Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥) وقال في ((القاموس)): نَفِدَ كَسَمِعَ نَفَاداً، ونَفَداً: فَنِيَ وذهبَ، وأنفده: أفناه، كاستنفده، وانتفده، ونَفِدَ القومُ: فَنِي زادُهُم، ومالُهُم. انتهى(١). (أَزْوَادُ الْقَوْم) بالرفع على الفاعليّة، و((الأَزْوَادُ)» بالفتح: جمع زادٍ، وهو طعامُ المسافر المتَّخذ لسفره (قَالَ) أبو هريرة ◌َبه (حَتَّى هَمَّ) الظاهر أن الضمير للنبيّ وَ﴾، وهو الذي يقتضيه صنيع القرطبيّ في ((المفهم))، ويكون المعنى حتى هَمَّ النبيّ ◌َ﴿ أن يأمرهم بنحر بعض حمائلهم؛ ليستعينوا بذلك على دفع الجوع، ويحتمل أن يكون الضمير للقوم باعتبار أن لفظه مفرد، ويؤيّد هذا قوله في الرواية التالية: ((قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كان هذا الهمّ من النبيّ وَّ ر بحكم النظر المصلحيّ، لا بالوحي، ألا ترى كيف عَرَض عمر بن الخطاب ظُه عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبيّ وَِّ رُجحانها، فوافقه عليها، وعمل بها(٢). (بِنَحْرِ بَعْضٍ حَمَائِلِهِمْ) يعني ما يَحمل أثقالهم، واحدتها حَمُولٌ - بفتح الحاء - ومنه قوله تعالى: ﴿حَمُولَةُ وَفَْشَا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وهي الإبل التي تُحمَل عليها الأثقال، وتُسمّى رواحل؛ لأنها يُرحل عليها، وتُسمّى نواضح إذا استُقي عليها، والبعير ناضح، والناقة ناضحة، قاله أبو عبيد(٣). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله ((حمائلهم)): رُوِيَ بالحاء المهملة، وبالجيم، وقد نَقَلَ جماعة من الشُّرّاح الوجهين، لكن اختلفوا في الراجح منهما، فممن نَقَلَ الوجهين صاحب ((التحرير))، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وغيرهما، واختار صاحب ((التحرير)) الجيم، وجزم القاضي عياض بالحاء، ولم يذكر غيرها، قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وكلاهما صحيح، فهو بالحاء جمع حَمُولة - بفتح الحاء - وهي الإبل التي تُحْمَلُ، وبالجيم جمع جِمَالة - بكسرها - جمع جَمَل، ونظيره حَجَرٌ وحِجَارة، والجمل هو الذكر، دون الناقة. هكذا نقله النوويّ(٤). (١) ((القاموس المحيط)) ص٢٩١. (٣) ((إكمال المعلم)) ٢٣١/١ و ((المفهم)) ١٩٧/١. (٤) (شرح مسلم)) ١/ ٢٢٣. (٢) ((المفهم)) ١٩٨/١. ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وعبارة ابن الصلاح: قوله: ((همّ بنحر بعض حمائلهم)) هو في الأصل الذي هو بخطّ الحافظ أبي عامر الْعَبدريّ، وفي أصل أبي القاسم الدمشقيّ: ((حمائلهم)) بالحاء المهملة محقَّقاً، ولم يذكر القاضي عياض غير هذا، وفي الأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ بالجيم، والحاء، مكتوباً عليه ((مَعاً))، وهو بالجيم (١) في ((تخريج أبي نعيم الحافظ على كتاب مسلم)) في أصل مُعتَمَد مسموع عليه، وفي حاشيته: ((الْجَمائل)): جمع الْجِمالة، وهي التي لا إناث لها . قال: وكلاهما له وجه صحيح، أما بالحاء فهو جمع ((حَمُولة)) بفتح الحاء، وهي الإبل التي تحمل، وعند أبي الْهَيْئَم اللغويّ: لا يقال في غير الإبل: حَمُولةٌ، وأما بالجيم، فهو: جمع جِمَالَة، بكسر الجيم، جمع جَمَل، ونظيره حجرٌ وحِجَارةٌ، والجَمَلُ هو الذكر دون الناقة، فيما حكاه الأزهريّ عن الفرّاء وغيره. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح(٢). وقال ابن الأثير: ((الجمائل)) جمع جَمَلَ، وقيل: جمع جِمَالَة، وجِمَالَةٌ جمع جَمَل، كرِسَالة ورَسَائل، وهو الأشبه. انتهى(٣). وقال في ((المصباح)): الْجَمَل من الإبل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، قالوا: ولا يُسمَّى بذلك إلا إذا بَزَلَ، وجمعه جِمالٌ، وأَجْمالٌ، وأَجْمُلٌ، وجِمَالَةٌ بالهاء، وجمع الجمال جمالات. انتهى. فأفاد أن الجمالة بالهاء جمع جَمَلٍ، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة ◌َظُهُ (فَقَالَ عُمَرُ) أي بعد أن أذن لهم النبيّ وَّ في أن ينحروا بعض حمائلهم (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ جَمَعْتَ) (لو)) هنا للعرض، نحو قولك: لو تَنْزِل عندنا، فتصيبَ خيراً، ويحتمل أن تكون للتمنّي، كقولك: لو تأتيني، فتحدِّثَني، أي أتمنّى ذلك، ويحتمل أن تكون للشرط، ويقدَّر جوابها ((لكان خيراً)). (١) الذي في ((مستخرج أبي نعيم)) ١٢٠/١ في النسخة المطبوعة: ((حمائلهم)) بالحاء المهملة، لا بالجيم، فليُحرَّر. (٢) ((صيانة صحيح مسلم)) ص١٧٨ - ١٧٩. (٣) ((النهاية)) ٢٩٨/١. ٥٦٣ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥) وفي الرواية التالية: ((فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلتَ قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ... )) (مَا بَقِيَ) ((ما)) اسم موصول مفعول (جَمَعتَ))، و(بَقِي)) بكسر القاف، وفتحها، والكسر لغة أكثر العرب، وبها جاء القرآن الكريم، والفتح لغة طيّء، فإنهم يُبدلون الكسرة فتحةً، فتنقلب الياء ألفاً، فيصير ((بَقَا))، وكذلك يفعلون في كلّ فعل ثلاثيّ، سواء كانت الكسرة والياء أصليّتين، نحوُ ((بَقِي))، و(نَسِيَ))، و((فَنِيَ))، أو كان ذلك عارضاً، كما لو بُني الفعل للمفعول، فيقولون في ((هُدِيَ زيدٌ))، و((بُنِيَ البيتُ)): هُدَى زيدٌ، وبُنَا البيتُ. قاله الفيّوميّ(١). (مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْم) بيان لـ((ما بقي)) (فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا) أي على الأزواد (قَالَ) أبو هريرة ◌َظُبهَ (فَفَعَلَ) أي فعل النبيّ ◌َّ ما أشار عليه عمر نظُه من جمع أزواد القوم (قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ) ((البُرّ)) بضمّ الموحّدة، وتشديد الراء: الْقَمْحُ، والواحدة: بُرّةٌ (٢) (وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ) ((التمر)) بفتح، فسكون يذكّر ويؤنّث، فيقال: هو التمر، وهي التمر، وهو من ثمر النخل، كالزبيب من الْعِنَب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد أرطابه حتى يَجِفَّ، أو يقارب، ثم يُقطَع، ويُترك في الشمس حتى بِيبَسَ، قال أبو حاتم السجستانيّ: وربّما جُدّت النخل، وهي باسرة بعد ما أَخَلَّتْ(٣)؛ ليُخفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترَكُ حتى تكون تمراً، الواحدة تمرةٌ، والجمع تُمورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ(٤). وقوله: (قَالَ) الضمير لطلحة بن مُصَرِّف، كما قاله الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ المصريّ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) يعني أن مجاهداً زاد في روايته لهذا الحديث قوله: ((وذو النواة بنواه))، ولم أجد رواية مجاهد هذه. وقوله: (وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٨/١. (٢) ((المصباح)) ص ١٤٣. (٣) أي صارت بلحاً، وهو ثمر النخل ما دام أخضر قريباً إلى الاستدارة إلى أن يغلظ النوى، وأهل البصرة يسمونه الخَلَالَ. (٤) المصدر السابق. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان هو في أصولنا وغيرها، الأول ((النواة)) بهاء التأنيث، والثاني بحذفها، فذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أن صوابه حذف تاء التأنيث في الموضعين، كما قال: ((ذو التمر بتمره))، قال ابن الصلاح: وجدته في كتاب أبي نعيم ((المخرج على صحيح مسلم)): ((ذو النوى بنواه))، بلا هاء في الكلمتين، قال: والواقع في ((كتاب مسلم)) له عندي وجه صحيح، وهو أن تُجعل ((النواة)) عبارة عن جملة من النوى، أُفْرِدت عن غيرها، فتُسمّى الجملة المفردة الواحدة باسم النواة الواحدة، كما أُطلق اسم الكلمة على القصيدة، أو تكون النواة من قبيل ما يُسْتَعمَل في الواحد والجمع بلفظ واحد من الأسماء التي فيها علامة التأنيث، نحو: الْحَنْوة، وهي نبتٌ طيّب الريح على مثال الْعَنْوَة. انتهى(١). (قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو طلحة، كسابقه (وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟) أي: أيَّ شيء يستفيدون بإحضارهم النوى (قَالَ: كَانُوا يَمَصُّونَهُ) - بفتح الميم - هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، ويقال: مَصِصْتُ الرُّمَّانة والتمر، وشبههما - بكسر الصاد - أَمَصُّهَا - بفتح الميم - وحَكَى الأزهريّ عن بعض العرب ضم الميم، وحَكَى أبو عُمَر الزاهد في ((شرح الفصيح)) عن ثعلب، عن ابن الأعرابيّ هاتين اللغتين: مَصِصْتُ - بكسر الصاد - أَمَصُّ - بفتح الميم - ومَصَصْتُ - بفتح الصاد - أَمُصُّ - بضم الميم - مَصّاً فيهما، فأنا مَاصٌّ، وهي مَمْصُوصَةٌ. وإذا أمرتَ منهما قلتَ: مَصَّ الرُّمّانةَ، ومَصِّهَا، ومُصَّهَا، ومُصِّهَا، ومُصُّهَا، فهذه خمس لغات في الأمر: فتح الميم مع الصاد، ومع كسرها، وضمّ الميم، مع فتح الصاد، ومع كسرها، وضمها، هذا كلام ثعلب، والفصيح المعروف في مُصّها ونحوه، مما يَتَّصِل به «ها» التأنيثِ لمؤنثٍ أنه يتعين فتح ما يلي الهاء، ولا يكسر، ولا يضم. قاله النوويّ في ((شرحه))(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره النوويّ هنا في الأمر من (مصّ))، من المسائل المهمة جدّاً، فينبغي أن نحقّقه بالتفصيل، فنقول: (اعلم): أنه إذا اتّصل بآخر الفعل المدغم من المجزوم وشبهه ضمير الغائبة وجب فتحه، كرُدَّهَا، ولم يَرُدّهَا، أو ضمير الغائب وجب ضمّه، کرُدُّهُ، (١) ((الصيانة)) ص١٧٩ - ١٨٠. (٢) (شرح مسلم)) ٢٢٣/١ - ٢٢٤. ٥٦٥ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥) ولم يَرُدُّهُ؛ لأن الهاء خفيّة، فلم يُعتدّ بها، فكأنّ الدال قد وليَهَا الألف والواو، وحَكَى ثعلبٌ التثليث قبل هاء الغائب، وغُلِّط في جواز الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لُغيّةٌ، سَمِعَ الأخفشُ مُدِّهِ، وغُطِّهِ، وحكى الكوفيّون التثليث قبل كل منهما . وإذا اتْصل بآخر الفعل ساكنٌ، فأكثرهم يكسره، كرُدّ القوم بالكسر؛ لأنها حركة لالتقاء الساكنين، وبنو أسد تفتحه؛ تخفيفاً، وحَكَى ابن جني ضمَّهُ؛ إتباعاً، وقد رُوي بهنّ قول جرير [من الوافر]: فَلَا كَعْباً بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا فَغُضُ الظَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ نعم الضمّ قليلٌ، ولذا أنكره في ((التسهيل)). وإن لم يتّصل الفعل بشيء من ذلك، ففيه ثلاث لغات: الفتح ؛ للخفّة مطلقاً، أي سواء كان مضموم الفاء، كرُدُ، أو مكسورها، كفِرَّ، أو مفتوحها، كعَضَّ، وهو لغة أسد وغيرهم، والكسر مطلقاً، على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، وهو لغة كعب، والإتباع لحركة الفاء، كرُدُّ بالضمّ، وفِرِّ بالكسر، وعَضَّ بالفتح، وهذا أكثر في كلامهم. ذكره الخضريّ في ((حاشيته))(١). وقد نظم بعضهم هذه القاعدة، فقال: آخِرُهُ كَـلَا تَضُرَّ أَحَدَا)» إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا فَاكْسِرْهُ مُظْلَقاً لِقَوْم وَافْتَحَا مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ يَلْقَىِّ سَاكِنَا ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أَنْ يُتْبَعَ مَا الآخَرِينَ ثُمَّ إِنَّ الْفُصَحَا يَأْتُونَ بِالْكَسْرِ كَـ«سُرِّ الْحَزَنَا)» يَلِي فَإِثْرَ ضَمِّهِ لَهُ اضْمُمَا وَبَعْدَ كَسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي وَاقْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أَوْ أَلِفِ فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَـ«لَا تُمِرُُّ)) لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ وَضَحَا إِلَّا بِنَحْوِ (مُسُّهُ)) وَ((فِرُّهُ)) وَنَحْوَ ((رُدَّهَا)) وَ((حُبَّهَا)) افْتَحَا فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابْغِ الْعِلْمَا(٢) وَنَحْوَ ((غُضِّ الظَّرْفَ)) ((عَضِّ اللَّحْمَا)) (وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) يعني: أنهم، وإن لم ينتفعوا بأكله، إلا أنه إذا (١) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ٣٢٩/٢. (٢) راجع: ((الفتح الودوديّ في حاشية المكوديّ)) ٨٣٩/٢. ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مُصّ جلب العطش، فشربوا الماء، وتقوَّوا بذلك (قَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي هريرة ◌َُّبه (فَدَعَا عَلَيْهَا) أي دعا رسول الله بَّله على ما أتوا به من بقيّة الأزواد (حَتَى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ) غاية لمحذوف، أي فأمرهم بالأخذ منها، فأخذوا حتى ملؤوا أزودتهم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا الرواية - ((أزودتهم)) - وصوابه مزاودهم، فإنها هي التي تُمْلأُ بالأزودة، وهي جمع زاد، فسمّي المزاد أزودةً باسمها؛ لأنها تُجعل فيها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وقد عبّر عنها في الرواية الأخرى بالأوعية. انتھی(١). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: ((أزودتهم)) كذا الرواية فيه في جميع أصول شيوخنا، و((الأزودة)) غير الأوعية، كما قال في الحديث الآخر: ((أوعيتهم))، ولعلّه ((مَزَاودهم))، أو سمّى الأوعية بما فيها، كما سُمِّيت الأسقية ((رَوَايَا)) بحامليها، وإنما الرَّوَايَا الإبلُ التي تحملها، وسُمّيت النساء ظعائن باسم الهودج التي حُمِلت فيها. انتهى (٢). وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: ((الأَزْوِدَة: جمع زاد، وهي لا تُمْلأُ، إنما تُمْلأُ بها أوعيتُهَا، قال: ووجهه عندي أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهل القرية، وبلغنا عن ابن جني أن في القرآن العظيم زُهاء ألف موضع فيه حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه، أو يكون ذلك من قبيل المقلوب الذي من أمثلته قول الشاعر [من الكامل]: كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ كَمَا كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ وليس هذا مخصوصاً بضرورة الشعر، كما زعم ابن قتيبة، بل من عادات العرب قلبهم الكلام عند اتّضاح المعنى توسّعاً في فُنون المخاطبات، ومما ذكروا من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: بلغت الكبر. (١) ((المفهم)) ١٩٨/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٢٩/١ - ٢٣٠. ٥٦٧ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥) قال: فاعلم ذلك، فإنه حرف مشكلٌ، لم أرهم شرحوه إلا ما كان من القاضي عياض، فإنه ذكر فيه أنه يحتمل أنه سَمَّى الأوعية بما فيها، كما سُمّيت الأسقية رَوَايَا بحاملها، وإنما الروايا الإبل التي تحملها، وسُمِّيت النساء ظعائن باسم الْهَوَادج التي حُمِلت فيها، وما قاله غير مسلَّم، وتسمية رَوَايَا من توليد العامّة، والأمر في الظعائن على العكس مما ذكره، فإن صفة الظَّعْن للنساء بالأصالة. انتهى كلام ابن الصلاح(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب ابن الصلاح على القاضي عياض فيه نظر لا يخفى، فإن ما قاله قد أثبته أهل اللغة، فراجع ((القاموس))، و((شرحه))، و((لسان العرب)). والحاصل أن تأويل القاضي ليس ببعيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة ◌َظُه (فَقَالَ) وَيِّ (عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند معاينته ظهور البركة على ما دعا فيه بالبركة من بقيّة الأزواد ((أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بكلمتي الشهادة المذكورتين (عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكَ فِيهِمَا) بنصب ((غير)) على الحال (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ))). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من لَقِي الله تعالى، وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ولا يدخل النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي الله تعالى بريئاً من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة، ولم يَتُبْ منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعيّ أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقبضة يَقْبِضُهَا الله تعالى التي وردت في الحديث الصحيح كما سيأتي في أحاديث الشفاعة - إن شاء الله تعالى - أو بما شاء الله تعالى، فدلّ ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره، فيتعيّن تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان: [أحدهما]: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من (١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص ١٨٠ - ١٨١. ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أهل الكبائر، ممن يشاء الله تعالى أن يَغْفِر له؛ ابتداءً من غير توبة كانت منهم، ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا على مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافاً للمبتدعة المانعين تفضّل الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردودٌ بالأدلّة العقليّة والنقليّة. [وثانيهما]: أنهم لا يُحجبون عن الجنّة بعد الخروج من النار، وتكون فائدته الإخبار بخلود كلّ من دخل الجنة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها. انتهى(١). وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى(٢) . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا (١٤٥/١٠) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر عن أبي النضر، عن عُبيد الله الأشجعيّ، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف، عن أبي صالح، عنه. وفي (١٤٦/١٠) عن سهل بن عثمان، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد (شكّ الأعمش). (والنسائيّ) في ((السير)) من ((الكبرى)) (٨٧٩٤) عن أبي بكر بن أبي النضر به، (ح) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن عبد الله، عن عبد العزيز، عن سهيل بن أبي صالح - (ح) عن أحمد بن سليمان، عن قتادة بن الفُضَيل، عن الأعمش - كلاهما عن أبي صالح عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُته. (١) ((المفهم)) ١٩٩/١ - ٢٠٠. (٢) أي عن البخاريّ رحمه الله تعالى. ٥٦٩ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥) و(٨٧٩٥) عن موسى بن عبد الرحمن الْمَسروقيّ، عن أبي أسامة، عن مالك بن مِغْول، عن طلحة، عن أبي صالح: ((بينما النبيّ وَّر ... ))، فذكره مرسلاً، ولم يذكر أبا هريرة ظه. و(أحمد) ٤٢١/٢ و١١/٣، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣١ و١٣٢) و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣ و١٤ و١٥ و١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان استدراك الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على إسناد هذا الحديث. (اعلم): أن هذا الإسناد، والإسناد الذي بعده مما استدركه الدارقطنيّ رحمه الله تعالى، وعَلَّله: فأما الأول فعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عُبيدَ الله الأشجعيّ فرووه عن مالك بن مِغْوَل عن طلحة، عن أبي صالح مرسلاً . وأما الثاني فعلله؛ لكونه اختُلِف فيه عن الأعمش، فقيل فيه أيضاً عنه عن أبي صالح، عن جابر، وكان الأعمش يَشُكّ فيه. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذان الاستدراكان من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على البخاريّ ومسلم قَدْحٌ في أسانيدهما غير مُخْرِج لمتون الأحاديث من حَيِّز الصحة، وقد ذكر في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الحافظ فيما أجاب الدارقطنيّ عن استدراكاته على مسلم رحمه الله تعالى أن الأشجعيّ ثقةٌ مُجَوِّدٌ، فإذا جَوَّدَ ما قَصَّر فيه غيره حُكِمَ له به، ومع ذلك فالحديث له أصلٌ ثابتٌ عن رسول الله وَّه برواية الأعمش له مُسنَداً، وبرواية يزيد بن أبي عُبيد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، عن سلمة رقپه . قال الشيخ: رواه البخاريّ، عن سلمة ظُه عن رسول الله وَله. وأما شَكُّ الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث، فإنه شَكٍّ في عين الصحابيّ الراوي له، وذلك غير قادح؛ لأن الصحابة ﴿ه كلهم عدولٌ. انتهى كلامُ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى(١). (١) ((صيانة صحيح مسلم)) ص١٧٦ - ١٧٨. ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال النوويّ رحمه الله تعالى - بعد ذكر كلام ابن الصلاح -: وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحد منهما، أمّا الأول، فلأنا قدّمنا في الفصول السابقة أن الحديث الذي رواه بعض الثقات موصولاً، وبعضهم مرسلاً، فالصحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحققون من المحدثين، أن الحكم لرواية الوصل، سواء كان راويها أقلّ عدداً من رواية الإرسال، أو مساوياً؛ لأنها زيادة ثقة، فهذا موجودٌ هنا، وهو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ جَوَّد، وحَفِظَ ما قَصَّر فيه غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن الحكم للوصل مطلقاً، ليس مذهب المحقّقين من أهل الحديث، فإنهم إنما يحكمون على ما يظهر لهم من القرائن، فربّما حكموا للوصل، وربّما حكموا للإرسال، فليست المسألة تدخل تحت ضابط كليّ، بل لهم في كلّ سند دراسة خاصّة، كما أسلفنا تحقيق ذلك فيما سبق من ((شرح المقدّمة))، فراجعه تستفد(١)، والله تعالى وليّ التوفيق. وأما الثاني فلأنهم قالوا: إذا قال الراوي: حَدَّثني فلان أو فلان، وهما ثقتان احتُجَّ به بلا خلاف؛ لأن المقصود الرواية عن ثقة مُسَمَّى، وقد حَصَلَ، وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغداديّ في ((الكفاية))، وذكرها غيره، وهذا في غير الصحابة، ففي الصحابة أولى؛ فإنهم كُلَّهم عُدُولٌ، فلا غَرَضَ في تعيين الرواي منهم. انتهى (٢). وإلى القاعدة أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)) بقوله: هَذَا ((لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا وَمَنْ يَقُلْ ((أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَوْ بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا لَا تَقْبَلِ فَإِنْ يَقُلْ ((أَوْ غَيْرُهُ) أَوْ يُجْهَلِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعاً، وهذا هو الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده في هذا المحلّ. (١) راجع: ((شرح المقدّمة)) ٣٦٢/١ - ٣٦٦. (٢) ((شرح مسلم)) ٢٢٢/١. ٥٧١ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥) ٢ - (ومنها): أن في هَمِّ النبيّ ◌َ﴿ بذبح بعض حمائلهم بيانَ مراعاة المصالح، وتقديم الأهمّ فالأهمّ، وارتكاب أخفّ الضررين؛ لدفع أشدّهما . ٣ - (ومنها): أن في قول عمر رَظ ◌ُله: لو جمعتَ ما بقي من أزواد القوم إلخ))، بيانَ جواز عَرْض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحةً؛ لينظر الفاضل فيه، فإن ظَهَرت له مصلحةٌ فعله. ٤ - (ومنها): جوازُ خَلْط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين، وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نصّ العلماء على أن ذلك سنة، ◌ُّ في جمعهم الأزواد إذا قلّت، وهو نظير مدح النبيّ ◌َّ للأشعريين وتقاسمهم إياها بالسويّة، فقد أخرج الشيخان في ((صحيحيهما)) من حديث أبي موسى الأشعريّ ظُه قال: قال النبي وَله: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قَلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جَمَعُوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منيّ، وأنا منهم)) (١). ٥ - (ومنها): أنّ فيه عَلَماً من أعلام النبوة الظاهرة، وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي بها، وقد جمعها العلماء، وصَنَّفُوا فيها كُتُباً مشهورة. قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر؛ الترادف الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب، ومن رواه من الصحابة، ومن حَمَلَهُ عنهم من التابعين في ((باب معجزات نبيّا وَ﴿)) من كتابنا المسمَّى بـ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى(وَلَ)). ولأن هذا الحديث ومثله إذا رواه الصحابيّ الواحد، وذكره عن المواطن المشهورة، والغزوات المحضورة، والجموع الْحَفِلَة، وحدّث به عنهم بما شاهدوه، وجرى بحضرته، وهم غير منكرين، ولا مكذّبين، مع أنهم الملأ لا يقرّون على منكر، ولا يُداهنون في غير الحقّ، كان إقرارهم على خبره، وسكوتهم على ما حدّث به عن ملئهم كالنطق، ولَحِقَ خبره، وإن كان واحداً بخبر التواتر الصدق. انتهى (٢). (١) راجع: ((المفهم)) ١٩٨/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٣١/١ - ٢٣٢. ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٦ - (ومنها): أن فيه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه، وإخراجه عن أيديهم إلا بإذن الإمام؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم في أسلحتهم، وجميع ما يحتاجون إليه في غزوهم(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٦] (٢٨) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ جَمِيعاً، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - شََكَ الْأَعْمَشُ - قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوَكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا، فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((افْعَلُوا))، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللّهَ لَهِمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((نَعَمْ))، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعِ، فَبَسطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِي ءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ وَّهِ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ))، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءَّ إِلَّا مَلَؤُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّا اللّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللّهِ، لَا يَلْقَى اللّهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٌَّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةٍ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكنديّ، أبو مسعود العَسگريّ، نزیل الرَّيِّ، ثقةٌ، حافظ، له غرائب [١٠] (ت٢٣٥) (م) ١٢٠/٥. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) ١١٦/٤. (١) المصدر السابق. ٥٧٣ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٦) ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) ١١٦/٤. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ قارئ يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٠٢/١. ٥ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمان الزيات المذكور في السند الماضي. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةً) ◌َبه المذكور في السند الماضي. ٧ (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًَّا، تقدم في ((شرح المقدّمة)) ٢/ ٤٧٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه الأول، فمن أفراده، وأما شيخه الثاني فمن المشايخ التسعة الذين اشترك في الرواية عنهم أصحاب الكتب الستة دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي كريب، وأما سهل، فرازيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قولَه: ((قال أبو كريب: حدّثنا إلخ)) ومعناه أن أبا كريب صرّح بتحديث أبي معاوية له مع الجماعة، بخلاف سهل، فلم يُصرّح به، وهذا من احتياطات المصنّف، ومحافظته على ألفاظ الشيوخ، وقد سبق مثله غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى لأحاديث الأعمش، والأعمش أكثر الرواية عن أبي صالح، فقد روى عنه ألف حديث، وأبو صالح من أكثر أصحاب أبي هريرة ر﴿به روايةً عنه. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن أبا هريرة، وأبا سعيد ◌ًا من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: ١٤٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َظُّهَ (شَكَ الْأَعْمَشُ) أي في كون الحديث من مسند أبي هريرة، أو ٥٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان من مسند أبي سعيد الخدريّ، ولكن هذا الشكّ لا يضرّ، كما مرّ إيضاحه في المسألة الثالثة من مسائل الحديث الماضي (قَالَ) أبو هريرة، أو أبو سعيد (لَمَّا كَانَ) تامّة بمعنى جاء ووقع، فلا تحتاج إلى خبر، بل تكتفي بمرفوعها، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وقال الحريريّ في ((مُلحة الإعراب)): وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمٍ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ (غَزْوَةُ تَبُولَكَ)، هكذا في معظم النسخ، ووقع في بعض النسخ: ((لَمّا كان وقت غزوة تبوك))، بزيادة لفظة ((وقت))، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه ((يوم غزوة تبوك))، والمراد باليوم هنا الوقت والزمان، لا اليوم الذي هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وليس في كثير من الأصول، أو أكثرها ذكر اليوم هنا. انتهى. و ((الْغَزْوَةُ)) - بفتح، فسكون - والجمع غَزَوات، مثلُ شَهْوَةٍ وَشَهَوَات، قال ابن الأثير: الْغَزْوَةُ: المرّة من الْغَزْوِ، والاسمُ الْغَزَاءُ - أي بفتحتين - وجمع الغازي: غُزَاةٌ، وغُزَّى، وغَزِيٌّ، وغُزّاءٌ، كقُضَاةٍ، وسُبَّقٍ، وحَجِيجٍ، وفُسّاقٍ، وأغزيتُ فلاناً: إذا جهّزته للغزو، والْمَغْزَى والْمَغْزَاةُ: موضع الْغَزْوَ، وقد يكون الغَزْوُ نفسه. انتهى(١). و ((تَبُوك)) - بفتح التاء، وضمّ الباء - هي طرف الشام، من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة نحو أربعة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً، وكانت غزوة النبيّ ◌َّر تبوك سنة تسع من الهجرة، ومنها راسل عظماء الروم، وجاء إليه وَ﴿ من جاء، وهي آخر غزواته بنفسه، قال الأزهريّ: أقام النبيّ ◌َه بتبوك بضعة عشر يوماً، والمشهور ترك صرف تبوك؛ للتأنيث والعلميّة، قاله النوويّ في ((تهذيبه))(٢). وقال الفيّوميّ: بَاكَ الحمارُ الأَتَانَ يَبُوكَهَا بَوْكاً: نَزَا عليها، وباكتِ الناقةُ (١) ((النهاية)) ٣٦٦/٣. (٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٤٣/٣. ٥٧٥ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٦) تَبُوكُ بَوْكاً: سَمِنَت، فهي بائك، بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غَزْوة تبوك؛ لأن النبيّ ◌َّ غَزَاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية من البُؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة تبوك بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريب من مدين الذين بعثَ اللهُ تعالى إليهم شعيباً عَلَّة. انتهى(١). وذكر المرتضى في ((التاج)) أنه اختلف في وزن تبوك، ووجه تسميتها، قال الأزهريّ: فإن كانت التاء أصليّةً، فلا أدري مم اشتقاق تبوك، وإن كانت للتأنيث في المضارع، فهي من باكت تبوك، ثم قال: وقد يكون تبوك على تَفْعول. انتھی(٢). [تنبيه]: قيل: سبب غزوة تبوك هو ما رواه البيهقي في ((دلائل النبوّة)) عن الحاكم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطَارديّ، عن يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، أن اليهود أتوا رسول الله وَله يوماً فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقاً أنك نبيّ، فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فَصَدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله آيات من سورة بني إسرائيل، بعد ما خُتِمَت السورة: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦] إلى قوله: ﴿تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧]، فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: ((فيها محياك ومماتك، ومنها تُبْعَث)). قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبيّ وَّ لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَى يُعْطُوا [التوبة: ٢٩]، وغزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ ممن قَتَلَ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (١) ((المصباح المنير)) ٦٦/١. (٢) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ١١٣/٧. ٥٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أهلُ مؤتة من أصحابه، والله أعلم، ولو صَحَّ هذا لَحُمِل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة ظ به قال: قال رسول الله وسلم: ((أُنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام))، قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس. انتهى كلام ابن كثير (١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. (أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ) - بفتح الميم، وتخفيف الجيم -: هو الجوع الشديد (قَالُوا) أي الصحابة الذين معه في الغزو، قال سبط ابن الْعَجَميّ في ((التنبيه)): لا أعرف أعيانهم، انتهى (٢) (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا) بكسر الذال، يقال: أَذِنتُ له في كذا، من باب عَلِمَ: إذا أطلقت له فعله(٣). وقولهم: ((لو أذنت لنا))، من أحسن آداب خطاب الكبار، والسؤال منهم، فيقال: لو فعلتَ كذا، أو أمرت بكذا، أو لو أَذِنت في كذا، وأشرت بكذا، ومعناه لكان خيراً، أو لكان صواباً، ورأياً متيناً، أو مصلحةً ظاهرة، وما أشبه هذا، فهذا أجملُ من قولهم للكبير: افْعَلْ كذا بصيغة الأمر. وفيه أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الْغُزَاة أن يُضَيِّعُوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحةً، أو خاف مفسدةً ظاهرةً. والله تعالى أعلم (٤). (فَتَحَرْنَا نَوَاضِحَتَا) النواضحُ: من الإبل التي يُسْتَقَى عليها، قال أبو عبيد: الذَّكَر منها ناضح، والأُنثى ناضحة، وقال الفيّوميّ: ونَضَحَ البعير الماءَ: حمله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضحٌ، والأنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحاً؛ لأنه يَنْضَحُ العطشَ، أي يَبُلُّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء، والجمع نواضح. انتهى (٥). (١) ((تفسير ابن كثير)) ٥٤/٣. (٢) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) ص٥٣. (٣) راجع: ((المصباح)) ٩/١. (٥) ((المصباح المنير)) ٦٠٩/٢ - ٦١٠. (٤) ((شرح النووي)) ٢٢٥/١. ٥٧٧ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٦) (فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا) قال صاحب ((التحرير)): ليس مقصودهم ما هو المعروف من الادِّهَان، وإنما معناه اتَّخَذنا دُهْناً من شُحُومها. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ ((افْعَلُوا))) أي انحروا نواضحكم، فكلوا، وادّهنوا (قَالَ) الراوي، أبو هريرة، أو أبو سعيد (فَجَاءَ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َظُه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ)، أي: إن أذنت لهم فيما طلبوه من نحر نواضحهم (قَلَّ الظَّهْرُ)، قال في ((اللسان)): ((الظّهْرُ)): الرِّكَاب التي تَحْمِل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظهورها، وبنو فلان مُظْهِرُون، إذا كان لهم ظَهْرٌ ينقلون عليه، كما يقال: مُنجِبون، إذا كانوا أصحاب نَجَائب، وقال أيضاً: ((الظّهْرُ)) الإبل التي يُحْمَلُ عليها ويُركَب، يقال: عند فلان ظَهْرٌ: أي إبل، ويُجمع على ظُهْرَان بالضمّ. انتهى باختصار(١). وقال النوويّ في ((شرحه)): المراد بـ((الظَّهْرِ)) هنا: الدَّوَابُ، سُمِّيت ظهراً؛ لكونها يُركَبُ على ظهرها، أو لكونها يُستَظهر، ويستعان بها على السفر. وفيه جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء، وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه، إذا ظهرت مصلحته عنده، وأن يشير عليه بإبطال ما أَمَرُوا بفعله(٢). (وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ)، أي مرهم بأن يأتوا بما فَضَل من أزوادهم (ثُمَّ ادْعُ اللهَ) تعالى (لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ) أصل البركة: كثرةُ الخير، وثبوته، وتبارك الله: ثبت الخير عنده، وقيل: غير ذلك (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ) هكذا وقع في الأصول التي رأيناها، وفيه محذوف تقديره: ((يَجْعَلُ في ذلك بركةً، أو خيراً، أو نحو ذلك))، فحذف المفعول به؛ لأنه فضلة، كما قال في ((الخلاصة»: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (نَعَمْ))) تقدّم أنها للتصديق، إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، وللوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم، ونحو كلام عمر نظُّّه هنا؛ إذ قوله: ((ادعهم بفضل أزوادهم)) طلبٌ، والطلب (١) ((لسان العرب)) ٤/ ٥٢٢. (٢) ((شرح مسلم)) ٢٢٥/١. ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مستقبل، فيكون قوله وَله: ((نعم)) وعداً منه بأن يدعوهم إلى ذلك. (قَالَ) الراوي (فَدَعَا) بَّرِ (بِنِطَع) فيه أربع لغات مشهورة: أشهرُها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية فتحهمًا، والثالثة فتح النون مع إسكان الطاء، والرابعة كسر النون مع إسكان الطاء، وهو الْمُتَّخذ من الأَدِيم معروف، والجمع: أَنْطَاعِ، ونُطُوعُ(١). (فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ) الراوي (فَجَعَلَ) أي شرع (الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ) أي بمقدار ما يملأ كفّه، وفيه إشارة إلى قلّته، و((الذّرَة)) بضم الذال المعجمة، وفتح الراء المخفّفة: حبّ معروف، ولامها محذوفة، والأصل ذُرَوْ، أي ذُرَيٌّ، فحُذِفت اللام، وعُوِّضَ عنها الهاء، قاله في ((المصباح)) (قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفٍّ تَمْرٍ) تقدّم ضبطها ومعناها في الحديث الماضي (قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ) بكسر فسكون: القطعة من الخبز، جمعه كِسَرٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ (حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النَّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ) أي قليل (قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ وَلِ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ) أي بأنَ يزداد حتى يكفي الجميع (ثُمَّ قَالَ) ◌َّ: ((خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ) جمع وعاء بالكسر: ما يُوعَى، أي يُجمع فيه الشيءُ (قَالَ) الراوي (فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا) نافية (تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ) بفتح، فسكون: الجيش، قال الْجُوَاليقيُّ: فارسيّ مُعَرَّب (وِعَاءَ إِلَّ مَلَئُوهُ، قَالَ) الراوي (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا) بكسر الموحّدة (وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ) يقال: فَضَلَ، وفَضِلَ - بكسر الضاد، وفتحها - لغتان مشهورتان، قال في ((المصباح)): فَضَلَ فَضْلاً، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ، من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنّها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم: نَعِمَ يَنْعُمُ، وَنَكِلَ يَنْكُلُ، وفي المعتلّ: دِمْتَ تَدُوم، ومِتَّ تَمُوتُ. انتهى(٢). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّةِ) اعترافاً بفضل الله تعالى، وبياناً للناس أنه بمحض فضله، وأنه لا دخل له في ذلك، وإنما هو رسول مبلّغ عن الله ◌ُعَال، فاستجاب الله تعالى دعوته، وأنزل له البركة في ذلك الطعام تصديقاً لكونه (١) راجع: ((المصباح)) ٦١١/٢ و((شرح النووي)) ٢٢٥/١. (٢) ((المصباح)) ٤٧٥/٢. ٥٧٩ (١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٧) رسوله بالحقّ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بهاتين الكلمتين (عَبْدٌ) حال كونه (غَيْرَ شَاك) في مدلولهما (فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه بنصب ((يُحجب))، ورفعه، فالنصب بإضمار ((أن)) بعد الفاء في جواب النفي، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وهذا الوجه هو الأظهر، والأجود، وفي الرفع إشكالٌ؛ لأنه يرتفع على أن يكون خبراً لمبتدإ محذوف، تقديره: فهو يُحجب، وهو نقيض المقصود، فلا يستقيم المعنى حتى يقدّر ((لا)) النافية، أي: فهو لا يحجب، ولا تُحذف ((لا)) النافية في مثل هذا. انتهى (١). وتخريج الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به تقدّما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٧] (٢٩) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِم - عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٍّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللّهُ مِنْ أَِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءً))). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) - بضم الراء مصغراً - الهاشميّ مولاهم، أبو الفضل الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]. رَوَى عن هشيم، والوليد بن مسلم، ومُعَمَّر بن سليمان، ويحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن علية، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم. (١) ((المفهم)) ١٩٨/١ - ١٩٩ بزيادة. ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى له البخاريّ حديثاً في فضل العتق، والنسائي آخرَ بواسطة صاعقة، وأحمد بن عليّ المروزيّ، ورَوَى عنه البخاريّ في غير ((الجامع)) بلا واسطة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عبيد الله بن الْمُنَادي، وغيرهم. قال صالح بن محمد: كان يحيى بن معين يوثّقه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطيّ: ثقة نَبِيل، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في سنة (٢٣٩)، زاد غيرهما في شعبان، وهو قول الكلاباذيّ تبعاً للبخاريّ في ((تاريخه))، وكذا قال السَّرّاج، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاريّ وغيره، مات بعدما عَمِيَ، وَهِمَ ابن حزم، فقال إِثْرَ حديث أخرجه من روايته في ((كتاب الحدود)) من ((الايصال)): داود بن رُشَيد ضعيف. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) الْقُرَشِيُّ(١)، مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو العبّاس الدِّمَشقيَّ، ثقة، عالم الشام، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨]. رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والأوزاعيّ، وابن جريج، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، والثوريّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وثور بن يزيد، وحنظلة بن أبي سفيان، وبكر بن مُضَر، وإسماعيل بن رافع، وغيرهم. وروى عنه الليث بن سعد، وهو من شيوخه، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن وهب، وهما من أقرانه، والْحُمَيديّ، وسليمان بن عبد الرحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المدينيّ، وأبو خيثمة، وداود بن رُشيد، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال حماد كاتِبُهُ عنه: جالست ابن جابر سبع عشرة سنة، وعنه قال: كنت إذا أردت أن أسمع من شيخ، سألت عنه الأوزاعيَّ، وسعيد بن عبد العزيز، وقال الفضل بن زياد، عن (١) بالقاف والشين، ويقال له: الفَرَسِيّ بالفاء والسين المهملة.