Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
أحمد: ليس أحدٌ أروى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش، والوليد، وقال
عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما رأيت أعقل منه، وقال إبراهيم بن المنذر:
سألني علي بن المديني أن أُخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله وأين
سماعي من سماعك؟ فقال: الوليد دخل الشام، وعنده علم كثير ولم أستمكن
منه، قال: فأخرجته له، فتعجب من فوائده، وجَعَلَ يقول: كان يكتب على
الوجه، وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ثنا عبد الرحمن بن
مهديّ، عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله، وقد
أغرب بأحاديث صحيحة، لم يَشْرَكه فيها أحدٌ، وقال أحمد بن أبي الْحَوَارِيّ:
قال لي مروان بن محمد: إذا كتبت حديث الأوزاعيّ عن الوليد، فما تبالي من
فاتك، وقال مروان أيضاً: كان الوليد عالِماً بحديث الأوزاعيّ، وقال أبو
مسهر: كان الوليد معتنياً بالعلم، وقال أيضاً: كان من ثقات أصحابنا، وفي
رواية من حفاظ أصحابنا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال لي أحمد: عندكم
ثلاثةٌ أصحاب حديث: مروان بن محمد، والوليد، وأبو مُسْهِر، وقال يعقوب بن
سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند إسماعيل بن عياش،
والوليد بن مسلم، فأما الوليد فمَضَى على سنته محموداً عند أهل العلم، متقناً
صحيحاً، صحيحَ العلم، وقال العجليّ، ويعقوب بن شيبة: الوليد بن مسلم
ثقة، وقال محمد بن إبراهيم: قلت لأبي حاتم: ما تقول في الوليد بن مسلم؟
قال: صالح الحديث، وقال أبو زرعة الرازيّ: كان الوليد أعلم من وكيع بأمر
المغازي، وقال ابن جَوْصاء: لم نزل نسمع أنه مَن كَتَبَ مصنفات الولید صَلَحَ
أن يلي القضاء، قال: ومصنفات الوليد سبعون كتاباً، وقال صدقة بن الفضل
المروزيّ: قَدِمَ الوليد مكة، فما رأيت أحفظ للطوال والملاحم منه، فجعلوا
يسألونه عن الرأي، ولم يكن يحفظ، ثم رجع وأنا بمكة، وإذا هو قد حَفِظَ
الأبواب، وإذا الرجل حافظٌ متقنٌّ، وقال الحميديّ: قال لنا الوليد بن مسلم:
إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فاسألوا نحدثكم بما
تسألون.
وقال الْفَسَويّ: سألت هشام بن عمار عن الوليد، فأقبل يَصِفُ علمه،
وورعه، وتواضعه، وقال ابن اليمان: ما رأيت مثله، وقال الآجريّ: سألت أبا

٥٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
داود عن صدقة بن خالد، فقال: هو أثبت من الوليد، الوليدُ رَوَى عن مالك
عشرة أحاديث، ليس لها أصلٌ، منها أربعة عن نافع، وقال مُهَنّا: سألت أحمد
عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديثُ ما سَمِعَ وما لم يَسْمَع، وكانت له
منكرات، منها حديثُ عمرو بن العاص: ((لا تُلَبِّسُوا علينا ديننا))(١)، في هذا
عن النبيّ وَ لّ، وقال عبد الله بن أحمد: سئل عنه أبي، فقال: كان رَفّاعاً.
وقال الإسماعيليّ: أُخبرتُ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: كان الوليد
رَفّاعاً، وقال المرُّوذيّ، عن أحمد: كان الوليد كثير الخطإ، وقال حنبل، عن
ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَر حديث
الأوزاعيّ، وكان أبو السَّفَر كذّاباً، وقال مؤمل بن إهاب، عن أبي مسهر: كان
الوليد بن مسلم يُحَدِّث حديث الأوزاعيّ عن الكذابين، ثم يُدَلِّسها عنهم، وقال
صالح بن محمد: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت
حديث الأوزاعيّ، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن
الأوزاعي، عن الزهريّ، ويحيى بن سعيد، وغيرُك يدخل بين الأوزاعي وبين
نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مُرّة، وقُرَّةَ، وغيرهما،
فما يحملك على هذا؟ قال: أُنَبِّلُ الأوزاعيّ عن هؤلاء، قلت: فإذا روى
الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء، وهم ضعفاء، أحاديثَ مناكير، فأسقطتهم أنت،
وصَيَّرْتَها من رواية الأوزاعيّ عن الثقات، ضُعِّفَ الأوزاعيّ، قال: فلم يلتفت
إلى قولي، وقال الدارقطنيّ: كان الوليد يُرسِل، يروي عن الأوزاعيّ أحاديث
عند الأوزاعيّ عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعيّ، فيُسقِط
أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن عطاء.
قال دُخَيم عن ابن بنت الوليد: وُلِد الوليد سنة تسع عشرة ومائة، وقال
ابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وغيرهما: حَجَّ الوليد سنة أربع وتسعين، ومات
بعد انصرافه من الحج قبل أن يصل إلى دِمَشق، وفي سنة أربع أَرَّخَه عمرو بن
عليّ، وأبو موسى، وغيرهما، وقال دُحَيم، وغير واحد: مات في المحرم سنة
(١) تمام الحديث: ((عدّةُ أم الولد عدّة المتوفّى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشراً))،
أخرجه ابن حبّان (٤٣٠٠) والدار قطني ٣٠٩/٢ - ٣١٠ والبيهقيّ ٤٤٧/٧ - ٤٤٨.

٥٨٣
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
خمس وتسعين، وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن المنذر: قال لي حرملة بن
عبد العزيز: نَزَلَ عَلَيَّ الوليدُ قافلاً من الحج، فمات عندي بذي المروة، وقال
معاوية بن صالح: مات سنة ست وتسعين، ولم يتابع على ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثاً.
٣ - (ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة
الشاميّ الدارانيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن مكحول، والزهري، وعطية بن قيس، وعمير بن هانئ،
وسليم بن عامر، وبسر بن عبيد الله الحضرمي، وزيد بن أسلم، وسعيد
المقبريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وصدقة بن خالد، وصدقة بن المبارك، وعمر بن
عبد الواحد، وبشر بن بكر، وحسين بن علي الجعفي، وغيرهم.
قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ، وابن سعد،
والنسائيّ، وغير واحد: ثقة. وقال ابن المديني: يُعَدّ في الطبقة الثانية من
فقهاء أهل الشام، بعد الصحابة ﴿ه. وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرحمن
ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحولا إلى دمشق. وقال أبو
داود: هو من ثقات الناس. وقال ابنه أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون. وقال
موسى بن هارون: رَوَى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان
ذلك وَهَماً منه، هو لم يَلْقَ ابنَ جابر، وإنما لَقِي ابنَ تميم، فظَنّ أنه ابن
جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. وقال الفلاس: ضعيف الحديث،
وهو عندهم من أهل الصدق، رَوَى عنه أهل الكوفة أحاديث مناكير، قال
الخطيب: كأنه اشتبه على الفلاس بابن تميم. وقال ابن مهديّ: إذا رأيت
الشامي يَذكر الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد،
فاطمَئِنَّ إليه. وقال دُحيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول. وقال أبو حاتم:
صدوق، لا بأس به، ثقة.
قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، زاد ابن سعد: وهو
ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد وغير واحد من
أصحابنا يقولون: مات سنة (٥٤)، وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات

٥٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سنة (٥٥)، وقال ابن معين: مات سنة (٥٦)، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب بن
شيبة، وجزم ابن حبان في ((الثقات)) بالقول الأول.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٢٨)
و(١٠٤) و(٩٧٢) وأعاده بعده، و(١٨٤٧) و(١٨٥٥) و(١٠٣٧) و(٢٨٦٤)
و (٢٩٣٧)(١).
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِيٍّ) الْعَنْسيّ - بسكون النون، ومهملتين - أبو الوليد
الدمشقيّ الدارانيّ، ثقةٌ، من كبار [٤].
رَوَى عن معاوية، ومالك بن يُخامِر، وجُنَادة بن أبي أمية، وأبي هريرة.
وروى عنه أبو عمرو الأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان،
وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والعلاء بن عتبة اليحصبيّ، وعثمان بن أبي
العاتكة، وسعيد بن بَشِير، ومعاوية بن صالح، وجماعة.
قال الحاكم أبو أحمد: يقال: أدرك ثلاثين من أصحاب النبيّ وَّ، وقال
العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو داود: كان
قدريّاً، وكان يُسَبِّح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وأسند الترمذيّ بزيادة في ((كتاب
الدعوات)) من جامعه))، فقال: حدثنا علي بن حُجْر: ثنا مَسْلمة بن عَمْرو، قال:
كان عُمير بن هانئ يصلي كل يوم ألف سجدة، ويسبح مائة ألف تسبيحة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه يصلّي كلّ يوم ألف سجدة، ويسبّح
مائة ألف تسبيحة، ليس له كبير مدح، فإن هذا ليس من هدي النبيّ وَ لّ، وخير
الهدي هدي محمد وَّر، فلم يثبت عنه وَلير أنه صلى في يوم هذا القدر، ولا سبّح
هذا القدر، فالخير كلّ الخير في اتّباع هديه، وإنما ذكرت هذا لئلا يَغْتَرَّ به من
يقرأ مثل هذا، ويظنّ أنه من السنّة، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وذكر أبو زرعة الدمشقيّ أن الصَّقْر بن حبيب الْمُرِّيّ قتله بداريا سنة سبع
وعشرين ومائة، وقال يعقوب بن سفيان: قلت لدُحَيم: عمير بن هانئ؟ قال:
مات قديماً، قلت: قُتِلَ؟ قال: لا، إنما المقتول ابنه.
(١) هذه الأرقام حسب ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، لا حسب ترقيمي في
الشرح، فتنبّه.

٥٨٥
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث،
وحديث (١٠٣٧): ((لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله ... ))، وله عند
النسائيّ حديث عبادة ربه المذكور هنا فقط.
٥ - (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) - بضمّ الجيم، وتخفيف النون - الأزديّ، ثم
الزَّهْرَانِيّ، ويقال: الدَّوْسيّ، أبو عبد الله الشاميّ، يقال: اسم أبيه كبير،
مختلفٌ في صحبته.
رَوَى عن النبيّ وَّ، وعن عمر، وعليّ، ومعاذ، وأبي الدرداء،
وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وبُشْر بن أبي أرطاة.
وروى عنه ابنه سليمان، وعمير بن هانئ، وعُبَادة بن نُسَيّ، وبسر بن
سعيد، وشُيَيْم بن بَيْتَان، وغيرهم.
قال ابن يونس: كان من الصحابة، شَهِد فتح مصر، ووَلِيَ البحرين
لمعاوية، وممن أثبت صحبته يحيى بن معين، ففي سؤالات إبراهيم بن الْجُنيد
عنه: جُنَادة بن أبي أمية الأزديّ الذي رَوَى عنه مجاهد له صحبة؟ قال: نعم،
قلت: الذي روى عن عبادة؟ قال: هو هو، وذكره ابن حبان في ثقات
التابعين، وقال: قيل: إن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح، وقال العجليّ:
شاميّ تابعيّ ثقة، من كبار التابعين، سَكَنَ الأَرْدُن، وذكره ابن سعد في الطبقة
الأولى من تابعي أهل الشام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: صحّح النوويّ تَّثُ في ((شرحه)) قول من
قال بصحبة جُنادة، لكن الذي صوّبه الحافظ رحمه الله تعالى أنهما اثنان:
أحدهما، صحابيّ، والآخر تابعيّ، وهو المترجم هنا، ودُونَك نصّه في
((التقریب)):
والحقّ أنهما اثنان: صحابيّ، وتابعيّ، متّفقان في الاسم وكنية الأب،
وقد بيّنتُ ذلك بأدلته في كتابي في الصحابة، ورواية جُنادة الأزديّ عن النبيّ وَليه
في ((سنن النسائيّ))، ورواية جُنادة بن أبي أميّة عن عبادة بن الصامت في الكتب
الستة. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٠٧/١ - ٦٠٨ و((التقريب)) ص ٥٧.

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الواقديّ، وخليفة، وغيرهما: مات سنة (٨٠)، زاد الواقديّ: وكان
ثقةً، صاحب غزو، وقيل: مات سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٧٥)(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث
(١٧٠٩): ((بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا)).
٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أَصْرم بن فِهر بن قيس بن ثعلبة بن
غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجيّ،
أبو الوليد، قال خليفة بن خياط: وأمه قُرّة العين بنت عبادة بن نَضْلَة بن
العجلان، شهد بدراً. وقال ابن سعد: كان أحد النقباء بالعقبة، وآخى
رسول الله وَ﴿ بينه وبين أبي مَرْئَد الْغَنَوِيّ، وشَهِد المشاهد كلها بعد بدر. وقال
ابن يونس: شَهِد فتح مصر، وكان أمير ربع الْمَدَد. وفي (الصحيحين)) عن
الصُّنابحي، عن عبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله وصلي ليلة
العقبة ... الحديث.
وروى عن النبيّ وَ﴿ كثيراً، وروى عنه أبناؤه: الوليد، وداود، وعبيد الله،
وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة،
ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وجابر بن
عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشُرَحبيل بن حسنة، وسلمة بن الْمُحَبِّق، وأبو
أمامة، وعبد الرحمن بن غَنْم، وفَضَالة بن عبيد، ومحمود بن الربيع، وغيرهم
من الصحابة، والأسود بن ثعلبة، وجُبير بن نفير، وجنادة بن أبي أمية،
وحطان بن عبد الله الرقاشي، وعبد الله بن محيريز، وأبو عبد الرحمن
الصنابحي، وربيعة بن ناجذ، وعطاء بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن
محمود بن ربيعة، ويعلى بن شداد بن أوس، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو
إدريس الخولاني، وخلق كثير.
أخرج حميد بن زنجويه في كتاب ((الترغيب)) من طريق أبي الأشعث، أنه
راح إلى مسجد دمشق، فلقي شداد بن أوس، والصنابحي، فقالا: اذهب بنا
(١) هكذا ذكر هذه الاختلافات في تاريخ وفاته في: ((التهذيب)) ٣١٧/١، وذكر في
((الإصابة)) أنه مات سنة (٦٧) ولم يذكر خلافاً، فليُحرّر.

٥٨٧
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
إلى أخ لنا نعوده، فدخلا على عبادة، فقالا: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت
بنعمة من الله وفضل. قال عبد الصمد بن سعيد في ((تاريخ حمص))، وهو أول
من ولي قضاء فلسطين. ومن مناقبه ما ذُكِرَ في ((المغازي)) لابن إسحاق: حدثني
أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الصامت قال: لما حارب بنو قينقاع بسبب
ما أمرهم عبد الله بن أَبَيّ، وكانوا حلفاءه، فمشى عبادة بن الصامت، وكان له
حِلْف مثل الذي لعبد الله بن أُبَيّ، فخلعهم، وتبرأ إلى الله ورسوله من حِلْفهم،
فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَى﴾ الآية [المائدة: ٥١].
وذكر خليفة أن أبا عبيدة ولّاه إِمْرَة حمص، ثم صرفه، ووَلَّى عبد الله بن
قُرْط. وروى ابن سعد في ترجمته من طريق محمد بن كعب القرظي، أنه ممن
جمع القرآن في عهد النبيّ ◌َ﴿، وكذا أورده البخاري في ((التاريخ)) من وجه آخر
عن محمد بن كعب، وزاد: فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر، قد احتاج أهل
الشام إلى من يُعَلِّمهم القرآن، ويفقههم، فأرسل معاذاً وعبادة وأبا الدرداء، فأقام
عبادة بفلسطين. وقال السراج في ((تاريخه)) حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن
منصور، عن مجاهد، عن جنادة: دخلت على عبادة، وكان قد تفقه في دين الله.
هذا سند صحيح. وفي مسند إسحاق بن راهويه، و((الأوسط)) للطبراني من طريق
عيسى بن سنان، عن يعلى بن شداد، قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون،
فذكر قصة له مع عبادة، فقام معاوية عند المنبر، بعد صلاة العصر، فقال:
الحديث كما حدثني عبادة، فاقتبِسُوا منه، فهو أفقه مني. ولعبادة قصص متعددة
مع معاوية، وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها
شكواه إلى عثمان منه، تدل على قوته في دين الله، وقيامه في الأمر بالمعروف.
ورَوَى ابن سعد في ترجمته أنه كان طِوَالاً جميلاً جسيماً، ومات بالرملة
سنة أربع وثلاثين، وكذا ذكره المدائني، وفيها أرّخه خليفة بن خياط، وآخرون
منهم من قال: مات ببيت المقدس. وأورد ابن عساكر في ترجمته أخباراً له مع
معاوية، تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وبذلك جزم الهيثم بن
عديّ، وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين. قاله في ((الإصابة))(١).
(١) ((الإصابة)) ٥٠٥/٣ - ٥٠٧.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وفي ((تهذيب التهذيب)): قال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن
مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة أربع
وثلاثين، وهو ابن (٧٢) سنة. قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى
توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن عدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت
المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولي القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن
عُفَير: كان طوله عشرة أشبار(١).
أخرج له الجماعة، وله (١٨١) حديثاً، اتفق الشيخان على ستة، وانفرد
البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين(٢) وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارزميّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث إلا في موضع واحد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ كبير: عمير، عن جُنادة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه رَُّله من كبار الصحابة، جمّ المناقب، فإنه
أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وأنه أول من ولي القضاء
بفلسطين ظه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) أنه قال: (حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ)
الأنصاريّ رَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ))) شرطيّةٌ مبتدأ جوابها
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٨٥/٢ - ٢٨٦.
(٢) هذا يدلّ على أن لعبادة ربه في ((صحيح مسلم)) ثمانية أحاديث فقط، والذي في
برنامج الحديث أن له (١٨) حديثاً، ولا تخالف بينهما؛ لأنها ثمانية عشر بالتكرار،
فتنبه .

٥٨٩
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
((أدخله الله إلخ))، أو موصولة مبتدأ خبره الجملة المذكورة (قَالَ: أَشْهَدُ) أي من
تكلّم بها، عارفاً لمعناها، عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً، فلا بدّ في الشهادتين
من العلم واليقين، والعمل بمدلولهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَعْلَ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]،
أما النطق بها من غير معرفة معناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه، من
البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، فغير نافع بالإجماع(١) (أَنْ) مخفّفة
من الثقيلة، أي أنه (لَا إِلَّهَ) أي لا معبود بحقّ (إِلَّ الله وَحْدَهُ) تأكيد للإثبات،
وهو منصوب على الحال بتأويله بـ((منفرداً))، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظاً فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَـ((وَحْدَكَ اجْتَهِدْ))
أي حال كونه منفرداً في ربوبيَّته، وألوهيَّته، وأسمائه وصفاته.
وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهو تأكيد للنفي.
[تنبيه]: قال الوزير أبو المظفّر رحمه الله تعالى في ((الإفصاح)): قوله:
((شهادة أن لا إله إلا الله)) يقتضي أن يكون الشاهد عالِماً بأنه لا إله إلا الله،
كما قال تعالى: ﴿فَأَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، قال: واسم ((الله))
مرتفع بعد ((إلا)) من حيث إنه الواجب له الإلهيّة، فلا يستحقّها غيره منّاً، قال:
وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت،
والإيمان بالله، فإنك لَمّا نَفَيتَ الإلهيّة، وأثبتّ الإيجاب الله ◌ُعَلَ كنت ممن كفر
بالطاغوت، وآمن بالله.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((البدائع)) ردّاً لقول من قال: إن
المستثنى مُخرج من المستثنى منه، قال: بل هو مخرج من المستثنى منه
وحكمه، فلا يكون داخلاً في المستثنى، إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في
الإسلام بقوله: ((لا إله إلا الله))؛ لأنه لم يُثبت الإلهيّة لله تعالى، وهذه أعظم
كلمة تضمّنت بالوضع نفي الإلهيّة عمّا سوى الله، وإثباتها له بوصف
الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيّته أعظم من دلالة قولنا: ((الله إله))، ولا
يستريب أحدٌ في هذا البتّة. انتهى.
(١) راجع: ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)» ص٥٨.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال أيضاً: ((الإله)) هو الذي تألهه القلوب محبّةً وإجلالاً وإنابةً، وإكراماً
وتعظيماً، وذُلَّا وخضوعاً، وخوفاً ورجاءً، وتوكّلاً.
وقال شيخ الإسلام: ((الإله)) هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه،
والمألوه هو الذي يستحقّ أن يُعبَد، وكونه يستحقّ أن يُعبد هو بما اتّصف به من
الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحبّ، المخضوع له غاية
الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تُؤَلَّهُهُ القلوب بحبها،
وتخضع له، وتذلّ له، وتخافه وترجوه، وتُنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في
مهمّاتها، وتتوكّل عليه في مصالحها وتلجأ إليه، وتطمئنّ بذكره، وتسكن إلى
حبّه، وليس ذلك إلا اللهُ وحده، ولهذا كانت ((لا إله إلا الله)) أصدق الكلام،
وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته، فإذا
صحّت صحّ بها كلّ مسألة وحال وذوق، وإذا لم يُصحّحها العبد، فالفساد لازم
له في علومه وأعماله. انتھی.
وقال ابن رجب: ((الإله)) هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالاً،
ومحبَّةً وخوفاً ورجاء، وتَوَكُّلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا
كلّه إلا لله رب، فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من
خصائص الإلهيّة كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قوله: ((لا إله إلا الله))، وكان
فيه من عبوديّة المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك. انتهى(١).
(وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أي وشهِدَ بذلك، وهو معطوف على ((أن
لا إله إلا الله))، وهذان الوصفان أخصّ أوصاف النبيّ وَله، ولذا وصفه الله
تعالى بالعبوديّة في أسمى المقام، فقال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا
مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [الإسراء: ١].
(وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ)، أي خلافاً لما يعتقده النصارى أنه
ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً، ﴿مَا أُتَّخَذَ اَللَّهُ مِن
وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَاءٍ﴾ الآية [المؤمنون: ٩١].
فلا بدّ للمكلف أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه
(١) نقل هذا كلّه في: ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)) ص٦٠ - ٦١.

(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
٥٩١
مملوك لله، خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ
[آل عمران: ٥٩]، فليس ربّاً
كَمَثَلِ ءَادَمِّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
٢٩
ولا إلهاً، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا
وَجَعَلَنِ مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى
٣٠
قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَدِنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِ نِيًّا
وَالسَّلَمُ
٣٢
بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّا جَ وَبَرَّا بِوَلِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ حَبَّارًا شَقِيًّا
عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَّا ﴿َ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَّ قَوْلَ الْحَقِّ
الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍّ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُم
[مريم: ٢٩ -
كُنْ فَيَكُونُ (٢٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ لّ
٣٦]، وقال: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَبِكَةُ الْقُرَّبُونَ وَمَن
الآية [النساء: ١٧٢].
يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا
ولا بدّ أيضاً أن يشهد ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولد بغيّ، لعنهم الله
تعالى، فلا يصحّ إسلام أحد علم ما يقولونه حتى يتبرّأ من قول الطائفتين جميعاً
في عيسى ◌ِلَّا، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه: إنه عبد الله ورسوله.
وقوله: (وَكَلِمَتُهُ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمّي عيسىِّلُ
كلمةً؛ لأنه كان بكلمة الله، قيل: هي قوله: ((كن))، فكان، وقيل: هي الرسالة
التي جاء بها الملك لأمه مبشّراً به عن أمر الله، كما ذكره في كتابه، وقال ابن
عبّاس ◌َّ: الكلمة اسم عيسى. انتهى(١).
وقال النوويّ: سُمّي كلمةً؛ لأنه كان بكلمة ((كن)) فحسب، من غير أب
بخلاف غيره من بني آدم، وقال الهرويّ: سُمِّي كلمة؛ لأنه كان عن الكلمة،
فسمي بها، كما يقال للمطر: رحمةٌ. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): وقوله: ((وكلمته)): إشارة إلى أنه حجة الله على عباده،
أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقيل: سُمِّي
كلمة الله؛ لأنه أوجده بقوله: ((كن))، فلما كان بكلامه سُمِّي به، كما يقال:
سيف الله، وأسد الله، وقيل: لَمّا قال في صغره: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠](٣).
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٣٣/١.
(٣) ((الفتح)) ٦/ ٥٤٧.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢٢٧/١.
:

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال القرطبيّ: اختلف في وصف عيسى لنظلَّا بكونه كلمة، فقيل: لأنه
تكوّن بكلمة ((كن)) من غير أب، وقيل: لأن الملك جاء أمّه بكلمة البشارة به
عن أمر الله تعالى، وهذان القولان أشبه ما قيل: في ذلك. انتهى(١).
وقال التوربشتيّ: ((الكلمة)) تقع على كلّ واحد من الأنواع الثلاثة:
الاسم، والفعل، والحرف، وتقع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة
تحتها، وبهذا تُستعمل في القضيّة، والحكم، والحجة، وبجميعها ورد التنزيل،
وكأنّ الكلام أُخذ من الكَلْم، فإن الكَلْم يُدرك تأثيره بحاسّة البصر، والكلام
يُدرك تأثيره بحاسّة السمع، وأما تسميةَ عيسى بالكلمة، فإنه حجة الله تعالى
على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده،
وقد قيل: إنه سُمّي كلمةً؛ لكونه مُوجَداً بـ(كن))، وقيل: لما انتُفع بكلامه سمي
به، كما يقال: فلان سيف الله، وأسد الله، وقيل: لما خصّه الله به في صغره،
حيث قال: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَدِنِىَ الْكِنَبَ﴾ الآية [مريم: ٣٠](٢).
(أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي أوصلها إليها، وحصلها فيها(٣)، وقيل: معنى
((ألقاها))، أي أعلمها بها، يقال: ألقيتُ عليك كلمة: أي أعلمتك بها، قاله
القاضي عياض(٤).
وأصل الإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه، ثم استُعمل في كلّ طرح، ويقال:
ألقيتُ إليك قولاً، وسلاماً، وكلاماً، ومودّةً، وألقى الله الشيء في القلب:
قذفه، وألقى القرآن: أوحى به، وأنزله(٥) .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ
عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنَّةٌ﴾ [النساء: ١٧١]، أي
إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من
رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ظلّلا
إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربّه رَمَ، فكان عيسى بإذنه ربك، فهو ناشئ
(١) ((المفهم)) ٢٠٠/١.
(٣) ((الكاشف)) ٤٨١/٢.
(٢) ((الكاشف) ٤٨١/٢.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٢٣٣/١.
(٥) راجع: ((المفردات)) للراغب ص٤٥٣، و((تاج العروس شرح القاموس)) ٣٣٠/١٠ -٣٣١.

٥٩٣
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
عن الكلمة التي قال له: ﴿كُنْ﴾ [البقرة: ١١٧] فكان، والروح التي أرسل بها هو
جبريل ظلّل، وكانت تلك النفخة التي نَفَخَها في جيب دِرْعها، فَنَزَلت حتى
وَلَجَت فرجها بِمَنْزِلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله ◌َّ، ولهذا قيل
لعيسى: إنه كلمة الله، وروح منه؛ لأنه لم يكن له أبٌ تَوَلَّدَ منه، وإنما هو ناشئ
عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل ظلّا.
قال: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطيّ، قال: سمعت
شاذ بن يحيى، يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِّنْهُ﴾ [النساء:
١٧١]، قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى، قال ابن كثير:
وهذا أحسن مما ادّعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]: أي
أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾
[آل عمران: ٤٥]: أي يُعْلمك بكلمة منه، ويَجْعَلُ ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ
أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكٌ﴾ [القصص: ٨٦]، بل الصحيح أنها
الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنَفَخَ فيها بإذن الله، فكان عيسى ◌ِّا.
قال: فقوله في الآية والحديث: ﴿وَرُوعُ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ
مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]: أي من خلقه، ومن عنده، وليست
((من) للتبعيض، كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة - بل هي لابتداء الغاية،
كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]: أي
ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من رُوح
مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة، والبيت
إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اُللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ
لِلَّّآِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكما وَرَدَ في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره))،
أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ونمط واحد (١). انتهى كلام ابن
كثير رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المضاف إلى الله تعالى إذا
كان معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة الله
(١) ((تفسير ابن كثير)) ص ٣٧٤.

٥٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان
المضاف عيناً قائمة بنفسها، كعيسى وجبريل بالسّاها وأرواح بني آدم امتنع أن
تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، لكن الأعيان
المضافة إلى الله تعالى على وجهين:
[أحدهما]: أن تضاف إليه؛ لكونه خلقها وأبدعها، فهذا شاملٌ لجميع
المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله، فجميع المخلوقين عبيد الله،
وجميع المال مال الله.
[الوجه الثاني]: أن يُضاف إليه لما خصّه به من معنى يُحبّه، ويأمر به،
ويرضاه، كما خصّ البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في
مال الخمس والفيء: هو مال الله تعالى ورسوله ◌َلجر، ومن هذا الوجه، فعباد الله
هم الذين عبَدُوه، وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمّن ألوهيّته، وشرعه، ودينه،
وتلك إضافة تتضمّن ربوبيته وخَلْقه. انتهى ملخّصاً (١).
وقوله: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمّي
عيسى لعلّ* ((روح الله))، و(روح منه))؛ لأنه حَدَث من نفخة جبريل ◌ِلَّلا،
فنسبه الله إليه؛ لأنه كان عن أمره، وسُمّي النفخ رُوحاً؛ لأنه ريحٌ يخرُج من
الروح، قاله مكيّ، وفي هذه العبارة مسامحة، وقيل: روح منه: حياة منه،
وقيل: رحمةٌ منه، والروح: الرحمة، كما قال فيه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً
مِّنَأَ﴾ الآية [مريم: ٢١]، وقيل: روح منه: برهان لمن اتّبعه، وقيل: لأنه لم
يكن من أب، كما في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [الحجر: ٢٩]، وإنما كان
جعل الروح فيه بلا واسطة، قاله الحربيّ(٢).
وقيل: و((روح منه))، أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافتها إليه
إضافة تشريف، كناقة الله، وبيت الله، وإلا فالعالم له تَعَلَ، ومن عنده(٣).
وقال في «الفتح»: سمّاه بالروح؛ لأجل ما أقدره الله عليه من إحياء
الموتى، وقیل: لکونه ذا روح، وُجِد من غير جزء من ذي روح(٤).
(١) راجع: ((فتح المجيد)) ص٦٦ - ٦٧.
(٣) (شرح النووي)) ٢٢٧/١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٣٣/١ - ٢٣٥.
(٤) ((الفتح)) ٦/ ٥٤٧ - ٥٤٨.

٥٩٥
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
وقال القرطبيّ: سمّي عيسى ظلَّلا، روح الله؛ لأنه حَدَثَ عن نفخة
الملك، وإضافته إلى الله تعالى؛ لأن ذلك النفخ كان عن أمره وقدره، وسُمّي
النفخ روحاً؛ لأنه ريح يخرُج من الروح، وقيل: سُمّي بذلك؛ لأنه روح لمن
اتّبعه، وقيل: لأنه تعالى خَلَقَ فيه الروح من غير واسطة أب، كما قال تعالى
في آدم عظَّهُ: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [الحجر: ٢٩].
[فائدة]: ذكر الطيبيّ أنه روي أن عظيماً من النصارى سمع قارئاً يقرأ
﴿وَكَلِمَّتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: أفغير هذا دين
النصارى؟ يعني هذا يدلّ على أن عيسىَلَّا بعض منه، فأجاب علي بن
الحسين بن واقد صاحب ((كتاب النظائر)): أن الله تعالى يقول أيضاً: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ
مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فلو أريد بقوله: ﴿وَرُوحٌ مِّنَةٌ﴾
[النساء: ١٧١] بعض منه، وجزءٌ منه لكان قوله هنا: ﴿جميعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] معناه
ج
بعض منه، أو جزء منه، فأسلم النصرانيّ.
ومعنى الآية أنه تعالى سخّر هذه الأشياء كائنةً منه، وحاصلةً من عنده،
يعني أنه مكوّنها، ومُوجِدها بقدرته وحكمته، ثم سخّرها لخلقه. انتهى(١).
(وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ) أي الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدّها
للمتّقين، فقال: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن
· [الحديد: ٢١] حقّ، أي ثابتة لا شكّ فيها، (وَأَنَّ
يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (
النَّارَ حَقٌّ)، أي: وأن النار التي أخبر بها في كتابه أنه أعدّها للكافرين، فقال:
﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، كذلك ثابتةٌ.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: لعله وَّه إنما ذكر الجنّة والنار، وأخبر عنهما
بقوله: ((حقّ))، وهو مصدرٌ للمبالغة في حقّته، وأنهما عين الحقّ، كقولك: زيد
عَدْلٌ؛ تعريضاً بالزنادقة، ومن يُنكر دار الثواب ودار العقاب. انتهى(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٨٠/٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢/ ٤٨٠.

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)، قال القرطبيّ رحمه الله
تعالى: ظاهر هذا يقتضي أن قول هذه الكلمات يقتضي دخولَ الجنة، والتخييرَ
في أبوابها، وذلك بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة ر ◌ُه الآتي في ((كتاب
الزكاة))، فإنه فيه ما يقتضي أن كلّ من كان من أهل الجنّة إنما يدخل من الباب
المعيّن للعمل الذي كان يعمله الداخل غالباً، فإنه قال فيه: ((فمن كان من أهل
الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد،
ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام
دُعي من باب الرّيّان ... )) الحديث(١).
قال: والتوفيق أنّ كلَّ من يدخل الجنة مُخَيَّر في الدخول من أيّ باب
شاء، غير أنه إذا عُرِضَ عليه الأفضل في حقّه، دخل منه مُختاراً للدخول منه،
من غير جبر عليه، ولا منع له من الدخول من غيره، ولذلك قال أبو بكر مظلته:
ما على من يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة. انتهى(٢).
وقال الحافظ بعد ذكر كلام القرطبيّ: ويحتمل أن يكون فاعل ((شاء))
هو الله تعالى، والمعنى أن الله يوفقه لعملٍ يُدخله برحمة الله من الباب الْمُعَدّ
لعامل ذلك العمل. انتهى(٣).
وتوجيه القرطبي أقرب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ونصّ المصنّف في ((كتاب الزكاة)):
حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى التجيبي، واللفظ لأبي الطاهر، قالا : حدثنا
ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي
هريرة، أن رسول الله وَ ق قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا
عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من
أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعِي من باب
الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريّان))، قال أبو بكر الصديق: یا
رسول الله، ما على أحد يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدْعَى أحدٌ من
تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله وَاجير: (نعم، وأرجو أن تكون منهم)).
(٢) ((المفهم)) ١/ ٢٠١.
(٣) («الفتح» ٥٤٨/٦.

٥٩٧
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت
(المسألة الثانية): في تخريجه.
. هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [١٤٧/١٠] (٢٨) عن داود بن
رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر - و(١٤٨/١٠)
عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، عن مُبشّر بن إسماعيل، عن الأوزاعيّ - كلاهما
عن عُمير بن هانئ، عن جُنادة بن أبي أُميّة، عن عبادة ظُه.
و(البخاريّ) في ((أحاديث الأنبياء)) ٢٠١/٤ (٣٤٣٥) عن صدقة بن
الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر،
كلاهما عن عمیر بن هانئ به.
و(النسائيّ) في ((التفسير)) (١١١٣٢) و((عمل اليوم والليلة)) (١١٣١) عن
محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعيّ به، وفي ((عمل اليوم
والليلة)) (١١٣٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي مُسهر، عن صدقة بن خالد،
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.
و(أحمد) في («مسنده)) ٣١٣/٥ و٣١٤ و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨) و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٣ و١٣٤ و١٣٥)، و(ابن حبان) في ((صحيحه))
(٢٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم الموقع، وهو أجمعُ، أو من
أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه وَهُ جَمَعَ فيه ما يُخْرِج عن جميع
ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم، وتباعدها، فاختصر و 18 في هذه الأحرف
على ما يباين به جميعهم(١).
٢ - (ومنها): بيان فضل هؤلاء الكلمات، حيث إنها توجب دخول
الجنة، من أيّ أبوابها شاء.
٣ - (ومنها): إنما جمع في قوله: ((وأن محمداً عبده ورسوله))، بين
(١) (شرح النووي)) ٢٢٧/١.

٥٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الوصفين؛ تحذيراً عن الإفراط والتفريط، فإن كثيراً ممن يدّعي أنه من أمته يُفْرِط
بالغلوّ قولاً وفعلاً، فيرفعه فوق مَنْزلته من العبوديّة، ويُفَرّط بترك متابعته، معتمداً
على آرائه، أو آراء مقلّديه المخالفة لما جاء به، ويتعسّف في تأويل أخباره
وأحكامه بصرفها عن مدلولها، فشهادة أن محمداً عبده ورسوله تنافي ذلك؛ لأنها
تقتضي الإيمان به، وتوجب تصديقه فيما به أخبر، وطاعته فيما به أَمَر، والانتهاء
عما عنه نهى وزجر، وأن تُعَظّم سنّته، ولا يُقدّم عليها قول أحد كائناً من كان.
وقد بيّن هذا في الحديث الآخر، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من
حديث عمر نظُه قال: سمعت النبيّ وَ ﴿ يقول: ((لا تُطروني كما أطرت
النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)).
وقد ورد وصفه بهاتين الصفتين في الكتب السابقة أيضاً، فقد أخرج البخاريّ
في ((صحيحه)) (٢١٢٥) عن عطاء بن يسار، قال: لَقِيتُ عبد الله بن عمرو بن
العاص ها، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صل﴿ في التوراة، قال: أجل، والله
إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا
وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴾﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك
المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة
السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن
يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً)).
٤ - (ومنها): بيان بطلان ما عليه النصارى من اعتقادهم في عيسى
أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
٥ - (ومنها): بيان ضلال اليهود الذين يعتقدون في عيسى وأمه ◌َلَّاها ما
لا يليق بهما، من أنها حملته من الزنا، ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَدِهِمَّ إِن
يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
٦ - (ومنها): بيان فضل عيسىظلّ حيث إنه كلمة الله تعالى، وروح منه.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث
التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه ◌َله، والتحذير من
ذلك بأن عيسى عبد الله، لا إله، ولا ولد، وأمّه أَمَةُ الله تعالى، ومملوكة له،
تعالى الله عما يقول الجاهلون علوّاً كبيراً .

(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٨)
٥٩٩
ويُستَفاد منه ما يُلَقَّنه النصرانيّ إذا أسلم، وقال غيره: في ذكر
عيسى ظلَّلا تعريض بالنصارى، وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك
محض، وكذا قوله: ((عبد الله))، وفي ذكر ((رسوله)) تعريض باليهود في
إنكارهم رسالته، وقذفه بما هو مُنَزّه عنه، وكذا أمه، وفي قوله: ((وابن أمته)»
تشريف له، وكذا تسميته بالروح، ووصفه بأنه منه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ
مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اٌلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فالمعنى أنه كائن منه كما
أن معنى الآية الأخرى أنه سَخّر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مُكوِّن كل
ذلك، ومُوجِده بقدرته وحكمته (١).
٨ - (ومنها): إثبات الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، خلافاً
للمبتدعة، وأن الإيمان بحقيّتهما من أصول الدين.
٩ - (ومنها): أن الجنّة لها أبواب، وأنها ثمانية.
١٠ - (ومنها): أن بعض عباد الله يخيّرون في دخول الجنة من أيّ أبوابها
شاؤوا، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: ٤]،
اللهم ارزقنا الجنة، وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعذنا من النار، وما قرّب
إليها من قول وعمل، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٨] (٣٠) - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ
إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِيٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: ((أَدْخَلَهُ اللّهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ))، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((مِنْ أَِّ أَبْوَابٍ
الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءً))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكْريّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]
(ت٢٤٦) (م د ت ق) ٦٦/٥.
(١) ((الفتح)) ٦/ ٥٤٧ - ٥٤٨.

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (مُبَشِّرُ(١) بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَلَبيّ، أبو إسماعيل الكلبيّ مولاهم،
صدوقٌ [٩].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وحسان بن نوح، وتَمّام بن نَجِيح، وجعفر بن
بُرْقان، والأوزاعي، ومُعَان بن رِفَاعَةَ، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن
مِهْرَان الجمّال، وموسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، ومحمد بن إبراهيم بن
العلاء، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأموناً، ومات
بحلب سنة مائتين.
وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أحمد بن حنبل.
وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الذهبي: تُكُلُّم فيه بلا حجة. وذكره ابن حبان
في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث
(٧٥٣): ((أن الفتيا التي كانوا يُفتون بها الماء من الماء ... )).
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت
فقيه إمام [٧] (ت١٥٧) (ع) ٢٨/٥.
٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِيٍ) المذكور في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل الإسناد الماضي، وهو عن عمير بن هانئ، عن
جنادة بن أبي أميّة، عن عبادة بن الصامت
ـه.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إلخ) الضمير للأوزاعيّ، ويحتمل أن يكون لشيخه
أحمد بن إبراهيم، يعني أنه قال في آخر متن الحديث: ((عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ،
بدل قوله: ((مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)).
[تنبيه]: لفظ رواية الأوزاعيّ ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (ج١
ص١٢٢)، فقال :
(١) بصيغة اسم الفاعل المضعّف، من التبشير.