أي تطعم الخلق الطعام، وإنما
حُذف للإشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختصّ بأحد، سواء كان المطعَم
مسلماً، أو كافراً، أو حيواناً آخر، وسواء كان الإطعام، فرضاً، أو سنةً، أو
مستحباً .
(ومنها): ما قيل: لم قال: ((وتقرأ السلام))، ولم يقل: وتسلّم؟.
[وأجيب]: بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمّن للسلام. وفيه
إشارة أيضاً إلى أن تحيّة المسلمين بلفظ السلام، وزيدت لفظة القراءة تنبيهاً
على تخصيص هذه اللفظة في التحيّات، مخالفة لتحايا أهل الجاهليّة بألفاظ
وضعوها لذلك.
(ومنها): ما قيل: اللفظ عام، فيدخل الكافر، والمنافق، والفاسق.
[وأجيب]: بأنه خص بأدلة أخرى، أو أن النهي متأخّر، وكان هذا عاماً
لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم، حتى يثبت
الخصوص .
(ومنها): ما قيل: لم خصّ هاتين الخصلتين في هذا الحديث؟.
[وأجيب]: بأن المكارم لها نوعان:
[أحدهما]: ماليّة، أشار إليها بقوله: ((تُطعم الطعام)).

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[والآخر]: بدنيّةٌ أشار إليها بقوله: ((وتقرأ السلام)). ويقال: وجه
تخصيص هاتين الخصلتين هو مساس الحاجة إليهما في ذلك الوقت؛ لما كانوا
فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدلّ على ذلك أنه وَلِّ حثّ عليهما أول ما
دخل المدينة، كما رواه الترمذيّ، مُصَحِّحاً، من حديث عبد الله بن سلام
قال: أوّلُ ما قدِم رسول الله وَله المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه،
فلما تأمّلت وجهه، واشتبهته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، قال: وكان
أول ما سمعت من كلامه أن قال: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا
الطعام، وصَلُّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).
وقال الخطابيّ رحمه الله تعالى: جعل ولو أفضلها إطعام الطعام الذي هو
قوام الأبدان، ثم جعل خير الأقوال في البرّ والإكرام إفشاءَ السلام الذي يعمّ،
ولا يخصّ من عرف، ومن لم يعرف، حتى يكون خالصاً لله تعالى، بريئاً من
حظّ النفس، والتصنّع؛ لأنه شعار الإسلام، فحقّ كلّ مسلم فيه شائعٌ.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) ٤٠٥/١ - ٤٠٦: عن ابن مسعود
مرفوعاً: ((إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة)).
رضى عنه ،
(ومنها): ما قيل: جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي
الحديث الذي بعده أنه من سلم المسلمون من لسانه ويده، فما وجه التوفيق
بينهما؟ .
[وأجيب]: بأن الجوابين كانا في وقتين، فأجاب في كلّ وقت بما هو
الأفضل في حقّ السامع، أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر من أحدهما قلّة
المراعاة ليده ولسانه، وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك الطعام، وتكبّر،
فأجابهما على حسب حالهما، أو علم وَّ أن السائل الأول يسأل عن أفضل
التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضارّ،
والثاني عما يجلُّب المسارّ، أو أنهما بالحقيقة متلازمان، إذ الإطعام مستلزم
لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان غالباً. أفاد هذه الأسئلة والأجوبة في
((عمدة القاري))(١)، وهي وإن كان بعضها تقدّم خلال شرح الحديث، إلا أن
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٥٧/١.
-

٩٣
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٩)
كونها مجموعة في محلّ واحد أتمّ فائدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[١٦٩] (٤٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ سَرْحِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: إِنَّ
رَجُلاً سَأَلَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ: أَّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ
لِسَانِهِ وَيَدِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ
الْمِصْرِيُّ) ثقة فقيه [١١] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ): هو عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقة ثبتٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب بن عبد الله الأنصاريّ، مولى قيس،
أبو أمية المصريّ، أصله مدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وسالم، أبي النضر، والزهريّ، وعبد ربه، ويحيى بن
سعيد الأنصاريّ، وأبي الأسود يتيم عروة، وربيعة، وحَبّان بن واسع،
وعبد الرحمن بن القاسم، ويزيد بن أبي حبيب، ويونس بن يزيد الأيلي، وهو
من أقرانه، وطائفة.
ورَوَى عنه مجاهد بن جَبْر، وصالح بن كيسان، وهما أكبر منه، وقتادة،
وبكير بن الأشجّ، وهما من شيوخه، وأسامة بن زيد الليثيّ، وبكر بن مُضَر،
وعبد الله بن وهب، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله -. وقال أبو داود عن أحمد: ليس
فيهم - يعني أهل مصر - أصحّ حديثاً من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه،
وقال الأثرم عن أحمد: ما في هؤلاء المصريين أثبتُ من الليث بن سعد، لا
عمرو، ولا غيره وقد كان عمرو عندي، ثم رأيت له مناكير، وقال في موضع
آخر: يروي عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئ، وقال يعقوب بن شيبة: كان

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ابن معين يُوَثِّقه جِدّاً، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال
أبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وغير واحد، وقال النسائيّ: الذي يقول مالك
في كتابه: الثقة عن بكير يشبه أن يكون عمرو بن الحارث، وقال ابن وهب:
سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخاً، فما رأيت أحداً أحفظ من عمرو بن
الحارث، وقال ابن وهب: ثنا عبد الجبار بن عُمَرَ قال: قال ربيعة: لا يزال
بذلك المصر علمٌ ما دام بها ذلك القصير، وقال أيضاً: لو بقي لنا عمرو ما
احتجنا إلى مالك، قال: وقال لي ابن مهديّ: اكتب إليّ من حديث عمرو بن
الحارث، فكتبت له من حديثه، وحَدَّثْتُهُ به، وقال أبو حاتم: كان أحفظ أهل
زمانه، ولم يكن له نظير في الحفظ، وقال سعيد بن عُفَير: كان أخطب الناس،
وأرواهم للشعر، وقال ابن يونس: كان فقيهاً أديباً، وكان مؤدِّباً لولد صالح بن
عليّ، وقال يحيى بن بكير، عن الليث: كنت أرى عمرو بن الحارث عليه
أثواب بدينار، ثم لم تَمْضِ الليالي حتى رأيته يَجُرّ الوشي، فإنا لله وإنا إليه
راجعون، وقال أحمد بن صالح: الليث إمام، ولم يكن بالبلد بعد عمرو بن
الحارث مثله، وقال ابن الأخرم: عمرو بن الحارث عزيز الحديث جِدّاً، مع
علمه وثبته، وقَلَّمَا يخرج حديثه من مصر، وقال الخطيب: كان قارئاً مفتياً ثقةً،
وقال ابن ماكولا: كان قارئاً مفتياً، أفتى في زمن يزيد بن أبي حبيب، وكان
أديباً فصيحاً، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من الحفاظ المتقنين، ومن
أهل الورع في الدين، وقال الساجيّ: صدوقٌ ثقة.
وقال أحمد بن صالح: وُلِد عمرو بن الحارث يقولون: سنة (٩٠) وقيل:
بعد ذلك، وقال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة: مات سنة (٧) أو ثمان وأربعين
ومائة، وقال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات سنة (٨)، وقال الغلابي عن
ابن معين: مات سنة (١٤٩)، وقال أبو داود: مات، وله (٥٨) سنة، وقال
الذهبيّ: مات كهلاً سنة (٨) كذا قال، وكان عالم الديار المصرية، ومحدثها،
ومفتيها مع الليث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٩) حديثاً.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر النوويّ رحمه الله تعالى فوائد هذا السند والسند الماضي،

٩٥
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٩)
أحببت إيراده، وإن تقدّم معظمه، لكن كونه مجموعاً في محلّ واحد أولى،
وأرسخ في الذهن، قال رحمه الله تعالى:
هذان الإسنادان كلهم مصريون، أئمة جِلّة، وهذا من عزيز الأسانيد في
مسلم، بل في غيره، فإن اتّفاق جميع الرواة في كونهم مصريين، في غاية
القِلّة، ويزداد قلّةً باعتبار الجلالة، فأما عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا،
فجلالته وفقهه وكثرة حديثه، وشدّة ورعه، وزهادته، وإكثاره من الصلاة
والصيام وسائر العبادات، وغير ذلك من أنواع الخير، فمعروفة مشهورة، لا
يمكن استقصاؤها، فرضي الله عنه.
وأما أبو الخير - بالخاء المعجمة - واسمه مَرْئَد - بالمثلثة - ابن عبد الله
الْيَزَنِيّ - بفتح المثنّاة تحتُ، والزاي ـ منسوب الى يَزَن بطن من حمير، قال أبو
سعيد بن يونس: كان أبو الخير مفتيَ أهل مصر في زمانه، مات سنة سبعين من
الهجرة .
وأما يزيد بن أبي حبيب، فكنيته أبو رَجَاء، وهو تابعيّ، قال ابن يونس:
وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حَلِيماً عاقلاً، وكان أول من أظهر العلم
بمصر، والكلامَ في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون بالفتن
والملاحم، والترغيب في الخير، وقال الليث بن سعد: يزيد سيِّدُنا وعالمنا،
واسم أبي حبيب سُوَید.
وأما الليث بن سعد نظنه، فإمامته وجلالته وصيانته وبراعته، وشهادة أهل
عصره بسخائه وسيادته، وغير ذلك من جميل حالاته أشهر من أن تُذْكَر، وأكثر
من أن تُحْصَر، ويَكفِي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين: الشافعيّ، وابن
بُكَير رحمهما الله تعالى أن الليث أفقه من مالك رضي الله عنهم أجمعين،
فهذان صاحبا مالك كَّتُهُ، وقد شَهِدا بما شهدا، وهما بالمنزلة المعروفة من
الإتقان، والورع، وإجلال مالك، ومعرفتهما بأحواله، هذا كلَّهُ مع ما قد عُلِمَ
من جلالة مالك، وعظم فقهه،
قال محمد بن رُمْح: كان دَخْلُ الليث ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله
تعالى عليه زكاةً قط، وقال قتيبة: لَمّا قَدِمَ الليث أهدى له مالك من طُرَف
المدينة، فَبَعَثَ إليه الليث ألف دينار، وكان الليث مفتي أهل مصر في زمانه.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأما محمد بن رُمْح، فقال ابنُ يونس: هو ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وكان
أعلم الناس بأخبار البلد ووقْفِهِ، وكان إذا شَهِدَ في كتاب دار عَلم أهل البلد
أنها طيبة الأصل، وذكره النسائيّ، فقال: ما أخطأ في حديث، ولو كَتَبَ عن
مالك لأثبته في الطبقة الأولى من أصحاب مالك، وأثنى عليه غيرهما، والله
أعلم.
وأما عبد الله بن وهب، فعلمه وورعه وزهده وحفظه وإتقانه وكثرة حديثه،
واعتماد أهل مصر عليه، وإخبارهم بأن حديث أهل مصر وما والاها يدور
عليه، فكله أمر معروف مشهور في كتب أئمة هذا الفنّ، وقد بلغنا عن مالك بن
أنس رَُّه، أنه لم يكتب إلى أحد، وعَنْوَنَّهُ بالفقه إلا إلى ابن وهب تَّتُهُ .
وأما عمرو بن الحارث، فهو مفتي أهل مصر في زمنه، وقارئهم، قال أبو
زرعة كَّتُ: لم يكن له نظير في الحفظ في زمنه، وقال أبو حاتم: كان أحفظ
الناس في زمانه، وقال مالك بن أنس: عمرو بن الحارث دُرَّةُ الغَوَّاص، وقال:
هو مرتفع الشان، وقال ابن وهب: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخاً، فما
رأيت أحفظ من عمرو بن الحارث تَخْلَتُهُ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
النوويّ، نقلته برمّته، وإن كان جلّه تقدّم قريباً؛ لكونه مجموعاً في محلّ واحد،
فيكون أفيد، وأزيد، وأرسخ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مَرْئد بن عبد الله الْيَزَنيّ رحمه الله تعالى (أَنَّهُ سَمِعَ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما، وقد سبق في ((شرح
المقدّمة))(١) أن الأكثر في ((العاص)) أنه يأتي في كتب الحديث وغيرها بحذف
الياء، وهي لغة قليلة، والفصيح كونه بإثباتها، ومثله ((شدّاد بن الهاد))، و((ابن
أبي الموال))، فتنبّه (يَقُولُ: إِنَّ رَجُلاً) تقدّم أنه لم يُعرف اسمه، ويقال: إنه أبو
ذرّ ◌َّهُ (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَلَ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟) قال النوويّ رحمه الله
تعالى: قال العلماء رحمهم الله تعالى: إنما وقع اختلاف الجواب في خيرٍ
(١) راجع: ((شرح المقدّمة)) ٢٠/٢.

٩٧
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٩)
المسلمين؛ لاختلاف حال السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين
الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهمّ؛ لما حصل من إهمالهما
والتساهل في أمورهما، ونحو ذلك، وفي الموضع الآخر إلى الكفّ عن إيذاء
المسلمين. انتهى(١).
[تنبيه]: وقع في هذه الرواية هنا بلفظ ((خير))، ووقع في حديث أبي
موسى الأشعريّ رَظُبه الآتي بلفظ: ((أفضل))، فأجاب عن الفرق بينهما الحافظ
ابن رجب رحمه الله تعالى، وسنذكر جوابه في شرح حديث أبي موسى
الأشعريّ رَظ ◌ُّه الآتي بعد حديث - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) بَيِّ ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ))) ((من)): موصولة، خبرٌ
المحذوف: أي هو من سلم ... إلخ، قال النوويّ: قال العلماء: معناه: مَن لم
يؤذ مسلماً بقول، ولا فعل، وخَصَّ اليد بالذكر؛ لأن معظم الأفعال بها، وقد
جاء القرآن العزيز بإضافة الاكتساب والأفعال إليها؛ لما ذكرناه.
وقالوا أيضاً: إن المراد بالمسلم هو المسلم الكامل، وليس المراد نفي
أصل الإسلام عن مَن لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نَفَعَ،
أو العالم زيد، أي الكامل، أو المحبوب، وكما يقال: الناس العرب، والمال
الإبل، فكلُّه على التفضيل، لا للحصر. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((المسلم)) قيل: الألف واللام فيه للكمال،
نحو: زيدٌ الرجل: أي الكامل في الرجولية.
وتُعُقِّبَ بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملاً.
ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان.
وقال الخطابي: المراد أفضل المسلمين مَن جَمَع إلى أداء حقوق الله
تعالى أداء حقوق المسلمین. انتهى.
وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم،
ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يُبَيِّن علامة المسلم التي يُسْتَدَلُّ بها على
(١) ((شرح مسلم)) ١/ ١٠.
(٢) ((فتح الباري)) ٥٣/١.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذُكِر مثله في علامة
المنافق.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ على حسن معاملة
العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يُحسن معاملة ربه من
باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى(١).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: إذا سلم المسلمون منه يلزم
أن يكون مسلماً، وإن لم يأت بسائر الأركان؟.
[قلت]: هذا وارد على سبيل المبالغة تعظيماً لترك الإيذاء، كأن ترك
الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل، وهو محصور فيه على الادّعاء.
قال: وتحقيقه أن التعريف في ((المسلم)) للجنس، قال ابن جني: من
عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصّونه بالمدح اسم الجنس، ألا ترى
كيف سمّوا الكعبة بالبيت؟ وكتاب سيبويه بالكتاب؟.
وقال الراغب الأصفهانيّ: كلّ اسم نوع، فإنه يُستعمل على وجهين:
[أحدهما]: دلالةً على المسمّى، وفصلاً بينه وبين غيره.
والثاني: لوجود المعنى المختصّ به، وذلك هو الذي يُمدح به، وذلك أن
كلّ ما أوجده الله في هذا العالم جعله صالِحاً لفعل خاصّ، ولا يصلح لذلك
الفعل سواه، كالفرس للعَدْوِ الشديد، والبعير يقطع الفلاة البعيدة، والإنسان
ليعلم ويَعْمَل بحسبه، وكلُّ شيء لم يوجد كاملاً لِمَا خُلِقٍ له لم يستحقّ اسماً
مطلقاً، بل قد يُنفى عنه، كقولهم: فلانٌ ليس بإنسان، أي لا يوجد فيه المعنى
الذي خُلِق لأجله من العلم والعمل، فعلى هذا إذا وجدت مسلماً يؤذي
المسلمين بلسانه ويده، فقلت له: لست مسلماً، عنيت أنك لست بكامل فيما
تحلّيت به من حلية الإسلام، وهذا معنى قول محيي السنة: إن الإسلام يُنفَى
عمن ليس بصفته.
[فإن قيل]: ما معنى تخصيص ((المسلم)) بالذكر، ثم ((المسلمين))، ثم
((اللسان واليد))؟.
(١) ((فتح)) ٦٩/١.

٩٩
(١٦) - بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِيهِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ - حديث رقم (١٦٩)
[والجواب] : - والله أعلم - هو إظهار رأفته وَ له بالأمة، وإلحاقه بالكلّ
من أصحابه ه، كأنه قال: المسلم الكامل من تشبّه بهم، واتّصف بصفتهم
التي وصفهم الله تعالى بها في قوله تعالى: ﴿أَشِذَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ﴾ ،
وكان شدّتهم على الكفار المجاهدة بالسنان واللسان، وترحّمهم على إخوانهم
المسلمين بكفّ الأذى، والإيثار بالموجود، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فخصّ بما يُنبئ عن كفّ الأذى؛
ليؤذن بغاية التواضع والذِّلّة، تلويحاً إلى معنى قوله تعالى: ﴿أَِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ولما كانت عزّتهم على الكفرة وقهرهم باليد
واللسان، فينبغي أن ينتفي عنهم ما كانت العزّة له، وهو يستلزم الإيثار بطريق
الأولى، وفي تقديم ذكر اللسان على اليد رمز إلى معنى قوله وَله لحسّان نظراته:
((اهج المشركين، فإنه أشقّ عليهم من رشق النبل)) (١)، أو كما قال. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)):
[تنبيه]: ذِكْرُ المسلمين هنا خَرَج مَخْرَج الغالب؛ لأن محافظة المسلم
على كفّ الأذى عن أخيه المسلم أشدُّ تأكيداً، ولأن الكفار بصَدَد أن يقاتَلُوا،
وإن كان فيهم من يَجِب الكفّ عنه، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن
المسلمات يدخلن في ذلك، وخَصَّ اللسان بالذكر؛ لأنه المعبِّر عما في
النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عامّ بالنسبة إلى اللسان
دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعدُ،
بخلاف اليد، نعم يُمكن أن تُشارِك اللسانَ في ذلك بالكتابة، وأن أثرها في
ذلك لعظيم، ويُستَثْنَى من ذلك شرعاً تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود
والتعازير، على المسلم المستحِقِّ لذلك.
وفي التعبير باللسان دون القول نكتةٌ، فيدخُل فيه مَن أخرج لسانه على
سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتةٌ، فيدخل فيها اليد
المعنوية، كالاستيلاء على حقّ الغير بغير حقّ.
(١) أخرجه مسلم ولفظه: ((اهجوا قريشاً، فإنه أشدّ عليها من رشق النبل)).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٤١/٢ - ٤٤٢.

١٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[فائدة]: فيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق الشعبيّ عن عبد الله بن عمرو
من قوله: ((والمهاجر من هاجر من نهى الله عنه)).
والمهاجر بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ الْمُفَاعِل يقتضي وقوع فعل من
اثنين، ولكنه هنا للواحد، كالمسافر.
ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن مِن لازم كونه هاجراً وطنَهُ مثلاً أنه
مهجور من وطنه.
وهذه الهجرة ضربان: ظاهرةٌ وباطنةٌ، فالباطنة تركُ ما تدعو إليه النفس
الأمّارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفِرَار بالدين من الفتن، وكأنّ المهاجرين
خوطبوا بذلك؛ لئلا يَتَّكِلوا على مجرد التحول من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر
الشرع ونواهيه.
ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لَمّا فُتحت مكة؛ تطييباً
القلوب مَن لم يُدرِك ذلك، بل حقيقة الهجرة تَحصُل لمن هجر ما نهى الله عنه.
فاشتملت هاتان الجملتان على جوامعَ من معاني الحكم والأحكام.
وزاد ابنُ حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((المستدرك)) من حديث
أنس ظُبه: ((والمؤمن من أَمِنَهُ الناس)).
وأخرج ابن حبان في ((صحيحه)) من طريق الشعبيّ أيضاً، قال: سمعت
عبد الله بن عمرو، ورب هذه الْبَنِيَّة - يعني الكعبة - يقول: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((المهاجر من هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه
ويده))(١) .
وأخرجه ابن منده من طريق الشعبي أيضاً قال: سمعت عبد الله بن
عمرو، يقول: ورب هذه البنية لسمعت رسول الله و 18 يقول: ((المهاجر من
هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ الناس من لسانه ويده))(٢).
قال في ((الفتح)): والمراد بالناس هنا المسلمون، فهم الناس حقيقةً عند
(١) راجع: ((صحيح ابن حبان)) ٤٢٤/١ - ٤٢٥ رقم (١٩٦).
(٢) راجع: ((الإيمان)) لابن منده ٤٥١/١ رقم (٣١٣).